الكان وكان نوع من النظم، وفنّ شعريّ، هو أحد الفنون الشعرية السبعة، وهي: الموشّح، والزجل، والدوبيت، والقوما، والسلسلة، وكان وكان، والمواليا. يكون على قافية واحدة، وشطره الأول أطول من الثاني، غالبًا، أو هو قطعة شعر، كل بيت منها يقع في أربعة مصاريع على سطر واحد، وهو فرع من الزجل، فيه قصص، وأساطير، وحكايات للوعظ، والإرشاد، والزهد، انتشر في العصر العباسيّ، وارتقى على يدي ابن الجوزيّ، وشمس الدين الكوفيّ. وأغلب الكان وكان على وزن المجتث (مستفعلن فاعلاتُ)، على قافية نونيّةٍ، في بداياته، بشكل مطلق، ثمّ اتّسع لقوافٍ أخرى.
وزنه وقوافيه
الكان وكان نوع من النظم يكون على قافية واحدة، وشطره الأول أطول من الثاني، غالبًا[1]، أو هو قطعة شعر، كل بيت منها يقع في أربعة مصاريع على سطر واحد[2]. ولعلّه متأثر بالأوزان الفارسية مثلما هو متأثر بالعامّيّة البغداديّة، وقد أسقط فيه نظّاموه القافية، ونوّعوا الرويّ في كلّ شطر، وأكثروا فيه من تكرار عبارة "كان وكان"، حتى عُرف بها.[3] ويعزو بعض مؤرّخي الأدب سبب تقدّم الكان وكان على بعض الفنون السبعة إلى أنّ بعض ألفاظه معربة[4].
وزنه قريب الشبه من القوما، وهو "مستفعلن فعْلاتن/ مستفعلن فِعْلان"[5]، وجاءت أغلب نماذجه على وزن المجتث (مستفعلن فاعلاتُ). وتصرَّف الشعراء في الزحافات والعلل، وجعلوا الصدر أقصر من العجز[6]. كما جاء الشطر الأول من بعض قصائد الكان وكان على مجزوء المجتث، والشطر الثاني على مجزوء الرجز، وربّما جاء الشطران من مجزوء المجتث[7].
كانت قافية الكان وكان في بداياته نونيّةً بشكل مطلق، ثمّ اتّسع لقوافٍ أخرى، وتكون النون مردوفة بعد ألف ممدودة[8]. والأصل في قافية الكان وكان حريّتها في المصاريع الثلاثة، والتقيد بقافية للمصراع الرابع للقصيدة الكاملة أو القامة الكاملة[9].
يفرّق بعض الباحثين بين الكان وكان والقوما بأنّ الشطرين الأولين من القوما يكونان متحدين وزنًا وقافيةً، والثالث يخالفهما في الوزن والقافية، والرابع تابع لهما في القافية، وتكون قافية الشطرين الأولين ملتزمة في كل أدوار القوما[10].
غلاف كتاب المستطرف في كل فن مستظرف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بناؤه وسماته الأسلوبية
كانت النماذج الأولى من فن الكان وكان مختومة بعبارة "كان وكان"، ومسبوقة بعبارة تلتئم مع "كان وكان"، وتكون ذات معنى مناسب، مثل "هذا ما كان وكان"، أو "لا تقولوا كان وكان"[11]. وحرف الرويّ ساكن دائمًا، وقبله حرف ساكن، غالبًا ما يكون حرف علّة[12].
ويطلق على وحدة "الكانَ وكانْ" ذات المصاريع (الأشطر) الأربعة مصطلح "البيت"، وكل مصراع (شطر) اسمه العضو، وتسمى القطعة متعدّدة الأبيات "القصيدة"، أو "القامة". ولعلّ الأصل أن الكان وكان كان في بداياته قطعًا رباعية، ثم صار يجري جمعها وتفريقها تبعًا للمناسبة، وكانت أبياته مستقلة كالدوبيت[13].
وبسبب بغداديّة منشأ الكان وكان، فقد كان شعراؤه يستعملون الفتح عند الربط بين كلماته[14]، وقد شاع في العراق والشام وكان محدود الانتشار في مصر[15].
نشأته وأشهر شعرائه
فن الكان وكان فنّ عربي شعبيّ صِرف، ومن أشهر شعرائه أبو نقطة {{أبو نقطة، وابن نقطة (الأب): (ت. 597هـ/ 1200م) وهو أبو منصور بن نقطة المزكلش، أي ناظم الزكالش.}}، وصفي الدين الحلي (ت. 752هـ/ 1339م)، والقيّم البغداديّ (أبو عبد الله خلف بن محمد المصريّ)، والمعمار (إبراهيم بن علي المعروف بغلام النوريّ، ت. 749هـ/ 1384م)، وبدر الدين الزيتونيّ (أبو النجا محمد بن محمد الصوفيّ، 831-924هـ/ 1427-1518م)، ومن الوعّاظ عبد الرحمن بن الجوزيّ (510-597هـ/ 1116-1200م)، وحفيده أحمد المعروف بالغراب المعدّل، وشمس الدين الكوفيّ (623-675هـ/ 1226-1276م)، وشمس الدين الواسطيّ (717-776هـ/ 1317-1374م)، ومن المتصوّفة أبو الحسن الحريريّ، والجعبريّ، والحرفوش، وابن زُقاعة، والعَرَوْدك[16].
ظهر الكان وكان، كما قال صفيّ الدين الحلّيّ، في أشعار القدماء في نصوص غير منسوبة. وتبدأ المرحلة الثانية بابن الجوزي نحو عام 531ﻫـ/ 1137م[17]. وربّما تنسب ريادته إلى مار أفرام السرياني {{مار أفرام السرياني: (306-373) قدّيس مسيحيّ يدعوه السريان "قيثارة الروح القدس"، وشاعر قدم للكنيسة أناشيد روحية كثيرة، وُلد في مدينة نصيبين إحدى بلاد ما بين النهرين، أسس مدرسة نصيبين، ويعدّ راعي الشعب السرياني، ولعلّه حضر مجمع نيقية عام 325.}}[18]، وأطلق المصريون على الكان وكان اسم "الزَّكالِش" بمعنى الغناء الشعبي[19]. وهي جمع "زكلش"، وأطلقوا على الشاعر أبي نقطة اسم "المُزَكْلِش"، بمعنى الشاعر الجوّال. ولعلّ المصريين أطلقوا هذا الاسم على ما جاءهم من بغداد، ليميّزوه عما جاءهم من الأندلس، الذي أطلقوا عليه "الزجل"[20].
موضوعاته
قال صفي الدين الحليّ عن الكان وكان: نظم شعراؤه فيه المواعظ، والزهديات، والأمثال، والحكمة، وسائر الموضوعات غير المهمّة وغير الشعرية، إذ صار "الكان وكان" ضدًّا للقريض في الهيبة والوقار[21]. وبدأ بالحكايات والخرافات، ثم شاع فيه الوعظ والتبصر والنصح، والوصف، والتاريخ وتسجيل الأحداث[22].
حضوره في عصور الأدب العربي
اختفى الكان وكان، مثلما اختفى فنّ القوما، وبعض فروع الزجل، ويكاد الدوبيت يختفي. وقد عجّل في موت هذه الأنواع أنها ذات وزن واحد يصعب التصرّف فيه. وربما تحوّل إلى فن نسائي للأفراح والأتراح. وربّما اختلف بسبب بروده وثقله[23].
وقد جمع كامل مصطفى الشيبي ديوان الكان وكان في الشعر الشعبي العربي القديم، ونشرته دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد في عام 1987 في قرابة 400 صفحة من القطع الكبير.
ومن نماذج الكان وكان[24]:
قم يا مقصّر تضرّعْ | قبل اَن يقولوا كان وكانْ |
للبَرّ تجري الجواريْ | في البحرِ كالأعلامْ |
وربّما تكتب المصاريع الأربعة كالآتي:
قم يا مقصّر تضرّعْ | قبل اَن يقولوا كان وكانْ |
للبَرّ تجري الجواريْ | في البحرِ كالأعلامْ |
وكذلك[25]:
ما ذقت عمري جَرعَه | أَمَرّ من طعمِ الهوى |
الله يصبرْ قلبي | على الذي يهوى |
وقد تُكتَب بطريقة كتابة البيت السابق، فتكون المصاريع الأربعة في بيت واحد.
ومنه قول الشاعر[26]:
يا قاسي القلب مالكْ | تسمع وما عندك خبر |
ومن حرارة وعظي | قد لانت الأحجارْ |
أفنيت مالك وحالكْ | في كل ما لا ينفعك |
ليتك على ذي الحالة | تقلع عن الإصرارْ |
تحضر ولكنْ قلبك | غايب وذهنك مشتغل |
فكيف يا متخلّف | تُحسَبْ من الحضّارْ |
ويحك تنبّهْ فتى | وافهم مقال واستمع |
ويحك تنبّهْ فتى | وافهم مقال واستمع |
ففي المجالس محاسن | تحجبْ عن الأبصارْ |
يحصي دقايق فعلك | وغمز لحظك يعلمه |
وكيف تغرب عنّه | غوامض الأسرارْ |
تلوت قولي ونصحي | لمن تدبّر واستمعْ |
ما في النصيحة فضيحة | كلا ولا إنكارْ |
ومن الكان وكان قول صفي الدين الحلّيّ[27]:
شاهدت في الليل طَيري | وقمتُ حتى انْصب شرك |
ما كل صيدٍ يحصلْ | يفرّح الصيادْ |
طَيري الذي كان إلفي | لو ردت مثلُهْ ما حصلْ |
وهو عليّ معوّد | واْنا عليه معتادْ |
قد كان شَرطي وخلقي | لبرج غيري ما عرف |
كأننا في الصحبهْ | جينا على ميعاد |
من قبل ما ابصبص له | ييجي ويدخل مصوري |
وانا ارصده في مطاره | خايف عليه ينصاد |
وتقطيعها كما يأتي:
- - ٮ -/ - ٮ - -/ ٮ – ٮ -/ - - ٮ -/ |
- - ٮ -/ - - -/ ٮ – ٮ -/ - - O/ |
- - ٮ -/ - ٮ - -/ - - ٮ -/ - - ٮ -/ |
- ٮ ٮ -/ ٮ ٮ - -/ ٮ – ٮ -/ - - O/ |
- - ٮ -/ - ٮ - -/ ٮ – ٮ -/ - - ٮ -/ |
ٮ – ٮ -/ - - -/- - ٮ -/- - O/ |
- - ٮ -/ - - -/- - ٮ -/ - ٮ - -/ |
- - ٮ -/ - ٮ - -/- - ٮ -/- - O/ |
المراجع
الأبشيهي، شهاب الدين. المستطرف في كل فن مستظرف. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1952.
التونجي، محمد. الاتجاهات الشعرية في بلاد الشام في العهد العثماني. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1993.
خلوصي، صفاء. فن التقطيع الشعري والقافية. ط 5. بغداد: مطبعة مكتبة المتنبي، 1977.
سلام، محمد زغلول. الأدب في العصر المملوكي. القاهرة: دار المعارف، 1971.
سلطان، جميل. كتاب الشعر. [د. م.]: المكتبة العباسية، 1970.
الشيبي، كامل مصطفى. ديوان الدوبيت في الشعر العربي في عشرة قرون. بيروت: منشورات الجامعة الليبية، 1972.
________. ديوان الكان وكان في الشعر الشعبي العربي القديم. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1987.
عبد النور، جبور، المعجم الأدبي. بيروت: دار العلم للملايين، 1979.
الغساني، منير إلياس، الزجل: تاريخه، أدبه، أعلامه. حريصا: المطبعة البولسية، 1952.
الهاشمي، السيد أحمد. ميزان الذهب في صناعة شعر العرب. ط 14. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1963.
[1] شهاب الدين الأبشيهي، المستطرف في كل فن مستظرف، مج 2 (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1952)، ص 286؛ السيد أحمد الهاشمي، ميزان الذهب في صناعة شعر العرب، ط 14 (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1963)، ص 155.
[2] كامل مصطفى الشيبي، ديوان الدوبيت في الشعر العربي في عشرة قرون (بيروت: منشورات الجامعة الليبية، 1972)، ص 126.
[3] يُنظَر: جبور عبد النور، المعجم الأدبي (بيروت: دار العلم للملايين، 1979)، ص 219.
[4] منير إلياس الغساني، الزجل: تاريخه، أدبه، أعلامه (حريصا: المطبعة البولسية، 1952)، ص 61.
[5] عبد النور، ص 219.
[6] الهاشمي، ص 133.
[7] كامل مصطفى الشيبي، ديوان الكان وكان في الشعر الشعبي العربي القديم (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1987)، ص 23–26.
[8] المرجع نفسه، ص 18–20.
[9] المرجع نفسه، ص 21.
[10] جميل سلطان، كتاب الشعر ([د. م.]: المكتبة العباسية، 1970)، ص 168-169.
[11] الشيبي، ديوان الكان وكان، ص 20.
[12] الهاشمي، ص 133.
[13] الشيبي، ديوان الكان وكان، ص 17، 20.
[14] المرجع نفسه، ص 48.
[15] محمد زغلول سلام، الأدب في العصر المملوكي، ج 1 (القاهرة: دار المعارف، 1971)، ص 329–331.
[16] الشيبي، ديوان الكان وكان، ص 34–35.
[17] المرجع نفسه، ص 15، 32.
[18] صفاء خلوصي، فن التقطيع الشعري والقافية، ط 5 (بغداد: مطبعة مكتبة المتنبي، 1977)، ص 348.
[19] الشيبي، ديوان الدوبيت، ص 117.
[20] الشيبي، ديوان الكان وكان، ص 11-12.
[21] المرجع نفسه، ص 11، 46-47، 51.
[22] سلام، ص 329–331.
[23] الشيبي، ديوان الكان وكان، ص 53، 55-56.
[24] محمد التونجي، الاتجاهات الشعرية في بلاد الشام في العهد العثماني (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1993)، ص 494.
[25] المرجع نفسه، ص 494–495.
[26] الغساني، ص61، والهاشمي، ص 155.
[27] الأبشيهي، ص 286.