تسجيل الدخول

ألكسندر ونت

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

 

الاسم الكامل

ألكسندر ونت

تاريخ الميلاد

12 حزيران/ يونيو 1958

مكان الميلاد

ماينتس، ألمانيا الغربية

الجنسية

أميركي

المهنة

عالِم سياسة، منظّر في العلاقات الدولية، أكاديمي، أستاذ جامعي

التيار

البنائية


ألكسندر ونت (Alexander Wendt، 1958)، عالم سياسة أميركي من أصل ألماني، ومنظِّر في حقل العلاقات الدولية (International relations)، له إسهامات في تطوير نسخة من المقاربة البنائية الاجتماعية {{البنائية الاجتماعية: مقاربة ترى أن الواقع والمعرفة والهويات تتشكل تاريخيًّا من خلال عوامل اجتماعية، كالتفاعل واللغة والمعايير والقوة، وليست معطاة مسبقًا. أي أن معاني الأشياء تنتج اجتماعيًّا وتتغير بحسب السياق التي هي فيه، فتشكِّل المؤسسات والخطابات ما يعد طبيعيًّا وعقلانيًّا.}} (Social constructivism) صارت سائدة في الحقل، وأسهم أيضًا في إثارة نقاش حول جدوى إقحام الفيزياء الكمومية (الكوانتم، Quantum physics) في دراسة العلوم الاجتماعية. كان لإسهاماته أثر بالغ في حقل العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية، من مناحٍ عديدة توفيقية ونقدية. وقد كانت إسهاماته، بدورها، متأثرةً بظروفٍ ذاتية وسياقاتٍ علمية. وكانت كتاباته، وما تزال، محطَّ إشكالٍ عند مختلف تيارات الحقل؛ سواء التيار السائد الوضعي {{التيار السائد الوضعي: موقف معرفي يرى أن العلم التجريبي هو المصدر الموثوق للمعرفة، حيث يكون التفسير قائمًا على الملاحظة والقياس وصياغة قوانين قابلة للاختبار، مع فصل الوقائع عن القيم. فهو ينبذ ويرفض الميتافيزيقا والتأملات النظرية التي لا تستند إلى وقائع يمكن التحقق منها.}} (Positivism) أو النقديين ما بعد الوضعيين {{النقديون ما بعد الوضعيين: موقف معرفي يرى أنه ليست هناك معرفة يقينية نهائية، حيث إن الواقع موجود، لكن فهمنا له ناقص؛ لأنه متأثر بأفكارنها وقيمنا، ولذلك نستخدم طرق متعددة ونجمع الأدلة لفهم الأسباب في سياقها، ونراجع النتائج نقديًّا.}} (Post-Positivism).

وقد انعكست تجارب ونت الشخصية على مسيرته العلمية؛ فتنقّلاته المستمرة منذ الصغر من بلدٍ إلى آخر أكسبته شعورًا بالاغتراب، انعكس على إحساسه بالانعزال في البيئة الأكاديمية عمومًا وفي حقله المعرفي تحديدًا. وقد حاول ونت إسقاطَ معضلته الشخصية (كيفية انتماء الفرد إلى الجماعة والجزء إلى الكل) على مجال دراسته العلمية؛ ولذلك كان تحليل طبيعة العلاقة بين الفاعل والبنية هو الخيط الناظم لجميع إسهاماته. وهكذا، كانت خياراته المنهجية، بل ومواقفه النظرية وزوايا نظره للظواهر الاجتماعية والسياسية، منبثقة عن تجارب طفولته وخبراته النفسية.

كانت أولى مقالات ونت الأكاديمية بعنوان "مسألة الفاعل-البنية في نظرية العلاقات الدولية"، ونُشرت في عام 1987. وبالنظر إلى ما تلاها من أعمال، يمكن القول بأنه كان يحاول في كل كتاباته الأخرى "أن يكتب هذه المقالة من جديد، ولكن من زوايا نظر مختلفة؛ لعله يجد بين طيّات هذه الزوايا حلًّا قويمًا لتلك الإشكالية"، على حد تعبيره.

ومن أبرز أعماله في هذا الصدد كتابُه النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية، وقد سعى من خلاله إلى تبرير رؤيته الكُلّانية (Holistic) للبنائية في العلاقات الدولية، فمن خلال الاستناد إلى محادثات زملائه البنائيين في جامعة مينيسوتا، ونصائح أساتذته وطلابه، وما سبق أن قدَّمه في مقالاته وأطروحاته السابقة، طوَّر ونت في كتابه - بلغةٍ واضحة وأسلوبٍ مباشر - نظريةً للنظام الدولي بوصفه بناءً اجتماعيًّا. وينبني الكتاب على مبدأين أساسيين: أولهما التركيز على الأفكار البين-ذاتية بوصفها أساسًا للبنى الإنسانية، وثانيهما أن مصالح الفاعلين وهوياتهم تُبنى من خلال هذه الأفكار.

في عام 2015 تخلَّى ونت في كتابه العقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية عن المجتمع البنائي الذي يألَفه في حقل العلاقات الدولية، وانطلق برحلة مجهولة إلى حقول أخرى لم يطرقها باحثو الحقل سابقًا. إذ يقدم في هذا الكتاب رهانًا معرفيًّا يتحدى إطارَ الفيزياء الكلاسيكية السائد ليس فقط في العلاقات الدولية، بل في العلوم الاجتماعية كافة، معتقدًا أن الفيزياء الكمومية (الكوانتية) قادرة على تقديم تفسيرات مهمة للسلوك الإنساني.

على صعيدٍ آخر، اهتم ونت بمسألة الأجسام الطائرة المجهولة {{الأجسام الطائرة المجهولة: تسمية لأي ظاهرة جوية تُرصَد ولا تُعرَف هويتها فورًا. غالبها يُفسَّر لاحقًا بمناطيد/ طائرات/ ظواهر فلكية أو أخطاء رصد، ويبقى قليل منها بلا تفسير لقصور المعطيات.}} (Unidentified flying objects – UFOs)، متجاوزًا الانبهار بالاحتمالات الممكنة؛ ونشر مع مشرفه الأكاديمي في مرحلة الدكتوراه مقالةً بعنوان "السيادة والأجسام الطائرة المجهولة". رأى الباحثان في هذه المقالة أن السيادة البشرية تعد "الحس السليم" (Common sense) الذي يقتضي قوةً وعنفًا وولاءً مجتمعيًّا من أجل تحقيق المشاريع السياسية، وأن أي تحدٍّ للسيادة يُعدّ تحديًا لأسس الحكم الحديث، ما يعني أن الباحثين سعيا إلى تسليط الضوء على الأسباب الكامنة خلف تجاهل المجتمع العلمي البحثَ في الأجسام الطائرة، وغياب أي حافز للمضيّ قُدمًا بدراسات منهجية وموضوعية لها.

وأخيرًا، نشر ونت مقالة عن حتمية "الدولة العالمية"، اقترح فيها نظريةً غائية عن منطق الفوضى والتحول إلى دولة عالمية (World state) تتجاوز المنظور النيوتني (Newtonian). في السببية لتسليط الضوء على القيمة المضافة التي يقدمها المنظور الأرسطي للسببية. فعلى الرغم من تبنّي ما بعد الحداثيين منظورًا تأسيسيًّا للسببية يحيلهم إلى فهم الظاهرة، فإنهم يميلون مثل الوضعيين للاعتقاد بأن التفسيرات "الغائية" غير شرعية، ومن هنا يدافع ونت عن نموذج تعددي للسببية، يُعطي تفسيرًا شاملًا للظواهر، عبر الارتكاز على أنواع السببية الأربعة في النهج الأرسطي: السببية الفعّالة، والسببية المادية، والسببية الصورية، والسببية الغائية، ما يعني أن ونت يتجاوز التوصيفَ الوالتزي (Waltzian) للفوضى الذي تتمحور غايته حول الأمن المادي، لصالح المفهوم الغائي للفوضى بوصفها صراعًا من أجل الاعتراف، يتولد عنه "تصاعديًّا" دولة عالمية.

سيرته

وُلِد ألكسندر ونت في مدينة ماينتس (Mainz) في ألمانيا الغربية. في 12 حزيران/ يونيو 1958. وهو ابن لأكاديمي ألماني عمل أستاذًا جامعيًّا في حقل علم النفس. هاجرت عائلته في عام 1960 إلى الولايات المتحدة الأميركية، وكان يبلغ حينها من العمر عامَين. كانت والدته مارثا تتحدث الإنكليزية، في حين كان والده يتحدث الألمانية، وذلك إلى أن بلغ ألكسندر الثالثة، وقد قرر آنذاك والده أن تصير الإنكليزية، حصرًا، اللغة المحكية في بيتهم[1]. وحينما التحق ونت بمدرسة سانت بول الثانوية في ولاية مينيسوتا (Minnesota)، أقصى شمال الولايات المتحدة، بدأ يتعلَّم الألمانية من جديد، وكل ما تبقى منها في ذاكرته اليوم، "هو مجرد لكنة جيدة! حسب رأي [والده]"[2]. قضى ونت فترة طفولته ومراهقته في التنقل والترحال بين البلدان؛ ففي غضون 12 عامًا سبقت دراسته الجامعية، التحق ونت بتسع مدارس في ثلاثة بلدان مختلفة؛ ونتيجة لذلك، كان عاجزًا عن الاندماج بعمق في المجتمعات التي تنقل بينها؛ إذ كان يكوِّن بعض الصداقات ثم تنتهي بارتحاله، وهكذا ظل وحيدًا و"غريبًا" (Outsider)، ولم يحظَ قطّ بشعور الانتماء[3].

في عام 1982 حاز ونت درجة البكالوريوس من كلية ماكاليستر {{كلية ماكاليستر: كلية خاصة في مدينة سانت باول بولاية مينيسوتا في الولايات المتحدة الأميركية، تأسست في عام 1874. تشتهر الكلية بالتركيز على الشؤون الدولية والعدالة الاجتماعية، وتبرز فيها برامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية.}} (Macalester College) في مدينة سانت بول (Saint Paul)، بولاية مينيسوتا، بتخصص رئيس في العلوم السياسية وتخصص فرعي في الفلسفة. في البداية التحق ونت ببرنامج الفلسفة؛ وذلك بسبب اهتمامه الشديد بالفلسفة الشرقيةالبوذية، والهندوسية، والطاوية. ولكنه بحسب قوله كان "فيلسوفًا من الدرجة الثانية"؛ الأمر الذي حدا به إلى اتخاذ قرار براغماتي بالانتقال إلى برنامج العلوم السياسية، بعد أن نال درجات عالية في مقررات البرنامج، إلا أنه ورغم التحاق ونت بالعلوم السياسية، فقد ظلَّ أسيرَ الفلسفة، وصار يقارب الحقل الجديد من منظور فلسفي، إضافة إلى أنه منذ السابعة من عمره كان شغوفًا بالتاريخ، وحين وصل إلى الكلية قرأ الكثير من الكتب المتعلقة بالتاريخ الدبلوماسي، وهو ما منحه خلفية تاريخية رصينة للتنظير في العلاقات الدولية وفلسفتها، إضافة إلى أنه قرأ في مرحلة المدرسة الثانوية الكثيرَ من الأدبيات الماركسية، إلى الحد الذي جعل رفاقه في المدرسة ينعتونه بألقاب من قبيل "الاقتصادي" و"الشيوعي"[4].

في السنة الثانية من مسيرته في الدراسات العليا، أدى رايموند دوڤال {{رايموند دوڤال: (Raymond Duvall، 1947-) عالم سياسة أميركي متخصص في العلاقات الدولية في جامعة مينيسوتا، التي شغل فيها منصب عميد كلية الآداب. من أبرز أعماله مقالته مع مايكل بارنت (Michael N. Barnett) عن السلطة في السياسة الدولية، كما شارك ألكسندر ونت في مقالة "السيادة والأجسام الطائرة المجهولة".}} دورًا مفصليًّا في بقاء ونت في تخصص العلوم السياسية؛ لأن ونت لم يكن متعلقًا بالبرنامج، وظل يفكر كثيرًا بالانتقال إلى تخصص تحليل السياسات (Policy analysis)، إلى أن التحق في سنته الثانية بمقرر دوڤال الذي يُدرِّس فيه النظرية الاجتماعية في العلاقات الدولية. لم يكن دوڤال، بحسب ونت، "من الأساتذة الذين يقضون وقتًا في قراءة المسودات، أو التعليق على أوراق الفصل... لكنه كان معلِّمًا رائعًا". كانت لدى دوڤال توجهات ما بعد ماركسية (Post-Marxist)؛ ولذلك درّس في مقرره العديدَ من القراءات الدائرة في إطار النظرية الاجتماعية، والنظريات النقدية، ونظريات بناء الدولة؛ ونتيجة لذلك، بدأ توجه ونت الماركسي بالتلاشي شيئًا فشيئًا؛ لأنه عند تمعّنه في النظرية الاجتماعية، بدا جليًا له أن الماركسية تحكي جزءًا يسيرًا من القصة. فعلى سبيل المثال، ليس الاضطهاد طبقيًّا فحسب، بل له أشكال أخرى متعددة، تعجز العدسة الماركسية وحدها عن التقاط أكثرها، فضلًا عن التقاطها كلها. وهكذا صارت الماركسية بنظره نموذجًا للتفكير النقدي لا أكثر[5]. في عام 1989 حاز ونت على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة مينيسوتا {{جامعة مينيسوتا: (University of Minnesota) جامعة حكومية أميركية لها مقرّان في مدينتَي مينابوليس وسانت بول. تأسست عام 1851، وتشتهر بالهندسة والطب والصحة العامة والعلوم، وتضم عشرات المراكز البحثية والمستشفيات الأكاديمية. يُعرف عنها أن بها تيارًا نقديًّا في العلوم الاجتماعية.}}، بعد إنجازه أطروحةً تحت إشراف دوڤال عنوانها "نظام الدول والعسكرة العالمية" ("The States System and Global Militarization"). استعرضت الأطروحة الأسبابَ الكامنة وراء اعتبار النظام الدولي نظامًا حربيًّا يتميز بـ"العسكرة العالمية"، وفي أطروحته هذه تجاوز التفسيرَ الواقعي المادي للمسألة، وقدم تحليلًا يأخذ بعين الاعتبار الأبعادَ الاجتماعية والنفسية للفاعِلِين. وكانت هذه الأطروحة نواةَ كتابه الذائع الصيت النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية (Social Theory of International Politics).

لم يكن دوڤال الوحيدَ الذي كان له دورٌ في توجهات ونت المعرفية والفكرية؛ إذ أدّى أنتوني غيدنز وروي باسكار عالِما الاجتماع المنتميان إلى الإبستمولوجيا الواقعية العلمية (Scientific realism)[6]، دورًا ما في اختيارات ونت الإبستمولوجية؛ وهو ما انعكس لاحقًا في منطلقاته التوفيقية الواردة في كتاباته حول مسائل متعلقة بفلسفة العلوم الاجتماعية. برز اهتمام ونت بهذه المسائل بشكل واضح مع مقالته المنشورة في عام 1987، بعنوان "مسألة الفاعل-البنية في نظرية العلاقات الدولية" ("The Agent-Structure Problem in International Relations Theory")، وتناول فيها إحدى مسائل فلسفة العلوم الاجتماعية المهمة، وهي مسألة العلاقة بين الفاعل والبنية، وملامح هذه المسألة في نظريات الحقل. وقد أعقبت هذه المقالةَ سلسلةٌ من المقالات الأخرى التي توِّجَت في نهاية المطاف بكتابه، الحائز على جائزة أفضل كتاب في العِقد عام 2006 من جمعية الدراسات الدولية {{جمعية الدراسات الدولية: (International Studies Association  ISA) رابطة مهنية للباحثين والممارسين في حقل العلاقات/ الدراسات الدولية. تأسست عام 1959 لتعزيز البحث والتعليم وتنظيم المؤتمرات وإصدار مجلات متخصصة. يقع مقرها الإداري في جامعة كونيتيكت.}}، وقد تُرجم لاحقًا إلى 12 لغة.

فور تخرُّج ونت عمِل في جامعة ييل {{جامعة ييل: (Yale University) جامعة أميركية خاصة عريقة في مدينة نيو هافن بولاية كونيتيكت. تأسست عام 1701، تشتهر بتدريس القانون والعلوم السياسية والإدارة والطب والفنون، وبوجود بمكتبات ومتاحف كبرى، فضلًا عن انتقائيتها العالية وخريجيها البارزين.}} أستاذًا مساعدًا في العلوم السياسية، ثم أصبح في عام 1995 أستاذًا مشاركًا في التخصص نفسه. بعد عامين من ذلك، عُيّن ونت في كلية دارتموث {{كلية دارتموث: (Dartmouth College) جامعة أميركية خاصة في مدينة هانوفر بولاية نيوهامبشاير. تأسست في عام 1769. تركز على تعليم الفنون الحرة، مع وجود مدارس مهنية مرموقة: طب غايزل، هندسة ثاير، وإدارة توك.}} في منصب أستاذ مشارك في قسم الحكومة، واستمر في المنصب نفسه إلى عام 1999؛ ليلتحق بعدها بجامعة شيكاغو {{جامعة شيكاغو: (University of Chicago) جامعة أميركية خاصة في ولاية شيكاغو. تأسست عام 1890، وتُعرَف بصرامتها الأكاديمية وبمدرسة شيكاغو في الاقتصاد. لها إسهامات كبرى في الفيزياء والرياضيات والاجتماع والقانون والاقتصاد. تضم كليات بارزة، مثل بوث للأعمال، وكلية القانون، وهاريس للسياسات.}} التي انتقل منها إلى جامعة ولاية أوهايو {{جامعة ولاية أوهايو: (The Ohio State University) جامعة أميركية حكومية بمدينة كولومبوس، عاصمة ولاية أوهايو. تأسست في عام 1870، وتعدّ من أكبر جامعات أميركا. وهي متميزة في مجالات الهندسة والطب والأعمال والعلوم.}} في عام 2004 بمنصب أستاذ العلوم السياسية والأمن الدولي في مركز ميرشون لدراسات الأمن الدولي (Mershon Center for International Security Studies)، وما يزال يشغل هذا المنصب. تتمحور اهتمامات ونت البحثية حول مسائل الأمن الدولي، والحوكمة العالمية، والنظرية الاجتماعية، وفلسفة العلوم الاجتماعية، ونظريات العلاقات الدولية، إضافة إلى العلوم الاجتماعية الكمومية/ الكوانتية (Quantum social science).

احتل ونت المرتبة الأولى ضمن أكثر العلماء تأثيرًا في حقل العلاقات الدولية في العقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين، وفق استقصاء أجراه مشروع "التعليم والبحث والسياسة الدولية" (Teaching, Research, and International Policy – TRIP) في كلية ويليام وماري {{كلية ويليام وماري: (College of William & Mary) جامعة أميركية عامة في مدينة ويليامزبورغ بولاية فيرجينيا. تأسست عام 1693، ولذا تُعدّ ثاني أقدم مؤسسة تعليمية أميركية بعد هارفارد. تمزج الفنون الحرة بالبحث، وتشتهر بالقانون والعلاقات الدولية. ومن أبرز خريجيها الرؤساء الأميركيون جيفرسون ومونرو وتايلر.}} خلال الأعوام 2011 و2014 و2017 [7]، إضافة إلى أنه محررٌ مؤسِس، بالتشارك مع دونكان سنيدال {{دونكان سنيدال: (Duncan Snidal) أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، وأستاذ فخري في جامعة شيكاغو، تتمحور اهتماماته البحثية في نطاق نظريات العلاقات الدولية، والقانون الدولي، ونظرية الاختيار العقلاني.}}، لدورية النظرية الدولية (International Theory) التي تأسست في عام 2009 وتصدُر عن مطبعة جامعة كامبريدج (Cambridge University Press)، وتُعنى بنشر المواضيع الدائرة في فلك السياسة الدولية، والقانون، والفلسفة. كان تأسيسُها محاولةً منهما لفتح المجال أمام إسهامات الباحثين المعنيين بتناول المسائل النظرية البحتة؛ وذلك في ظل تنامي النزعة الإمبريقية في دوريات الولايات المتحدة. لم تتوقف إنجازات ونت عند هذا الحد؛ ففي أواخر أيار/ مايو 2023 حاز جائزة يوهان سكايت للعلوم السياسية {{جائزة يوهان سكايت للعلوم السياسية: (Johan Skytte Prize in Political Science) جائزة سنوية مرموقة في العلوم السياسية. تمنحها مؤسسة سكايت من جامعة أوبسالا منذ 1994 لأكثر الإسهامات قيمة في عالم السياسة، وقيمتها 500 ألف كرونة سويدية تسلَّم مع ميدالية في احتفال تقليدي بأوبسالا. ترتبط الجائزة بإرث يوهان سكايت الذي أسس في عام 1622 أقدم كرسي في العلوم السياسية بالعالم في أوبسالا.}}[8]، بالتشارك مع المنظِّرة البنائية مارثا فينيمور {{مارثا فينيمور: (Martha Finnemore، 1959-) عالمة سياسة أميركية متخصصة في العلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، وهي من أبرز رواد النظرية البنائية. تدرس كيفية تشكُّل المعايير والمنظمات والمصالح والسلوك. من كتبها المصالح القومية في المجتمع الدولي وقواعد العالم مع مايكل بارنت.}}؛ وهي جائزة أشبه بجائزة نوبل للعلوم السياسية. اعتبرت اللجنة المسؤولة أن الباحثَين قد أسهما في خلق ثورة في مجال العلوم السياسية؛ إذ قدَّما مقاربةً غيَّرت من دراسة العلاقات الدولية عبر "تحدي الحدود المفاهيمية والموضوعية، والطرح الجريء للاستنتاجات المنطقية حول الافتراضات النظرية للحقل"[9]. ولأن ونت لم ينَل طوال مسيرته المهنية سوى هاتين الجائزتين، فإنه يُرجِع ذلك إلى عدم مسايرته التيار السائد؛ فقد قال: "أعتقد أنني كنت سأنال المزيد من الجوائز إن جاريتُهُم في لعبتهم. ولكنني لا أتذمر؛ فقد حظيتُ بلعبة رائعة"[10].

أثر نشأته في رؤيته المعرفية

كان للماضي تأثير كبير في حاضر ونت ومستقبله، وكذلك على تعامُل الإنسان مع مجريات الواقع بمنظور يحمل الكثير من التحيزات النفسية. فإن الناظر في إسهاماته في حقل العلاقات الدولية يجد أن خياراته المنهجية، بل ومواقفه النظرية، منبثقة عن تجارب طفولته وخبراته النفسية. ففي مقابلته مع قسم العلوم الاجتماعية في جامعة ليوبليانا {{جامعة ليوبليانا: (University of Ljubljana) جامعة حكومية في عاصمة سلوفينيا. تأسست في عام 1919، وهي الأكبر والأقدم في البلاد. تضم عشرات الكليات والمعاهد عبر العلوم والآداب والهندسة والفنون، وتُعدّ مركزًا رئيسًا للتعليم والبحث في وسط أوروبا.}}، في جمهورية سلوڤينيا، أشار ونت لذلك قائلًا: "أطروحتي هي انعكاس لحياتي الشخصية؛ فقد حظيت بطفولة غير مستقرة، وكنّا دائمي التنقل؛ ولذلك، لم أستطع أن اندمج بعمق في أي من المجتمعات التي تنقّلت بينها. فكلما كنت أحاول تكوين الصداقات، سرعان ما أخسرها في غضون عام. ولهذا فقد طوَّرت وعيًا ذاتيًّا حيالَ نفسي بأنني ’غريب‘، أنظر إلى الداخل من الخارج. لم أكن قطّ جزءًا من المجموعة الداخلية". وقد أعدَّته هذه التجارب ليتحمل عبء الانعزال في البيئة الأكاديمية، وأن يتأقلم مع كونه غريبًا في حقله المعرفي. حاول ونت في إسهاماته، إسقاطَ معضلته الشخصية (كيفية انتماء الفرد إلى الجماعة والجزء إلى الكل) على مجال دراسته العلمية؛ ولذلك كان تحليل طبيعة العلاقة بين الفاعل والبنية هو الخيط الناظم لجميع إسهاماته[11].

يتكشَّف في إسهامات ونت أولًا استرعاؤه انتباهَ المجتمع العلمي ورغبته في المغايرة؛ فهو يبدو وكأنه يسعى دومًا في طلب الأسئلة المتضمنة شذوذاتٍ بحثيةً وأبعادًا خطرة، مؤكدًا على أن اهتماماته البحثية محكومة بقاعدة "المردود العالي، والزخم الجَلَل"[12]. يُمكن فهم ذلك بالعودة إلى تجربة تنقّله بين المدارس والمجتمعات خلال 12 عامًا من تعليمه؛ فقد أشار ونت قائلًا: "كنت أكوِّن صداقاتٍ جديدةً، وأخسرها... اعتدت أن أكون وحيدًا، وأن أنظر من الخارج إلى الداخل. لم أكن قطّ واحدًا من الطلبة المشهورين الرائعين؛ لأنني كنت دومًا الطالبَ الجديد... ومن هذا المنطلق، أصبحت بنائيًّا ومهتمًّا أيضًا بـمسألة الأجسام الطائرة المجهولة، والمشروع الكمومي/ الكوانتي. كل هذه المواضيع هي خارج التيار الرئيس السائد. وأعتقد أن القاسم المشترك بينها هو أنني مرتاح لكوني في الخارج"[13]. على الجانب الآخر، تتجلى رغبةٌ أخرى عند ونت تناقِض رغبتَه الأولى، وهي الرغبة في الانتماء إلى المجتمع العلمي؛ فقد لفت ستيفانو غوزيني {{ستيفانو غوزيني: (Stefano Guzzini، 1963-) باحث في العلاقات الدولية، ركز على مفاهيم القوة والواقعية والبنائية وتحليل السياسة الخارجية والأمن. شغل مناصب أكاديمية في المعهد الجامعي الأوروبي (European University Institute – EUI) بمدينة فلورنسا الإيطالية، وفي مؤسسات في جنيف وأوبسالا، وكذلك في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية. من كتبه عودة الجيوبولتيك في أوروبا؟، والقوة والواقعية والبنائية.}} نظرَ ونت إلى هذا الصراع إبّان تعقيباته في المقابلة مع قسم العلوم الاجتماعية في جامعة ليوبليانا، سائلًا إياه: "كيف توفّق بين رغبتك الشخصية في الانتماء والتوافق، ودوافعك الفكرية للنظر في مسائل تشذّ عن التوافق العلمي؟ هل استراتيجيتك ببساطة هي أن تُغايِر المجتمع من أجل أن تنتمي إليه؟ هذا سينجح فقط في حال توافَقَ معك المجتمعُ العلمي، لا في حال توافقت أنت معه"[14]. ولعل موقفَ ونت الإبستمولوجي في كتابه الأول النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية خيرُ تجلٍّ لهذا الصراع؛ فقد تبنّى البنائية (Constructivism) بوصفها موقفًا مغايرًا للتيار السائد في المجتمع العلمي، وقدَّم تنازلات لهذا المجتمع عبر تبنّي الوضعية، محاولةً منه لجعل هذا المجتمع ينتمي إلى نسخته. وهو بهذا يحافظ على استقلاليته وحريته وارتياحه لكونه في الخارج، وفي الوقت نفسه يشبع توقه الشخصي للانتماء والتوافق.

ارتحالاته المعرفية والوجودية

ونت والبنائية الاجتماعية

في لقاء له مع قسم العلوم الاجتماعية في جامعة ليوبليانا، أعرب ونت عن مدى تأثر إسهاماته المعرفية بأولى مقالاته التي حملت عنوان "مسألة الفاعل-البنية في نظرية العلاقات الدولية"، والمنشورة في عام 1987؛ فقد أشار إلى أنه كان يحاول في كل كتاباته الأخرى "أن يكتب هذه المقالة من جديد، ولكن من زوايا نظر مختلفة؛ لعله يجد بين طيّات هذه الزوايا حلًّا قويمًا لتلك الإشكالية"[15]؛ ولم يكن كتابُه النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية استثناءً من ذلك؛ إذ يبدو أن الهدفَ من هذا الكتاب تبريرُ رؤيته الكُلّانية للبنائية في العلاقات الدولية. فمن خلال الاستناد إلى محادثات زملائه البنائيين في جامعة مينيسوتا، ونصائح أساتذته وطلابه، وما سبق أن قدَّمه في مقالاته وأطروحاته السابقة، طوَّر ونت في كتابه - بلغةٍ واضحة وأسلوبٍ مباشر - نظريةً للنظام الدولي بوصفه بناءً اجتماعيًّا[16]. خطَّ ونت حُججَ هذا الكتاب، وهو يضع في حسبانه سلفًا ما قد يطاله من نقد وتعقيبات من طرفَي الحقل "العقلاني" و"التأملي"[17]. ويقوم الكتاب على مبدأين أساسيين: أولهما التركيز على الأفكار البين-ذاتية بوصفها أساسًا للبنى الإنسانية، وثانيهما أن مصالح الفاعلين وهوياتهم تُبنى من خلال هذه الأفكار[18]، وقد لاقى كتابه سلسلة من المراجعات الناقدة من التيار السائد والنقديين معًا بعد صدوره، وذلك على صعيد النظرية الاجتماعية والسياسة الدولية. فيما يتعلق بالجانب الأول، يرى ستيف سميث {{ستيف سميث(Steve Smith، 1952-) عالم سياسة بريطاني متخصص في العلاقات الدولية. شغل منصب نائب رئيس جامعة إكستر البريطانية (2002-2020)، ومنذ عام 2020 يشغل مهمة مبعوث التعليم الدولي لحكومة المملكة المتحدة لدى المملكة العربية السعودية. كان له حضور بارز بوصفه رئيس جمعية الدراسات الدولية، ولا سيما مع خطابه عام 2003، وهو محرر كتاب عولمة السياسة العالمية.}} أن وصف ونت للعلاقة بين الأبعاد المادية والأبعاد الذهنية يفتقر للاتساق ويتسم بالتناقض والاضطراب. أما روبرت كيوهان {{روبرت كيوهان: (Robert Keohane، 1941-) عالم سياسة أميركي متخصص في العلاقات الدولية، من مواليد 1941. من رواد المؤسسية الليبرالية، واشتهر بكتاب ما بعد الهيمنة، ومع جوزيف ناي بكتاب القوة والاعتماد المتبادل. ترأس جمعية الدراسات الدولية والجمعية الأميركية للعلوم السياسية، ونال جائزة سكايت (2005) وجائزة بالتزان (2016)، وهو أستاذ فخري بجامعة برينستون.}} فيرى أن ونت يطرح الأسئلة الخاطئة في ما يخص العلاقة بين الأبعاد المادية والأبعاد الذهنية؛ إذ رأى أن سؤال "كيف يؤدي التقاطع بين البُعدين إلى النتائج الملموسة التي نلاحظها؟" أهم وأجدى من سؤال "أي البُعدين أكثر أهمية؟"؛ إذ لا ضرورة للاختيار بين أحد هذين البُعدين. يعيب كيوهان على ونت أيضًا حديثَه عن مادية بحتة؛ مؤكدًا على أن من الخطأ المساواةَ بين مادية الواقعيين الكلاسيكيين {{الواقعية الكلاسيكية: (Classical realists) تيار في العلاقات الدولية يفسر السياسة الدولية بصراع على القوة متجذر في الطبيعة البشرية الأنانية؛ فالدولة هي الفاعل الرئيس ومصلحتها الوطنية هي الحصول على القوة، ولذا على الدولة الحذر والتوازن والردع. وتختلف الواقعية الكلاسيكية عن الواقعية البنيوية بتركيزها على الإنسان والحكمة الدبلوماسية. من أبرز منظريها: ثيوسيديدس، نيكولو ميكافيللي، توماس هوبز، إدوارد ه. كار، هانس مورغنثاو، راينهولد نيبور، جورج كينان، أرنولد وولڤز.}}، مثلًا، وبين مادية كينيث والتز {{كينيث والتز: (Kenneth Waltz، 1924-2013) منظِّر أميركي في العلاقات الدولية ومؤسس الواقعية البنيوية. من أهم أعماله الإنسان والدولة والحرب عام 1959، ويتناول فيه مستويات التحليل، ونظرية السياسة الدولية عام 1979، وفيه صاغ بنية النظام الفوضوي وتوزيع القدرات. اشتهر بمناظراته حول انتشار السلاح النووي مع سكوت ساغان.}}[19]. وفي ما يتعلق بمسائل السياسة الدولية، يُلمِح كيوهان إلى أن كتاب ونت لم يقدِّم أي مقترحات إزاء سلوك الدولة. وتشير روكسان دوتي {{روكسان دوتي: (Roxanne Doty، 1953-) عالِمة سياسة أميركية متخصصة في العلاقات الدولية، تعمل أستاذة في جامعة ولاية أريزونا منذ 1990. تندرج أعمالها ضمن المقاربات ما بعد الوضعية/ البنائية النقدية لخطاب الشمال-الجنوب والحدود والهجرة؛ من كتبها المواجهات الإمبريالية في عام 1996، معاداة المهاجرين في الديمقراطيات الغربية في عام 2003، ولها مقالة بارزة بعنوان "السياسة الخارجية بوصفه بناءً اجتماعيًّا" عام 1993.}} وستيڤ سميث إلى أن تعامل ونت مع الدولة كفاعل وحدوي يُوقِعه في فخ التجسيد وإهمال السياسة الداخلية، ويقحمه في الإشكاليات نفسها التي عابها على التيار السائد[20].

لم يرغب ونت في أن يمضي بقية مسيرته الأكاديمية والمهنية في المنافحة عن حجج هذا الكتاب، وذلك يعود إلى سببين رئيسَين: الأول أن ونت قد سَئِم النقاش حول البنائية؛ فقد أشار قائلًا: "من الواضح أنني كنت ناجحًا، وأن نسختي من البنائية أصبحت سائدة. في التسعينيات كان البنائيون ممن أعرفهم يَرَون في البنائية شيئًا أيديولوجيًّا له سمة تبشيرية تتعلق بتغيير العالم. ولكنني في حدود عامي 2004 و2005 خرجتُ في مؤتمرات علنية أعلنت فيها أنني خارج إطار البنائية. لقد سئمت من الحديث عنها. ولأنني قد كتبت كتابًا طويلًا بشأنها، فقد أردت أن أفعل شيئًا مختلفًا"[21]. وهذا ما أكده أيضًا في مقابلة له مع الصحافي الأميركي روبرت رايت {{روبرت رايت: (Robert Wright، 1957-) كاتب وصحافي أميركي يكتب في الفلسفة والدين والسياسة. من أبرز كتبه: "الحيوان الأخلاقي"، و"تطور الإله"، "ولماذا البوذية صحيحة".}} في برنامجه الحواري برنامج رايت {{برنامج رايت: (The Wright Show) سلسلة حوارات طويلة يديرها روبرت رايت، وفيها يستضيف باحثين ومفكرين في السياسة والعلوم والفلسفة.}} على يوتيوب؛ فقد قال: "لقد قدّمتُ ما لديَّ في كتابي الأول، وقلت كلَّ ما أريد قوله... لقد انتابني المللُ حيال ذلك. وأنا أكتب كتابي الأول دارَ في خَلَدي مسبقًا الانتقادات الممكنة والنقاشات اللانهائية التي قد تتعرَّض لها أطروحة الكتاب؛ وعليه اتخذت قرارًا بألا أُمضي بقيةَ مسيرتي المهنية في الدفاع عما كتبته في الثلاثينيات من عمري"[22]، و"أعتقد أن هذا يمثل تحدّيًا كبيرًا لجميع الأكاديميين، خاصة إذا وصلوا إلى منتصف العمر وليس لديهم أي جديد ليقولوه. هذا أحد الأسباب التي جعلتني، بوعيٍ ذاتي، أرغب في الخروج من نطاق الأعمال البنائية. كنت أحاول البقاء على قيد الحياة من خلال تركيزي على مسائل أخرى. بالنسبة إلي، الشيء المهم هو الاستمرار في تأدية أشياء مختلفة، وإلا سيعفو عليَّ الزمن. لكنني أعتقد أن ذلك أمر صعب، وهناك الكثير من الحوافز في هذا المجال للاستمرار في الدفاع عما قلته في الماضي"[23].

أما السبب الثاني، فيعود إلى ما وصفه ونت بالصدفة التي غيَّرت كل شيء؛ إذ يقول: "كان ذلك في أواخر عام 1999، أو في أوائل عام 2000. في مكتبة جامعة شيكاغو، وجدت كتابَ دانا زوهار {{دانا زوهار: (Danah Zohar، 1945-) مفكرة أميركية-بريطانية في الفيزياء والفلسفة وإدارة القيادة. اشتهرت بمفهوم "الذكاء الروحي" و"رأس المال الروحي". من كتبها الذات الكمومية، والمجتمع الكمومي، والقائد الكمومي". درست في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد، وتطبق مبادئ الكم على الوعي والتنظيم.}} وإيان مارشال {{إيان مارشال: (Ian Marshall، 1968-) طبيب نفسي بريطاني ومعالِج ذو توجه يونغي. اشتهر بشراكته مع دانا زوهار في كتب تمزج العلم والفلسفة والإدارة.}} المجتمع الكوانتي (The Quantum Society). التقطتُ هذا الكتاب الذي لم أسمع به من قبل، وقلت في نفسي: يا إلهي! يمكن أن تكون أطروحة هذا الكتاب صحيحة. بعد بضعة أشهر فقط، غيَّر هذا الكتاب كلَّ شيء كنت قد قرأته من قبل. ولأن هذا الكتاب كان مُذهلًا، أردت إعادة كتابته ليناسب الجمهور الأكاديمي. كان هذا هو الهدف الذي استغرق مني ما يقارب عشرة أعوام لكي أتعلم الفيزياء الكمومية، ثم أكتب فيها"[24].

ونت وتوحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية

في عام 2015 تخلَّى ونت في كتابه العقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية (Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology) عن المجتمع البنائي الذي يألَفه في حقل العلاقات الدولية، وانطلق برحلة مجهولة إلى حقول أخرى لم يطرقها باحثو هذا الحقل من قبل فكان بذلك أشبه بمتسلق حر"[25] في جبال الكمومية. يصف ونت كتابَه هذا بالمخاطرة؛ فهو على حد قوله "إما صحيح وإما خاطئ، وهذا منطقٌ لا يعمل وَفقَ إطاره باحثو الحقل الذين تمتلك أعمالُهم نوعًا من الثبات والصوابية المحتملة"[26]. يقدم هذا الكتاب رهانًا معرفيًّا يتحدى من خلاله إطارَ الفيزياء الكلاسيكية السائد ليس فقط في حقل العلاقات الدولية، بل في العلوم الاجتماعية كلها؛ إذ يرى ونت فيه أن الفيزياء الكمومية قادرة، بخلاف الشائع عنها، على تقديم تفسيرات مهمة للسلوك الإنساني. يشير ونت إلى أنه على الرغم من تشجيع رئيس الجمعية الأميركية للعلوم السياسية {{الجمعية الأميركية للعلوم السياسية: (American Political Science Association  APSA) رابطة مهنية تأسست عام 1903 ومقرها واشنطن العاصمة. تخدم أكثر من 11 ألف عضو في ما يزيد على 100 بلد، وتنظم مؤتمرًا سنويًّا كبيرًا للمتخصصين، وتُصدِر أربع مجلات محكمة.}} في عام 1979، إبّان الثورة الكمومية، الجهودَ الساعية لإقحام نظرية الكمومية في الحقل، فإن باحثي الحقل ظلُّوا يعملون في إطار الفيزياء الكلاسيكية[27]. ولعل ونت سعى أن يكون إسهامه هذا نواةً لإسهاماتٍ أخرى تسلِّط الضوء على القيمة المضافة للكمومية في العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية. مع ذلك، وعلى الرغم من أن كتابه هذا يحظى بهالة من المصداقية العلمية؛ نظرًا لصدوره عن مطبعة جامعة كامبريدج، يشعر ونت أن كتابه لم يحظَ بالاهتمام نفسه الذي حظي به كتابه الأول، ويظن أن معظم باحثي الحقل غالبًا لم يلتفتوا حتى لقراءته.

تقع مسألة الوعي في قلب كتابه الثاني، وهي في الواقع ملازمة له منذ كتابه الأول؛ فقد بدأ الوعي في كتابه الأول باعتباره "ذاتية" (Subjectivity)، وفق مصطلحات باحثي العلوم الاجتماعية، وفي الكتاب الثاني صار الوعي وجميع الظواهر البشرية المقصودة (Intended) خاضعةً للميكانيكا الكمومية؛ لأن البشر في اعتقاده هم، حقيقةً لا مجازًا، دالّات موجية تحافظ على تماسكها الكمومي (Quantum coherence) حتى على المستوى الذري، وهي حجة اقتضت من ونت تفنيد الرأي السائد القائل بأن تطبيق الفيزياء الكمومية واقعيًّا يقتصر على مستوى الجسيمات ما دون الذرية (Sub-atomic) وأن تأثيرات الكمومية تتلاشى إحصائيًّا عند المستوى الذري، يبحث ونت هذه الحجة عبر إثارته مشكلة "العقل-الجسد" المتمحورة حول صعوبة تفسير الحالات العقلية "الذاتية" عبر الحالات الدماغية "الموضوعية" ذات الطبيعة المادية. فبالنسبة إلى النظرة الكلاسيكية للعالَم، ارتبطت هذه الصعوبة باستحالة نشأة الوعي من عالم مادي؛ إذ لطالما اعتبر أنصارُ هذه النظرة من باحِثِي العلوم الاجتماعية الوعيَ مسلَّمةً قلّما تُعد مشكلة باعتبارها نقيضًا للموضوعية والانضباط العلمي؛ وبناءً على ذلك، يرى ونت أن أعمق الخلافات الفلسفية في العلوم الاجتماعية ما هي إلا تمظهُرات فرعية لمشكلة العقل-الجسد، التي تجاهلَها الباحثون؛ وبهذا يكون تحدّي الافتراضات الكلاسيكية لهذه الإشكالية أساسًا لحل مسألة الجدل بين الوضعية وما بعد الوضعية، وما بين المادي والاجتماعي، والعلاقة بين الفاعل والبنية، للوصول إلى حلول جديدة تقدمها فلسفة الكمومية.

ونت والأجسام الطائرة المجهولة

"منذ أن كنت مراهقًا، أثارت اهتمامي مواضيعُ شاذة، على غرار الحاسة السادسة {{الحاسة السادسة: تسمية شائعة تطلق على قدرات حدسية/ فوق حسية مزعومة، كالتخاطر والاستبصار، وهي بلا أدلة علمية قاطعة. أما في العلم فغالبًا يقصد بها حاسة التوازن أو الإحساس العميق بموقع الأطراف.}} وذي القدم الكبيرة {{ذي القدم الكبيرة: (Bigfoot) كائن أسطوري في فلكلور أميركا الشمالية، وهو كائن ضخم كثيف الشعر يمشي على قدمين. يُزعَم رصده خصوصًا في شمال غرب المحيط الهادئ.}}، وكان مبعث هذا الاهتمام في بعض الأحيان فضولًا متشككًا، وفي أحيان أخرى انفتاحًا على قبول هذه المواضيع. في عام 1999 بدأ اهتمامي بمسألة الأجسام الطائرة المجهولة، حين أرسل لي والدي كاسيت قديم لجون ماك {{جون ماك: (John E. Mack) طبيب نفسي وكاتب أميركي. نال جائزة بوليتزر عن سيرة ت. إ. لورنس بعنوان أمير اضطرابنا (1977). لاحقًا اشتهر بدراسة روايات الاختطاف الفضائي، وأسس برنامج البحوث في الخبرات الاستثنائية عام 1993؛ خضع لتحقيق جامعي انتهى بتأكيد حريته الأكاديمية. توفي بحادث سير في لندن.}}، الأستاذ في جامعة هارفرد (Harvard University)، وهو يلقي محاضرة لمجموعة من الأكاديميين في هارفرد أو في كامبريدج حول عمليات اختطاف شنَّها الفضائيون. لقد كان مقنعًا للغاية، وكان يدور في خَلَدي حينها: هذا رائع! لقد كانت واحدة من أكثر المحاضرات إثارة للاهتمام. فالعالم سيختلف كثيرًا إن كان مُحقًّا. وأنا في الواقع لم أكن أعرف إن كان مخطئًا أم لا، كان يجب عليَّ أن أعرف، ولكنني لم أفعل... ولم أدرس عنها من قبل، ولا يوجد دليل حيالها. حين فرغتُ من محاضرته، كان الأمر أشبَه بـتجلٍّ؛ إذ أدركتُ حينها أنني لم أعرف أهو مخطئ أم لا. ولأنني لم أكن أعرف، فهذا يعني في الحقيقة أنني جاهل. إننا لا نعرف ما الذي يحدث، وعلينا أن نكون أكثر انفتاحًا حيال الاحتمالات الممكنة، وفي حالتنا هذه، الانفتاح حيال فكرة أن الفضائيين يمكن أن يكونوا موجودين؛ وإن كانوا كذلك، فهذا أهم حدث في تاريخ البشرية. لقد جذبني حجم المشكلة، وكان نوعًا من التأمل الكامل والتجلّي المفاجئ. ما اعتقدت أنه كان صحيحًا لم يعد كذلك بعد الآن، وكان هذا مقلقًا للغاية"[28].

هكذا وصف ونت بداية اهتمامه بمسألة الأجسام الطائرة المجهولة، إلا أن اهتمامه لم يتوقف عند حدود الانبهار بالاحتمالات الممكنة؛ فقد تجاوز في عام 2008 مع مشرفه دوڤال أحدَ خطوط العلموية {{العلموية: (Scientism) نزعة تجعل العلوم الطبيعية المرجع الأعلى، والوحيد أحيانًا، لمعرفة الحقيقة والعقلانية، وتعمم مناهجها على الأخلاق والسياسة والفن. تُنتقَد لاختزالها الظواهر، ولأن دعاواها فلسفية لا تُحسَم تجريبيًّا، ولتجاهلها أسئلة معيارية وتأويلية.}} الحمراء، بعد نشرهما مقالة بعنوان "السيادة والأجسام الطائرة المجهولة" (Sovereignty and the UFO). رأى الباحثان في هذه المقالة أن السيادة البشرية تعدّ "الحس السليم" (Common sense) الذي يقتضي قوةً وعنفًا وولاءً مجتمعيًّا من أجل تحقيق المشاريع السياسية، وأن أي تحدٍّ للسيادة يُعدّ تحديًا لأسس الحكم الحديث[29]. من هذا الباب، سعى الباحثان إلى تسليط الضوء على الأسباب الكامنة خلف تجاهل المجتمع العلمي البحثَ في الأجسام الطائرة. فعلى الرغم من وجود عدد من الباحثين المهتمين بهذه المسألة، فإنه ليس هناك أي حافز للمضيّ قُدمًا بدراسات منهجية وموضوعية حيالها، ومن خلال استعانتهما بإسهامات جورجيو أغامبين وميشيل فوكو وجاك دريدا، أكد الباحثان على أن التعاطي مع الأجسام الطائرة بوصفها "محرمات" (Taboos) أمرٌ ضروري للحفاظ على السيادة البشرية[30].

فمن خلال اعتماد الدولة على السياسة الحيوية (Biopolitics) لا على الإكراه {{الإكراه: (Coercion) حمل شخص أو جماعة على فعل/ امتناع عن فعل، بتهديد موثوق أو باستخدام القوة، بحيث يكون عدم الامتثال أسوأ لهم. يتخذ صورًا مادية وقانونية واقتصادية ورمزية، ويختلف عن الإقناع والحوافز.}}، يبرز دور الجهاز الأمني الليبرالي لنشر المعرفة بين السكان. ولمّا كان الاعتراف بوجود أجسام غريبة طائرة تشكيكًا بالسيادة الإنسانية، عكفت الدولة - على حد قولهما - على جعل المعرفة المتعلقة بهذه الأجسام أمرًا "محرَّمًا". من هذا الباب، يمكن موضعة الأجسام الطائرة المجهولة في سياق "مشروع تاريخي" لتطور السيادة الإنسانية، وهو مشروع حافظ على استمراريته، فقط، من خلال منع طرح الأسئلة "المحرمة"[31]. سلط الباحثان الضوء أيضًا على حقيقة أن الجهل العام بمسألة الأجسام الطائرة هو نتاج عمليات سياسية معرفية "غير علمية"، تستخدم العلم ذريعة لإعادة إنتاج سلطة الدولة؛ وذلك عبر تضمين الأجسام الطائرة المجهولة من خلال استثنائها[32]. يشير ونت إلى أن هذه المقالة بالرغم من كونها "إحدى أكثر مقالاته استفزازًا، ظلَّت ما يقارب خمسة عشر عامًا إحدى أقل المقالات من حيث عدد مرات الاستشهاد بها. وهذا أمر مثير للاهتمام؛ لأنه يثبت طرحَ المقالة القائل بأن الأجسام الطائرة من المحرمات العلمية. لم يستمر ذلك طويلًا، ففي أعقاب نشر وزارة الدفاع الأميركية ثلاثة مقاطع فيديو لأجسام طائرة مجهولة كانت قد التقطتها كاميرات البحرية الأميركية [في عامَي 2004 و2015]، زاد عدد مرات تحميل المقالة، وانهالت على ونت المراسلات الإلكترونية التي تشيد بأهمية أطروحتها"[33].

لم يتوقف اهتمام ونت بهذه المسألة؛ ففي عام 2020 خرج ونت إلى الملأ في حديث عبر تيدكس (TEDx)، حاز ما يفوق النصف مليون مشاهدة، وكسَرَ - على حد قوله - "أحد المحرمات في المجتمع العلمي والأكاديمي، والحكومة، ووسائل الإعلام، وجميع مؤسسات الدولة... وهو محرَّم أخْذ الأجسام الطائرة على محمل الجد". وهو يعني بذلك ثلاثة أشياء: الأول، الاعتراف بأنها موجودة؛ والثاني، أنها قد تكون من خارج الأرض؛ والثالث، أنه يُحظَر تدارسها علميًّا. وللقيام بذلك، استند ونت أولًا إلى ما نشرته البحرية الأميركية ليثبت في البداية أن الأجسام الطائرة موجودة، ثم تساءل عما إذا كانت الأجسامُ الطائرة "كائناتٍ من خارج الأرض"؛ مؤكدًا أننا نجهل ما إذا كانت كذلك أم لا، ولأننا نجهل ذلك، فإننا ساذجون لعدم استخدامنا العلمَ لاكتشاف ذلك. وفي ختام حديثه أكّد ونت أن الخوفَ الثقافي، بل والخوف مما يمكن أن نكتشفه في حال حاولنا تفسير هذه الظاهرة، أمرٌ مثبِّط لأي جهود إزاء تدارُسها وبحثها[34].

في مقابلة له مع شون إيلينغ (Sean Illing)، مقدِّم بودكاست "المنطقة الرمادية" (The Gray Area)، أشار ونت إلى أن البشر بطبعهم "كائنات فضولية، تهرع باستمرار نحو النظر في كل ما هو رائع ومحيِّر. غير أنه في حالة الأجسام الطائرة المجهولة تجد العلماء مترددين إزاء دراستها؛ فهي من المحرمات. وعلى الرغم من أن البحرية الأميركية أكّدت وجود هذه الأجسام، ما زال العلماء متوجسين حيال النظر فيها... رغم أن اكتشافها سيكون أهم حدث في تاريخ البشرية... لأننا قد نشهد انهيارًا للدولة، وحالةً من الفوضى، مع احتمالية التواصل مع حضارة مثيرة ومرعبة ولا يمكن التنبؤ بها"[35]. مع ذلك، وعلى الرغم من كون الاتصال معها أمرًا مرعبًا على حد قوله، يميل حدْس ونت لاعتبارها كائنات مسالمة لم تتخذ أي مبادرات عدوانية تجاهنا حتى الآن. وعليه، فهو يفسر تواصلهم المحدود معنا كوسيلة لتعويدنا على وجودهم، على أمل أن يكسر العلماء حاجز الخوف والصمت ويبادرون بالبحث الدؤوب لاكتشاف الحقيقة[36]. وبالتركيز على مسألة الخوف من اكتشاف الحقيقة، أشار ونت إلى أن الحصانة العلمية قد تؤدي دورًا هي الأخرى في تمكين النظر في المسألة، قائلًا: "لقد كنت حين كتابتي المقالة أستاذًا في الجامعة... كنت في وضع محمي... قد يأخذ الأمر أعوامًا كي يصبح ممكنًا للمرء قول أشياء مجنونة... أما قبل ذلك فهو تدمير لمسيرته المهنية"[37].

الدولة العالمية

في حوارٍ مع قسم العلوم الاجتماعية في جامعة ليوبليانا، رسم البروفيسور ماركو لوفيك {{ماركو لوفيك: (Marko Lovec) باحث سلوڤيني، وأستاذ مشارك للعلاقات الدولية في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة ليوبليانا، وزميل في مركز العلاقات الدولية، وله تعاون بحثي مع "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" (ECFR). يركز في أبحاثه على تكامل الاتحاد الأوروبي وغرب البلقان، والطاقة والمناخ، والاقتصاد السياسي الدولي، وله دراسات عن سياسة الطاقة الأوروبية.}} صورة عبقرية مختصرة لكيفية فهم أهم إسهامات ونت؛ فقد أشار قائلًا: "أتت مقالة ’الدولة العالمية‘،[38] ردًّا على الذين قالوا بأن كتابه النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية لم يكن ثوريًّا بما فيه الكفاية، ثم أتى كتابه العقل الكوانتي استجابةً للماديين؛ مجادلًا بأن العالم كله وليس فقط العلاقات الدولية أمر غير معطى سلفًا. وأخيرًا، يعد اهتمامُه بالأجسام الطائرة المجهولة وسيلةً للنظر في أشياء مادية وموجودة إلا أنها غير معروفة اجتماعيًّا، وكأنه يحاول النظر في نشأة الخبرة الاجتماعية وتطورها وتأثيرها"[39]. بالتركيز على مقالة "الدولة العالمية" التي لم تنَل حظًّا من المناقشة في هذا المدخل، أشار ونت إلى أن أطروحة هذه المقالة هي "أحد المشاريع التي شغلت تفكيره لفترة طويلة، وأنه إن عاش كفاية، فإنه ينوي العودة إليها كمشروع مستقبلي، في مقالٍ آخر أو في كتابٍ قصير"[40].

يقترح ونت في مطلع مقالته "لماذا الدولة العالمية أمرٌ لا مفر منه؟" ("Why a World State is Inevitable")، منطلقًا من افتراض أن "الفوضى هي ما تَصنعه منها الدول"[41]، نظريةً غائية عن منطق الفوضى والتحول إلى دولة عالمية (World state) تتجاوز المنظور النيوتني في السببية؛ لتسليط الضوء على القيمة المضافة التي يقدمها المنظور الأرسطي للسببية. فعلى الرغم من تبنّي ما بعد الحداثيين منظورًا تأسيسيًّا للسببية يحيلهم إلى فهم الظاهرة، يميل كلا الطرفين، الوضعي وما بعد الحداثي، للاعتقاد بأن التفسيرات "الغائية" غير شرعية، ومن هنا يدافع ونت عن نموذج تعددي للسببية يُعطي تفسيرًا شاملًا للظواهر، عبر الارتكاز على أنواع السببية الأربعة في النهج الأرسطي: أولًا، السببية الفعّالة، وهي العلاقة الميكانيكية بين السبب والنتيجة، مثل جهد العمّال في بناء منزل؛ ثانيًا، السببية المادية، وهي العملية التي تتولد من خلال تركيبة/ توليفة معينة، مثل الطوب المستخدم في بناء منزل؛ ثالثًا، السببية الصورية، وهي الطريقة التي تمنح بها بنيةُ الشيء شكلَه المعين، الرسم المعماري لبناء منزل؛ رابعًا، السببية الغائية، وهي كيفية تأثير غرض النظام وغايته في تطوره، مثل سبب بناء المنزل[42]. ترتبط السببية الفعّالة الميكانيكية بالفردية المنهجية "التصاعدية"، التي يؤدي فيها تفاعل عناصر على المستوى الجزئي في النظام إلى تشكُّل أنماط كلية؛ في حين تتعلق السببية الصورية بالكلانية "التنازلية"، التي لا يمكن اختزالها إلى مجموع أجزائها، بل إن هويات هذه الأجزاء تعتمد في وجودها أصلًا على البنى الكلية. ومثالُ ذلك معاييرُ النظام الدولي التي يتولد عنها تنازليًّا دولًا ويستفالية لها سيادة، وحقوق والتزامات، ووضع اجتماعي[43].

في مقالته هذه يتجاوز ونت التوصيفَ الوالتزي للفوضى الذي تتمحور غايته حول الأمن المادي، لصالح المفهوم الغائي للفوضى بوصفها صراعًا من أجل الاعتراف، يتولد عنه "تصاعديًّا" دولة عالمية. يشير الاعتراف هنا إلى ممارسة اجتماعية ترتبط بالمكانة المشروعة للآخر، وقبول القيود المعيارية على الذات في تعاملها معه. في حال عدم الاعتراف بالآخر، كما هو الحال مع العبد أو العدو، يصير ممكنًا للذات انتهاك القيود والمعايير الملزمة لها. فالاعتراف إذن هو أساس ذاتية المرء؛ فهو الذي يُكسبه هويته المميزة، وعلى حد قول ونت: "لا وجود لمعلم دون اعتراف الطلاب، ولا وجود لزَوج دون اعتراف الزوجة، ولا وجود لمواطن دون اعتراف المواطنين الآخرين"[44]. وإن كان الصراع من أجل الاعتراف هو الجانب الفردي التصاعدي في حجته، فإن سيرورة تشكيل الدولة العالمية على الطراز الهيغلي عبر خمس حالات من الفوضى هي الجانب الكُلّاني التنازلي من الحجة؛ ذلك أن كل حالة (بنية ثقافية) تُنشئ ظروفًا حدودية تقيِّد بدورها تفاعلات العناصر على المستوى الجزئي للنظام، أما عدم الاستقرار الكامن فيؤدي في كل مرحلة إلى المرحلة التي تليها، كالآتي:

المرحلة الأولى: نظام الدول (System of states) القائم على عدم الاعتراف المتبادل بين الدول، وهو أشبه بالحالة الهوبزية (Hobbesian)، أي "حرب الكل ضد الكل"[45]. يقوم هذا النظام على ثلاثة ظروف رئيسة: أولها، أن الدول هي الفواعل الأساسية في النظام؛ وثانيها، غياب فرص التعاون بين الدول؛ وثالثها، تصور عدائي متبادل بين الدول، وغياب القيود الاجتماعية والمعيارية التي تفضي إلى الاعتراف الاجتماعي. لا تحظى الدول في هذه المرحلة بذوات حقيقية، ما يعني أنها ما تزال في حالة ما قبل اجتماعية، غير مستقرة، وتميل نحو إيجاد مَخرَج من الصراع[46].

المرحلة الثانية: مجتمع الدول (Society of states)، وتتولد هذه المرحلة عن عدم الاستقرار في الثقافة الهوبزية، ما يعني الانتقال إلى الثقافة اللوكية (Lockean). وفيها تقبل الدول بعض القيود الجماعية على ممارساتها وفق منطق الـ"نحن"، وتعترف بشكل متبادل بالسيادة القانونية للدول، ومع ذلك، ما يزال البعد الجماعي للهوية سطحيًّا، وتمثّل الحرب عاملًا محتملًا لعدم الاستقرار.

المرحلة الثالثة: المجتمع العالمي (World society)، وفيها يُسعى لتجاوز إمكانية الحرب التي تلوح في الأفق، عبر بناء مجتمع أمني عالمي يعترف أعضاؤه، أفرادًا ودولًا، ببعضهم البعض، وتُقيَّد حرياتهم السلبية في شن الحرب، وتوسيع حرياتهم الإيجابية التضامنية. في هذا المجتمع يبقى احتمال التقهقر إلى نظام الدول أو مجتمع الدول أمرًا واردًا.

المرحلة الرابعة: الأمن الجماعي (Collective security)، وفي هذه المرحلة يتحول الأعضاء من الحالة التنافسية اللوكية إلى حالة الصداقة الكانطية (Kantian)؛ إذ يسعون إلى حل نزاعاتهم بعيدًا عن العنف، فضلًا عن التوصل إلى صيغة أمنية دفاعية مشتركة ضد التهديدات، وفق مبدأ "الواحد للكل، والكل للواحد" {{"الواحد للكل، والكل للواحد": (Unus pro omnibus, omnes pro uno) مبدأ لاتيني، يعبر عن التضامن والمسؤولية المتبادلة. شاع مع رواية "الفرسان الثلاثة" لألكسندر دوما، ويُعدّ شعارًا غير رسمي لسويسرا وهو مكتوب في قبة البرلمان الفيدرالي.}}. وعلى الرغم من بروز هوية أمنية جماعية، وتصور كل عضو لمصيره ضمن مصير مشترك، يظل الأمن الجماعي عرضةً لبروز السيادة الإقليمية؛ فهو في نهاية المطاف ليس دولة عالمية[47].

المرحلة الخامسة: الدولة العالمية (World state)، وفيها تُنقل السيادة من المستوى الجزئي للدولة إلى المستوى الكلي العالمي؛ ما يعني أن الأفراد يحظون في ظلها بذواتهم الخاصة، ويرتبطون بها مباشرة دون وسيط، وتعترف الدولة العالمية بذاتية الأفراد، وتعكف على تشكيل هوياتهم وتقييد سلوكهم[48].

المراجع

المقابلات الشخصية

ونت، ألكسندر. عبر البريد الإلكتروني. 18/6/2023.

________. مقابلة حوارية. 22/6/2023.

الأجنبية

Grahn, Michal. “Alexander Wendt and Martha Finnemore Awarded the Johan Skytte Prize in Political Science.” The Johan Skytte Prize. 25/3/2023. at: https://acr.ps/1L9BPTi

Illing, Sean. “It’s Time to Take UFOs Seriously. Seriously.” Vox. 8/3/2020. at: https://acr.ps/1L9BPDZ

Schouten, Peer & Alexander Wendt. “Theory Talk #3: Alexander Wendt.” Theory Talks. 25/4/2008. at: https://acr.ps/1L9BPG3

Wendt, Alexander. “The Agent-Structure Problem in International Relations Theory.” International Organization. vol. 41, no. 3 (1987).

________. “Anarchy Is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics. International Organization. vol. 46, no. 2 (1992).

________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.

________. “On the via Media: A Response to the Critics.” Review of International Studies. vol. 26, no. 1 (2000).

________. “Why a World State Is Inevitable.” European Journal of International Relations. vol. 9, no. 4 (2003).

________. “Predstavitev Knjige: Alexander Wendt Družbena Teorija Mednarodne Politike.” YouTube. 16/3/2016. at: https://acr.ps/1L9BP27

________ & Raymond Duvall. “Sovereignty and the UFO.” Political Theory. vol. 36, no. 4 (2008).

[1] بحسب مقابلة حوارية مع المؤلفة بغرض كتابة مدخلٍ موسوعي عنه باعتباره علمًا من أعلام حقل العلاقات الدولية. وقد أجرت المؤلفة المقابلة عن بعد من خلال تطبيق زووم (Zoom). وكان ألكسندر ونت حينها في مدينة أوهايو والمؤلفة في مدينة الدوحة. استغرقت المقابلة ما يقارب 25 دقيقة. ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[2] ألكسندر ونت، عبر البريد الإلكتروني إلى المؤلفة، 18/6/2023.

[3] عبّر ونت عن ذلك في مقابلة معه نُشرت على الإنترنت، في الدقيقة 4:30. يُنظر:

Alexander Wendt, “Predstavitev Knjige: Alexander Wendt Družbena Teorija Mednarodne Politike,” YouTube, 16/3/2016, accessed on 2/3/2025, at: https://acr.ps/1L9BP27

[4] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[5] المرجع نفسه.

[6] Peer Schouten & Alexander Wendt, “Theory Talk #3: Alexander Wendt,” Theory Talks, 25/4/2008, accessed on 20/3/2025, at: https://acr.ps/1L9BPG3

[7] للاطّلاع على الدراسات من السنوات المُشار إليها، يُنظر:

“Faculty Surveys,” TRIP, accessed on 20/3/2025, at: https://acr.ps/1L9BP0t

[8] ينال الباحث الفائز جائزة نقدية بحدود 70 ألف دولار، وميدالية فضية تُسلَّم في حفل كبير في جامعة أوبسالا في السويد.

[9] Michal Grahn, “Alexander Wendt and Martha Finnemore Awarded the Johan Skytte Prize in Political Science,” The Johan Skytte Prize, 25/3/2023, accessed on 20/3/2025, at: https://acr.ps/1L9BPTi

[10] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[11] يُنظر:

Alexander E. Wendt, “The Agent-Structure Problem in International Relations Theory,” International Organization, vol. 41, no. 3 (1987), pp. 335-370; Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1999).

[12] Wendt, “Predstavitev Knjige: Alexander Wendt Družbena Teorija Mednarodne Politike”.

[13] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[14] ينظر الدقيقة 9:30 من الفيديو الآتي:

Wendt, “Predstavitev Knjige: Alexander Wendt Družbena Teorija Mednarodne Politike”.

[15] Wendt, “Predstavitev Knjige: Alexander Wendt Družbena Teorija Mednarodne Politike”.

[16] لم يقتصر تأثر ونت بمقالته (1987) على حججها وأفكارها؛ بل استفاد أيضًا من التعقيبات الشكلية حيالها. ففي مطلع كتابه يشير ونت إلى أن تعليق جيمس كابوراسو حول المقالة، والذي مفاده أنه "لا يوجد شيء عميق في مقالته بحيث لا يمكن قوله بلغة عادية"؛ جعل من الوضوح مطلبًا أساسيًّا ينشده. يُنظر:

Wendt, Social Theory of International Politics, p. xiii.

[17] Robert Wright, “Quantum Physics and Social Science | Robert Wright & Alexander Wendt [The Wright Show],” YouTube, 1/9/2019, accessed on 20/3/2025, at: https://acr.ps/1L9BPJt

[18] Wendt, Social Theory of International Politics, p. 1.

[19] أول مَن تناوَل الواقعية البنيوية (Structural realism) التي تسمّى أيضًا الواقعية الجديدة (Neorealism)، وذلك في كتابه نظرية السياسة الدولية (Theory of International Politics).

[20] Alexander Wendt, “On the via Media: A Response to the Critics,” Review of International Studies, vol. 26, no. 1 (2000), pp. 165-180.

[21] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[22] Wright, op. cit.

[23] Schouten & Wendt, op. cit.



[24] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[25] شبَّه بيتر كاتزنشتاين إسهامَ ونت الكمومي بالفيلم الوثائقي "المتسلق الحر" (Free Solo)؛ في إشارة منه إلى خطورة ولوج ونت في حقل الكمومية.

[26] Wright, op. cit.



[27] Ibid.

[28] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[29] Alexander Wendt & Raymond Duvall, “Sovereignty and the UFO,” Political Theory, vol. 36, no. 4 (2008), p. 609.

[30] Alexander Wendt, “Wanted: A Science of UFOs,” TEDx, 4/2/2020, accessed on 20/3/2025, at: https://acr.ps/1L9BPvU

[31] Wendt & Duvall, p. 612.

[32] Ibid., pp. 613-614.

[33] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[34] Wendt, “Wanted: A Science of UFOs”.

[35] Sean Illing, “It’s Time to Take UFOs Seriously. Seriously,” Vox, 8/3/2020, accessed on 20/3/2025, at: https://acr.ps/1L9BPDZ

[36] Ibid.

[37] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[38] Alexander Wendt, “Why a World State Is Inevitable,” European Journal of International Relations, vol. 9, no. 4 (2003), pp. 491-542.

[39] Wendt, “Predstavitev Knjige: Alexander Wendt Družbena Teorija Mednarodne Politike”.

[40] ألكسندر ونت، مقابلة عبر زووم، 22/6/2023.

[41] Alexander Wendt, “Anarchy Is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics,” International Organization, vol. 46, no. 2 (1992), pp. 391-425.

[42] Wendt, “Why a World State Is Inevitable,” p. 495.

[43] Ibid., pp. 499-500.

[44] Ibid., p. 511.

[45] Wendt, Social Theory of International Politics; Wendt, “Anarchy Is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics”.

[46] Ibid., pp. 517-518.

[47] Ibid., pp. 521-523.

[48] Ibid., p. 525.


المحتويات

الهوامش