حادثة المروحة (29 نيسان/ أبريل 1827)، واقعة دبلوماسية اندلعت بين الداي حسين (1764-1838) والقنصل الفرنسي بيير دوڤال (Pierre Deval، 1758-1829) على خلفيةِ نزاعٍ مالي قديم يتعلق بديون القمح التي امتنعت فرنسا عن تسديدها.
اعتبرت فرنسا الحادثة إهانةً لكرامتها، فاتخذتها ذريعة لفرض حصار بحري، ثم تهيئة الرأي العام والسياسي لشن حملة عسكرية انتهت بغزو الجزائر عام 1830، وبداية الاحتلال الفرنسي لها.
الخلفية التاريخية
بعد الثورة الفرنسية عام 1789 وما تبعها من اضطرابات داخلية، لجأت فرنسا إلى التزوّد بالقمح من إيالة الجزائر عبر عائلتَي بَكري وبوشناق اليهوديتين، اللتين كانتا تمتلكان وكالةً تجارية في مدينة الجزائر. وكانت هاتان العائلتان تستدينان من داي الجزائر لتمويل عمليات شراء القمح لصالح فرنسا. ومع مرور الوقت، تراكمت ديون فرنسا لدى العائلتين، فأصبح الداي الدائنَ النهائي لما يُناهز عشرة ملايين فرنك فرنسي عام 1798، ثم ارتفع إلى أربعة عشر مليون فرنك بفعل تراكم الفوائد[1]. ورغم المطالبات المتكرّرة، أبدت الحكومات الفرنسية المتعاقبة تعنّتًا في سداد الدين. وفي عام 1819، توصّلت الحكومة الفرنسية وإيالة الجزائر، في عهد الداي حسين، إلى اتفاق ينص على دفع سبعة ملايين فرنك بعد تنازلات قدَّمها الداي. غير أنّ فرنسا لم تلتزم بسداد المبلغ كاملًا، وظلّت مدينة بنحو نصفه[2].
واصل الداي حسين مطالبَه الملحّة لاسترجاع المستحقات الجزائرية، لكن الحكومة الفرنسية واصلت المماطلة، ما أدّى إلى توتر كبير في العلاقات بين الطرفين. وقد زاد هذا التوتر بسبب قنصل فرنسا في الجزائر، بيير دوڤال، الذي كانت تصرّفاته، منذ تعيينه عام 1814، تثير استياءَ الداي حسين، فقرر استدعاءه إلى قصره في 29 نيسان/ أبريل 1827.[3]
مجريات الحادثة
استعمل القنصل دوڤال نبرة متعجرفة للرد على سؤال الداي حول أسباب تجاهل ملك فرنسا لرسائله، إذ قال: "ملك فرنسا لا يُكاتب داي الجزائر؛ لديه أشياء أخرى أهمّ ليعملها"، وهو ما أثار غضب الداي الذي ضربه بمروحةِ يدٍ وشتَمَه[4].
رفع القنصل تقريرًا إلى سلطات بلاده تُليَ أمام مجلس الوزراء الفرنسي، ذَكَر فيه أن الداي اتهمه بتسميم العلاقات بين الداي وملك فرنسا وتحريض الملك على تجاهل رسائله، مستعملًا ألفاظًا جارحة مثل "خبيث" و"كافر"، قبل أن يوجِّه إليه ثلاث ضربات بالمروحة ويأمره بمغادرة القصر[5].
أما في رواية سيمون بفايفر (Simon Pfeiffer)، وهو أسير ألماني خدم في قصر الداي وكان شاهدًا على الحادثة، فيُذكَر أن القنصل الفرنسي تجاوز حدودَ اللياقة إلى حدّ تهديد الداي بتدخلٍ عسكري فرنسي، ما أدى إلى انفجار غضب الداي الذي ضربه على وجهه بمروحة اليد[6].
ورغم تباين الروايات في التفاصيل، فإنها جميعها تتفق على أن الحادثة كانت نتيجة تراكُم التوتر الدبلوماسي والاقتصادي بين الجزائر وفرنسا، وأنها شكلت الشرارة التي مهّدت لاحقًا للحملة العسكرية الفرنسية على الجزائر عام 1830.
ردود الفعل الفرنسية
كان لحادثة المروحة وقعٌ كبير في الأوساط السياسية والصحفية الفرنسية، إذ اعتبرتها إهانةً للكرامة الوطنية ومساسًا بالهيبة الدبلوماسية لفرنسا. وسرعان ما أصبح الانتقام من داي الجزائر موضوع الساعة في النقاش العام، رغم اختلاف الآراء حول الوسيلة الأنسب لذلك. ففي حين دعا فريقٌ إلى شنّ حملة عسكرية مباشرة ضد الجزائر، فضّل آخرون فرضَ حصار بحري لإجبار الداي على الخضوع من دون مواجهة مفتوحة[7].
في النهاية، قررت الحكومة الفرنسية توجيه إنذار رسمي إلى الداي، وأرسلت عدة سفن حربية ترافقها رسالة تطلب منه رفع العلم الفرنسي فوق حصون الجزائر، وتحية الأسطول الفرنسي بإطلاق مئة طلقة مدفع. وقد تضمّنت الرسالة تهديدًا صريحًا بأنّ عدم تنفيذ المطالب خلال أربع وعشرين ساعة سيؤدي إلى بدء العمليات العسكرية فورًا. ومع انتهاء المهلة من دون ردٍّ إيجابي من الداي، فرضَ الأسطول الفرنسي حصارًا بحريًا على مدينة الجزائر ابتداءً من 12 حزيران/ يونيو 1827.[8]
استمر الحصار ثمانية عشر شهرًا من دون تحقيق نتائج ملموسة، ما أثار انتقادات متزايدة داخل فرنسا، خصوصًا من أوساط الحكومة التي رأت في الحصار عبئًا ماليًا على الخزينة ودليلًا على عجز السياسة الخارجية. وطالب بعض السياسيين بالتوجه نحو تدخل بري لإنهاء الموقف، في حين ظلّ البرلمان الفرنسي متحفظًا إزاء خيار الحرب. وفي نيسان/ أبريل 1829، أُرسِلت بعثة دبلوماسية فرنسية جديدة إلى الجزائر للمطالبة باعتذار رسمي من الداي، غير أن هذا الأخير تمسّك بموقفه الرافض، رغم بعض بوادر التهدئة مثل تبادل الأسرى بين الجانبين. عاد التوتر إلى التصاعد من جديد في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه حين قرّر الداي طرد الموظفين الفرنسيين المتبقّين في القنصلية، ما اعتُبر تحديًا صريحًا لفرنسا[9].
في هذه الأثناء، كانت فرنسا تشهد أزمة سياسية داخلية بعد تقدّم التيار الليبرالي في انتخابات 1829، الأمر الذي دفع الملك شارل العاشر (Charles X، 1757-1836) إلى تعيين جول دو بولينياك (Jules de Polignac، 1780-1847) رئيسًا للحكومة في آب/ أغسطس 1829. وقد عُرفت حكومته بميولها الاستبدادية وضعفها السياسي، لكنها كانت مقتنعة تمامًا بخيار الحرب ضد الجزائر باعتباره وسيلة لاستعادة هيبة العرش. ووجد دو بولينياك دعمًا قويًّا من وزير الحرب الكونت دي بورمون (Comte de Bourmont، 1773-1846) ووزير البحرية والمستعمرات البارون دو أوسيه (Baron d’Haussez، 1778-1854)، ما مهّد فعليًا لاتخاذ القرار النهائي بشنّ الحملة العسكرية على الجزائر عام 1830[10].
نتائجها وتداعياتها
أسفر صعود حكومة دو بولينياك عن تسريع اتخاذ قرار غزو الجزائر، إذ وافق مجلس الوزراء الفرنسي في كانون الثاني/ يناير 1830 على خطة الحملة العسكرية التي أعدّها وزير الحرب دي بورمون، والذي أُسندت إليه لاحقًا قيادة العملية العسكرية. وفي 14 حزيران/ يونيو 1830، نزلت القوات الفرنسية البرّية، التي بلغ عددها نحو 37 ألف جندي، في شاطئ سيدي فرج الواقع غرب مدينة الجزائر. ورغم المقاومة التي واجهتها القوات الفرنسية من جيش الداي حسين، استطاعت التقدّم نحو العاصمة ومحاصرة قصر الداي.[11]
بعد انهيار الدفاعات الأخيرة للجزائريين، اضطرّ الداي في 5 تموز/ يوليو 1830 إلى توقيع معاهدة الاستسلام، التي سمحت له بمغادرة البلاد رفقة أسرته وحاشيته إلى منفاه في مدينة نابولي بإيطاليا[12]، وبدأت بذلك مرحلة جديدة من تاريخ الجزائر، تمثّلت في الاحتلال الفرنسي الذي استمر حتى 5 تموز/ يوليو 1962.
المراجع
العربية
بفايفر، سيمون. مذكرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر. ترجمة أبو العيد دودو. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1974.
شيخ، فطيمة. "الداي حسين باشا آخر شخصية عثمانية تحكم الجزائر". الحوار المتوسطي. مج 6، العدد 2 (2015). ص 459-476. في: https://acr.ps/1L9F2AZ
الأجنبية
Icheboudene, Larbi. Alger, Histoire d’une capitale. 2 ndeème ed. Alger: Casbah Editions, 2008.
Montagnon, Pierre. Histoire de l’Algérie, des origins à nos jours. Paris: Editions Pygmalion, 2012.
Ruscio, Alain. La première guerre d'Algérie: d’Algérie: Une histoire de conquête et de résistance (1830-1852). Paris: La Découverte, 2024.
[1] Alain Ruscio, La première guerre d'Algérie: Une histoire de conquête et de résistance (1830-1852) (Paris: La Découverte, 2024), pp. 60-96.
[2] Ibid.
[3] Ibid.
[4] Larbi Icheboudene, Alger, Histoire d’une capitale, 2nde ed. (Alger: Casbah Editions, 2008), p. 94.
[5] Ruscio, op. cit.
[6] يُنظر: سيمون بفايفر، مذكرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر، ترجمة أبو العيد دودو (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1974)؛
Icheboudene, p. 93.
[7] Ruscio, op. cit.
[8] Ibid.
[9] Ibid.
[10] Ibid.
[11] Ibid.
[12] فطيمة شيخ، "الداي حسين باشا آخر شخصية عثمانية تحكم الجزائر"، الحوار المتوسطي، مج 6، العدد 2 (2015)، ص 469، في: https://acr.ps/1L9F2AZ