الموجز
السد الأخضر مشروع بيئي واسع النطاق أطلقته الجزائر في أوائل سبعينيات القرن العشرين لتشجير منطقة السُّهوب، الممتدة عبر ثلاث عشرة ولاية، من الحدود التونسية شرقًا إلى الحدود المغربية غربًا. ويهدف المشروع أساسًا إلى وقف زحف الرمال الصحراوية نحو الشمال، والحدّ من آثار التصحّر، حمايةً للأراضي الفلاحية وضمانًا لاستدامة النشاط الزراعي.
السياق التاريخي
في ستينيات القرن العشرين، واجهت الجزائر موجات جفاف حادة تزامنت مع ضغط ديمغرافي متزايد، ما أدى إلى تدهور تدريجي في الغطاء النباتي وتفاقم ظاهرة التصحّر، إذ بدأت الرمال تزحف نحو الشمال. وقد أدركت السلطات الجزائرية منذ السنوات الأولى للاستقلال خطورة تلك التحولات المناخية، فأطلقت عام 1963 حملات شعبية واسعة لحماية الأحواض المائية وتشجير المناطق السَهْبيّة {{المناطق السهبية في الجزائر: مجال بيئي انتقالي شبه جاف يقع بين التل (في الشمال) والصحراء (في الجنوب)، تغلب عليه المراعي الطبيعية والغطاء النباتي السهبي مثل الحلفاء والشيح، ويُعد مجالًا رئيسًا للرعي وتربية المواشي، ويتميز بهشاشة بيئية تجعله أكثر عرضة للتصحر وتدهور الغطاء النباتي.}}. غير أن هذه الحملات لم تحقق أهدافها بسبب ضعف التأطير التقني والإداري[1].
الرئيس الجزائري هواري بومدين (1978).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي عام 1972، أطلق الرئيس هواري بومدين مشروع الثورة الزراعية، الذي كان يرمي إلى إعادة هيكلة شاملة للقطاع الزراعي من خلال تحديث أساليبه، وإعادة توزيع الأراضي على صغار الفلاحين، وإنشاء ألف قرية فلاحية سُمّيت بـ "القرى الاشتراكية". وفي هذا الإطار، شرعت الدولة في تهيئة الأراضي السهبية المتدهورة عبر إنشاء التعاونيات الرعوية، وحفر الآبار، وإقامة مصدّات للرياح للحدّ من تعرية التربة وتنظيم النشاط الرعوي. ولتنسيق هذه الجهود، أُنشئت محافظة سامية لتنمية المناطق السهبية للإشراف على تنفيذ البرامج والمشاريع ذات الصلة[2].
بدايته
خريطة الخط الأخضر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
استكمالًا للجهود المبذولة منذ الاستقلال لمكافحة التصحّر، أصدر بومدين في 23 حزيران/ يونيو 1970 قرارًا بإنشاء منطقة تشجير نموذجية في مجبارة بولاية الجلفة، على بعد 300 كيلومتر جنوب العاصمة، في قلب المنطقة السهبية. وكانت هذه التجربة الرائدة حينئذ، حديثة على الصعيد الدولي، وقد استلهمتها الجزائر من التجربة الصينية التي أطلقت في مطلع الستينيات برنامجًا واسعًا لوقف زحف الرمال[3].
وفي عام 1972، أعلن الرئيس بومدين من ولاية سعيدة الانطلاقة الرسمية لمشروع السد الأخضر، الذي استهدف تشجير ثلاثة ملايين هكتار بمعدل ألفي شجرة في الهكتار الواحد. ولتزويد المشروع بالغرسات، أُنشئت أربعة مشاتل كبرى في مجبارة، وزنينة، وذراع السواري، وديار الشيوخ، بطاقة إنتاجية بلغت 12 مليون نبتة[4].
كان الهدف الرئيس للمشروع بيئيًا، يتمثل في الحدّ من زحف الرمال والتعرية الهوائية والمائية، وحماية الأراضي الزراعية بما يُسهم في تحقيق الأمن الغذائي الوطني. إلى جانب ذلك، حمل المشروع أبعادًا سياسية واجتماعية في سياق دولة حديثة الاستقلال تتبنى التوجه الاشتراكي بعد حرب تحرير طويلة. وقد شارك في تنفيذ المشروع أكثر من 150 ألف شخص، أغلبهم من شباب الخدمة الوطنية، إضافة إلى عدد كبير من العاطلين عن العمل والفلاحين المحليين[5].
مراحل إنجازه
نظرًا إلى ضخامة المشروع، فقد أُسندت مهمة التنفيذ إلى وزارة الدفاع الوطني باعتبار ما يتوفر لديها من الإمكانات اللوجستية الضرورية، إضافة إلى الموارد البشرية المتمثلة في شباب الخدمة الوطنية، الذين شكّلوا الغالبية العظمى من اليد العاملة الميدانية المكلفة بعمليات الغرس. إلى جانب وزارة الدفاع، شاركت كتابة الدولة للغابات في عمليات التنفيذ والإشراف التقني[6].
وقد امتدّ مشروع السد الأخضر على أربع مراحل رئيسة[7]:
المرحلة الأولى (1970-1980)
تميزت هذه المرحلة بإنشاء مشاتل غابية كبرى لتوفير الغرسات اللازمة للمشروع، إذ اعتُمد بشكل شبه حصري على زراعة الصنوبر الحلبي، بمعدل إنتاج سنوي تراوح بين أربعة وسبعة ملايين نبتة. غير أن هذا الخيار الأحادي كشف محدوديته بسبب غياب الدراسات التقنية المسبقة، وعدم ملاءمة تربة العديد من المناطق السهبية لاحتياجات هذه النبتة، إلى جانب ضعف عمليات السقي والصيانة، ما أدى إلى تلف مساحات واسعة من الأشجار نتيجة تساقط أوراقها وجفافها المبكر.
المرحلة الثانية (1981-1990)
سعت السلطات خلال هذه المرحلة إلى تدارك النقائص التقنية التي عرفتها المرحلة السابقة، من خلال تنويع النباتات المزروعة وإدخال خمسة عشر صنفًا جديدًا من الأشجار، إضافة إلى توسيع المشاتل وتقريبها من مناطق الغرس، وتحسين طرق تحضير التربة وأنظمة السقي. وقد أسهمت هذه الإجراءات في رفع مردودية المشروع وتقليص نسبة الأشجار المتضرّرة.
المرحلة الثالثة (1990-1993)
شهدت هذه المرحلة إعادة هيكلة عميقة في تسيير المشروع، ففي عام 1990 قررت وزارة الدفاع الوطني سحب وحداتها المكلفة بالإنجاز، في ظل الظروف الأمنية والسياسية الصعبة التي عرفتها البلاد آنذاك. وعقب ذلك، نُقلت مسؤولية التسيير بالكامل إلى مصالح الغابات، وإنشاء الوكالة الوطنية للغابات لتتولى الإشراف المباشر على مواصلة تنفيذ المشروع.
المرحلة الرابعة (1994-2005)
أُطلقت خلال هذه الفترة مرحلة الأشغال الكبرى في تشرين الثاني/ نوڨمبر 1994، بهدف إعطاء دفعة جديدة للمشروع. شمل البرنامج حينئذ توسيع مساحات مصدّات الرياح، وإعادة تشجير المناطق المتدهورة، وإنشاء أكثر من 90 نقطة مائية لتزويد الغابات بالمياه، إضافة إلى فك العزلة عن المناطق الغابية من خلال شق طرق جديدة بلغ طولها الإجمالي نحو 5000 كيلومتر.
الحصيلة والتحديات
بعد أكثر من أربعة عقود على إطلاق المشروع، تبقى حصيلته متباينة. فعلى الصعيد السلبي، لم يحقق المشروع نسبة التغطية النباتية المستهدفة، وذلك لأسباب عدة، أبرزها نقص الدراسات التقنية الجادّة وغياب المتابعة المنتظمة وأعمال الصيانة. وقد أدى ذلك إلى تلف مساحات واسعة من الأشجار، ولا سيما الصنوبر الحلبي، نتيجة انتشار الحشرات الضارة مثل دودة الصنوبر.[8] كذلك تسبب ضعف الدراسات التقنية في بروز إشكالات قانونية مع بعض سكان المناطق التي اختيرت لإنشاء السد الأخضر، بسبب امتلاكهم حق الانتفاع بتلك الأراضي، ما أدى إلى تعطيلات متكررة للمشروع نتيجة الإجراءات القضائية المتعلقة بتحويل الملكية إلى الدولة وتعويض الأهالي المتضررين[9].
ورغم مسؤولية الدولة في بعض أوجه الإخفاق، توجد عوامل طبيعية خارجة عن السيطرة، في مقدمتها موجات الجفاف الشديدة التي شهدتها الجزائر خلال العشرية الأولى والثانية من القرن الحادي والعشرين، فضلًا عن الرعي الجائر في المناطق السهبية.
ورغم إخفاق المشروع في تحقيق أهدافه الكمية من حيث المساحة المغطاة نباتيًا، فإنه أسفر عن عدة آثار إيجابية، من أبرزها[10]:
- إعادة تأهيل المراعي، ما ساعد على الحفاظ على الثروة الحيوانية، خصوصًا وأن الاقتصاد المحلي في المناطق المشمولة بالمشروع يعتمد بدرجة كبيرة على الرعي وتربية الأغنام.
- فك العزلة عن المناطق النائية، إذ أسهم شق الطرق الغابية في ربط عشرات القرى السهبية وتحسين ظروف معيشة سكانها.
- تنويع الغطاء النباتي، من خلال إدخال سلالات غابية ورعوية ومثمرة جديدة، ما أدى إلى زيادة التنوع البيولوجي في المناطق السهبية وتطوير أنشطة الرعي والفلاحة وخلق فرص اقتصادية جديدة.
- تثبيت الكثبان الرملية، من خلال الحد من زحف الرمال الداخلية، وهي أحد أبرز أسباب التصحر، وبذلك نجح، رغم محدودية نتائجه، في التقليل من حدة هذه الظاهرة.
إعادة تأهيله
في نيسان/ أبريل 2024، أعلنت السلطات الجزائرية عن برنامج وطني واسع لإعادة تأهيل السد الأخضر يمتد على سبع سنوات، يهدف إلى إعادة تشجير أكثر من مليون هكتار من الأراضي السهبية. ويرتكز البرنامج الجديد على زراعة أنواع مثمرة ذات مردودية اقتصادية وقادرة على التكيّف مع خصوصيات المناخ السهبي، مثل الزيتون، واللوز، والفستق، والخروب[11].
ويتضمن البرنامج أيضًا مقاربة تنموية جديدة تربط بين البعد البيئي والاقتصادي، من خلال خلق فرص عمل للشباب، وتشجيع المؤسسات الناشئة العاملة في مجال تهيئة المساحات الخضراء وصيانتها على الانخراط في تنفيذ المشروع، بما يسهم في جعل السد الأخضر رافعة للتنمية المحلية المستدامة.
وقد بلغت مساحة التغطية الغابية للسد الأخضر حتى آذار/ مارس 2026، ما يناهز 4.7 مليون هكتار[12].
المراجع
العربية
بن عمار، يونس. "السد الأخضر. برنامج وطني لإعادة التأهيل يغطي 4.7 مليون هكتار". الجزائر اليوم، 19/3/2026. في: https://acr.ps/hBy6Fgx
الأجنبية
Adair, Philippe. «Mythes et réalités de la réforme agraire en Algérie. Bilan d'une décennie.» Etudes rurales. no. 85 (1982). pp. 49-66.
Lamribene, Hocine. «Relance du barrage vert: Des enjeux économique et écologique.» El -Watan. 09/04/2024. at: https://acr.ps/hBy6EpA
Rahmani, Nedjia. «Stratégie d’adaptation au changement climatique: l’expérience du barrage vert en algérie.» Forêt méditerranéenne. vol. 38, no. 3 (septembre 2017).
Oldache, El-Hadi. «Le Barrage Vert : Bilan Physique et Perspectives.» Annales de la Recherche Forestière en Algérie. vol. 11, no. 1 (2021). pp. 7-20.
[1] Philippe Adair, «Mythes et réalités de la réforme agraire en Algérie. Bilan d'une décennie», Etudes rurales, no. 85 (1982), pp. 49-66.
[2] El-Hadi Oldache, «Le Barrage Vert : Bilan Physique et Perspectives», Annales de la Recherche Forestière en Algérie, vol. 11, no. 1 (2021), pp. 7-20.
[3] Ibid.
[4] Ibid.
[5] Ibid.
[6] Nedjia Rahmani, «Stratégie d’adaptation au changement climatique: l’expérience du barrage vert en algérie», Forêt méditerranéenne, vol. 38, no. 3 (septembre 2017). https://www.foret-mediterraneenne.org/upload/biblio/FORET_MED_2017_3_299-302.pdf
[7] Ibid.
[8] Oldache, op. cit.
[9] Ibid.
[10] Ibid.
[11] Hocine Lamribene, «Relance du barrage vert : Des enjeux économique et écologique», El Watan, 9/4/2024, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/hBy6EpA
[12] يونس بن عمار، "السد الأخضر.. برنامج وطني لإعادة التأهيل يغطي 4.7 مليون هكتار"، الجزائر اليوم، 19/3/2026، شوهد في 24/6/2026، في: https://acr.ps/hBy6ECH