المقامةُ جنس أدبيّ عربيٌّ يجمع بين النثر والشعر. ظهر هذا الفنّ في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي بوساطة بديع الزَّمان الهَمَذَانِيّ (358-398هـ/ 968-1008م)، ثم أبي محمد القاسم الحَرِيرِيّ، ويقوم على راوٍ يروي أحداثًا اضطلع بها بطلٌ وَهْمي يتّسم بالذكاء، وغالبًا ما تُصاغ في إطار حكائي قصير يدور في مجلس، أو مقامٍ، واحد.
حظيت المقامة باهتمام مبكّر في التراث العربي، وقد كان مُنطلَقُها ما كان يحدث من حوارات بين الهمذانيّ صاحب المقامات وأبي بكر الخُوَارِزْميّ (323ـ-383هـ/ 934م-993م). وممّن كان له كبير اهتمام بها: أبو منصور الثَّعَالِبيّ (350هـ-429هـ/ 961-1038م) صاحب كتاب يتيمة الدَّهر؛ وإبراهيم الحُصْرِيّ القيرواني (ت. 413هـ/ 1061م) مؤلِّف كتاب زهر الآداب، الذي تناولها من ناحية جذورها.
وقد درس بعض المعاصرين المقامات من جهة قصصيّتها، ونُظِر فيها كذلك من ناحية ما فيها من أسجاع مؤدّية إلى مظاهر من الإيقاع. ومِن الدَّارسين مَن استقرأ ما فيها من أجناس قوْليَّة أخرى كالخطبة والحديث والرسالة وغيرها، ومنهُم مَن قاربَها من زاوية طرق قراءتها وتقبّلها من حيث هي جنس أدبي مُستحدَث. تطور مفهوم الأدب في المقامة، فقد تحوّلت من وسيلة لترسيخ القيم الأخلاقية والتعليمية إلى أداة فنية لتقويض التفكير التقليدي وممارسة النقد الاجتماعي عبر التمثيل اللعبي والمفارقة الساخرة.
نشأتها وجذورها
اشتُقّ من مادّة "قوم" اسم "مقام"، وهو مصدر ميميّ، واسم مكانٍ أيضًا. وممّا يعنيه المقام الوقوف ومكانه. ومن المادّة نفسها اشتُقَّ اسم المقامة، والمقامة لا تشترك مع المقام في الجذر الثّلاثي فحسب، إنّما تشترك معه في إفادة مقام القول نفسه. تذكُرُ نصوص المقامات المقامةَ بمعنى المجلس وبمعنى قيام الخطيب[1]. وممّا تعنيه المقامة أيضًا الإقامة لإنجاز عملٍ ما، ولا سيما عمل القول. ولئن كان أصلُ المقامةِ والمقامِ المجلسَ والمكان، فإنّه اتَّسع ليعني أيضًا الجالسِين فيه، ويعني أيضًا ما يُقام في هذا أو في ذاك من خطبة أو عظة وما شابههما[2]، وقد جرى هذا المعنى في ما قد كُتِب عن مقامات الزّهّاد عند الملوك والخلفاء. وقد استعمل الهَمَذَانِيّ كلمة "مقامة" في أكثر من مناسبة في مقاماته، إذ أجراها بمعنى مجلس السّادة والحديث، واستعملها بمعنى الموعظة[3].
إنّ اقترانَ المقامةِ بما يُساق فيها من أحاديث وخطب ومواعظ كفيلٌ بتنزيلها منزلة الأقوال الشفويّة، وهي خاضعة لثنائية السند والمتن التي تتحكّم في ما يتداوله العرب من أخبار وأحاديث. لكنّ النّاظر في طريقة الصّنعة التي صِيغت بها، يتبيّن له أنّها أقرب إلى منطق الكتابة الذي يقتضي مزيد التّدبُّر في المكتوب المُوشَّح بأنظمة كثيرةٍ للكتابة، مِن قَبِيل: الكتابة السجعيّة، والصّياغة بأساليب البديع {{علم البديع: علم من علوم البلاغة العربية. أوّل من وضع قواعده هو الخليفة العباسي عبد الله بن المعتز، ومِن رُوّاده قدامة بن جعفر ويحيى بن حمزة. وينقسم إلى محسّنات معنوية ولفظية.}} والمجاز {{المجاز: عنصر أو أسلوب من أساليب البلاغة، وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر الذي وُضِع له وإقرانه بمعنًى آخر هو المقصود. وله عدّة أنواع: المجاز المفرد المرسل، والمجاز المفرد بالاستعارة، والمجاز المركّب المرسل، والمجاز المركّب بالاستعارة، أو المجاز العقلي والمجاز اللغوي.}}، وغير ذلك ممّا يدخل في فنّ الكتابة. لذلك، لا يجوز الاطمئنان إلى عَدِّ المقامة جنسًا شفويًا بحجّة أنها قول ينخرط في مقام المجلس، ولا يجوز أيضًا أخذ ما رُوِي عن الهَمَذَانِيّ من سهولةٍ في ارتجالها[4].
تُعد مسألة النشأة من القضايا الجدلية في دراسة جنس المقامة، وقد عَدَّها بعض الدّارسين "بدعة أدبيّة تكاد، من فرط تميُّزِها عن أنماط الكتابة المعهودة، تكون قائمةً على غير أصل"[5]. هذا الرّأي قد يُبرِّره عدم وجود جنس سابق للمقامات يُحاكِيها، بحسب ما ذهب إليه جلّ الدارسين للمقامة ومسألة نشأتها، عدا بعض الدارسين - قديمًا وحديثًا - ممّن أرجعوا هذه النّشأة إلى أبي بكر محمّد بن الحسين بن دُرَيْد الأسَدِيّ (ت. 321هـ/ 933م). يقول أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحُصْريّ (ت. 435هـ/ 1043م) في هذا الشأن: "ولمَّا رأى [أي الهَمَذانِيّ] أبا بكر محمّد بن الحسين بن دُرَيْد الأَزْدِيّ أغربَ بأربعين حديثًا، وذكر أنّه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض أعجميّة وألفاظ حوشيّة، فجاء أكثرُ ما أظهرَ تنبو عن قَبوله الطباع، ولا ترفع له حجبَها الأسماع، وتوسّعَ فيها، إذ صرّف ألفاظها ومعانيها في وجوه مختلفة، وضروب متصرّفة، عارضها بأربعمئة مقامة في الكُدية تذوب ظرْفًا، وتقطُرُ حُسْنًا"[6]. ومِمَّن جارى الحُصْريّ في هذا الرأي، الأديب المصري زكي مبارك (1892-1952). غير أنّ عبد الفتاح كيليطو يُشكِّك في صحّة ما ذهب إليه الحُصْرِيّ من تأثر الهَمَذَانِيّ بابن دُرَيْد؛ وحجّته في هذا أنّ الحُصْرِي وحده، دون مؤلِّفي التراجم، هو الذي تحدَّث عن الأربعين حديثًا التي وضعها ابن دُرَيْد. ثمّ إنّه لم يورد أيًّا من هذه الأحاديث في كتابه زهر الآداب وثمرة الألباب. وشَكَّك كيليطو أيضًا في ما ذهب إليه مبارك، الذي اعتمد على ستّين حديثًا منسوبًا إلى ابن دُرَيْد في كتاب الأمالي لأبي علي القَالِي (ت. 356هـ/ 966م)، فتخيَّر منها أربعين حديثًا وطَرَحَ البقية، وهو ما جعل كيليطو يُشكِّك أيضًا في وجاهة ما رآه زكي مبارك[7].
ولئن لم يثبُت تأثّر الهَمَذانِيّ بابن دُرَيْد، فإنّ الناظر في هذه المقامات يجد فيها أصداءً لأجناس قوْليّة قديمة كثيرة، كالشعر الشائع فيها. ولا يظهر هذا الشعر بوصفه أبياتًا تنتشر انتشارًا كبيرًا في المقامات فحسب، بل تَستلهِم طرائقُه في تشكيل المقامة تشكيلًا يُحاكي ما في الشعر من إيقاع ومجاز وبديع. كذلك فإن للشّعر في المقامة ضربًا آخرَ من الآثار، يتمثّل في أصداء الشعراء الذين أقاموا شعرهم على تجاوز بعض القِيَم والتقاليد المُتّبَعة في سلوك الناس، وتضمُّنِه مظاهر فحش، واعتمادِه الكُدية (التكسّب بالحيلة والفصاحة) منهجًا في العيش. ومن بين هؤلاء الشعراء: أبو دُلَف الخَزْرَجِيّ (نحو القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، وهو من أصحاب الهَمَذَانِيّ الذين استشهدوا ببعض أشعاره في المقامات؛ والحسين بن أحمد بن الحَجَّاج (330-391هــ/ 941-1001م)[8]. ولهذا الفكْرِ الخارجِ عن السائد من التّقاليد في شعر هذَيْن، ما جاء في نماذج من النّثر القديم. مَثَلُ ذلك الأحاديثُ التي تتعلّق باللصوص والمكدين، كما في أقوال خالد بن يزيد في كتاب البخلاء للجاحظ (ت. 255هـ/ 868م)[9]، وعند أبي القاسم البغدادي، الذي وصف نفسَهُ مُتباينةَ الصّفات والمتشكّلةَ تشكُّلًا عجيبًا وصفًا ينبو عن التقاليد والأعراف[10].
هذه الصفات التي يتّصف بها اللصُّ في حديث خالد بن يزيد، والسّمات التي يتّسم بها أبو القاسم البغدادي، لها ما يُحاكيها في المقامات من مضارباتٍ يضطلع بها أبو الفتح الإسكندري بطل مقامات بديع الزمان، فيظهر في "المقامة الخمريّة" كإمام، وفي المقامة نفسها يظهر أنه من المتردّدين على الحانة؛ وهو في "المقامة الوعظية" خطيب واعظ[11]؛ أمّا في "المقامة المكفوفيّة" فمُهرِّجٌ يستنزف أموال المتفرّجين بالحيلة والخداع، وهو يصف نفسه في آخر المقامة بـ"أبي قلمون [...] في كلّ لون يكون"[12]. ويبدو أنّ المقامات ليست ببعيدة عن أجناس الأدب عند العرب، وقد شاعت فيها والتبست بمنطقها، فأصبحت جنسًا أدبيًا مجلسيًا، تأتي بوصفها حديثًا يُلقيه خطيبٌ في مجلس، ويتولّى روايتَه راوٍ لا ينفكّ يقتفي آثار خطيبٍ يتشكّل بأشكال مختلفة، وبها يتحيّل على من يضمّه المجلس من الحاضرين، بفصيح العبارة وموقع التراكيب وقوّة الحجّة، للحصول على المال.
خصائصها
مِن أظهَرِ سمات المقامة أنها من "المَحكيّات النّثريّة المسجوعة والإيقاعيّة التي تُشخِّص راويًا وشخصيّة شطّاريّة"[13]. وهي من جنس الكتابة النثريّة، مثلها مثل كثير من أجناس القول الأدبيّة التي عرفها العرب، كالخبر والحديث والخطبة والرسالة وغيرها، ولكنّها تتميّز بصياغتها السّجعيّة المؤدّية إلى إيقاعات يُحقّقها تكرار الحرف الأخير في تراكيب متوازية من الناحية النحوية، ومثال ذلك تكرار الحرف الأخير في "المقامة الحلوانية" للهَمَذانِيّ، عندما قال: "فاخْتَر لنَا حَمَّامًا نَدْخُلهُ وحَجَّامًا نَسْتَعمِلهُ. وَليَكُنِ الحَمَّامُ وَاسِعَ الرُّقْعَةِ نَظِيفَ البُقْعَة"[14]. فالسجع قائمٌ بين التركيبَيْن "ندخله" و"نستعمله" من ناحية انتهاء كلٍّ منهما بحرف الهاء، وهو قائمٌ أيضًا بين اسمَي "البقعة" و"الرقعة". والإيقاع في هذا الشاهد مُحقَّقٌ أيضًا بالتوازي التركيبي المُنجَز في قسمَي التركيب العطفي: "حمّامًا ندخله"، و"حجّامًا نستعمله"؛ وفي مُكوِّنَي التركيب الإضافي الثاني: "واسع الرقعة"، و"نظيف البقعة".
ومِمّا يجري مجرى الأقاويل الشعريّة في المقامات، نزوعُها إلى التصوير القائم على المجاز، كما ورد في "المقامة الكوفيّة" للحَرِيرِيّ، وهو مِن كبار من حاكوا أسلوب المقامة الذي صاغه الهَمَذَانِيّ، كقوله: "سَمَرْتُ بالكوفةِ في لَيْلَةٍ أَدِيمُهَا ذُو لَونَيْن، وَقَمَرُهَا كَتَعْويذٍ مِن لُجَيْن، مَعَ رِفْقَةٍ غُذّوا بِلِبَانِ البَيَان، وسَحَبُوا عَلَى سَحْبَانَ ذَيْلَ النِّسيَان"[15].
ومن خصائص النثر في المقامة قيامُها على السند والمتن، وهو شأنُ ما يقوم عليه الحديث والخبر. يملأ السندَ راوٍ خياليٌّ هو عيسى بن هشام في مقامات الهَمَذَانِيّ، والحارث بن همّام البَصْرِيّ في مقامات الحَرِيرِيّ. أمّا المتن، فيشغله أبو الفتح الإسكندري في مقامات الأوّل، وأبو زيد السَّرُوجي في مقامات الآخر، وهما شخصيتان كثيرتا الترحال، تمتازان بفصيح البيان والتحيّل لابتزاز المال، وهُما محلّ متابعة دائمة من الراوِيَيْن المذكورَيْن، يتعطّشان إلى ما يُفصِح عنه الإسكندري والسَّرُوجي من قوّةِ بلاغةٍ وعُمْق حجاج.
تختَصُّ هذه الشّخصيات جميعها بأنها من عوالمَ تخيّلية، لذلك فإن السند والمتن يخرجان في المقامات عن السُّنَن التي يخضع لها الخبر والحديث عند العرب، ويُحوَّلان من وسيلتَيْن مُسخَّرَتَيْن للتّوثيق والتحقيق إلى أداتَي مُحاكاةٍ ساخرة، مقتضاها توظيف أسلوبٍ نبيلٍ لتقديم موضوع من الهزل واللعب[16]. ولم يعودا يُستعمَلان للإخبار عمّا وقعَ وصارَ من وقائع على سبيل الحقيقة، بل للإخبار عمّا يمكن أن يقع من أعمال فيها من اللعب والسخف والحيل للكسب، وما يخرج بها عن السائد في ذلك العصر من القِيَم والتقاليد، فأصلُ السند أن يُعتمَد لنقل أحاديث الرّسول بقصد تحقيقها، أو نقل ما كان من الوقائع في التاريخ.
إذا نُظِر في جوهر السند في المقامة، يتبيّن وجود راوٍ مَشوب بنوعٍ من الالتباس، كما يظهر في قول "حدّثنا عيسى بن هشام قال". احتوى السند على راويَيْن: عيسى بن هشام، و"نحن"؛ وهذا قد حوَّلَ المقول من نطاق المشافهة إلى نطاق الكتابة، فعلى من يعود ضمير المتكلّم في صيغة الجمع "نحن"؟ فهو ليس الهَمَذَانِيّ، بوصفه شخصية تاريخية لا يجوز تعامُلُها مع آخر مُشكَّلٍ مِن خيال، إذ لا يمكن في عُرْف السرديات أن يتواصل كائنٌ تاريخيٌّ مع آخر تخيّلي؛ ووجود مقاطع من رسائل الهَمَذَانِيّ في المقامات لا يُبرِّر القطع بأن يكون حجّة على تَماهٍ بين "نحن" والمؤلِّف. إنَّ الأقرب إلى منطق الأدب أن يتعلّق هذا الضمير بمخاطَبٍ مُختلَقٍ هو الآخر، يُقصَد به أن تجري المقامة في مقام يجمع القائل وجماعة الحاضرين كما يحوج إليه أصل المقامة، تماشيًا مع ما هو داخلٌ في أدب المجالس[17].
علاقتها بفنون القصص
يكشف تتبع المقامات عن جريان زمان الأحداث فيها بيسر، ولا سيما ما تضطلع به شخصيّتا الإسكندري والسَّرُوجيّ. وأنْ يجري الزمن في المقامات، فهذا يعني تحوّلًا يطرأ على هذه الأعمال، وهو تحوّلٌ مَشوبٌ بسمة أخرى هي السببية، وأصلُ القَصَصِ أن يخضع لهذَيْن العنصرَيْن في تحوّله: الزمن، والسبب[18]. يَتجسَّد الزمن في مقامات الهَمَذَانِيّ أو الحَرِيرِيّ في ترحال بَطلَيْ هذه المقامات من بلد إلى آخر للتّكسُّب بالحيلة، ومِن ورائِهما راويان لا ينفكّان يتتبّعانهما أيضًا بحثًا عن أدبٍ يفيدانه، أو تجارةٍ يكسبان منها، أو عن أشياء أخرى. وتكشِفُ عن كثرة الترحالِ عناوينُ المقامات المنسوبةُ إلى الأمكنة التي يقصدها هذا البطل أو ذاك؛ ومثال ذلك ما في مقامات الهَمَذَانِيّ، مثل: "المقامة البغداذية"، و"المقامة الأذربيجانيّة"، و"المقامة الشيرازيّة"، وغيرها؛ أو ما يتبيّن في مقامات الحَرِيريّ، من مثل: "المقامة المَكِّيّة"، و"المقامة البغدادية"، و"المقامة الفُراتيّة" على سبيل المثال.
وبالنظر إلى الوحدات الزمنيّة والسببيّة في المقامة، يتبيّن ما يُسمّيه عُلماء السرد "وظائف سردية"، وهي الأحداث وأدوارها المرتّبة حسب السببية، فالحدث يكون سببًا لحدثٍ سابقٍ أو نتيجةً له. غالبًا ما ترد الأحداث في المقامات مرتّبة، تبدأ بوصول الرّاوي إلى مدينةٍ ما، ثم التقائه بشخصيّة متنكّرة، ثم بروز شخصيّة البطل التي تَتَّصف بقوّة البيان والبلاغة، ثم تأثّر الحاضرين بأقوال البطل الخطيب، وأخيرًا مكافأته والتعرّف إلى حقيقته، ومعاتبته على تحيُّله على الناس، وتبرير شخصيّة البطل لأفعالها بالشِّعْر.
قد تحضُر هذه الوظائف الحَدَثِيّة جميعها كما في مقامات الهمذاني: البُخاريّة، والمكفوفيّة، والساسانيّة، والجاحظيّة؛ وقد يغيب بعضها، كأن تغيب وظيفة التّبرير بالشِّعْر في آخر المقامة، كما في المقامتَيْن "الشّيرازيّة" و"النّهديّة"؛ بل قد تغيب أحيانًا وظيفة المكافأة، كما في المقامتَيْن "الوعظيّة" و"النّهديّة". ومِن أهمّ ما قد يختفي من وظائف، وظيفةُ الخطبة التي بها يتخفّى الإسكندري ليتحيَّلَ على الحاضرين، في المقامتَيْن "المضيريّة" و"البغداذيّة". ويمكن الاستدلال على النسق الوظائفي الأكثر تواترًا في المقامات مثلًا، بما جاء في "المقامة القزوينيّة" من مقامات الهَمَذَانِيّ، وقد ورد على النحو الآتي: وصول ابن هشام إلى قزوين: "غزوت الثّغر بقزوين"؛ ثم التقاؤه خطيبًا مكديًا يسوق أقوالًا شعرًا ونثرًا مُستعطِفًا الحاضرين، بقوله: "فَمَا مَلَكَنَا النّومُ حَتّى سَمِعْنَا صَوتًا أنْكَرَ مِن صَوتِ حِمَار [...] فإذَا هو يَقولُ عَلى إيقَاعِ الطّبُول"؛ ثم بروز الخطيب بقوّة خطبته، كقوله: "أَدْعُو إلى اللهِ فَهَلْ مِن مُجِيب *** إلى ذَرًا رَحْبٍ وَمَرْعًى خَصيب"؛ ومن ثم تأثّر الحاضرين بالخطبة بالقول: "فاستفزّني رَائِعُ ألْفَاظِهِ"، وتعرّف ابن هشام إلى الإسكندري بالقول: "وَعَدَلْتُ إلى القَومِ فإذَا واللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتح الإسكَنْدَرِي"؛ ثم المكافأة، وشاهدُها: "ثمّ أَخَذَ مَا أَخَذ"؛ وأخيرًا تبرير الإسكندري لحيلته بقوله: "أَنَا أُمسِي من النَّبيطِ *** وأُضْحِي مِن العَرب"[19].
يَظهَرُ هذا النسق الحَدَثِيّ على النحو المذكور في مقامات الحَرِيريّ أيضًا، من مثل ما ظهر في المقامة "الصّنعانيّة" من وظائف جاءت على النّحو الآتي: بدايةً بوصولِ الحارث بن همَّام إلى صنعاء، وشاهدُه: "طوَّحَت بي طوائحُ الزّمن إلى صنعاء"؛ ثم التقائه شخصيّة متنكّرة: "فرأيتُ في بهرةِ الحلقةِ شخصًا شختَ الخلقة [...] وهو يطبَعُ الأسجاعَ"؛ ثم الخطبة يُلقيها الخطيب، يستهدف بها ميسوري الحال ويدعوهم إلى مساعدته من منطلق دينيّ؛ ثم المكافأة، وتُتبَع بالتّعرّف إلى حقيقة المتنكّر، وأخيرًا تبرير أفعاله بالشِّعْر[20].
يخضع المنطق الوظائفيّ الحَدَثِيّ، سواء في مقامات الهَمَذَانِيّ أم الحَرِيري، للتتابُعِ الزمني ومنطق السببيّة، فوظيفة المكافأة على سبيل المثال هي نتيجةُ ما أبداه الخطيب من قوّة البلاغة والحجّة. أحيانًا، قد يبدأ الحدث بالصدفة التي صُورَتُها المتكرّرة ماثلةٌ في التقاء الراوي البطلَ صدفةً، وهو ينتقل من مكان إلى آخر لقضاء بعض حاجاته التي لا تلبث أن تُقضى بمجرّد التقائه ببطلٍ يُلقي القول المليح الفصيح، لكن سرعان ما تتحوّل هذه الصدفة إلى سبب ونتيجة في الأحداث المتعاقبة.
إنّ لهذه السببيّة صورة أهمّ تندرج في استراتيجيةٍ لَعِبِيّة يعقدها أبو الفتح الإسكندري أو أبو زيد السَّرُوجي، أساسُها الحيلةُ التي تُنجَز بقوّة البيان والحجّة، بقصد اقتناص دهشة الحاضرين وإعجابهم للاستيلاء على أموالهم. لهذا، فالسّببية تغدو ضربًا من التحفيز (Motivation)، الذي يعني في المقامة أنّ ما يضطلع به البطل فيها من أعمال تحيّليّة، إنّما هو من قبيل الحافز على حصول المبتغى وهو المال. والحافز المرتبط بالنّيّة والقصد مختلف عن السبب الذي يكون عادةً بين أحداث تقع في الطبيعة[21].
يمكن اختزال الأحداث ضمن ثلاث وظائف، هي:
- المقام: يتمثّل في ظروف التقاء الراوي بالبطل في هذه المدينة أو تلك، وعادةً ما يكون اللقاء على سبيل الصّدفة.
- المقال: خطبة يُلقيها هذا البطل على الأسماع، وقد تنكَّرَ في زيّ مناسب لطبيعتها.
- المنال: أي ما يحصل عليه البطل مقابل الخطبة[22].
غير أنّ هذا المثال يبدو مُخِلًّا بحقيقة نسق المقامة، من جهة الاستغناء عن بعض الوظائف التي تُعَدّ أساسيّة في المقامة، فالمنال مثلًا لا يمكن أن يحصل من دون تأثُّرِ الحاضرين، والتّأثّر لا يكون إلّا بقوّة المقال. أمّا الوظيفة الأخيرة التي تتمثّل في ما يُقدِّمه المُتحيّل من تبرير لأفعاله بالشِّعْر، وهي من جنس ما يمكن أن يُسمّى وظيفة "عرفانيّة كُلّية"، فَتَعْرِضُ الفكرَ الذي يُوجِّه أعمالَ البطل كُلَّها في المقامة.
لا تُعدّ العلاقة الوظيفية التقليدية بين الراوي والبطل قاعدة ثابتة في كل المقامات، فقد تتغيّر البنية الوظائفيّة أحيانًا، فأصلُ المقامةِ أن يكون عيسى بن هشام راويًا، والإسكندري بطلًا مَقاميًا. والأصل أيضًا أن يتقنّع أبو الفتح في مقامات الهَمَذانِيّ بقناعٍ ليؤدّي دوْرًا يخدع به الحاضرين، فيحصل على مكافأة مقابل خطبته البليغة وحججِه النافذة، غير أنّ ابن هشام أصبح راويًا يروي إحدى حِيَله، وتقمَّصَ دَوْر الإسكندري كما في "المقامة البغداذيّة"[23]. وقد يكون أبو الفتح هو أيضًا ضحيّةً لأحد التُّجّار، حيث دعاه إلى مضيرة ليُعدّد له تواريخ الحصول على أثاث المنزل وطرق السَّطْو عليه، فيهرب ملَلًا وسأمًا، وذلك بحسب ما جاء في "المقامة المضيريّة"[24].
ولعلّ هذا التغييرَ في البنية القصصيّة للمقامات يُخيِّبُ انتظارَ القارئِ وهو يقرأ هذه المقامة أو تلك، وهذا يدخل في باب التفنُّن في كتابة الأثر الأدبي، تفنُّنًا يُذكي الرغبة في قراءة المقامات[25]. وهو من جهة أخرى يؤكّد ما قد يُذهَب إليه من أنّ المقامة أقرب إلى أن تكون جنسًا مكتوبًا منها إلى القول الشفوي، إذ السعيُ إلى تغيير الأنموذج قرينةُ نزوعٍ إلى مزيد تصنُّعٍ بتنويعِ المجال التخيّلي في المقامات.
إن الوظائفَ الحكائيّةَ في المقامات موصولةٌ بشخصيّاتٍ راوِيةٍ ومَرويّة. وأهمّ ما يتّصل بهذه الشّخصيات من صفات، ولا سيما شخصيات المتن، أنها متغيّرة الشكل من مقامة إلى أخرى. ويندرج ذلك في استراتيجيات التحيُّل والخداع كما يقتضيها منطق الكُدية، وبيان ذلك أنّ شخصيّة أبي الفتح الإسكندري في مقامات الهَمَذَانِيّ، وشخصيّة أبي زيد السَّرُوجي في مقامات الحَرِيرِيّ، لا تنفكّان تُغيّران مظهَرَيْهما من مقامة إلى أخرى، بحسب ما تضطلع به كلّ واحدة منهما من أدوار. فالإسكندري في "المقامة الخمريّة" إمامٌ في مسجد، وهو في المقامة نفسها ينقلب إلى نديمٍ في خمّارة؛ ثمّ هو أديبٌ صاحبُ أدبٍ وبلاغةٍ في "المقامة الجاحظيّة"، في حين يغدو قرّادًا مهرّجًا في "المقامة القرديّة". وفي كلّ دَوْرٍ يؤدّيه، يلبس له لبوسه الذي يُحاكي به الدَّوْر، ومن ذلك مثلًا ما يُلحَظ في المقامة السّاسانية من قوله: "فَبَينَا أَنَا يَومًا عَلَى بَابِ دَاري، إذْ طَلعَ مِن بني سَاسَان كتيبَةٌ قد لَفُّوا رُؤوسَهُم وَطَلُّوا بالمغَرَّةِ لَبُوسَهُم، وتَأبَّطَ كُلُّ واحِدٍ منهم حَجَرًا يَدُقُّ بهِ صَدْرَهُ"[26]. على هذه الطريقة تشكّلت شخصيّة السَّرُوجي بأشكال كثيرة، فهو رجلٌ ذو أطمار (ملابس مهترِئة) يأتي بعجيب الأدب في "المقامة الشّيرازية"؛ وهو خطيبٌ واعظٌ في مكّة في "المقامة الرمليّة"؛ وإمامٌ في مسجد في "المقامة السّمرقنديّة".
إنّ مثلَ هذا التغيُّرِ في شكل الشخصيّة من مقامة إلى أخرى مرتبطٌ بما تضطلع به من حِيَلٍ للكسب، وهو أيضًا يدخل في باب التّفنُّن في صياغة المقامة صياغةً تزيدها ترسيخًا في تقاليد الكتابة.
لغتها
إنّ ما اتّسمت به المقامة من صفات حكائيّة، بوساطة ما فيها من وظائف تنهض بها شخصيّاتٌ تتشكّل بأشكال شتّى، محمولٌ في خطاب قصصيّ يتميّز بكثير من الأشكال، من حيث الصياغة اللغويّة والإنشاء السردي. أولى السمات الظاهرة في المقامة السجع {{السجع: محسّنٌ لفظيٌّ في النثر، يُقصَد به توافق الفواصل في أواخر الجمل بالحرف والصوت نفسَيْهما، ويُعطي الكلم إيقاعًا جميلًا يُطرِب القارئ.}} الشائع في كلّ المقامات. ولا شكّ في أنّ النثر المسجوع يُحاكي ما للشعر من خصائص إيقاعيّة. ثمّ إنّ ذلك مرتبط عميق الارتباط بكون المقامة فنًّا مجلسيًا يقتضي أن تكون للخطيب وسائلُ للتأثير في الحاضرين، فلئن كانت المقامة فنًّا مكتوبًا، فإنه لا يُستبعَد حضور بعض ما يعود إلى تقاليد المشافهة في المكتوب المذكور.
تتأكّد السمة الشعريّة بجريان المجاز وكثرة البديع في المقامة، وليس ذلك من باب الترف اللغوي الأجوف، إنّما يندرج في ما يُحاك من خططٍ يبنيها البطل للإيقاع بالحاضرين، كما يظهر في "المقامة البغداذية" للهَمَذَانِيّ، التي يُحْكِم فيها ابن هشام الحيلةَ للاستيلاء على الأعرابي الغرّ، وقد أوهمه بأنه ضيف عزيز. يقول: "زِنْ لأَبِي زَيْدٍ منَ اللُّوزينج رَطْلَيْن، فهوَ أَجْرَى في الحُلُوق وأَمْضَى في العُرُوق. وَليَكُنْ لَيليَّ العُمْرِ يَومِيَّ النَّشْرِ رَقِيقَ القِشْرَة"[27]. ويُلحَظ أنَّ ما جاء في هذا المثال من آياتٍ للإيقاع والمجاز، يُوجِّهه ابن هشام توجيهًا وظيفيًا لإخضاع الأعرابي لمشيئته. هذا المثال وغيره من الأوصاف من أبرز الظواهر السردية في المقامات. وغالبًا ما ترد الأوصاف في صلب ما يسوقه البطل من خطب وأحاديث، فالقول في المقامة هو أساسٌ تقوم عليه[28]، ومجالٌ تسوح فيه الشخصيّة بإيغالها في وصف موضوع مُعيَّنٍ وصفًا وظيفيًا له بالغ التأثير في المسار السردي، فكثرة ما جاء من أوصاف في أقوال المُضِيف لأبي الفتح في "المقامة المضيرية"، جعل الضيف يفرّ هاربًا. وقد كان وصف الراوي في "المقامة الصنعانية" لِهَيْبةِ الخطيبِ سبيلًا إلى الانجذاب إليه: "فَرَأيتُ في بهْرَةَ الحَلقة شَخْصًا شَخْتَ الخِلْقَةِ، عليه أُهْبَةُ السِّيَاحَة، وَلَهُ رَنَّةُ النِّياحَة، وَقَد أَحَاطَ بِه أخْلاطُ الزمْرِ إحَاطةَ الهَالَةِ بالقَمَر، والأكْمَامِ بالثَّمر، فَدلِفْتُ إليه لأَقتبِسَ من فوائِدِهِ"[29]. وكثيرًا ما يجنح الخطيب الواصف إلى المبالغات في وصفه الموصوف وصفًا يأخذ به برقاب الحاضرين، وليس أبلغ من هذا الوصف لِما يجب أن يكون عليه، الابن المستفسر عن طرق الحصول على المال بالحيلة، الذي يُقدِّم له أبوه درسًا في كيفيّة انتهاج السُّبُل المؤدّية إلى الاستيلاء على المال بالخداع: "فَكُنْ أَجْوَلَ من قُطْرُب، وأَسْرَى من جُنْدُب، وأَنْشَطَ من ظَبيٍ مُقْمِر، وأَسْلَطَ من ذئبٍ مُتَنَمِّر"[30].
تداخل الأجناس الأدبية في المقامة
كثيرةٌ هي عناوين المقامات التي تكشف عن التباسها بأجناس قوْليّة أخرى، كما في المقامات الآتية لبديع الزَّمان الهَمَذَانِيّ: "المقامة الوعظيّة"، و"المقامة الوصيّة"، و"المقامة الشعريّة"، و"المقامة القريضيّة". وتعني هذه أنّ المقامات تضمَّنت خطابات أخرى، كالخطاب الوعظي والخطاب الشّعري والوصيّة. ويؤكّد الحَريرِيّ في مقاماته هذا التوجُّهَ في تركيب مقاماته، وهو الذي بيَّنَ في خطبة كتاب المقامات شديدَ تأثّرهِ بمعلّمه الهَمَذانِيّ في هذا الباب: "وَرَصَّعْتُه فيهَا مِن الأمْثَالِ العَربيّة، واللّطَائِفِ الأدَبيّة، والأحَاجي النّحويّة، والفَتَاوى اللغَويَّة، والرَّسَائِلِ المُبتَكَرَة، والخُطَبِ المُحَبَّرَة، والمَوَاعِظِ المُبكية، والأضَاحِيك المُلهيّة"[31].
إنّ المقامة - وهي تلتبس بأجناس أخرى - تُعَدّ جنسًا منفتحًا يَقبَلُ أجناسًا أخرى تُغنيها وتُوسِّعها، وتتفاعل في نطاقها مع أجناس للقول كثيرةٍ عرفَتْها ثقافة العرب. ويظهر ذلك في تعريف الهَمَذانِيّ للبلاغة التي يجتمع فيها النثر والشعر، على غير ما انتهجه الجاحظ في تعريفه لها في المقامة الجاحظيّة[32]. لقد كان وجود الشعر في المقامات بطرق مختلفة، فالمقامة غالبًا ما تحتوي أشعارًا يصوغها الخطيب خلال خطبته، أو يُبرِّر فيها - في نهاية المقامة - حقيقة انتهاجه نهج الحيلة في الكُدية. يتأدّى الشعر في المقامة بالصياغة الإيقاعية والمجاز على نحوِ ما يكون عادةً في الشِّعْر، لكن قد يدخل الشّعرُ المقامةَ من باب مُحاكاتها له من حيث الأغراض الشعريّة القائمة فيه، ولا سيما غرض المدح، على نحوِ ما جاء في بعض مقامات الهَمَذَانِيّ، من قبيل "المقامة الملوكيّة" و"المقامة الخلفيّة" و"المقامة النّاجميّة". يُفسَّر التباس الشعر بالمقامة بكون الشعر جنسًا غالبًا على سائر الأجناس عند العرب في القرون الأولى لثقافتهم. ويفضي هذا التداخل مع الأجناس القولية إلى تساؤلٍ حول مدى احتفاظ تلك الأجناس بهويتها الأصلية؛ إذ يذهب النقاد إلى أنها خضعت لخصائص المقامة البنيوية، إذ جرى تطويعها فنيًا لتتماهى داخل نسيجها السردي وتخدم أغراضها الأدبية.
إنَّ النّظر في طرق دخول أجناس القوْل إلى المقامة، يؤدي إلى نتيجة فحواها أنَّ هذه الأجناس قد خضعت لمنطق المقامة القائم على التّحيُّل والمخادعة والهزل، فأشعار الإسكندري أو تلك التي يقولها السَّرُوجي تُحاكي أشعار أبي دُلَف وابن الحجّاج، في ما تتضمّنه من افتخارٍ بالقدرة على التّحيُّل وتمثيل الأدوار الخادعة، على غرار ما قاله أبو الفتح الإسكندري في "المقامة الخمرية":
"أَنَا من كلِّ غُبَارٍ *** أَنَا مِن كُلِّ مَكَانِ |
سَاعَةً أَلزَمُ مِحْرَابًا *** وَأُخرَى بَيْتَ حَانِ"[33]. |
على هذا النحو من التباسِ الجنس الوافد في المقامة، تكون سائرُ الأجناسِ الأخرى مُندسّةً فيها، من ذلك أنّ الوصيّة {{الوصية: جنسٌ أدبيٌّ نثريٌّ قديم، يحمل عظة ورسالة تربوية من مُجرّبٍ إلى شخص أقل خبرة. انتقلت قديمًا مشافهة قبل أن تُدوَّن، وباتت لاحقًا جزءًا من الآداب السلطانية عند الأيوبيّين والمماليك وغيرهم.}} - وهي جنس من أجناس القول عند العرب - يكون المُوصِي فيها في مقام الحكيم الذي ينقل حكمته إلى بَنِيه قُبَيْل موته، فأصلُ الوصيّةِ أن تكون "حوارًا يجري بين طرفَيْن هما المُوصِي والمُوصَى له. يُنجِز المُوصِي أقوالًا يطلب إلى المُوصَى له إظهار أثرها في فكره وفعله [...] وقد تبيّنَ المُوصِي جموحَ الدّهرِ عليه وإقبالَ الآخرةِ إليه. إنّه زمن جدّ لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب"[34]. لكنَّ الوصيّة تصبح في المقامات قولًا مُحاكِيًا ساخرًا يُحاكي الجنس الأصلي في أسلوبه، ويُباينه في ما يصوغه هذا الأسلوب النبيل من مواضيعَ تخرج عن تقاليد الوصيّة، كما هي مثلًا في وصايا لقمان لابنه في سورة "لقمان" من القرآن الكريم. يقول الإسكندري مُوصِيًا ابنه في "المقامة الوصيّة": "ثُمّ كُنْ مَعَ النّاسِ كَلاعِبِ الشِّطْرَنْج، خُذْ كُلَّ مَا مَعَهم واحْفَظ كُلَّ مَا مَعَك"[35] .
استعمل الموصي في هذا المثال أسلوب الأمر المستخدَم عادةً في الخطاب الحامل للوصيّة، لكنَّ محتوى الوصيّة ناشزٌ عمّا يُراد منه عادةً، إذ المُوصِي يأمر ابنه بالاستيلاء على أموال الآخرين من دون وَجْه حقّ، وبهذا الأسلوب صِيغت الوصيّة في "المقامة السّاسانية" للحَرِيرِيّ.
تُعدّ المقامة جنسًا نثريًّا قصصيًّا تخييليًّا، شُكِّل تشكيلًا لغويًا تجري فيه التصاوير مجراها في الشِّعْر. ويتّسع مجاله ليشتمل على كثير من أجناس القول، فهو جنس جامع أو مركّب في شكل نصٍّ جامع (Architexte)، أو ما يُسمّى أيضًا أثرًا كُلّيًا أو أثرًا أكبر[36]، تجتمع فيه أجناسٌ قوليّةٌ اجتماعًا قائمًا على التحاور والتجاذب في الأسلوب، والتدافع في المحتوى بين أصل الجنس الوافد على المقامة ووضعه الجديد فيها.
الخصائص الفكرية للمقامة
تبدو المقامات عند الهَمَذَانِيّ والحَرِيرِيّ مجالًا للتحيُّل واللّعب، اللّذَيْن أساسُهما التمثيل لأدوارٍ ظاهرةٍ تُبطِن حقائقَ مُخفاةً لا تلبث أن تنكشف في آخر المقامة التي ينطق فيها اللاعب بحقيقة ما اضطلع به، وبالفكر الذي يعتنقه وما يمارسه من ألاعيب، فإذا الجدّ الظاهر ينقلب هزلًا. فما بدا من ألاعيب الإسكندري أو السّروجي، بوصفهما شخصيّتَيْن فوَّضهما مؤلِّفاهما، موصولٌ في نهاية الأمر بأوضاع هذَيْن في التّاريخ. وقد أزريا على منزلة الأدب والأديب في عصرَيْهما: "فإنّه قد جرى في بعض أندية الأدب، الذي ركدت في هذا العصر ريحُه وخبت مصابيحُه"[37]. وهذا ما ختم به الإسكندري "المقامة السّاسانيّة":
"هَذَا الزَّمَاُن مَشُومُ كَمَا تَرَاهُ غَشُومُ |
الْحُمْقُ فِيهِ مَلِيحٌ والْعَقْلُ عَيْبٌ وَلومُ |
وَالْمَالُ طَيْفٌ وَلَكِن حَوْلَ اللِّئَامِ يَحُومُ"[38] |
فمِن وظائف الأدب عند العرب قديمًا التّعليم والتّأديب، وقد كان يُصَاغ بفصيح الكلام وبلاغته كما هو جارٍ في أجناس القول عندهم، غير أنّ أدب المقامات نحا نحوًا آخرَ غير الذي كان له في الأصل، إذ بدا تغييرُ القِيَمِ - والعبث بها - وسيلةً للاحتجاج على ما لحق الأدب والأدباء من بخسٍ لقيمتهم. ومثال ذلك استعاضة الإسكندري عن العقل بالحُمْق نهجًا في العيش لكسب القوت، والعقلُ - كما يفهمه - عيبٌ غير مؤدٍّ إلى المبتغى، وهذا وجه نقيض لحقيقة العقل كما هو سائد في القرون الأولى للتاريخ العربي الإسلامي، فحقيقة العقل عند الفلاسفة أن يخرج الإنسان بعمله وتفكيره إلى ما هو أحسن، وهو في المنطق الديني وسيلةٌ يتفكّر بها المؤمن في ما خلق الله تعالى من عجائب[39]. إنَّ ما ذكره الهَمَذَانِيّ، وما ردَّده من بعده الحَرِيرِيّ، مُفْضٍ إلى ما يمكن أن يُسمّى "اللّاعقل المعادل للحمق"، الذي وسمه الهَمَذَانِيّ بوصفه مليحًا، وبوصف مقابلِه "العقل" عيْبًا[40]. ومن أهمِّ سمات هذا التفكير أنه قائمٌ على التناقض بين المواقف، إذ يقول أبو الفتح:
"سَاعَةً أَلْزَمُ مِحْرَابًا وَأُخْرَى بَيْتَ حَانِ |
وَكَذَا يَفْعَلُ مَنْ يَعْقِلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ"[41] |
وقد تجلّى ذلك في مظاهر المُحاكاة السّاخرة التي أُشير إليها في المقامات، سواء من ناحية التشكيل القصصي أم الإنشاء اللغوي القائمَيْن على التمثيل بهدف التحيّل والخداع.
تطور مفهوم الأدب في المقامة
اقترن الأدب عند العرب في القرون الأولى بِحُسْن سلوك الإنسان في شتّى ما يُمارِسُه من أنشطة، وبوظيفته التّعليميّة القاضية بتعليم الفرد آدابًا شتّى مثل آداب المعاشرة والأكل. وعُدَّ كتابا الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المُقَفَّع (106-142هـ 724-759م) وأدب الكاتب لابن قتيبة (213-276هـ/ 828-889م) أنموذجَيْن لهذا المفهوم للأدب عند العرب. ويوجد تجسيد هذا المفهوم في أجناس نثريّة كثيرة، على غرار ما يوجد في المثل والخطبة والرسالة مثلًا. وقد تطوَّر هذا المفهوم ليقترن الأدب بما يحمله الأديب من معارف شتّى، كما عند الجاحظ وأبي حَيَّان التَّوحيدي (ت. 414هـ/ 1023م). وستكون بلاغة القول، وحُسْن الصياغة، والتفّنّن فيهما، عناوينَ للأدب، ولا سيما عند ترسّخ تقاليد التدوين. ولعلّ المقامات هي الأنموذج الذي تجسَّد فيه هذا المفهوم الجديد للأدب، وله عدّة وجوهٍ ظهرت في نواحٍ مختلفة: الصياغة السجعية والمجازيّة؛ وإنشاء العوالم التخيّلية للشّخصيات الراوِية والمَرويّة، ولا سيما ما كان من نزوعٍ بَيِّنٍ من الهَمَذَانِيّ والحَرِيرِيّ نحو تضمين مقاماتهما أجناسًا أدبيّة، تضمينًا قائمًا على المُحاكاة السّاخرة لهذه الأجناس، وذلك بتحويل مجراها من الجدّ إلى اللعب، وتحريف محمولاتها إلى ما هو من قَبِيل المضادّ والمُنافِح، فكان التحوُّل من الأدب العقلي إلى ما يمكن تسميته أدبًا لا عقليًا، إذا ما قُورن بالعقل السائد، سواء أكان بالمعنى الديني أم الفلسفي. وقد تأتّى هذا المفهوم الجديد للعقل بظاهرة أساسيّة تقوم عليها المقامات: التّمثيل اللَّعِبي الذي ينهض به البطل، ويستعذبه الراوي المتفرّج والحاضرون في المجلس المقامي. هذا التمثيلُ قائمٌ على الصنعة وحسن الإخراج، ومِن مقتضياتِه مكانُه (مسجد، أو خمّارة، أو مأتم، أو مجلس أدبي) والقائم بالدَّوْر التمثيلي (البطل). والتمثيل صورته أن يظهر البطل بوجهٍ مخادعٍ للحصول على المال، وهذا الوجه مُقنَّعٌ بلبوس خاص يقتضيه الدَّوْر الذي يؤدّيه هذا البطل، وهو - من جهة أخرى - يُخفي وجه المتحيّل. ومن مقتضيات التمثيل اختيار العبارة الإيقاعية النافذة، فهذه طبقات من الصنعة تحوج إليها كتابة المقامة.
الامتداد التاريخي والجغرافي للمقامة
كان مُنطلَق المقامة ما كتبه الهَمَذَانِيّ، وما حاكاه فيه الحَرِيرِيّ وطوَّرَهُ بتكثيفِ مظاهر البديع والإلغاز واللّعب بالعبارة وتعقيدها. وقد كان لنشأة المقامة وطرافتها بالغ التّأثير في من سيأتي بعدهما من كُتّابٍ نسجوا على منوالَيْهما في طريقتَيْن أساسيتَيْن: صناعة السجع، وتخييل الشخوص القائمة فيها. إنَّ مَن كتب المقامة بعد الهَمَذانِيِّ والحَريرِيّ أكثر مِن أن يُحصى[42]، ويُمكِن الاستدلال على مَن حاكاهما ببعض النماذج. أولى الملاحظات التي تُلحَظُ أنّ المقامات، وإنْ جرت في كثيرٍ من المؤلَّفات بعد رائدَيْها، كثيرًا ما تُسمّى تسميات أخرى، وإن صِيغت على طريقتها، فابن ناقيا (ت. 485هـ/ 1092م)[43] يُسمّي مقاماته حكايات، وقد أسند فيها البطولة إلى شخصيّة أطلق عليها اسم اليشكري، وهي شخصيّة نازعةٌ هي أيضًا إلى هتْكِ الجاري من الأعراف والتّقاليد. ومِمّا تتميّز به حكايات ابن ناقيا كثرة الرُّواة فيها، على خلاف قيام مقامات الهَمَذَانِيّ والحَرِيرِيّ على راوٍ واحد. وفي المغرب، ظهر ابن شرف القَيْرَوانِيّ (ت. 460هـ/ 1067م) في ما كتب من مقامات سمّاها أحاديث، وقد وصلها بالخرافات التي تتكلّم فيها الحيوانات على شاكلة كليلة ودمنة، وأسند الحديث فيها إلى شخصيّة موسومة بـ"أبي الريّان" اقترنت بالمؤلِّف، وذلك للخوض في مسائل الشِّعْر والشّعراء "ومنازلهم في جاهليتهم وإسلامهم"[44].
ومِمَّن جرى مجرى كتابة المقامات ابن شُهَيْد الأندلُسِيّ (ت. 426هـ/ 1035م)، مؤلِّف رسالة التّوابع والزوابع، التي اقترن فيها اسمه بقرينٍ وَسَم نفسه بـ"زهير بن نمير"، وقد كانا ينتقلان في وادٍ وُصِف بأنه وادٍ للجنّ، وفيه يلتقيان بمجموعة من المؤلِّفين الذين ينشدُهُم المؤلِّف ما صاغه من أشعار، فيُعجَب بها هؤلاء.
ظهرت المقامة أيضًا في العصور الحديثة. ومِمَّن نحا نحو فنّ المقامات على سبيل الإحياء ناصيف اليازجي {{ناصيف اليازجي (1800-1871): هو ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط بن سعد اليازجي، لبنانيٌّ أصلُه من حمص. عُرِف بوصفه شاعرًا، وقد أسهم في إثراء اللغة العربية والحركة القومية العربية، وفي إحياء تراث الفصحى وتحبيبه للجمهور.}} في كتابه مجمع البحرين، عبر مقاماتٍ يُحاكي بها مقامات الهَمَذَانِيّ والحَرِيريّ شكلًا ومضمونًا. ومِن أبرز مَن تأثّر بأسلوبها وبعض مضامينها محمّد المويلحي (1858-1930)، في كتابه حديث عيسى بن هشام في أواخر القرن التّاسع عشر. إنّ حضور عيسى بن هشام بوصفه محدّثًا، يؤكّد الصلة بين مقامات الهَمَذَانِيّ وكتاب المويلحي من جهة المحدّث الراوي عيسى بن هشام، وجنس ما كتبه المويلحي من جهة أخرى، فهو حديثٌ شأنه في ذلك شأن الأحاديث في المقامات، كقول "حدّثنا عيسى بن هشام". ومِمَّا يجري مجرى المقامات في الكتاب الصياغةُ السجعيةُ للعبارة، من خلال كَمِّ الأوصاف التي ساقها ابن هشام مع صاحبه الباشا الذي انبعث من القبر في حلم من الأحلام، وهما يتجوّلان في أنحاء مصر راصدَيْن ما تغيّر عبر الأعصر تغيُّرًا ممسوخًا. ولم يستعر المويلحي من المقامات شكلَها السجعيَّ فحسب، بل استعار بعض طبائع شخصيّة المقامات، ولا سيما الكُدية والاحتيال[45]. لكنَّ ما جَدَّ في هذا الحديث، هو طوله الذي يُحاكي طول الرواية في ترامي فصولها، وإن لم يتخلّص من النّزعة البلاغية للمقامة. وبيانُ ذلك أنّ المويلحي لم يكن يهدف إلى كتابة نصٍّ روائيٍّ فنيٍّ بقدر ما كان يهدف إلى نقد أوضاع البلاد، وهو نقد أقرب إلى النقد الصحافي منه إلى الكتابة الفنّية، وإن استخدم في ذلك أسلوب المقامة.
لم تنحصر تأثير المقامات في ما كتبه الأدباء من العرب قديمًا وحديثًا، إنما امتدَّ إلى عدّة بلدان، ولا سيما بلاد فارس، متمثّلًا خصوصًا في مقامات القاضي أبي بكر حميد الدين عمر بن محمّد البَلْخِي (ت. 559هـ/ 1164م)، الذي يُقِرّ في مقدّمة مقاماته بتأثّره بالمقامات العربية. ومِن أهمّ مظاهر تأثّره بالفنّ المَقاميّ استعمالُه السجع أسلوبًا أساسيًا في مقاماته، علاوة على استعماله غريب الألفاظ والألغاز، وجريان ألفاظ عربية وأبيات شعرية وآيات قُرآنية، وغير ذلك مِمّا جرى في مقامات الهَمَذَانِيّ والحَرِيرِيّ. لقد كانت شخصية المقامات عنده موسومةً بما اتّسمت به شخصية المقامات العربية من سمات الكُدية والتّحيُّل والتسوّل والترحال[46].
تتوسّع رقعة تأثير المقامات في الشرق العربي الإسلامي، فتمتدّ إلى الأدب الإسباني مُمثَّلًا في أدب البيكاريسك {{البيكاريسك: يطلق عليه أيضًا الرواية الشطارية أو التشردية (Picaresque)، هو نوعٌ روائيٌّ معروفٌ أيضًا باسم الرواية الصعلوكية، نشَأ في إسبانيا في القرن السادس عشر، ويَهتمُّ بتتبّع حياة الصعاليك والمتشرّدين وترحالهم.}}. والبكارو (بطل الرواية) ليس معدودًا من المجرمين بالمعنى الحقيقي، ولكنّه يسخر من المتسوّلين الذين يسخرون من السائد من القِيَم والأخلاق، مُتخيِّرًا طريقة الاحتيال والكُدية لكسب لقمة العَيْش. وتشير الدراسات الأدبية إلى أنّ أدب البيكاريسك كان متأثّرًا بالفنّ الشعبي العربي في الأندلس، المنبثق من ظهور فئة اجتماعية من الشّطّار العرب المُسلمين المُهمَّشين، الذين آثروا حياة الصعلكة والتمرّد على قوانين المجتمع. ولعلّ رواية حياة لاثاريو دي تورميسوحظوظه ومحنه (Lazarillo de Tormes) لكاتب مجهول، تُجسِّم معظم الخصائص المَقامية. ولئن نفى بعض الدارسين العلاقة بين أدب المقامات وأدب البيكاريسك، فإنّ معظم دارسي هذه العلاقة أقرُّوا بوجوهٍ من الشبه كثيرةٍ بين الأدبَيْن[47].
اتّسم ما كُتِب من نصوصٍ مَقاميّة بعد الهَمَذَانِيّ والحَرِيرِيّ بمحاكاته للمقامات من جوانب الصياغة السجعيّة والإنشاء التخيّلي لعوالم الشخصيات المتحرّكة، تحرّكًا قائمًا أساسًا على الترحال. ولكنَّ هذه المؤلَّفات المَقاميّة البَعْديّة انحرفت عن الأصل من جهات أخرى، مِن قَبِيل ما أُسنِد إليها من صفات مثل الحكايات والأحاديث والرسالة، وما اختِير فيها من موضوعات، وإن خفتت جذوة السرد فيها، إذ غدا استعراضُ المؤلِّفين والشعراء، وذكرُ بعض سماتهم، الهمَّ الأكبر للكتابة المقاميّة.
تُعَدّ المقامة جنسًا أدبيًا تخييليًّا نشَأ على غير مثال سبقه، ولكنّه صِيغ صياغةً اتّسعت لكثير من الأجناس الأدبيّة الأخرى، كالخبر والحديث والخطبة والوصيّة وغيرها. على أنّ دخول هذه الأجناس عالم المقامة، كان خاضعًا للمُحاكاة التي تقتضي أن يُحاكَى هذا الجنس أو ذاك مُحاكاةً ساخرة. كان هذا التوجُّهُ في الكتابةِ شديدَ الارتباط بأجواء المقامة التي كانت الكُدية من الموضوعات الأساسيّة فيها، وما اقتضته من تحيُّلٍ وتمثيلٍ ومكْر. وهذا كله كفيل بتحويل معنى الأدب، من كونه وسيلةً لتعليم القِيَم المتماشية مع متطلّبات التفكير العقلاني والتّفكير الديني، إلى كونه أداة يتوسّل بها لتدمير هذَيْن النوعَيْن من التفكير. وقد تبيَّنَ أنّ المقامة امتدّت في الزمن، لكنَّ امتدادها لا يعني أنّها ظلّت على النحو الذي ظهرت فيه.
المراجع
العربية
إبراهيم، عبد الله. موسوعة السرد العربي. أبو ظبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2016.
الأزدي، محمّد بن أحمد أبو المطهّر. حكاية أبي القاسم البغدادي. تحرير آدم ميز. كاليفورنيا: جامعة كاليفورنيا، 1902.
البهلول، عبد الله. الوصايا الأدبية إلى القرن الرابع هجريًا: مقاربة أسلوبية حجاجية. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي؛ صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2011.
الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب. البخلاء. تحقيق محمد طه الحاجري. ط 8. القاهرة: دار المعارف، 1997.
الحريري، القاسم بن علي بن محمد. مقامات الحريري. تحقيق عيسى ميخائيل سابا. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1978.
الحصري، إبراهيم بن علي بن تميم. زهر الآداب وثمر الألباب. قدّم له وشرحه ووضع فهارسه يوسف علي طويل. صيدا: دار الكتب العلمية، 1997.
حمداوي، جميل. "الرواية البيكارسكيّة أو الشطارية". مجلّة حوليات التراث. العدد 8 (أيلول/ سبتمبر 2008). ص 59-74.
صليبا، جميل. المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية. بيروت: الشركة العالميّة للكتاب؛ دار الكتاب اللبناني، 1982.
صمّود، حمادي. الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2018.
كيليطو، عبد الفتّاح. المقامات: السرد والأنساق الثقافية. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. ط 2. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،2001.
مشكل الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم. سلسلة ندوات. تونس: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1994.
مهدي، صباح عبد الكريم. "أثر المقامات العربية في الأدب الفارسي". مجلّة آداب البصرة. العدد 49 (2009). ص 31-46.
المويلحي، محمد. حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن. تقديم محمود طرشونة. سلسلة عيون المعاصرة. تونس: دار الجنوب للنشر، 1984.
الهمذاني، بديع الزمان. مقامات بديع الزمان الهمذاني. تقديم وشرح علي بو ملحم. بيروت: دار الهلال، 2002.
الوغلاني، خالد. المقامة الهمذانيّة: إشكاليّة المبدع. تونس: دار الجنوب، 2019.
الأجنبية
Genette, Gerard. Introduction à l’architexte. Paris: Seuil, 1979.
________. Palimpsestes: la littérature au second degré. Paris: Éd. du Seuil, 1982.
Jauss, Hans Robert et al. Théorie des genres. Paris: Éditions du Seuil, 1986.
Prince, Gerald. Narratology: The Form and Functioning of Narrative. Berlin: De Gruyter Mouton, 2012.
Revaz, Françoise. Introduction à la narratologie: action et narration. Louvain-la-Neuve: Duculot; Bruxelles: De Boeck, 2009.
Ricœur, Paul. Temps et récit. III. Paris: Éd. du Seuil, 1985.
Vercier, Bruno & Dominique Combe. Les genres littéraires. Paris: Hachette Éducation, 1992.
[1] رجاء بن سلامة، "المقامة والمقام"، في: مشكل الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم، سلسلة ندوات (تونس: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1994)، ص 222.
[2] عبد الفتّاح كيليطو، المقامات: السرد والأنساق الثقافية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،2001)، ص 84.
[3] المرجع نفسه، ص 85.
[4] عبد الله إبراهيم، موسوعة السرد العربي، ج 2 (أبو ظبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2016)، ص 262.
[5] حمادي صمّود، الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2018)، ص 11-12.
[6] إبراهيم بن علي بن تميم الحصري، زهر الآداب وثمر الألباب، قدّم له وشرحه ووضع فهارسه يوسف علي طويل، ج 1 (صيدا: دار الكتب العلمية، 1997)، ص 245.
[7] كيليطو، ص 91، 95-96.
[8] المرجع نفسه، ص 47-57.
[9] عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ، البخلاء، تحقيق محمد طه الحاجري، ط 8 (القاهرة: دار المعارف، 1997)، ص 46-47.
[10] محمّد بن أحمد أبو المطهّر الأزدي، حكاية أبي القاسم البغدادي، تحرير آدم ميز (كاليفورنيا: جامعة كاليفورنيا، 1902)، ص 3. يقول المؤلّف: "كَانَ هَذَا الرَّجلُ المُحلّى بِأَبي القَاسِمِ أَحْمَد عَلي التَّميمي البَغْدَادِي شيخًا بِلِحْيةٍ بيضَاءَ، عَيَّارًا نَعَّارًا زَعّاقًا شَهَّاقًا طُفيليًّا بَابِليًّا عَجيبًا، رَصَّافًا قَصَّافًا مَدَّاحًا قَدَّاحًا، ظَريفًا سَخيفًا نَبيهًا سَفيهًا، قَريبًا بَعيدًا، وَقورًا حَديدًا، مُصادقًا مُمَاذِقًا".
[11] بديع الزمان الهمذاني، مقامات بديع الزمان الهمذاني، تقديم وشرح علي بو ملحم (بيروت: دار الهلال، 2002)، ص 197-202، 108-113.
[12] المرجع نفسه، ص 30-32.
[13] كيليطو، ص 83.
[14] الهمذاني، ص 171.
[15] القاسم بن علي بن محمد الحريري، مقامات الحريري، تحقيق عيسى ميخائيل سابا (بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1978)، ص 40.
[16] الباروديا أو المحاكاة الساخرة: هي أن يُستعمَل أسلوبٌ قديمٌ استعمالًا جديدًا، مع تضمينه موضوعًا مغايرًا لذلك الذي جرى بالأسلوب القديم، كالانحراف به من الجدّ إلى الهزل، وذلك على غرار السند في المقامات الذي لم يوظّف لنقل أحاديث جادّة أو أخبار، إنّما وُظِّف لموضوعات هزلية فيها هتك للسائد من القِيَم. ينظر:
Gérard Genette, Palimpsestes: la littérature au second degré (Paris: Éd. du Seuil, 1982), pp. 23-36.
[17]يُعلّق خالد الوغلاني على هذه الظاهرة بقوله: "لم يبقَ لنا إلّا أن نُقرّ بأنَّ ضمير المتكلّم الحاضر في جلّ المقامات ليس إلّا إحالة نصّية على المؤلِّف ذاته [...] الراوي الغائب في مقامات الهمذاني لا يمكن أن يكون شخصًا آخر غير الهمذاني". وقد واجه هذا الرأي اعتراضات نقدية لسببين؛ أوّلهما عدم التواصل القولي بين كائنَيْن متغايرَي الهويّة: كائن تخييلي هو ابن هشام وآخر هو الهمذاني؛ أمّا السبب الآخر فقائمٌ في نفي فكرة غياب الراوي من المَرويّ، إذ لا مرويّات بلا راوٍ، حاضرًا كان أم غير ظاهر. يُنظَر: خالد الوغلاني، المقامة الهمذانيّة: إشكاليّة المبدع (تونس: دار الجنوب، 2019)، ص 39-41.
[18] معظم مُنظِّري السرديات عَرَّفوا القصص من ناحية زمنيّة الأحداث، وما يقوم بينها من أسباب. ينظر:
Genette, pp. 77-182; Paul Ricœur, Temps et récit. III (Paris: Éd. du Seuil, 1985), pp. 34-40, 57-71; Gerald Prince, Narratology: The Form and Functioning of Narrative (Berlin: De Gruyter Mouton, 2012).
[19] الهمذاني، ص 76-79.
[20] الحريري، ص 15-20.
[21] Françoise Revaz, Introduction à la narratologie: action et narration (Louvain-la-Neuve: Duculot; Bruxelles: De Boeck, 2009), pp. 20-32.
[22] الوغلاني، ص 59-71.
[23] الهمذاني، ص 59-62.
[24] المرجع نفسه، ص 104-117.
[25] Hans Robert Jauss et al., Théorie des genres (Paris: Éditions du Seuil, 1986), p. 49.
[26] الهمذاني، ص 80.
[27] المرجع نفسه، ص 61.
[28] تقول رجاء بن سلامة في هذا الموضوع: "الأمر الأساسي في المقامة هو أنّها قصّةٌ أبرزُ حدثٍ فيها هو الكلام، سواء كان خطبة أو شعرًا. أمّا الأحداث الأخرى من لقاءٍ بين الرّاوي والشّخصيّة، وحيلةٍ وكشفٍ للحيلة، فإنّها مهما تنوّعت وتعقّدت لا تطال هذا الحدث الرئيس، إنّما تُحيطه بسياقٍ أوّل ثمّ بسياق ثانٍ". ينظر: بن سلامة، ص 225.
[29] الحريري، ص 16.
[30] المرجع نفسه، ص 407.
[31] المرجع نفسه، ص 11.
[32] الهمذاني، ص 66-69.
[33] المرجع نفسه، ص 197-2002.
[34] عبد الله البهلول، الوصايا الأدبية إلى القرن الرابع هجريًا: مقاربة أسلوبية حجاجية (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي؛ صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2011)، ص 294-296.
[35] الهمذاني، ص171 .
[36] Gerard Genette, Introduction à l’architexte (Paris: Seuil, 1979), pp. 142-143, 157; Bruno Vercier & Dominique Combe, Les genres littéraires (Paris: Hachette Éducation, 1992), p. 65.
[37] الحريري، ص 11.
[38] الهمذاني، ص 82.
[39] العقلُ بالمعنى الفلسفي "جوهرٌ بسيطٌ يُدرِك الأشياء بحقائقها". ومن معانيه أيضًا أنه "قوّة إصابةٍ في الحُكْم، أي تمييز الحقّ من الباطل والخير من الشرّ والحسن من القبيح". ينظر: جميل صليبا، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية، ج 2 (بيروت: الشركة العالميّة للكتاب؛ دار الكتاب اللبناني، 1982)، ص 84-86؛ أمّا العقل بالمفهوم الدّيني، فهو مرتبط بالتّأمل في مخلوقات الله تعالى، كما في قوله تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ}(آل عمران: 190).
[40] الهمذاني، مرجع سابق.
[41] المرجع نفسه، ص 245.
[42] ينظر: إبراهيم زكي خورشيد [وآخرون]، موجز دائرة المعارف الإسلاميّة، ج 31 (الشارقة: مركز الشّارقة للإبداع الفكري، 1995).
[43] كيليطو، ص 137-142.
[44] المرجع نفسه، ص 107.
[45] محمد المويلحي، حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن، تقديم محمود طرشونة، سلسلة عيون المعاصرة (تونس: دار الجنوب للنشر، 1984)، ص 10.
[46] صباح عبد الكريم مهدي، "أثر المقامات العربية في الأدب الفارسي"، مجلّة آداب البصرة، العدد 49 (2009)، ص 38-42.
[47] جميل حمداوي، "الرواية البيكارسكيّة أو الشطارية"، مجلّة حوليات التراث، العدد 8 (أيلول/ سبتمبر 2008)، ص 59-60.