الموجز
أحمد بن حنبل (164-241هــ/ 780-855م) إمام المذهب الحنبلي من المذاهب الأربعة المتبوعة عند أهل السنة، وآخرها نشوءًا. يُعدّ من كبار الآخذين عن تابعي التابعين. وُلد في بغداد عاصمة الدولة العباسية، وعاصر ما سمّي بعصر التدوين، إذ بدأت تترسّخ أصول العلوم وتتمايز، واتسعت وتعمّقت النقاشات العقائدية والنزاعات الفكرية بين التيارات الدينية والفلسفية المختلفة.
نشأ يتيمًا، فتولت والدته تربيته، وكانت تعيش على الكفاف. وبرغم الفقر، كانت حريصة على تعليمه، فحصّل التعليم المبكر في الكُتّاب، على ما جرت به العادة في ذلك الزمان، وتميّز بجودة خطه. وشرع في طلب الحديث وهو في سن الخامسة عشرة، وارتحل، على طريقة كثير من أهل الحديث، إلى العديد من الأمصار لأخذ الحديث عن شيوخ العلم، وكان من أبرز من أخذ عنهم أبو يوسف القاضي (تلميذ أبي حنيفة)، ويحيى بن سعيد القطان، وهُشيم بن بشير، وغيرهم. وأُحصي من روى عنهم في
المسند فكانوا أكثر من 280 شيخًا.
وبمرور الوقت، أصبح ابن حنبل من أشهر علماء الحديث في عصره، وعُرِف بتعمقه في دراسة الأحاديث النبوية وجمعها، وبيان طرقها، ومعرفة أحوال رجالها.
وقد واجه ابن حنبل اضطهادًا فيما عُرف تاريخيًا باسم "محنة خلق القرآن"، أو "المحنة" التي أطلقها الخليفة العباسي المأمون، الذي أراد حمل العلماء والأمراء والولاة على القول باعتقاد أن القرآن مخلوق، وأمر بعقوبة من لم يستجب. وكان ابن حنبل من القلة الذين رفضوا هذا الرأي، فسُجِن حتى عهد المعتصم، فأمر بعد امتحانه بجلده، ثم أطلقه من الحبس. ثم استمرت المحنة في عهد الواثق، حتى أزالها المتوكل الذي حاول استقطاب ابن حنبل، ولكنه أبدى ممانعته.
أما في الفقه فكان ابن حنبل منتميًا إلى مدرسة أهل الحديث والأثر، وعُرف بتفضيله الحديث الضعيف على الرأي، ولم يكن يلجأ إلى القياس إلا للضرورة. وكان يتحرز من إطلاق الأحكام القطعية في الأمور الفقهية، ويكتفي أحيانًا بسرد النصوص النبوية أو أقوال الصحابة من دون إضافة رأيه الخاص.
وفي العقيدة، اشتهر بدفاعه عمّا يرى أنه عقيدة أهل السنة والجماعة. وتمسك بإثبات أسماء الله وصفاته كما وردت في النصوص الشرعية ولم يرتض طريقة المتكلمين، فكان في صدام معهم. وكان يرفض علم الكلام أصلًا حتى لو قرر ما يسمّى اعتقاد أهل السنة. وكان يعتقد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهو ما يخالف المرجئة.
وبعد المحنة، وما تعرض له من اضطهاد، صار ابن حنبل رمزًا كبيرًا عند الحنابلة وغيرهم في الإصرار على الموقف في وجه السلطة، وأصبح من كبار الأئمة المتبوعين في العالم الإسلامي. ولم يكن تأثيره مقتصرًا في عصره فقط، بل امتد ليصبح مرجعًا أساسيًا عند كثير من الموصوفين بأهل السنة والجماعة، بل عدّه بعض أتباعه معيارًا للتسنّن.
وما يزال تأثيره ممتدًا حتى العصر الحاضر، ولا سيما عبر بعض حركات الإصلاح السنية، ولو على نحو غير مباشر. وما يزال المذهب الفقهي المنسوب إليه محلّ تطبيق في الفقه الإسلامي ولا سيما في المملكة العربية السعودية، ودولة قطر.
الصفحة الأولى من مخطوطة مسند الإمام أحمد المحفوظة في مكتبة الجامع الأزهر، مصر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
حياته وسيرته
السياق التاريخي
ولد أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني في ربيع الأول سنة 164هـ/ 780م، وفق رواية ابنه الأكبر صالح[1]، أي في عهد الخليفة المهدي بن أبي جعفر المنصور (حكم 158-169هـ/ 775-785م)، وكان مولده في بغداد عاصمة الخلافة العباسية في ذلك الوقت، وكانت قد غدت من أهم العواصم العلمية في العالمين العربي والإسلامي[2]، مع البصرة والكوفة ومرو وغيرها. شهد هذا العصر اتساعًا علميًا كبيرًا في العلوم العربية والإسلامية وتدوينها، ففيه انتقلت العلوم العربية والإسلامية من التداول الشفاهي والسماعي إلى التدوين والتصنيف، وفيه افتُتِح عهدُ تقعيد العلوم وتمايزها واستقلالها، واتضاح أصولها ومعالمها. وفيه ظهرت بواكير المدونات النحوية واللغوية والفقهية والحديثية، مثل كتاب
الموطَّأ لـمالك بن أنس (ت. 179هـ/ 795م)، والأصل لـمحمد بن الحسن الشيباني (ت. 189هـ/ 804م)، والأمّ والرسالة كلاهما للشافعي (ت. 204هـ/ 820م)، وظهرت المعاجم اللغوية مثل كتاب
العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (نحو 170هـ/ 786م)، وأول كتاب في النحو
كتاب سيبويه (ت. 180هـ/ 796م)، وكتب الأدب والبلاغة مثل كتاب
الحيوان وكتاب
البيان والتبيين للجاحظ (ت. 255هـ/ 869م)، إضافة إلى دواوين الحديث الشهيرة مثل
مصنف عبد الرزاق، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وغيرها. وشهد كذلك انفتاحًا كبيرًا على العلوم الفلسفية والطبيعية، وتأسست فيه حركة الترجمة التي نقلت إلى العربية كتبًا من اللغتين اليونانية والسريانية. وكتب فيه
الكندي (ت. نحو260هـ/ 873 م) رسائله الفلسفية.
وبسبب هذا الاتساع والانفتاح، تعمّقت مسائل علم الكلام بسبب اطلاع المتكلمين على الفلسفات المترجمة ولا سيما في الطبيعيات (دقيق الكلام/ الطبيعيات في علم الكلام) ليستدلّوا بها على ما يذهبون إليه من أصولهم، وما يحيط بذلك من جدل وردود ومناظرات بين بعض الفرق الإسلامية مثل
الجهمية والمرجئة والمعتزلة والشيعة وأهل الحديث، وبين الفرق الإسلامية وغيرها من أبناء الديانات غير الإسلامية، ما وسع نزعة التأويل والاحتجاج على ذلك بالأدلة العقلية وفق ما يراه المتكلمون.
وفي ذلك العصر أيضًا، برز العنصر الفارسي والآداب الفارسية في صلب الثقافة العربية والإسلامية وأثّرت تأثيرًا عميقًا في السياسة والاجتماع، وظهر التيار الشعوبي، وتيارات الزندقة، والنزاع العربي-العجمي، وهو ظاهر في مؤلفات الجاحظ وردوده على
الشعوبية[3]. وفيه قامت ثورات للعلويين بتأييد من المعتزلة مثل ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن الشهير بالنفس الزكية، وثورات غيرها لا تقوم على الأفكار الإسلامية مثل ثورة المقنع الخراساني.
وشهد ذلك العصر نزاعًا بين الخليفتين الأخوين
الأمين (ت. 198هـ/ 813م) والمأمون (ت. 218هـ/ 833م) ابني
هارون الرشيد (ت. 193هـ/ 809م)، بما فيه من اضطراب انتهى بمقتل الأمين، وخلوص الخلافة بيد المأمون.
ويضاف إلى ما سبق حدث أثر في الخطاب العقائدي، تأثيرًا استمر حتى العصر الحاضر، وهو الحدث الشهير بـالمحنة (محنة خلق القرآن).
نسبه وأسرته
نسبه معاصرُه المحدّث أبو الحسن أحمد بن عبد الله العجلي (ت. 261هـ/ 875م) إلى بني سدوس[4]، غير أن ابنه صالح يؤكد أنه من بني شيبان[5]، وهو الأشهر المعروف في سائر ترجماته. وتارة ينسب إلى مرو، فيقال إنه مروزي[6]، من جهة استيطان أسرته تلك البلاد، وطورًا ينسب إلى البصرة[7]، من جهة أن قبيلته استوطنتها، ولهم بها مسجد[8]. لكنه رغم عربيته لم يكن يفخر بها على أحد، حتى قال عنه يحيى بن معين (ت. 233هـ/ 847م): "ما افتخر عَلَيْنَا قطُّ بالعربية ولا ذكرها"[9].
تشير أخبار والده وجده وعمه إلى أنهم أسرة لها حظّ من العمل السياسي لمصلحة العباسيين. فأبوه محمد من جنود العباسيين[10]، وورد أنه كان "في زيّ الغزاة"[11]، أي يرتدي ملابس الجند، وذُكِر عن الأصمعي (ت. 216هـ/ 831م) أنه من القادة[12]. وكان جده حنبل بن هلال واليًا على سرخس (من قرى خراسان)، وكان من دعاة العباسيين[13]. وأشار الخطيب البغدادي (ت. 463 هـ/ 1072م) إلى أن جده المشار إليه عوقِب عقوبة مُهينة، بتهمة تحريضه الجند سرًّا على الشغب[14]، ضد الأمويين كما يبدو. أما أمه فهي من أسرة ذات منزلة في بني شيبان، واسمها صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيبانية. وعمه إسحاق بن حنبل، ورد أنه كان ينقل للسلطة "أخبار بغداد"[15]، فهو أشبه بموظف استخبارات بالمصطلح المعاصر.
ومع هذا، فقد وُلِد وعاش ومات في بغداد[16]. فقد ارتحلت أمه من مرو إلى بغداد وهي حبلى به[17]، وكان ذلك في أثناء ثورة "المقنّع الخراساني"، التي ابتدأ اشتعالها في مرو سنة 161هـ/ 777م، واستمرّت سنين[18]. وذُكِر عنه أنه كان يكلم بعض أقاربه الخراسانيين المروزيين بالفارسية إن لم يستطيعوا فهم خطابه لهم بالعربية[19]. وإن صح هذا ففيه إشارة إلى أن أقرباءه – وهم عرب شيبانيون – قد استعجموا بإقامتهم في بلاد الفرس.
تزوج ابن حنبل أول مرة حين قارب سن الأربعين من امرأة عربية هي عباسة بنت الفضل، وقد رُزِق منها بابنه صالح وهو أكبر أولاده[20]، ثم تزوج امرأة شيبانية من بنات عمومته، ورُزق منها بابنه عبد الله، وكانت له مولاة رُزِق منها ثلاثة أولاد وبنتًا؛ الحسن ومحمد وسعيد وزينب[21].
حياته ومراحلها
لحياة أحمد أربع مراحل:
- مرحلة الطفولة والنشأة (منذ ولادته حتى بداية شروعه في طلب الحديث).
- مرحلة الاشتغال بالعلم والإفتاء (منذ 179هـ/ 795م إلى بداية المحنة سنة 218هـ/ 833م).
- مرحلة المحنة والاضطهاد (218-234ه/ 833-849م).
- مرحلة ما بعد المحنة حتى الوفاة (234هـ/ 849م حتى الوفاة 241هـ/ 855م).
ليس هناك تفاصيل كثيرة عن طفولة أحمد بن حنبل. لكن الثابت في سيرته أنه نشأ يتيمًا، فقد مات والده في سن صغيرة، فلم ير أباه ولا جده، فتولت أمه رعايته[22]. وكان على حالة من الكفاف القريب إلى الفقر، حتى قيل إن أمه كانت تضطر إلى بيع بعض حُليِّها من أجل العيش[23]. ومع هذا فقد خلّف له أبوه عقارًا يتعيّش به[24]، ولكنه لم يكن كافيًا، فكان ربما يعمل في النِّساخة، أو يؤجر نفسه فيحمل للناس أمتعتهم أو يعمل في ضربٍ من النسج[25].
تلقى علومه الأولية في الكُتاب، على المعهود في ذلك العصر. وقيل إنه كان يمتاز بجودة الخط، فكانت النساء يستعنّ به ليكتب جوابات لهن إلى ذويهن، كما روى تلميذه أبو بكر المروذي (ت. 275هـ/ 888م)، فكان لا ينظر إليهن، و"ربّما أملين عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه"[26]. ورُوي عنه أنه، في تلك السن الصغيرة، ألقى بجواب (استخباراتي) أعطاه إياه عمه ليسلمه إلى السلطات، وأنه لم يفعل تورُّعًا[27] عن إيذاء أحد، ونأيًا بذاته عن الاتصال بالسلطان. ومثل هذه الروايات عن طفولة أحمد ومراهقته لم يرد فيما كتبه ابناه صالح وعبد الله ولا ما كتبه ابن عمه حنبل بن إسحاق. ويبدي
نيمرود هورويتز (Nimrod Hurvitz) تحفظات منهجية على تلك الأخبار وغيرها من الروايات الحاكية عن مدى "سموه الأخلاقي" في طفولته ومراهقته[28].
ولا تسعف المصادر بذكر تفاصيل كثيرة عن ابن حنبل في صباه، إلا أن من الثابت أنه شرع في طلب الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة، وقد حدّد هو سنة بدئه في طلب الحديث فقال كما يروي عنه بعض تلاميذه: "طلبت الحديث سنة تسع وسبعين"[29]، أي سنة 179هـ/ 795م، وذلك في عهد هارون الرشيد (حكم 170-193هـ/ 786-809م).
وكما جرت به عادة أهل الحديث في ذلك الزمان، ارتحل ابن حنبل في طلب الحديث وجمع رواياته، فسافر، كما يحكي عنه ابنه صالح، إلى عدة أمصار؛ الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام. فقد ورد الكوفة سنة 183هـ/ 799م، وهي أولى سفراته[30]. ثم البصرة وعبّادان سنة 186هـ/ 802م، ثم عاد إلى البصرة سنة 190هـ/ 805م، ثم سنة 194هـ/ 809م، ثم سنة 200هـ/ 815م[31]، وإلى واسط سنة 194هـ/ 809م[32]، والحجاز سنة 187هـ/ 803م، و191هـ/ 806م، و198هـ/ 813م، ومن ثم إلى اليمن سنة 198هـ/ 813م وبقي فيها حتى 199هـ/ 814م[33]. ثم ارتحل إلى الشام سنة 209هـ/ 824م، فقد ذكر أنه ارتحل إليها بعد ولادة ابنه صالح (ولد سنة 203هـ/ 818م) بست سنين[34]. وتشير تواريخ تلك الرحلات إلى أن ابن حنبل لم يكن مستقرًا ببغداد من بعد وفاة الخليفة العباسي هارون الرشيد (ت. 193هـ/ 809م)، ثم النزاع الذي كان بين الأمين والمأمون وانتهى بمقتل الأمين (ت. 198هـ/ 813م).
وبهذه الرحلات التقى بكبار شيوخ الأمصار المحدّثين. وقد أحصى الذهبيّ شيوخه الذين روى عنهم في
المسند، فبلغ بهم مئتين وثمانين ونيّفًا[35]. من أشهرهم:
أبو يوسف القاضي (ت. 182 هـ/ 798 م) (تلميذ أبي حنيفة الأشهر)، وهو أوّل من تلقى ابن حنبل عنه الحديث، ومحمد بن إدريس الشافعي (ت. 204ه/820م)، وهُشَيْم بن بشير (وقد أخذ عنه منذ 179هـ/ 795م حتى وفاته سنة 183هـ/ 799م)، ويزيد بن هارون (ت. 206هـ/ 821م)، ووكيع بن الجرّاح (ت. نحو 197 هـ/ 812م)، ويحيى بن سعيد القطّان (ت. 198هـ/813م)، وعبد الرزّاق الصنعاني (ت. 211هـ/ 827م). وقد تفاوت مقدار تلمذته وروايته عن هؤلاء الشيوخ، فقد ذكر الذهبي (ت. 748هـ/ 1348م) أن أحمد بن حنبل سمع من هُشيم "فأكثر وجوّد"، ومن وكيع "فأكثر"، ومن يحيى القطّان "فبالغ". وذكر أن ابن حنبل سمع من محمد بن إدريس الشافعي، ولكنه ذكره في جملة شيوخ سرد أسماءهم سردًا[36]. ولئن كان من السائد أن ابن حنبل تتلمذ على يد الشافعي، فإن الثابت أنه إنما روى عنه بضعة أحاديث قليلة في
المسند، ويبدو أن لقاءه به لم يطل، فلا يقارن ما أخذه عنه بما أخذه عن هشيم ووكيع والقطّان. أما أبو يوسف القاضي فلئن كان ابن حنبل سمع منه في أول أمره؛ فإنه ترك بعد ذلك الرواية عنه[37].
هذا، وقد روى عن ابن حنبل محدّثون كبار، فمنهم أبو عبد الله
محمد بن إسماعيل البخاري (ت. 256هـ/ 870م) صاحب الصحيح، ولكن الذهبي ذكر أنه لم يروِ عنه غير حديثين؛ واحد بالسماع المباشر عنه، والآخر بواسطة[38]. وذكر أنه روى عنه
أبو داود السجستاني (ت. 275هـ/ 888م) ومسلم بن الحجاج (ت. 261هـ/ 875م) كلاهما مباشرة وبواسطة، وأنه روى عنه
النسائي (ت. 303هـ/ 915م) والترمذي (ت. 279هـ/ 892م) وابن ماجه (ت. 273هـ/ 886م) بواسطة، أي إنهم لم يسمعوا منه مباشرةً، كما يقول الذهبي[39]. وحدّث عنه كذلك أئمة مشاهير، مثل
علي بن المديني (ت. 234هـ/ 849م)، ويحيى بن معين. كما روى عنه ابناه
صالح بن أحمد (ت. 266 هـ/ 879 م) وعبد الله بن أحمد (ت. 290هـ/ 903م)، وتلميذه
أبو بكر المرّوذي[40]، وغيرهم. وبقي ابن حنبل يطلب العلم حتى استوى عالمًا وتأهل للإفتاء حين بلغ أربعين سنة، كما ذكر ابن الجوزي بسنده[41]، أي في سنة 204هـ/ 819م، وهي السنة التي دخل فيها المأمون بغداد بعد أن كان في خراسان. وبقي ابن حنبل على حالته في العلم والتحديث حتى سنة 218هـ/ 833م، وهي السنة التي أمر فيها المأمون بالمحنة (محنة خلق القرآن).
عاصر ابن حنبل في هذه المرحلة ثمانية خلفاء عباسيين على هذا الترتيب:
المهدي (حكم 158-169هـ/ 775-785م)، فالهادي (حكم 169-170هـ/ 785-786م)، فالرشيد (حكم 170-193هـ/ 786-809م)، فالأمين (حكم 193-198هـ/ 809-813م)، فالمأمون (حكم 198-218هـ/ 813-833م)، فالمعتصم (حكم 218-227هـ/ 833-841م)، فالواثق (حكم 227-232هـ/ 841-847م)، فالمتوكل (حكم 232-247هـ/ 847-861م). وفي عهود هؤلاء الخلفاء جرَت أحداث مؤثرة، عاصرها ابن حنبل في مراحل حياته، إذ قضى أغلب عمره في بغداد، أي في القلب مما يجري وقريبًا منه، ومن أهمها حدثان مؤثران في سيرة ابن حنبل بوضوح؛ الأول: الاقتتال بين الأمين والمأمون ابني الرشيد، وذلك لسبب سياسي هو النزاع على الخلافة وولاية العهد، وما رافقه من نزاع اجتماعي (عربي - فارسي)، وعقائدي (الجهمية في خراسان حيث كان المأمون، وأهل الحديث في بغداد حيث يقيم الأمين). وفي المدة 195-198هـ/ 810-813م، اشتد النزاع بين الأخوين، حتى انتهى بمقتل الأمين، ثم دخول بغداد في فوضى لم تنته إلا باستقرار المأمون فيها سنة 204هـ/ 819م[42]. ولم يرِد لأحمد بن حنبل ذكر في تلك الأحداث. بل كان في بعض سنواتها مرتحلًا في طلب العلم، غير مستقرّ فيها حتى سنة 200هـ/ 815م. لكن هذا النزاع متصل بالحدث الثاني وهو: المحنة (محنة خلق القرآن) التي بدأت سنة 218هـ/ 833م، وهي المرحلة الثالثة في حياة ابن حنبل.
المحنة (محنة خلق القرآن)
اتخذ المأمون إجراءً سياسيًا عمّم فيه الأمر باستجواب طائفة من الأمراء والعلماء عن عقيدتهم في القرآن، وتحديدًا بشأن مسألة خلق القرآن. وأمر بعقوبة من لم يقل بذلك بأنواع من العقوبات. وهو مذهب يقول به المعتزلة والجهمية وطائفة من الإباضية والشيعة.
في عهد المأمون
أمر المأمون واليه على بغداد
إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (ت. 235ه/ 849م) أن يمتحن طائفة من العلماء والأمراء في اعتقادهم في
القرآن. ورفض ابن حنبل وغيره هذا القول، فأمر المأمون، وكان في طرسوس، بإرسال ابن حنبل إليه موثقًا بالقيود، هو ومحمد بن نوح (ت. 218هـ/ 833م)، حتى إذا ما بلغا مكانًا قريبًا من الرقة أتاهما خبر وفاة المأمون (ت. 218هـ/ 833م)، فوُجِّه بهما إلى العراق. فمات محمد بن نوح في الطريق، ورجع ابن حنبل إلى بغداد فأُودِع سجن العامة[43].
في عهد المعتصم
تولى المعتصم الخلافة، وكان ابن حنبل سجينًا، وبقي في السجن (كما ورد عند ابنه صالح وابن أخيه حنبل بن إسحاق) نحو ثلاثين شهرًا، منذ سُجِن أيام المأمون حتى محنته وضربه بين يدي المعتصم[44]. لكن عمه
إسحاق بن حنبل (ت. 253هـ/ 867م) - وكان يكلم القوّاد وأصحاب السلطة للإفراج عنه - دخل على إسحاق بن إبراهيم وتشفّع إليه بعلاقة قديمة بين أسلاف ابن حنبل وأسلافه، واقترح أن يجمع له أهل العلم فيناقشوه "فمن فَلَحت حجّتُه كان أغلب"[45]. فاقتيد ابن حنبل إلى مجلس المعتصم وحوله العلماء، ومنهم قاضي قضاة المعتصم
أحمد بن أبي دؤاد (ت. 240هـ/ 854م)، وأصرّ ابن حنبل على أن القرآن غير مخلوق، وقال إن القرآن من علم الله، وأن الله "لم يزل عالمًا متكلمًا، نعبد الله لصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، ونردّ القرآن إلى عالِمه تبارك وتعالى، إلى الله فهو أعلم به، منه بدأ وإليه يعود"[46]. امتد هذا النقاش بين ابن حنبل وبين العلماء ثلاثة أيام. وتفاوتت مواقف خصوم أحمد الذين ناظروه، فمنهم من دعا إلى قتله لأنه رآه قد كفر لأنه يقول بأن القرآن أزليّ مع الله، ومنهم من كان يحاول الإفراج عنه وإطلاقه. فقد ذكر حنبل بن إسحاق بن حنبل (ابن عمّ أحمد) (ت. نحو 273هـ/886م)، وهو من معاصري الأحداث، أن أحد خصوم أحمد احتج عليه بحديث فلم يستطع أحمد الجواب فقال: "لمّا احتجّ عليّ عبد الرحمن بابن عرعرة واليمامي قطعني، فسكتُّ. فقال برغوث: يا أمير المؤمنين، كافرٌ حلالُ الدم، اضرب عنقه، ودمه في عنقي. وقال شعيب كذلك"[47]. وقال أحمد: "لم يكن في القوم أشدّ تكفيرًا لي منهما. وأما ابن سَمَاعة فقال [...]: يا أمير المؤمنين إنه في أهل بيت شرفٍ، ولهم قَدَمٌ، ولعله يصير إلى الذي عليه أمير المؤمنين"[48]. وكان المعتصم يقول عن أحمد: "إنه لفقيه، وإنه لعالِم، ومما يسرّني أن يكون مثله معي، يردّ عنّي أهلَ المِلل"[49]. طمعًا في أن يستجيب أحمد، فلما امتنع بعد ثلاثة أيام من جدال العلماء معه، أمر المعتصم بضربه، فجُلِد بضعة وثلاثين سوطًا[50]. ثم أُطلِق من الحبس. وبقي يحضر الجمعة والجماعة، ويحدّث ويفتي حتى مات المعتصم[51].
في عهد الواثق
وبعد نحو عشر سنين من إطلاق ابن حنبل من السجن، تولّى الواثق الخلافة، واشتدّ في أمر المحنة. حتى إن بعض أهل الحديث شاوروا ابن حنبل في الخروج على الواثق، فأبى ذلك عليهم وحثهم على الصبر والانتظار[52]. فثار أحمد بن نصر الخزاعي (ت. 231هـ/ 864م)، وقتله الواثق بيده. وبقي ابن حنبل مختفيًا طوال عهد الواثق حتى وفاته سنة 232هـ/ 847م[53].
في عهد المتوكل
تولى المتوكل الخلافة بعد الواثق، "فلمّا ولي انكشف ذلك عن المسلمين وأظهر الله السنة، وفرّج عن الناس"[54]، كما يقول مؤرخٌ للمحنة ومن شهود العيان هو حنبل بن إسحاق بن حنبل (ابن عم أحمد بن حنبل). ونهى المتوكل، بعد سنتين من خلافته، أي في سنة 234هـ/ 849م، عن الجدل في مسألة خلق القرآن والحديث فيها، وأرسل بذلك إلى الآفاق، مفتتحًا مرحلةً جديدة. وكانت السلطات منذ عهد الواثق قد أمرت ابن حنبل بالاختفاء وعدم حضور الجُمَع والجماعات[55]. ثم اتّهمه المتوكل بأنه يخفي لديه بعض العلويين الخارجين على الدولة، فدُهِم بيته وفُتِّش. وقال أحمد: "ما خلعتُ يدًا من طاعة، وإني لأرى له [أي للمتوكل] الطاعة في كل أحوالي، في عسري ويسري ومنشطي ومكرهي"[56]. وبعد ظهور براءته من هذا الاتهام، طلب المتوكل إليه أن يتوجه إلى العسكر (في سامراء حيث كان المتوكل يقيم هو وحاشيته) ليحدث الجند، فرفض أحمد ذلك معتذرًا باعتلال صحته وضعفه. وعرضوا عليه أشياء من المال والعقار، فرفض ذلك بإصرار. وألبسوه خلعة سوداء (أي ملابس تشريف، والسواد هو شعار الدولة العباسية) لملاقاة الخليفة المتوكل، فأظهر الانزعاج، حتى أرسل إليه المتوكل بإعفائه من لبس السواد. وفي العسكر أقسم ابن حنبل ألا يحدّث حديثًا تامًّا أبدًا، حتى يلقى الله[57]. وذلك ليتخلص من تحديث الجند والإقامة بمعسكر المتوكل. وبعد أيام قضاها في معسكر الخليفة، وبعد رفضه جميع ما عرضه عليه المتوكل من مغريات ليبقى في العسكر فيحدّث، وبعد امتناع أحمد الشديد حتى عن الأكل من موائد الخليفة وطعامه، وبعد ظهور المرض والتعب عليه، أذنت له السلطة بالانصراف فعاد إلى بغداد. كان هذا، كما يذكر ابنه صالح، في سنة 237هـ/ 851م[58]. وبعد إذن الخليفة له بالانصراف من العسكر، كان المتوكل يرسل إليه من يقرئه السلام ويتفقّد أحواله، فكان ابن حنبل ينزعج من ذلك، حتى قيل إنه تمنّى الموت لهذا السبب[59]. وبقي ابن حنبل ممتنعًا عن التحديث بحديث تامّ[60]، حتى توفي في 13 ربيع الأوّل سنة 241هـ/ 855م[61].
ما بعد المحنة
وبعد المحنة وصلابة أحمد في مواجهتها ومواجهة أربعة خلفاء عباسيين، وثباته على اعتقاده، صار شخصية بارزة في عصره وفي أثناء حياته. فقد نَقلته هذه الأحداث من كونِه علَمًا وعالِمًا من علماء الحديث، رواية وحفظًا وجرحًا وتعديلًا، إلى أن يعدّ لاحقًا "إمام أهل السنة على الإطلاق"[62]، في نظر العالم الحنبلي
ابن قيّم الجوزية (ت. 751 هـ/ 1350م)، ولا سيما في الاعتقاد. وروى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي (ت. 264هـ/ 878م) أنه قال: "لم أزل أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل بخير، ويقدمونه على يحيى بن معين وأبي خيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما صار بعد أن امتُحِن، فلما امتُحِن ارتفع ذكره في الآفاق"[63].
ويذكر ابن الجوزي الحنبلي أن "أكثر الناس" كانوا يرون أن المحنة هي سبب كون ابن حنبل إمامًا من أئمة المذاهب الإسلامية. ولكن ابن الجوزي يردّ على هذا التعليل بنقله عن أبي القاسم الجُبَّلِي (ت. 281هـ/ 894م) قوله: "أكثر الناس يظنون أن أحمد إنما كان أكثر ذكره لموضع المحنة، وليس هو كذلك؛ كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كأن عِلْم الدنيا بين عينيه"[64]. أي إن اعتبار ابن حنبل إمامًا كان بسبب المحنة، هو شيء مذكور منذ عصره هو.
غدا أحمد بن حنبل، إذًا، إمام أهل السنة، كما يرى أتباعه، بل صار، عند بعضهم، هو "معيار" التسنّن، وصار يوصَف من بعض محبّيه بأنه "يحفظ على الأمة أمر دينها"[65]. وخصص ابن أبي حاتم (ت. 327هـ/ 938م) في كتابه
الجرح والتعديل، أبوابًا خاصة عنه وعن مناقبه، فمن ذلك: "باب ما قذف الله عز وجل من محبة أحمد بن حنبل في قلوب الناس"[66]، و"باب استحقاق الرجل السنّة بمحبة أحمد بن حنبل"[67]، أي إن محبّة ابن حنبل، كما يعتقد بعض أتباعه، أضحت كافية في استحقاق الرجل أن يكون سنيًّا. ويروي ابن أبي حاتم عن أبيه (وهو أبو حاتم الرازي من كبار المحدثين): "إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلموا أنه صاحب سنة"[68]. وينقل عن غيره قوله: "إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع ضال"[69]. ولم يقف الأمر عند ذلك الحدّ، بل صارت محبة ابن حنبل، كما يرى بعض محبّيه، دلالة على الإسلام ذاته، بل رأى بعضهم أن اتّباعه فيصل بين الإسلام والتزندق، فيقول أبو الحسن الطرخاباذي الهمذاني: "أحمد بن حنبل محنة، به يُعرف المسلم من الزنديق"[70].
لكن هذا التعظيم لابن حنبل مع ذلك امتزج ببعض الخرافات التي نبّه إلى نكارَتها العلماء، فمن ذلك:
- قصة السراويل
وقد كرّرها ابن أبي يعلى الفراء (ت. 526 هـ/ 1131م) كثيرًا في
طبقات الحنابلة؛ وفحواها أن سراويل أحمد في أثناء الضرب أوشك على السقوط، فتمتم أحمد بشيء، فعاد السراويل كما كان. وفي رواية أن أحمد دعا الله فانشقّت الأرض وخرج منها يدان تشدّان الإزار لئلا يسقط[71]. يبدو أن هذه المبالغات تعود إلى عهود متقدمة، فقد ذكر طرفًا منه أبو إسحاق الكعبي المعتزلي المعاصر لتلاميذ ابن حنبل (ت. 319هـ/ 931م) في كتابه
قبول الأخبار ومعرفة الرجال[72]. وقد تنبه النقاد من العلماء مثل الذهبي إلى هذه المبالغات، فأشار إلى أنها منكرة موضوعة[73]، وعاب على أبي نعيم الأصفهاني (ت. 430هـ/ 1038م) صاحب كتاب
حلية الأولياء أنه ذكر هذه القصص وغيرها مما حكم الذهبي بأنه من القصص السمجة[74].
- الخضِر يقرئ أحمد السلام
ويروي ابن أبي حاتم أيضًا حكاية عن الخَضِر (الشخصية المدَّعى أنها تعيش حتى الآن منذ آلاف السنين) أنه أقرأ ابن حنبل السلام، وأن أهل السماء راضون عنه. وليس ذاك إلا على سبيل الخوارق[75].
- إسلام عشرة آلاف من اليهود والنصارى والمجوس يوم وفاته
وذكر ابن أبي حاتم أن عشرين ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس أسلموا يوم جنازة أحمد[76]. وقد أنكر الذهبي هذا، وقال: "هذه حكاية منكرة"[77].
صفاته النفسية وأحواله
عُرِف ابن حنبل بالزهد والورع الشديدين، فكان شديد الإعراض عن متع الدنيا، لا تهمه الثروة ولا الأموال، يرضى بالقليل والكفاف، ولا يتقرب إلى الأثرياء وأصحاب المناصب[78]. ولكن زهد ابن حنبل، كما يلاحظ نيمرود هورويتز، لم يكن زهدًا متطرفًا على طريقة بعض الصوفية في قمع النفس، مثل مواصلة الصيام أو الحرمان من الزواج أو قطع العلاقات جميعها بالمجتمع، بل كان زهدًا يمكن محاكاته، وهو أقرب إلى ضبط السلوك الأخلاقي منه إلى قمع النفس[79].
ومن الواضح في سيرته أنه كان شديد الحرص على النأي بنفسه عن السلطة، فورد عنه أخبار كثيرة تُشعِر برغبته في الابتعاد تمامًا عن السلطة، ومنها أنه كان يتضايق من سؤال الخليفة المتوكل عنه وعن أحواله، وأنه كان يمتنع من زيارة القائد
محمد بن عبد الله بن طاهر (ت. 253هـ/ 868م)، لأنه "كان سلطانًا"[80]. بل يذمّ من يطرق أبواب أصحاب السلطة[81]، ويفضل من لا يقترب منها[82]. وكان يتورّع عن قبول هدايا السلطان وأمواله وطعامه، ومضمون الروايات الكثيرة حول هذا الأمر تشير إلى أن موقفه في ذلك شديد الصرامة، حتى إنه لم يعد يأكل عند أبنائه بعد أن قبلوا أموال السلطان[83]. بل كان يؤنب ولديه وعمّه ويهجرهم لقبولهم هدايا الخليفة وأصحاب المناصب[84].
يشار في أوصافه، ويؤيد ذلك الكلام المنقول عنه وكان معظمه شذرات قصيرة، إلى أنه كان قليل الكلام، وكان في حياته جادًا صارمًا فلم يكن يمزح ولا يُمزَح بين يديه[85]. وكان أكثر كلامه في علم الحديث[86]، وكان يؤثر الانزواء عن الناس، ويحبّ الوحدة[87]. وينفر من الشهرة نفورًا شديدًا[88]. ويكره أن يتبعه الناس إذا مشى في الطريق[89]. وعُرِف بشدة التواضع في بيته ولباسه وطعامه، ورويت عنه في هذا أخبار كثيرة[90]. ووُصف بأنه لم يقبل من أحد شيئًا، لا من أصحابه ولا من غيرهم ويأبى ذلك[91]. إلا أن يكون على سبيل الهدية، فكان يقبلها ويكافئ عليها[92].
وورد عنه تسامحُه وعفوُه عن كل من ضربَه في المحنة أو شهد ذلك، فروى عنه ابنه صالح أنه قال: "جعلتُ الميّتَ في حلٍّ من ضربه إياي [...] وما على رجلٍ ألّا يُعذِّب الله بسببه أحدًا؟"[93]. وقال إبراهيم الحربي (ت. 285هـ/ 898م): "أحلَّ أحمد بن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه، والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دؤاد داعيةٌ لأحللتُه"[94]. أي داعية إلى البدع. وحين وشى به أحد كذبًا إلى السلطات أنه كان يؤوي علويًا خارجًا على الدولة، وبلغه ذلك عفا عنه وأمر بإطلاق سراحه "لعل له والدة أو أخوات أو بنات"، و"لعله يكون له صبيان يحزنهم قتلُه"، كما ورد عنه أنه قال[95].
المؤلفات المنسوبة إليه
نُسِبت إلى ابن حنبل كتبٌ ورسائل، أكثرها لا تصح نسبته إليه، وبعضها إنما هو من جمع بعض تلاميذه. وبعضها سقط من يد الزمن. وهي تنقسم إلى نوعين: كتب مجردة للحديث فحسب وإن اختلفت الموضوعات المقصودة، ونوع هو رسائل ومسائل في الاعتقاد والفقه وعلم الرجال والعلل. وهي كما يأتي:
كتب حديثية
مسند الإمام أحمد
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وهي مؤلفات قائمة على سرد الأحاديث عمومًا، أو في أبواب وموضوعات محدّدة، ومن ذلك:
- كتاب
المُسنَد: وثبتت نسبته إليه، وهو كتاب ضخم جمع فيه الأحاديث التي رواها الصحابة، بترتيب خاص، ولم يتّبع فيه تقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول موضوعية، بل قسمه بحسب الرواة من الصحابة، بحيث جمع الأحاديث التي يرويها كل صحابي في باب يخصه. وهذا الكتاب تصح نسبته إلى ابن حنبل، ورواه عنه ابنه عبد الله، لكنه أضاف إليه أحاديث، وكذلك أبو بكر القطيعي (ت. 368هـ/ 979م) (الذي رواه عن عبد الله بن أحمد) أضاف إليه بعض الأحاديث[96]، وقد طُبِع مرارًا واعتُني بتحقيقه وترتيبه.
- كتاب
الزهد: وقد رواه عنه ابنه عبد الله، ولعل أحمد هو مصنفه بنفسه، وقد أشار إلى ذلك تلميذه
إسحاق بن هانئ النيسابوري (ت. 275هـ/ 888م)[97]. وذكره ابن النديم (ت 384هـ/ 994م)[98]، وأثبته الذهبي[99]. وقد اطلع ابن حجر العسقلاني (ت. 852هـ/ 1448م) على هذا الكتاب، ووصفه بأنه: "كتاب كَبِير يكون فِي قدر ثلث المسند مَعَ كِبَر المُسْنَد"[100]. لكن المطبوع في العصر الحديث لا يبلغ حجم مجلّد واحد من
المسند، أي إن المطبوع هو جزء يسيرٌ متبق من الكتاب الكبير الذي وصفه ابن حجر.
كتاب الزهد
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
- كتاب
الأشربة: وهو من أقدم كتبه، وقد ذكر هذا الكتابَ ابنُ أبي حاتم الرازي (ت. 327هـ/ 938م) في كتابه
الجرح والتعديل، عن أبيه - وهو من أصحاب أحمد - أنه رأى هذا الكتاب معه، سنة 213هـ/828 م يحدث به[101]. أشار إليه ابن النديم[102]. وأثبته الذهبي[103]. والكتاب هو أحاديث مجموعة في باب الأشربة، رواه عن ابن حنبل تلميذه
أبو القاسم البغوي (ت. 317هـ/ 929م)، وهو مطبوع.
كتاب الأشربة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
- كتاب
الإيمان: ولعله من أقدم مصنفاته، فقد ذكر ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه أنه رأى مع أحمد كتابين من تصنيفه، سنة 213هـ/ 828م، هذا أحدُهما[104]. وأشار إليه ابن النديم في
الفهرست[105]. وأثبته الذهبي[106]. ولعله هو ما أورده أبو بكر الخلال (ت. نحو 311 هـ/ 923م) في كتابه
السنّة الذي جمع فيه مرويات الإمام أحمد في شتى أبواب الاعتقاد. إذ قال فيه بعد انتهائه من إيراد أحاديث كثيرة في الإيمان: "آخر كتاب الإيمان لأبي عبد الله"[107].
- كتاب
الإرجاء: ذكر حنبل بن إسحاق أنه قرأه عليه أيام سجنه في المحنة[108]. وهو أيضًا مرويّات للإمام أحمد أوردها الخلال في كتابه
السنّة[109].
- كتاب
الناسخ والمنسوخ: ذكره ابن النديم[110]، والخطيب البغدادي نقلًا عن ابن المنادي الحنبلي (ت. 336هـ/ 947م) أنه مما سمعه عبد الله من أبيه[111]. وذكر بعض المحققين أن له نسخة مصورة في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري في المدينة المنورة[112]. وليس هناك ما يؤكد صحة نسبته إليه.
- كتاب
التفسير: ذكره ابن النديم[113]. وصرح اللغوي والمفسِّر
أبو إسحاق الزجّاج (ت. 311هـ/ 923م)، في كتابه
معاني القرآن وإعرابه بأنه سمع كتاب
التفسير لأحمد بن حنبل من ابنه عبد الله وأنه أجازه به[114]، وذكر الزجاج أن أكثر ما أورده في كتابه إنما استقاه من كتاب
التفسير عن أحمد بن حنبل[115]. وليس من الواضح كون هذا الكتاب من تصنيف أحمد نفسه، فربما اختار ابنه عبد الله أحاديث سمعها من أبيه متعلقة بالتفسير فأفردها في كتاب خاص. وقد أنكر الذهبي نسبة هذا الكتاب إلى أحمد، بل أنكر وجود هذا الكتاب ذاته[116].
- كتاب
فضائل الصحابة: ولعله هو ما أشار إليه ابن النديم وسمّاه:
كتاب الفضائل[117]. وذكره ابن الجوزي، ووافق على ذلك الذهبي[118]. وقد رواه أبو بكر القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، ولكليهما فيه زيادات[119]. وليس من الواضح كون أحمد هو مصنفه، أو ابنه عبد الله. وهو مطبوع.
- كتاب
الفرائض: أشار إليه ابن النديم[120]، وقال الذهبي إنه رأى ورقة منه[121]. مع كون نسبته إليه محل شك لأنه لا ذكر له في الطبقة المعاصرة لأحمد.
- كتاب
طاعة الرسول: أشار إليه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه عن المسائل التي رواها عن أبيه[122]، وذكره ابن النديم[123]. وهو عبارة عن مجموعة من الآيات القرآنية والروايات في مسألة طاعة الرسول. والكتاب لا وجود له إلا مقدار صفحتين ذكر شيئًا منه عبد الله بن أحمد في مسائله المشار إليها.
- كتاب
حديث شعبة: ويبدو أنه مصنَّف في الأحاديث التي رواها المحدّث
شعبة بن الحجّاج (ت. 160هـ/ 776م). أشار إليه ابن الخطيب البغدادي نقلًا عن ابن المنادي الحنبلي[124]، وتابعه ابن الجوزي. وليس ثمّة ما يؤكد أن ابن حنبل هو مصنّفه، فإن ابن المنادي ذكر أن عبد الله سمع من أبيه ابن حنبل عدّة كتب، منها
حديث شعبة. وليس له وجود.
- كتاب
المناسك: أشار إليه ابن النديم[125]. وأشار إليه الخطيب البغدادي نقلًا عن ابن المنادي الحنبلي، أنه أحاديث في هذا الباب الفقهي من رواية عبد الله عن أبيه، وذكر أن له كتابين:
المناسك الكبير والمناسك الصغير[126]. وليس من المؤكَد أنه من تصنيف ابن حنبل بنفسه. وليس له وجود.
- كتاب
المقدّم والمؤخر في كتاب الله: أشار إليه الخطيب البغدادي نقلًا عن ابن المنادي، وأنه مما رواه عبد الله عن أبيه[127]. وليس مؤكّدًا أنه من تصنيف ابن حنبل ذاته. وليس له وجود.
- كتاب
حديث الشيوخ: أشار إليه الخطيب البغدادي، نقلًا عن ابن المنادي[128]. وليس مؤكدًا أنه من تصنيف ابن حنبل ذاته. ولا وجود له.
- كتاب
نفي التشبيه: أشار إليه الذهبي ولم يعلق على صحة نسبته[129]. وليس من الواضح أنه تصنيف أحمد، فربما يكون من جمع بعض تلاميذه. ومع هذا فهو لم يُعثر عليه.
- كتاب
جوابات القرآن: أشار إليه الخطيب البغدادي عن ابن المنادي ذاكرًا إياه في الكتب التي سمعها عبد الله من أبيه[130]، وأشار إليه ابن الجوزي[131]. ويبدو أنه سرد لآيات القرآن في موضوع معين. وليس من الواضح أنه من تصنيف ابن حنبل بنفسه. ولا وجود لهذا الكتاب.
- كتاب
الورع: نُسِب إلى ابن حنبل. وهو أحاديث وأخبار في الورع. لكن مصنّفه هو أبو بكر المروذي تلميذ ابن حنبل[132]. وهو مطبوع.
-
رسالته إلى المتوكل: يجيبه فيها عن مسألة "خلق القرآن"، وأوردها ابنه صالح في المسائل التي رواها عنه، وكذلك في كتابه لسيرته[133]. وكان الذهبي مقتنعًا بصحة هذه الرسالة اقتناعًا شديدًا، بناءً على صحة الإسناد، وعلى أن منهجها متفق مع منهج ابن حنبل[134].
كتب غير حديثية
وهي كتب ليست ممحّضة للحديث وسرده. وبناءً على أن ابن حنبل كان ينهى عن كتابة غير الحديث أشد النهي، بل كان يرى ذلك كله بدعة، فالشك يحيط بنسبة تلك الكتب إليه، ويرى بعض العلماء والباحثين أنها مؤلفات موضوعة ومكذوبة على ابن حنبل، ومن ذلك:
-
رسالة الإصطخري: وهي رسالة رواها أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصطخري ونسبها إلى أحمد، نقلها برمتها أبو الحسين بن أبي يعلى في
طبقات الحنابلة[135]، وحكم الذهبي بأنها موضوعة[136]. وقال عن أشياء فيها: "والله ما قالها الإمام، فقاتل اللهُ واضعَها"، ووصف بعض ما فيها بأنه سمِج[137]. وكذلك انتقد ابن تيمية هذه الرسالة - وأنكر أنها ثابتة عن ابن حنبل بألفاظها، وأكد أن ألفاظها هي ألفاظ أحد تلاميذ أحمد بن حنبل هو حرب بن إسماعيل الكرماني، وأنها لم يذكرها المعنيّون بجمع تراث ابن حنبل مثل أبي بكر الخلال وغيره[138].
- كتاب
السنّة من مسائل حرب الكرماني: وحرب الكرماني (ت. 280هـ/ 893م) من تلاميذ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقد جمع ما سمعه منهما في كتاب كبير اشتُهر بعنوان
مسائل حرب الكرماني، ومن هذا الكتاب أبواب خاصة بعقائد السلف. وقد أفردها بعض المعاصرين في كتاب مستقل، حُقِّق مرارًا، وطُبِع أكثر من مرة. وهذا الباب الخاص بالاعتقاد في المسائل يكاد يكون هو نفسه
رسالة الإصطخري التي حكم الذهبي وابن تيمية بوضعها، باختلافات طفيفة جدًا[139]. ويُنسَب الاعتقاد في هذه الرسالة إلى ابن حنبل، وهو ما ينكر ابن تيمية أنه بألفاظ ابن حنبل. بل أكّد أنه كلام الكرماني. أي إن هذا الكتاب لا تصحّ نسبته إلى ابن حنبل.
- رسالة
الردّ على الزنادقة والجهمية: أشار إليها ابن النديم[140]. وحكم الذهبي بأنها موضوعة. وأشار بعض الدارسين المعاصرين إلى وضعها[141]. وهي رسالة قائمة على الاحتجاج العقلي الكلامي، وهو ما لا يتسق مع نهج ابن حنبل وأسلوبه، بل كان مما ينهى عنه أشدّ النهي. وهذه الرسالة مطبوعة مرارًا.
- رسالة
عبدوس بن مالك العطّار: نقل الخلال طرفًا منها عن ابن حنبل في كتابه
السنّة الذي جمع فيه أقواله[142]. وكذلك نقلها
اللالكائي (ت. 418هـ/ 1027م) على هذا النحو في كتابه
شرح أصول اعتقاد أهل السنة[143]، وابن أبي يعلى في
طبقات الحنابلة[144]، وابن الجوزي في
المناقب[145]، وابن تيمية كذلك في
مجموع الفتاوى[146]، وحكى طرفًا منها الذهبي في كتابه
تاريخ الإسلام، في ترجمته لابن حنبل، في فصل خصصه لقوله في أصول الدين، ولم يعترض على نسبتها إليه (ومن عادته الاعتراض على ما لا يقبله)[147]. والرسالة مطبوعة مرارًا، ومشروحة ومنسوبة إلى ابن حنبل. إلا أن هناك شكوكًا في نسبتها إليه[148]، ولبعض الباحثين المعاصرين تفصيل في ذلك[149].
- رسائل عقائدية أخرى: وهي روايات عقائدية مفردة مروية عن ابن حنبل ذكرها كلها ابن أبي يعلى في
طبقات الحنابلة، وهي: عقيدة برواية الحسن بن إسماعيل بن الربعي[150]، وثانية برواية محمد بن عوف الحمصي الطائي (ت. 272هـ/ 885م)[151]، وثالثة برواية محمد بن حميد الأندرابي[152]، ورابعة هي رسالة منه إلى مسدّد بن مسرهد (ت. 228هـ/ 843م)[153]. وكلها يحيط به الشكوك.
-
رسالة في الصلاة: نقلها أبو الحسين بن أبي يعلى في
طبقات الحنابلة[154]، وهي نصيحة وجّهها ابن حنبل إلى أهل مسجده عن الصلاة وآدابها والتزام فرائضها وسننها. وحكم الذهبي بوضعها[155]. وهي مطبوعة.
- كتاب
العلل: أشار إليه ابن النديم[156]. وهو ليس لابن حنبل، بل هو من تصنيف ابنه عبد الله، جمع فيه آراء والده في أحاديث ورواة.
- كتاب
التاريخ: لعله في الجرح والتعديل وتراجم المحدّثين. أشار إليه الخطيب البغدادي نقلًا عن ابن المنادي[157]، وأنه من رواية عبد الله عن أبيه. وليس من الواضح كونُه من تصنيف ابن حنبل نفسه.
- كتُب
الوقوف، والترجّل، وأحكام النساء[158]: وهي كتب متعلقة بهذه الموضوعات الفقهية. وتُنسَب إلى ابن حنبل. لكن مصنفها فعلًا هو أبو بكر الخلال الذي جمع مسائل ابن حنبل في موضوعات شتّى.
-
الأسامي والكنى: وهو كتاب في أسماء الرواة وكُناهم وألقابهم. رواه عنه ابنه صالح. ولم يشر إليه أحد من طبقة أحمد، ولم يُذكر كذلك في المصادر الحنبلية القديمة[159]. وليس من الواضح كونُ أحمد هو مصنّفه. ويبدو أن ابنه صالح جمعه هو مما سمعه من أبيه. وهو مطبوع.
أما كتب "المسائل" التي رواها عنه كثرة من تلاميذه، مثل مسائله برواية ابنه عبد الله، ومسائله برواية ابنه صالح، ومسائله برواية أبي داود، ومسائله برواية إسحاق بن هانئ، وغير ذلك فهي من تصنيف تلاميذه وليست كتبًا له.
منهجه في العقائد والفقه
يوصف منهج ابن حنبل بأنه منهج "أثريّ"؛ أي متّبع لظواهر النصوص الشرعية والروايات، ينأى عن التأويل عمومًا، ولا يخرج عن ظواهر النصوص إلى القياس العقلي إلا للضرورة، ويرفض كل قول لا أصل له في النصوص الشرعية وأقوال الصحابة والتابعين، ويسكت عما سكتوا عنه، فلا يفتي إلا بأثر، وينأى وينهى عن الجدال والخصومات في الدين. ولذلك كان ضد مدرستين كبيرتين: أولاهما: مدرسة الكلام في العقائد على تنوعها ويتزعمها المعتزلة قبل غيرهم؛ وثانيهما: مدرسة الرأي في الفقه ويتزعمها أبو حنيفة. وكلتا المدرستين لا تحصر استمدادها في النص، بل تفسح مجالًا كبيرًا للاستدلالات والأقيسة العقلية، وهذا عند ابن حنبل مُخالف لمنهج الصحابة والتابعين. ونتيجة لهذا التوقف البليغ عند الأخبار والآثار والأحاديث كان لابن حنبل في المسألة الواحدة أكثر من رواية، في العقائد وفي الفقه. ولأن إجاباته في أكثر الأحيان كانت لا تتجاوز إيراد الأحاديث والنقول، فقد اقتضى هذا خلافًا بين أتباعه الحنابلة في فهم مذهبه في كثير من المسائل، مع خلافهم هم أنفسهم فيما رووه عنه بألفاظه[160]. ومع هذا فثمّة نصوص يرجَّح نسبتها إليه في أصول الدين وفي الفقه.
في أصول الدين (العقائد)
مفهوم الإيمان
يصرّح ابن حنبل بأن الإيمان قول وعمل ونيّة[161]، وأنه يزيد وينقص[162]؛ يزيد بالعمل الصالح، وينقص بالمعصية[163]، خلافًا للمرجئة. وقد نص على أن
الإسلام غير
الإيمان، فالإسلام عنده هو الإقرار الظاهر، والإيمان هو العمل[164]. وورد عنه أن مرتكب الكبائر المصر عليها - وهو من أهل الصلاة - فاسق لا يكفر، ولكنه "يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام"[165]، وهو "ناقص الإيمان"[166]. إلا أن الثابت عن ابن حنبل هو تكفيره تارك الصلاة غير الجاحد لوجوبها[167].
أسماء الله وصفاته
يقول ابن حنبل بوجوب إثبات أسماء الله وصفاته كما وردت بلا نكران ولا تأويل ولا تشبيه. وكان ربما يحكم بكفر من قال بأن أسماء الله مخلوقة أو مُحدَثة[168]. وكان منهجه في الأحاديث التي وردت فيها صفات لله هو التسليم بالأخبار كما جاءت[169]. وأنه "لا يوصَف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه"[170]. هذا منهجه العام. ولأن زمان ابن حنبل كان زمان ازدهار في شتى العلوم، وعلى رأسها
علم الكلام، فقد كان للمدارس الكلامية آراء مختلفة في قضايا توحيد الله وأسمائه وصفاته، وكان لابن حنبل آراء في جزئيات متعلقة بتلك المسائل العقائدية المتنازع عليها صرح بها على الخصوص. فمن ذلك:
- صفتا العلم والكلام
يقرن ابن حنبل في غير مناسبة بين صفة العلم وصفة الكلام الإلهيتين. فمثلًا عندما قيل له في المحنة: "كان الله ولا قرآن"، أي إن القرآن حادثٌ وليس هو أزليًا موجودًا مع وجود الله، سأل مستنكرًا: "كان الله ولا علم؟"[171]، وقال أيضًا: "القرآن من علم الله ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله"[172]. والمفهوم من هذين النصّين: أنه إذا كان يستحيل أن يكون الله بلا علم منذ الأزل، فيستحيل أن يكون الله بلا قرآن منذ الأزل. ويصرّح ابن حنبل مرارًا بما يفيد اقتران صفتي العلم والكلام وأزليتهما فيقول: "لم يزل الله عالمًا متكلمًا"[173]. ويرفض قول بعض علماء الكلام بحدوث العلم الإلهي - أي القول بأن الله يعلم الأشياء عند حدوثها - ويرى ذلك كفرًا[174]. ويحكم بكفر من قال إن الله "لم يتكلم"[175]. وينصّ ابن حنبل على أن الله يتكلم بحرف وصوت[176]. وأن من أنكر أن الله كلّم نبيه موسى بلا صوت فهو جهمي[177].
ويتفرّع عن صفة الكلام الإلهي بعامّة عقائد صرّح بها ابن حنبل عن القرآن الكريم.
-
اعتقاد ابن حنبل في القرآن الكريم
يعتقد ابن حنبل – مثل سائر المسلمين من جميع طوائف
أهل القبلة – أن القرآن كلام الله، ويعتقد – خلافًا للقائلين بخلق القرآن – أن القرآن "غير مخلوق"، وهذا التصريح ثابتٌ عنه مستفيض. ويرى بعض الباحثين[178] أن قوله بأن القرآن غير مخلوق تطوّر بعد مرحلة امتحان المأمون، فقد كان ابن حنبل في بداية المحنة يقول: "كلام الله لا أزيد عليها"، كما في تاريخ الطبري[179]، ثم تطوّر موقفه فصار يشدّد على أنه "كلام الله غير مخلوق"، ويطلق حكم الكفر على من قال بأنه مخلوق، وهذا الحكم ثابتٌ مستفيض عنه أيضًا. وينص ابن حنبل على أن "القرآن كلام الله؛ منه خرج وإليه يعود"، ويفسِّر مقصده بهذه العبارة بأن "منه خرج"، أي: "هو المتكلم به"[180]، ولكن لم يرد عنه تفسير لقوله: "وإليه يعود".
ولكن مسألة أخرى ثارت في زمان ابن حنبل، إذا كان القرآن نفسه غير مخلوق، فقد وقع خلاف بشأن تكييف تلفّظ البشر به وتلاوتهم وقراءتهم له، وتحديد ما إذا كان هذا اللفظ البشري بالقرآن مخلوقًا أم غير مخلوق. اتجه بعض العلماء المسلمين (وأشهرهم أبو علي حسين الكرابيسي (ت. نحو 245هـ/ 859م) من تلاميذ الشافعي) إلى أن التلفّظ بالقرآن مخلوق، لأن التلفّظ من أفعال العباد، وأفعال العباد مخلوقة. وتسمّى هذه الفئة من القائلين بهذا الرأي: "اللفظية".
رفض ابن حنبل هذا القول رفضًا شديدًا، وقال في حق القائل بهذا الرأي: "هذا يُجانَب، وهو فوق المبتدِع، وما أراه إلا جهميًا"[181]. بل يرى ابن حنبل أن القائل بهذا القول: "شرٌّ من الجهمية"[182].
ولكنّ فئة من العلماء توقَّفت في هذه المسألة، وقالت: "لا نقول إن القرآن مخلوق، ولا غير مخلوق"، لأن هذا لم يرد عن الصحابة. واشتُهِرت هذه الطائفة باسم
الواقفة، لتوقّفها عن الخوض في هذه المسألة، ولعدم جزمها بأيٍّ من المذهبين المتقابلين. ومع هذا فإن ابن حنبل رفض أيضًا هذا الموقف. وعدّ هذه الفئة صنفًا من الجهمية[183].
- الصفات الخبرية
اختلفت الطوائف المسلمة فيما يسمّى
الصفات الخبرية، وهي الصفات التي مصدر العلم بها النصوص الدينية ولا يمكن التوصّل إليها بمجرد العقل، وذلك مثل صفة الوجه واليد والقدَم والأصابع والضحك والعلوّ والنزول والإتيان والمجيء، وقد ورد بعضها في القرآن وبعضها في الأحاديث. وقد اختلف العلماء في فهمها، فمنهم اتّجه فيها اتّجاه
التأويل، ففسّر الوجه بأنه ذات الله، واليد والأصابع بأنها القدرة، والضحك بأنه الرضا، والعلوّ بأنه علوّ المكانة، ونحو ذلك، وسمّى هذا الفريق من العلماء طريقتهم هذه بأنها "تنزيه"، ووصفوا مثبت تلك الصفات بظواهرها بـ "التشبيه" أو "التجسيم". لكن ابن حنبل، بحسب منهجه العامّ، يرفض اتجاه التأويل في الجملة، ويأخذ تلك الصفات بالقبول والتسليم بلا تأويل، وفي الوقت ذاته بلا تشبيه[184].
يعتقد ابن حنبل، خلافًا للمعتزلة مثلًا، أن المؤمنين يرون ربّهم يوم القيامة[185]. ويطلق حكم اللعن والكفر على من أنكر ذلك[186]. أما رؤية النبيّ ربه ليلة المعراج، أي في الدنيا، فالروايات الواردة عنه تفيد حصول هذه الرؤية، ولكن المنصوص في تلك الروايات أنها رؤية بالقلب والفؤاد وليست رؤية بالعين[187]. ولم يرد عنه أي قول فيه تصريح برؤية العين.
الإيمان بالقدَر وكتابته في اللوح المحفوظ
يعرف ابن حنبل القدَر بأنه "قدرة الله على العبد"[188]، ويصرّح بوجوب "الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، والتسليم لأمره، والرضا بقضائه"[189]، وأن المعاصي تقع بقدر الله؛ يقدّرها الله على العبد[190]. ويتوجب أن "نؤمن به، ونعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الله قدّر كل شيء من الخير والشر، فهو سابق في اللوح المحفوظ، الشقاء والسعادة مكتوبان على ابن آدم قبل أن يخلق، ونحن في أصلاب الآباء"[191]. ويرى ابن حنبل أن أفعال العباد مخلوقة لله مقدّرةٌ منه[192] (خلافًا للقدرية والمعتزلة).
الصحابة
يرى ابن حنبل أن الصحابي هو من صحب النبي ولو ساعة[193]، وكان يترحم عليهم أجمعين[194] بلا استثناء. وكان يقول إن البراءة من أحد أصحاب النبي، أو ولاية بعضهم من دون بعض، أو الشهادة على أحد منهم أنه في النار، كل ذلك بدعة[195]. وكان يرى أن أصحاب النبي أفضل من التابعين، فالخليفة معاوية بن أبي سفيان (ت. 60 هـ/ 680م)، مثلًا، أفضل من الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (ت. 101هـ/ 720م)[196].
الخلافة والخلفاء
يقول ابن حنبل، مثل سائر أهل السنة، وخلافًا للشيعة، باستحقاق أبي بكر للخلافة، وبترتيب الخلفاء الأربعة المشهور عند أهل السنة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب[197].
التفضيل بين الصحابة
كان ابن حنبل، مثل سائر أهل السنة، يرى أن أفضل الصحابة هو أبو بكر الصديق، فعمر بن الخطاب، فعثمان بن عفّان. ولا يُدخِل عليًّا في هذا الحكم التفضيلي. ولكنّه لم يكن ينكر على من جعله رابعًا في الأفضلية. وفي هذا يقول: "السنة في التفضيل الذي نذهب إليه: ما روي عن ابن عمر يقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان. ولا نعيبُ من ربَّع بعليٍّ لقرابته وصهره وإسلامه القديم وعدلِه"[198].
السكوت عمّا جرى بين الصحابة
كان ابن حنبل، مثل سائر أهل السنّة، يكره الخوض فيما جرى بين الصحابة من النزاع بين
عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وكان يقول: "ما أقول فيهما إلا الحسنى، رحمهم الله أجمعين"[199]. ونهى بعض تلامذته عن تأليف كتاب عن أخبار معركتي
صفّين والجمل[200].
طاعة وليّ الأمر وتحريم الخروج عليه
كان ابن حنبل يرى أن الفتنة (أي الاضطراب والفوضى) تقع إذا لم يكن للناس إمام (أي سلطان) يلي أمرَهم[201]، ويرى وجوب طاعة وليّ الأمر في غير المعصية[202]، وينكر الخروج عليه وقتاله إنكارًا شديدًا[203]. وقد اجتمع به طائفة من أهل الحديث أيام
الواثق للخروج عليه بسبب شدّته في المحنة، فأنكر عليهم ابن حنبل ذلك ونهاهم أشد النهي[204]. ويرى مايكل كوبرسون (Michael Cooperson) أن موقف ابن حنبل هو الصبر تجاه الظلم السياسي وتجنّب استعمال القوّة ضده حتى في أحلك الأيّام (أي أيّام الواثق)[205]. ويشير إلى أن هذا "الهدوء" (Quietism) "تفوح منه رائحة الرفض البليغ"[206]. وأن وصيّة ابن حنبل بالصبر على الخلفاء الظلمة، هو في الحقيقة "إقرار" منه بظلم الخلفاء[207].
منهجه في الفقه وأصوله
يعتمد ابن حنبل في فقهه وفتاواه على أصول خمسة مرتّبة على هذا النحو كما ذكره ابن قيّم الجوزية الحنبليّ[208]:
النص من الكتاب والسنة
فلم يكن يفتي إلا بناءً على نص من القرآن أو الحديث، فإذا ثبت النص الشرعي لم يلتفت إلى غيره حتى لو كان من أقوال كبار الصحابة، أو كان إجماعًا متوهَّمًا غير يقيني. فالنص القرآني والنص النبوي عنده قاضيان على غيرهما.
- نسخ السنّة للقرآن
لم يكن ابن حنبل يرى أن السنّة تنسخ القرآن، ولكنّها تفسّر القرآن وتدل على معانيه[209].
- خبر الواحد ظني الثبوت ويجب العمل به
تفيد الروايات الواردة عنه أن خبر الواحد الصحيح الإسناد ظني الثبوت، ومع هذا يجب العمل به[210]، ومن تلك الروايات قوله: "إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح، فيه حكمٌ أو فرضٌ، عملت بالحكم والفرض، ودنتُ الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي قال ذلك"[211].
قول الصحابيّ إذا لم يخالَف
فإذا لم يتوافر نص شرعي في المسألة، أخذ بأقوال الصحابة وفتاواهم. فإن ثبتت عن صحابيّ فتوى ولم يُعرَف لها مخالف من الصحابة، أخذ بها ولم يتعدّها إلى غيرها.
أقوال الصحابة إذا اختلفوا
فإذا اختلفت فتاوى الصحابة الثابتة عنهم[212] في المسألة، رجّح منها ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنّة، إذا كان في إمكانه الترجيح. فإن لم يستطع الترجيح، اكتفى بذكر الأقوال المختلفة عن الصحابة، ولم يرجّح شيئًا ولم يجزم. ولم يكن يُجيز تجاوز الصحابة إلى التابعين إذا كان للصحابة قولٌ أو أكثر في المسألة[213]. فإذا لم يثبت عن الصحابة شيء فورد عنه إجازة ذلك[214].
الحديث المرسل والضعيف
فإن لم يكن للصحابة أقوال في المسألة، أخذ ابن حنبل بالحديث المرسَل والضعيف (المعمول به وفق شروطه)، إذا لم يكن له معارض يدفعُه، ويقدّمه على القياس.
القياس للضرورة
فإذا عُدِمت الأصول الأربعة السابقة كلها، لجأ إلى القياس، واستعمله "للضرورة".
هذا، وقد سجّل أبو يعلى الفرّاء (ت. 458هـ/ 1066م) مزيدًا من آراء ابن حنبل المتعلقة بأصول الفقه والاستنباط في كتابه
العدة في أصول الفقه، على نحو موسَّع.
طريقته في الفتيا
كان لابن حنبل طريقة في الفتيا تظهر بوضوح في المسائل الثابتة عنه التي رواها تلاميذه، يمكن سردها على النحو الآتي:
- الإيجاز الشديد: فكانت فتاواه إجابات موجزة إيجازًا شديدًا عن أسئلة تلاميذه. وهذا يشمل أكثر ما ورد عنه.
- التحرّز الشديد من القطع في إطلاق الأحكام الشرعية: فما عدا ما اتفق عليه المسلمون، لم يكن ابن حنبل يميل إلى إطلاق الأحكام فيما لا نص قاطعًا فيه، فبالكاد يجد الناظر في تراثه التعبير بـ "حرام"، و"واجب"، ونحوهما. ولكنه كان يكتفي بأن يقول: "يعجبني" أو "لا يعجبني"، و"أكرهه"، و"نُهيَ عنه"، ونحو هذه العبارات التي لا تفيد القطع في الأحكام. فمثلًا: "قال عبد اللَّه: سألت أبي عمن ذبح للزُّهرة؟ قال: لا يعجبني. قلت لأبي: أحرامٌ أَكْلُهُ؟ قال: لا أقول حرام، ولكن لا يعجبني"[215]. وكذلك قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: متعة النساء تقول إنه حرام؟ قال: اجتنابها أحبُّ إليَّ[216]. أي نكاح المتعة.
- الاكتفاء بالنقل: وكان ابن حنبل في بعض إجاباته لا يذكر رأيه واستنباطه هو، ولكنه كان يكتفي بسرد الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة. فمن ذلك مثلًا أن ابنه صالح سأله عن لون كفَن الميّت: "البياض أعجب إليك أو غير ذلك؟" فقال أحمد: "يقال: إنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كُفن في ثلاثة أثواب سحولية بيض". فلم يُجِب إلا بالحديث واكتفى بذلك[217]. وكذلك سأله تلميذه ابن هانئ: "عن الحديث الذي جاء عن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -: "إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ‘، وقال في الرابعة: ثم إن سكر فاقتلوه‘، كيف العمل فيه؟". فقال ابن حنبل: "قد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والتارك لدينه، والنفس بالنفس"[218]. فلم يُجِب إلا بذكر الحديث واكتفى بذلك.
- التوقف في الإجابة: وكان ابن حنبل في أحيان يتوقف عن الإجابة؛ فمثلًا سُئل عن حديث فقال: "ما أدري ما هو، ولكن شيء رواه ابن المبارك، عن معمر، عن الحسن، وما أدري أيش هذا"[219]. وسُئل عن مسألة في فقه النساء فقال: "لا أقول فيه شيئًا"[220].
- اختلاف الأقوال: وكانت أقوال أحمد تختلف في المسألة الواحدة إلى قولين فأكثر، ربما يتجاوز العشرة أقوال. وهذا ظاهر في كثير من رواياته، فقلما تخلو مسألة من أن يكون له فيها روايتان فأكثر، على نحو يفوق ما ورد عن غيره من الفقهاء[221]، إلى الحدّ الذي يبلغ التناقض التام بحيث يصعب الجمع بين تلك الروايات[222].
موقفه من المذاهب الإسلامية المخالِفة
الجهمية
لم يرد عن ابن حنبل تكفير لطائفة كما ورد عنه في تكفير من يصفهم بـالجهمية، ولم يحتدّ خطابُه في ذمّ طائفة كما احتدّ مع هذا الفريق من العلماء. وذلك بسبب أقوالهم الاعتقادية التي يراها ابن حنبل - وغيره من أهل الحديث - كفرًا مخرجًا عن الملّة. وقد كان ابن حنبل يطلق اسم "الجهمي" على كل من يعتقد اعتقادًا من جملة اعتقاداتٍ؛ أشهرها: أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرَى في الآخرة، وأن الإيمان هو معرفة القلب فحسب[223]. ولئن كان ورد عن ابن حنبل تكفير القائلين بواحد من هذه الاعتقادات وغيرها، فإن أكثر الروايات الواردة عنه، بل المستفيضة، كانت في تكفير القائلين بخلق القرآن[224].
ومع إطلاقاته في تكفير القائلين بخلق القرآن وغير ذلك، رُويَ عنه ما يفيد عدم تكفيرهم بأعيانهم، فقد ورد مثلًا أنه كان يصلّي خلف القائلين بهذه المقالة، وإن كان ورد أنه أعاد الصلاة خلفهم وأمر بذلك[225]، وصرّح بأنه "لا تعجبه" شهادة "الجهميّة، والرافضة، والقدرية المعلِنة"[226]. وهذا النص يوحي بأن حُكمَ الجهمية مثل حُكم غيرهم من المسلمين المبتدعة في قبول "شهادتهم" في المحاكم ودور القضاء، أي إن الجهمية لو كانوا كفارًا، لما كان لوضعهم مع غيرهم من "مبتدعة المسلمين" معنًى. ولهذا يقول ابن تيمية إن ابن حنبل: "لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال إنه جهمي كفّره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة"[227]. وذلك لأنه لا تجوز الصلاة خلف الكافر، وإذًا فالجهمية بأعيانهم ليسوا كفّارًا، ولكنّ أقوالهم كفريّة، كما يفهم ابن تيمية.
القدرية
القدرية عند أحمد قسمان: قسم يقول إن "الله لم يعلم الشيء حتى يكون"، وقد حكم ابن حنبل على من يعتقد هذا بالكفر[228]. وقسم يقول إن الله لم يخلق أفعال العباد، وأيضًا حكم ابن حنبل على القائلين بهذا بالكفر[229].
وبسبب هذا الحكم المطلق يأتون بعد الجهمية في ترتيب الفِرق التي اشتدّت أحكامه عليهم. وعلى الرغم من أن أحمد يصرّح بأن بعض عقائد القدرية كفر، فلم تَرِد عنه نصوص ثابتة في موقفه من القدرية تعدل في المقدار والشدّة نصوصه في الجهمية.
أما حكمه على جنس القدرية، فقد ورد عنه النهي عن مجادلتهم[230]. والصلاة خلفهم بإطلاق[231]. ومع هذا فقد ورد عنه تقييد ذلك النهي بأن يكون خلف الدعاة المخاصمين منهم[232]. وكذا جاء عنه النهي عن قبول شهادتهم في المحاكم. ولم يرد عنه نص صريح في تكفيرهم بأعيانهم وأشخاصهم، حتى إنه سُئل عن عمرو بن عبيد المعتزلي (ت. 144هـ/ 761م) (والمعتزلة موصوفون بأنهم قدرية)، فلم يصرّح بتكفيره، ولكنّه وصف اعتقاده بأنه كفر[233]. وسُئل عن رجل له قريب يقول باعتقاد القدرية فقال: "القدر لا يخرجه من الإسلام"[234]. وهذا ما يفيد عدم تكفيره لهم، وأنهم يلتحقون بأحكام المبتدعة من المسلمين.
الخوارج
ربما يأتي الخوارج في الترتيب بعد القدرية في نقد ابن حنبل. فقد ورد أنه قال عنهم: "قوم سوء، لا أعلم في الأرض قومًا شرًا منهم"[235]. ولكنه مع هذا امتنع عن تكفيرهم وقتالهم في روايات[236]، وفي غيرها أمر بقتالهم إذا دعوا إلى مذهبهم، وإذا اعتدوا[237]، ونهى عن التكلم معهم وعن الصلاة عليهم إذا ماتوا[238]. ولم يرد عنه نصّ صريح في تكفيرهم.
الرافضة
الرافضي في فكر ابن حنبل هو من يتناول كبار الصحابة بالثلب ولا سيما الصحابيين الكبيرين أبا بكر وعمر[239]. وينص ابن حنبل على التبرؤ ممن كان ينال من الصحابة أو يبغض بعضهم[240]، وينهى عن الصلاة خلف من يفعل ذلك[241]، وكان يقول في حق من يفعل ذلك: "ما أراه على الإسلام"[242]، و"أخاف عليه الكفر [...] لا نأمن أن يكون قد مرق من الدين"[243]، وهذه العبارات ليست حكمًا صريحًا بالتكفير. فإن ابن حنبل يرى أن عقوبة من ينتقص صحابيًا هي الضرب، وليس حدّ الردّة[244]. وروى ابن قدامة الحنبلي (ت.620 هـ/ 1223م)، في فصل عقده عن حكم صلاة الميّت على الجهمية والرافضة، أن ابن حنبل قال: "لا أشهد الجهمية ولا الرافضة، ويشهدهم من شاء"[245]، ويُفهَم من النص أنه يختار لنفسه هو عدم الصلاة عليهم، ولكن الصلاة عليهم في ذاتها جائزة. وهذا يفيد أن الفرقتين ليسوا من الكفّار عنده.
المرجئة
المرجئة في فكر ابن حنبل هم الذين يقولون: "الإيمان قول"[246]، ولا يعدّون العمل من الإيمان. ويأتي المرجئة بعد الرافضة في نقد ابن حنبل لهم وفي الحكم عليهم، فهو لم يطلق حكم التكفير على أقوالهم، بخلاف ما جاء عنه في الجهمية والقدرية مثلًا. بل نص نصًّا على أن القائل بهذه العقيدة (أي الإرجاء) "لا يكفر بذلك"[247]. وأمر بالدعاء للمرجئة بالصلاح[248]. وسُئل عن جواز السلام عليهم فأجاز ذلك[249]. ومع هذا فقد روي عنه عدم تجويز مخالطتهم[250]، ولا خلاف في الروايات الواردة عنه في النهي عن التكلم مع من يدعو إلى الإرجاء[251]، والنهي عن الصلاة خلفه[252].
أبو حنيفة وأهل الرأي
وبعد جميع الفرق السابقة يأتي أهل الرأي؛ ومنهم أبو حنيفة وأصحابه. ولئن كان ابن حنبل قد وجّه إليهم نقدًا حادًّا، فإنه لم يطلق عليهم البتّة حكم التكفير. هذا، مع أن من أوائل من أخذ ابن حنبل عنه الحديث كان أبا يوسف القاضي - تلميذ أبي حنيفة - وهو أول من شغل منصب "قاضي القضاة" في تاريخ الإسلام.
ولموقف ابن حنبل السلبي من أهل الرأي ومن أبي حنيفة وأصحابه عدة أسباب؛ فمنها أن أهل الرأي يتحرّزون من الأخذ بأحاديث الآحاد ويقدّمون، في الجملة، القياس عليها. ومنها أن القضاء في الدولة العباسية ولا سيما أيّام المحنة كان في الغالب بيد الحنفية. ومنها أن من أشهر من قال بخلق القرآن بعض أكابر الحنفية، كبشر المريسي (ت. 218هـ/ 833م)[253]، وقاضي القضاة في عهد المعتصم والواثق
أحمد بن أبي دؤاد[254]. وفي هذا يقول الفقيه والمحقق الحنفي
محمد زاهد الكوثري (1878-1952): "ومما زاد في الشقاق بين الفريقين، انتداب قضاة في تلك البرهة، لامتحانهم في مسألة القرآن، وغالب هؤلاء القضاة كانوا يرون رأي أبي حنيفة وأصحابه في الفقه"[255].
ونصوص ابن حنبل في نقد أصحاب الرأي عمومًا، وأبي حنيفة وأصحابه على الخصوص، كثيرة مستفيضة. فهو يرى أنه "قلّ رجلٌ نظر في الرأي إلا في قلبه دغَل"[256]، أي فساد. وقد ترك ابن حنبل الرواية عن أصحاب الرأي "وكان عندهم حديث كثير، فلم نكتب عنهم، لأنهم معاندون للحديث، لا يفلح منهم أحد"[257]. وكان يصرّح أن "ضعيف الحديث خيرٌ من رأي أبي حنيفة"[258]. وكان يرى أن الرجل يؤجَر على بغض أصحاب أبي حنيفة[259].
الصوفية
ليس لابن حنبل أقوال شديدة في نقد الصوفية على العموم كما هو الحال في غيرهم. بل الوارد عنه في الثناء عليهم أكثر من نقدِهم. ومع ذلك فقد اختلفت الروايات عنه في شأنهم، فروي عنه قولُه فيهم: "لا أعلم أقوامًا أفضل منهم"، وجاء عنه أنه سُئل عن بعض تصرّفاتهم الوجدانية فقال: "دعوهم يفرحون مع الله ساعة"[260]. وفي مقابل ذلك روي عنه أنه أنكر بعض تلك التصرّفات[261].
كان من أصحاب ابن حنبل رجل صوفي اسمه أبو حمزة محمد بن إبراهيم الصوفي (ت. 269هـ/ 882م)، فيه – كما يقول الذهبي – "انحراف وشطح"[262]. ومع ذلك كان ابن حنبل يقرّبه ويستفسره عن بعض المسائل[263]. وكذلك الصوفي الكبير الجنيد البغدادي (ت. نحو 297هـ/ 909م)، ترجم له ابن أبي يعلى في
طبقات الحنابلة، وقال: "نقل عن إمامنا أشياء"[264]. وأثنى ابن حنبل على الصوفي الشهير معروف الكرخي (ت. نحو 200ه/ 815م)، ودافع عنه عندما هوجِم أمامه فقال: "وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟"[265]. وكان يمدح الصوفي بشر الحافي (ت. 227هـ/841م). ووصفه مرّةً بأنه "رابع سبعة من الأبدال"[266].
هذا، ورغم توقف ابن حنبل البليغ عند الأخبار والآثار، فقد قال ابنه عبد الله: "رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي، صلى الله عليه وسلم، فيضعها على فيه يقبّلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به. ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في حُبّ الماء، ثم شرب فيها"[267]. كما ثبت أن عبد الله سأل أباه عمّن يلمس رمّانة منبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويمسّ الحجرة النبوية. فقال: "لا أرى بذلك بأسًا"[268].
نقّاد أحمد بن حنبل
كان لابن حنبل خصومه الفكريون من المتكلمين والفقهاء ومن أهل الحديث أيضًا. فأما المتكلمون القائلون بحدوث القرآن وخلقِه فهم الذين ساءلوه في المحنة وكان معظمهم – إن لم يكن كلهم – من فقهاء الحنفية، ومن أبرزهم قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد.
وكذلك تناول الجاحظُ (ت. 255هـ/ 869م) أحمد بن حنبل بالنقد في رسالته في "نفي التشبيه"، وذلك للسبب ذاته، أي قولُه بأن القرآن غير مخلوق[269]. وفي هذه الرسالة وصف الجاحظ من يسمّيهم "النابتة" (وهو يعني طائفة من أهل الحديث) بأنهم مشبهة[270]. وقد أدرجه أبو القاسم البلخي المعتزلي (ت. 319ه/ 931م) في رجال الحشوية {{الحشوية: لقب يطلقه المتكلمون على طائفة من أهل الحديث على سبيل الذم والانتقاص.}}"[271].
هذا، وكان للفقيه البغدادي أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي، وهو من تلاميذ الشافعي، نزاع شديد مع ابن حنبل، فقد كان الكرابيسي يرى أن تلفّظ العِباد بالقرآن مخلوق، لأن التلفظ بالقرآن فعل إنساني، وأفعال العباد مخلوقة لله. ولكنّ ابن حنبل كان يرفض حتى هذا القول وهاجم الكرابيسي هجومًا شديدًا[272].
كذلك كان للمحدّث الكبير إسحاق بن أبي إسرائيل (ت. 245هـ/ 859م)، موقف من ابن حنبل، فكان يشير إلى داره ويقول: "هؤلاء [...] يقولون: كلام الله غير مخلوق. أفلا قالوا: ’كلام الله‘ وسكتوا؟"[273].
أما في الدراسات الغربية فـ"بينما يرى باتون وقنواتي الإمام [أحمد] مجسِّمًا حقيقيًا، يراه لاوست وستروثمان ووات السلطة العظيمة القويمة ضد التشبيه"، بحسب عبارة ويسلي وليامز (Wesley Williams)[274].
ومن العلماء من لم يَعُدّ ابن حنبل فقيهًا، فلم يذكره الفقيه والمؤرخ محمد بن جرير الطبري (ت. 310هـ/ 922م) في كتابه
اختلاف الفقهاء، وكان يقول عنه: "إنما هو رجل حديث لا رجل فقه"، وكذلك أهمله كثير ممن صنفوا في الخلافيات[275]. وقال القاضي عياض (ت. 544هـ/ 1149م) في كتابه
ترتيبالمدارك وتقريب المسالك إن ابن حنبل "من العارفين بعلم الحديث"، لا تُنكَر إمامته فيه، ولكن لا يُسلَّم له "الإمامة في الفقه ولا جودة النظر في مأخذه"[276].
تأثير أحمد بن حنبل
أثّر فكر ابن حنبل تأثيرًا واضحًا في مسيرة العقائد والفقه، وصارت أقواله ومواقفه مذهبًا مستقلًا نُسِب إليه، فنشأ بعد وفاته مباشرةً مذهب عقدي في أصول الدين، ثم ظهر مذهب فقهي في فروع الدين. وهكذا ظهر
المذهب الحنبلي في شقيه العقائدي والفقهي. ثم أخذ في التطور، وتحقق له الانتشار، وبرز فيه فقهاء ومنظرون ومفكرون كبار، منهم أبو يعلى الفراء، وأبو الوفاء بن عقيل (ت. 513هـ/ 1119م)، وعبد الرحمن بن الجوزي (ت. 597هـ/ 1201م)، وأحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت. 728هـ/ 1328م)، وتلميذه ابن قيّم الجوزية، وغيرهم.
ولم يكن للمذهب الحنبلي طوال التاريخ دولة تتخذه مذهبًا لها رسميًا، حتى ظهرت الدولة السعودية منذ التحالف الديني/ السياسي بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي (ت. 1206 هـ/ 1791م)، ومحمد بن سعود بن مقرن (ت. 1179هـ/ 1765م)، فالتزمت المذهب الحنبلي مرجعًا فقهيًا لها في المحاكم والقضاء، وتلتها دولة قطر.
ويظهر تأثير ابن حنبل أيضًا في الدعوة السلفية عمومًا بأطيافها وإن لم يكن بنحو مباشر، بل عبر العالِم الحنبلي السلفي تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت. 728هـ/ 1328م) وتأويله لمقولات ابن حنبل. وما تزال شخصية ابن حنبل وآراؤه مجالًا كبيرًا للبحث والدراسة واختلاف الآراء وتعدد الأفهام. وقد اهتم الباحثون الغربيون بأحمد بن حنبل وتراثه، وتدرج الاهتمام به شيئًا فشيئًا؛ بالإيماء به أولًا والاستشهاد الجزئي، ثم بدأ الالتفات إليه يتزايد منذ غولدتسيهر (Goldziher، 1850-1921)، ثم مارتن شراينر (Martin Scheriner، 1863-1926)، فوولتر باتون (Walter Patton، 1863-1928)، وأخيرًا كريستوفر ميلشيرت (Christofer Milchert) الذي قدّم دراسة موجزة عن حياة أحمد بن حنبل من أجل تعريف الطلاب الغربيين به[277].
المراجع
العربية
ابن أبي حاتم الرازي، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس.
الجرح والتعديل. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1952.
ابن أبي يعلى الفراء، أبو الحسين. طبقات الحنابلة. تحقيق محمد حامد الفقي. بيروت: دار المعرفة، [د. ت].
ابن الجزري، شمس الدين محمد بن محمد.
المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد. الرياض: مكتبة التوبة، 1990.
ابن الجوزي، جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد.
مناقب الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق عبد الله التركي. القاهرة: دار هجر، 1409ه/ 1988م ـ
ابن النديم، محمد بن إسحاق.
كتاب الفهرست. تحقيق أيمن فؤاد سيد. لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2009.
ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم.
الاستقامة. تحقيق محمد رشاد سالم. المدينة المنورة: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1403هـ/ 1983م.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم.
مجموع الفتاوى. تحقيق عبد الرحمن بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1995.
ابن جرير الطبري، أبو جعفر محمد.
تاريخ الطبري:تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ط 2. القاهرة: دار المعارف، 1967.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد.
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة. تحقيق إكرام الله إمداد الحق. بيروت: دار البشائر، 1996.
ابن حنبل، أبو الفضل صالح بن أحمد.
سيرة الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق فؤاد بن عبد المنعم أحمد. ط 3. الرياض: دار السلف للنشر والتوزيع، 1995.
ابن حنبل، أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد الشيباني .
السنّة. تحقيق أبي عبد الله عادل بن عبد الله آل حمدان. ط 4. بيروت: دار اللؤلؤة، 2020.
ابن حنبل، أحمد بن محمد.
أحكام النساء عن الإمام أحمد رواية أبي بكر الخلال. تحقيق عمرو عبد المنعم سليم. بيروت: مؤسسة الريان، 2002.
ابن حنبل، أحمد بن محمد.
الأسامي والكنى برواية ابنه صالح عنه. تحقيق عبد الله بن يوسف الجديع. الكويت: مكتبة دار الأقصى، 1985.
ابن حنبل، أحمد بن محمد.
مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرون]، بإشراف عبد الله بن عبد المحسن التركي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001.
ابن حنبل، حنبل بن إسحاق.
كتاب المحنة: ذكر محنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني. تحقيق أبي جنة الحنبلي مصطفى بن محمد صلاح الدين القبّاني. الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2019.
ابن حنبل، صالح بن أحمد.
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح. تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد. الرياض: دار الوطن، 1999.
ابن حنبل، عبد الله بن أحمد.
العلل ومعرفة الرجال. تحقيق وصي الله بن محمد عباس. ط 2. الرياض: دار الخاني، 2001.
ابن حنبل، عبد الله بن أحمد.
مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله. تحقيق زهير الشاويش. بيروت: المكتب الإسلامي، 1981.
ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله.
تاريخ مدينة دمشق. تحقيق عمرو بن غرامة العمروي. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415هـ/ 1995م.
ابن قيم الجوزية، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب.
إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق أبو عبيدة مشهور حسن آل سلمان. الدمام: دار ابن الجوزي، 1423هـ/ 2003م.
ابن هانئ النيسابوري، إسحاق بن إبراهيم.
مسائل الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق زهير الشاويش. بيروت: المكتب الإسلامي، 1400هـ/ 1980م.
أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث.
مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني. تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد. القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1999.
أبو يعلى الفراء، محمد بن الحسين البغدادي الحنبلي.
العدة في أصول الفقه. تحقيق أحمد بن علي بن سير المباركي. ط 2. الرياض: [د. ن]، 1990.
أبو يعلى الفراء، محمد بن الحسين بن محمد.
إبطال التأويلات لأخبار الصفات. تحقيق أبو عبد الله محمد بن حمد الحمود النجدي. الكويت: غراس للنشر، 2013.
البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل.
التاريخ الصغير. تحقيق محمود إبراهيم زايد. بيروت: دار المعرفة، 1986.
البغوي، أبو القاسم.
مسائل الإمام أحمد. تحقيق عمرو عبد المنعم سليم. القاهرة: مؤسسة قرطبة، 1993.
البلخي، أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي.
كتاب المقالات ومعه عيون المسائل والجوابات. تحقيق حسين خانصو وراجح كردي وعبد الحميد كردي. إسطنبول: مركز الدراسات القرآنية KURAMER، 2018.
التركي، عبد الله بن عبد المحسن.
المذهب الحنبلي: دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته. بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون، 2002.
الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي، أبو عثمان.
البيان والتبيين. ج 2. بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1423ه/ 2001م.
الجاحظ، عمرو بن بحر.
رسائل الجاحظ. تحقيق عبد السلام هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964.
حابس، فايز بن أحمد.
أسباب اختلاف الرواية عن الإمام أحمد. الكويت: غراس للنشر والتوزيع والإعلان، 2012.
الحجوي، محمد بن الحسن.
الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. بيروت: دار الكتب العلمية، 1995.
الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي.
تاريخ بغداد. تحقيق بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2002.
الخفيف، علي.
أسباب اختلاف الفقهاء. القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت].
الخلال، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون.
السنة. تحقيق أبي عبد الله عادل بن عبد الله الحمدان. ط 3. جدة: دار الأوراق الثقافية، 2018.
الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان.
سير أعلام النبلاء. تحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرون]. ط 3. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985.
الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد.
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق بشار عوّاد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2003.
الزجاج، أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل.
معاني القرآن وإعرابه. تحقيق عبد الجليل عبده شلبي. بيروت: عالم الكتب، 1988.
السمهوري، رائد.
مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة؛ أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيل. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
العجلي، أبو الحسن أحمد بن عبد الله.
معرفة الثقاتمن رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم. تحقيق عبد العليم عبد العظيم البستوي. المدينة المنورة: مكتبة الدار، 1985.
الغزي، تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري.
الطبقات السنية في تراجم الحنفية. تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو. الرياض: دار الرفاعي، 1983.
الكرماني، حرب بن إسماعيل. "مسائل حرب (من كتاب النكاح إلى آخر الكتاب)". أطروحة دكتوراه. كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى. مكة المكرمة، 1422ه/ 2002م.
الكرماني، حرب بن إسماعيل.
كتاب السنّة من مسائل حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني. تحقيق عادل بن عبد الله آل حمدان. بيروت: دار اللؤلؤة، 2014.
الكعبي البلخي، عبد الله بن أحمد بن محمود.
قبول الأخبار ومعرفة الرجال. تحقيق أبو عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم. بيروت: دار الكتب العلمية، 2000.
الكوثري، محمد زاهد.
تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب. بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1990.
الكوسج، إسحاق بن منصور.
مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. تحقيق خالد بن محمود الرباط ووئام الحوشي وجمعة فتحي. الرياض: دار الهجرة، 2004.
اللالكائي، أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. تحقيق أحمد بن مسعود بن حمدان. ط 8. الرياض: وزارة الشؤون الإسلام والأوقاف والدعوة والإرشاد، 2003.
المروذي، أبو بكر [وآخرون].
العلل ومعرفة الرجال رواية المرّوذي وغيره. تحقيق صحبي السامرّائي. الرياض: مكتبة المعارف، 1409هـ.
المقدسي، محمد بن مفلح.
كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2003.
ميلشيرت، كريستوفر.
أحمد بن حنبل. ترجمة محمد إياد عطوان. وهران: دار ابن النديم؛ الشارقة: دار الروافد الثقافية، 2024.
النجار، أحمد بن عبد الستار بن صبري وسنان بن سعد آل جراح.
تبرئة الإمام أحمد بن حنبل من كتاب الرد على الزنادقة والجهمية الموضوع عليه وإثبات الكتاب إلى مؤلفه مقاتل بن سليمان المتهم في روايته والمجمع على ترك روايته. بغداد: مكتبة كلمة للنشر والتوزيع، 2018.
اليحصبي، القاضي عياض بن موسى.
ترتيب المدارك وتقريب المسالك. تحقيق ابن تاويت الطنجي [وآخرون]. المحمدية: مطبعة فضالة، 1983.
الأجنبية
Cooperson, Michael. Classical Arabic Biography: The Heirs of the Prophets in the Age of al-Ma'mun. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
Hurvitz, Nimrod.
The Formation of Hanbalism Piety into Power. New York: Routledge, 2002.
Williams, Wesley. “Aspects of the Creed of Imam Ahmad IBN Hanbal: A Study of Anthropomorphism in Early Islamic Discourse.”
International Journal of Middle East Studies. vol. 34, no. 3 (2002).
[1] أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل،
سيرة الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق فؤاد بن عبد المنعم أحمد، ط 3 (الرياض: دار السلف للنشر والتوزيع، 1995)، ص 29.
[2] يُنظر: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي،
تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد معروف، ج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1422هـ/2002م)، ص 346.
[3] يُنظر: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي، أبو عثمان الجاحظ،
البيان والتبيين، ج 2 (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1423ه/ 2002م)، ص 5.
[4] أبو الحسن أحمد بن عبد الله العجلي،
معرفة الثقاتمن رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم، تحقيق عبد العليم عبد العظيم البستوي، ج 1 (المدينة المنورة: مكتبة الدار، 1985)، ص 194.
[5] ابن حنبل، ص 30.
[6] يُنظر: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر،
تاريخ مدينة دمشق، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، ج 5 (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415هـ/ 1995م)، ص 261.
[7] العجلي، ص 194.
[8] جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي،
مناقب الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق عبد الله التركي (القاهرة: دار هجر، 1409ه/ 1988مـ)، ص 21.
[9] البغدادي، مج 6، ص 93.
[10] شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي،
سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرون]، ج 11، ط 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985)، ص 177.
[11] شمس الدين محمد بن محمد بن الجزري،
المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد (الرياض: مكتبة التوبة، 1990)، ص 18.
[12] ابن الجوزي، ص 21.
[13] ابن الجوزي، ص 21.
[14] الخطيب البغدادي، مج 6، ص 94.
[15] ابن الجوزي، ص 23-24.
[16] ابن الجوزي، ص 13.
[17] أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري،
التاريخ الصغير، تحقيق محمود إبراهيم زايد، ج 2 (بيروت: دار المعرفة، 1986)، ص 344.
[18] أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري:
تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1967)، ج 8، ص 135.
[19] ابن الجوزي، ص 297.
[20] أبو الحسين بن أبي يعلى الفراء،
طبقات الحنابلة، تحقيق محمد حامد الفقي، ج 1 (بيروت: دار المعرفة، [د. ت.])، ص 429.
[21] الذهبي،
سير، ج 11، ص 376.
[22] ابن الجوزي، ص 15.
[23] ابن حنبل، ص 29.
[24] ابن الجوزي، ص 306.
[25] المرجع نفسه، ص 306 وما بعدها.
[26] المرجع نفسه، ص 23.
[27] المرجع نفسه، ص 23-24.
[28] Nimrod Hurvitz,
The Formation of Hanbalism Piety into Power (New York: Routledge, 2002), pp. 5, 42.
[29] إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري،
مسائل الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق زهير الشاويش، ج 2 (بيروت: المكتب الإسلامي، 1400هـ/ 1980م)، ص 205.
[30] ابن حنبل،
سيرة، ص 31-34.
[31] ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 196.
[32] ابن الجوزي، ص 31.
[33] ابن حنبل،
سيرة، ص 32.
[34] الذهبي، ج 11، ص 306.
[35] الذهبي، ج 11، ص 180-181.
[36] المرجع نفسه.
[37] الخطيب البغدادي، مج 16، ص 374.
[38] الذهبي، ج 11، ص 181.
[39] المرجع نفسه.
[40] المرجع نفسه، ص 182-183.
[41] ابن الجوزي، ص 257.
[42] يُنظر التفاصيل منذ 198ه إلى 204ه، في: ابن جرير الطبري، ج 8، ص 472-574.
[43] ابن حنبل،
سيرة، ص 48-50؛ حنبل بن إسحاق بن حنبل،
كتاب المحنة: ذكر محنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق أبي جنة الحنبلي مصطفى بن محمد صلاح الدين القبّاني (الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2019)، ص 91.
[44] ابن حنبل،
سيرة، ص 48-50؛ ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 91.
[45] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 95.
[46] أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال،
السنة، تحقيق أبي الله عادل بن عبد الله الحمدان، ط 3، مج 2 (جدة: دار الأوراق الثقافية، 2018)، ص 75.
[47] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 110.
[48] الذهبي، ج 11، ص 262.
[49] ابن حنبل،
سيرة، ص 56.
[50] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 122.
[51] الذهبي، ج 11، ص 263.
[52] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 145-147.
[53] المرجع نفسه.
[54] المرجع نفسه، ص 148.
[55] ابن الجوزي، ص 487.
[56] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 152.
[57] ابن حنبل،
سيرة، ص 96 وما بعدها؛ ابن الجوزي، ص 498.
[58] ابن حنبل،
سيرة، ص 121-123.
[59] ابن الجوزي، ص 506.
[60] ابن حنبل،
سيرة، ص 101.
[61] يُنظر خبر وفاته في: المرجع نفسه، ص 121.
[62] شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية،
إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق أبو عبيدة مشهور حسن آل سلمان، ج 2 (الدمام: دار ابن الجوزي، 1423هـ/ 2003م)، ص 49.
[63] أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل، ج 1 (بيروت: دار إحياء التراث العربي [نسخة مصورة عن مجلس دائرة المعارف العثمانية]، 1952)، ص 309.
[64] ابن الجوزي، ص 77.
[65] الرازي، ج 1، ص 292.
[66] المرجع نفسه، ص 307.
[67] المرجع نفسه، ص 308.
[68] المرجع نفسه.
[69] المرجع نفسه، ص 309.
[70] الخطيب البغدادي، مج 6، ص 101.
[71] يُنظر مثلًا: ابن أبي يعلى الفراء،
طبقات الحنابلة، ج 1، ص 440؛ ج 2، ص 164.
[72] أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي،
قبول الأخبار ومعرفة الرجال، تحقيق أبو عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000)، ص 153.
[73] الذهبي، ج 11، ص 255.
[74] المرجع نفسه.
[75] الرازي، ج 1، ص 310.
[76] المرجع نفسه، ص 313.
[77] الذهبي، ج 11، ص 343.
[78] ابن الجوزي، ص 346، 362.
[79] Hurvitz, pp. 61, 62.
[80] ابن الجوزي، ص 511.
[81] أحمد بن محمد حنبل،
العلل ومعرفة الرجال، تحقيق وصي الله بن محمد عباس، ط 2، ج 3 (الرياض: دار الخاني، 2001)، ص 97.
[82] الخطيب البغدادي، مج 15، ص 661.
[83] ابن حنبل،
سيرة، ص 41؛ ابن الجوزي، ص 346 وما بعدها.
[84] ابن الجوزي، ص 513-514.
[85] ابن الجوزي، ص 84-85.
[86] المرجع نفسه، ص 286.
[87] المرجع نفسه، ص 373؛ الذهبي، ج 11، ص 226.
[88] يُنظر: الذهبي، ج 11، ص 216.
[89] المرجع نفسه، ص 226.
[90] ابن حنبل،
سيرة، ص 40-41؛ ابن الجوزي، ص 329-344.
[91] المرجع نفسه، ص 310، وما بعدها.
[92] ابن حنبل،
سيرة، ص 40؛ ابن الجوزي، ص 327 وما بعدها.
[93] ابن حنبل،
سيرة، ص 65.
[94] ابن الجوزي، ص 467.
[95] المرجع نفسه، ص 489.
[96] يُنظر مقدمة المحقق في: أحمد بن حنبل الشيباني،
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط [وآخرون] (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001)، ص 59.
[97] ابن أبي يعلى الفراء،
طبقات الحنابلة، ج 1، ص 10.
[98] أبو الفرج محمد بن إسحاق النديم،
كتاب الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد، ج 3 (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2009)، ص 100.
[99] الذهبي، ج 11، ص 330.
[100] أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني،
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، تحقيق إكرام الله إمداد الحق، ج 1 (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1996)، ص 243.
[101] الرازي، ج 1، ص 303.
[102] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[103] الذهبي، ج 11، ص 328.
[104] المرجع نفسه.
[105] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[106] الذهبي، ج 11، ص 287، 328.
[107] الخلال، مج 1، ص 731.
[108] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 91-92.
[109] الخلال، مج 1، ص 580.
[110] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[111] الخطيب البغدادي، مج 11، ص 12.
[112] عبد الله بن عبد المحسن التركي،
المذهب الحنبلي: دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته ج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون، 2002)، ص 102.
[113] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[114] أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج،
معاني القرآن وإعرابه، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، ج 4 (بيروت: عالم الكتب، 1988)، ص 8.
[115] المرجع نفسه، ص 166.
[116] الذهبي، ج 11، ص 328 وما يليها.
[117] يُنظر: ابن النديم، ج 3، ص 100.
[118] الذهبي، ج 11، ص 330.
[119] يُنظر: المرجع نفسه؛ التركي، ص 101.
[120] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[121] الذهبي، ج 11، ص 328.
[122] عبد الله بن أحمد بن حنبل،
مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، تحقيق زهير الشاويش (بيروت: المكتب الإسلامي، 1981)، ص 450.
[123] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[124] الخطيب البغدادي، مج 11، ص 12.
[125] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[126] الخطيب البغدادي، مج 11، ص 12.
[127] المرجع نفسه.
[128] المرجع نفسه.
[129] الذهبي، ج 11، ص 330.
[130] الخطيب البغدادي، مج 11، ص 12.
[131] ابن الجوزي، ص 261.
[132] التركي، ص 102.
[133] صالح بن أحمد بن حنبل،
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح، تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد (الرياض: دار الوطن، 1999)، ص 248؛ ابن حنبل،
سيرة، ص 116.
[134] الذهبي، ج 11، ص 286.
[135] ابن أبي يعلى الفراء،
طبقات الحنابلة، ج 1، ص 24، 36.
[136] الذهبي، ج 11، ص 286.
[137] المرجع نفسه، ص 303.
[138] يُنظر: أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية،
الاستقامة، تحقيق محمد رشاد سالم، ج 1 (المدينة المنورة: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1403ه/ 1983م)، ص 73.
[139] يُنظر: مقدمة المحقق، في: حرب بن إسماعيل الكرماني،
كتاب السنّة من مسائل حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني، تحقيق عادل بن عبد الله آل حمدان (بيروت: دار اللؤلؤة، 2014).
[140] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[141] يُنظر: مقدّمة عبد الله الغزّي، في: كريستوفر ميلشيرت،
أحمد بن حنبل، ترجمة محمد إياد عطوان (وهران: دار ابن النديم؛ الشارقة: دار الروافد الثقافية، 2024)؛ أحمد بن عبد الستار بن صبري النجار وسنان بن سعد آل جراح،
تبرئة الإمام أحمد بن حنبل من كتاب الرد على الزنادقة والجهمية الموضوع عليه وإثبات الكتاب إلى مؤلفه مقاتل بن سليمان المتهم في روايته والمجمع على ترك روايته (بغداد: مكتبة كلمة للنشر والتوزيع، 2018).
[142] الخلال، مج 2، ص 229.
[143] أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي،
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تحقيق أحمد بن مسعود بن حمدان، مج 1، ط 8 (الرياض: وزارة الشؤون الإسلام والأوقاف والدعوة والإرشاد، 2003)، ص 256.
[144] ابن أبي يعلى الفراء،
طبقات الحنابلة، ج 1، ص 241.
[145] ابن الجوزي، ص 230.
[146] تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية،
مجموع الفتاوى، تحقيق عبد الرحمن بن قاسم، ج 4 (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1995)، ص 155.
[147] الذهبي،
تاريخ الإسلام، ج 5، ص 1028.
[148] يُنظر: رائد السمهوري،
السلف المتخيل:
مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة؛ أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيل، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 261.
[149] يُنظر مقدمة عبد الله الغزي في: ميلشيرت، ص 76 وما بعدها.
[150] ابن أبي يعلى الفراء،
طبقات الحنابلة، ج 1، ص 130.
[151] المرجع نفسه، ج 1، ص 310.
[152] المرجع نفسه، ص 294.
[153] المرجع نفسه، ص 341.
[154] المرجع نفسه، ص 348.
[155] يُنظر: الذهبي،
سير، ج 11، ص 287.
[156] ابن النديم، ج 3، ص 100.
[157] الخطيب البغدادي، مج 11، ص 12.
[158] يُنظر: التركي، ص 103.
[159] يُنظر مقدمة المحقق في: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني،
الأسامي والكنى رواية ابنه صالح عنه، تحقيق عبد الله بن يوسف الجديع (الكويت: مكتبة دار الأقصى، 1985).
[160] يُنظر:
كتاب الروايتين والوجهين لأبي يعلى الفراء بجميع أجزائه، ففيه نقل ما ورد عن ابن حنبل في مسائل العقيدة والفقه وخلاف الحنابلة في فهم كلامه.
[161] الخلال، مج 1، ص 505.
[162] يُنظر: أبو بكر المروذي وغيره،
العلل ومعرفة الرجال رواية المرّوذي وغيره، تحقيق صحبي السامرّائي (الرياض: مكتبة المعارف، 1409ه)، ص 179.
[163] ابن حنبل،
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح، ص 149.
[164] ابن حنبل،
سيرة، ص 77.
[165] أحمد بن محمد بن حنبل،
أحكام النساء عن الإمام أحمد رواية أبي بكر الخلال، تحقيق عمرو عبد المنعم سليم (بيروت: مؤسسة الريان، 2002)، ص 57-58.
[166] الخلال، مج 1، ص 543.
[167] أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني،
مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1999)، ص 361؛ ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 156.
[168] أبو داود السجستاني، ص 353؛ الخلال، السنة، مج 2، ص 71.
[169] الخلال، مج 1، ص 199.
[170] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 139-140.
[171] المرجع نفسه.
[172] المرجع نفسه.
[173] المرجع نفسه.
[174] أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني،
السنّة، تحقيق أبي عبد الله عادل بن عبد الله آل حمدان، ط 4 (بيروت: دار اللؤلؤة، 2020)، ص 396.
[175] المرجع نفسه، ص 268.
[176] المرجع نفسه.
[177] الخلال، مج 2، ص 305-306.
[178] يُنظر: السمهوري، ص 199 وما بعدها.
[179] ابن جرير الطبري، ج 8، ص 639 وما بعدها.
[180] الخلال، مج 2، ص 77.
[181] أبو داود السجستاني، ص 356.
[182] ابن حنبل،
السنّة، ص 93.
[183] المرجع نفسه، ص 116.
[184] يُنظر مثلًا: أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد الفراء، إبطال التأويلات لأخبار الصفات، تحقيق أبو عبد االله محمد بن حمد الحمود النجدي (الكويت: غراس للنشر، 2013).
[185] ابن حنبل،
السنّة، ص 213.
[186] أبو داود السجستاني، ص 353-354.
[187] الخلال، مج 2، ص 191-292.
[188] ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 155.
[189] المرجع نفسه، ص 156.
[190] المرجع نفسه، ص 155.
[191] الخلال، مج 1، ص 449.
[192] المرجع نفسه، ص 456.
[193] إسحاق بن منصور الكوسج،
مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، تحقيق خالد بن محمود الرباط ووئام الحوشي وجمعة فتحي، ج 2 (الرياض: دار الهجرة، 2004)، ص 533.
[194] يُنظر: باب "ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعليهم أجمعين"، في: الخلال، مج 1، ص 388.
[195] المرجع نفسه، ص 390.
[196] المرجع نفسه، ص 353.
[197] ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 169.
[198] ابن حنبل،
مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، ص 440.
[199] المرجع نفسه، ص 374.
[200] المرجع نفسه، ص 377.
[201] المرجع نفسه، ص 32.
[202] المرجع نفسه، ص 28.
[203] المرجع نفسه، ص 70.
[204] ابن حنبل،
كتاب المحنة، ص 144-145.
[205] Michael Cooperson, Classical Arabic Biography: The Heirs of the Prophets in the Age of al-Ma'mun (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), p. 116.
[206] Ibid.
[207] Ibid.
[208] ابن قيم الجوزية، ج 2، ص 50.
[209] أبو داود السجستاني، ص 368.
[210] أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي، العدة في أصول الفقه، تحقيق أحمد بن علي بن سير المباركي، ط 2، ج 3، (الرياض: [د. ن]، 1990)، ص 898.
[211] المرجع نفسه، ج 3، ص 898.
[212] كان ابن حنبل يفضّل الحديث المتصّل برجال ثقات عن صحابي، على الحديث المرسل عن النبي ولو كان رجاله ثقات. يُنظر: ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 165.
[213] ابن حنبل،
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح، ص 162؛ أبو يعلى الفراء، ج 4، ص 1059-1063.
[214] أبو يعلى الفراء، ج 2، ص 582.
[215] ابن حنبل،
مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، ص 266.
[216] الكوسج، ج 1، ص 366.
[217] ابن حنبل،
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح، ص 55.
[218] ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 93، 140.
[219] المرجع نفسه، ص 185.
[220] أبو داود السجستاني، ص 34.
[221] ينظر: فايز بن أحمد حابس،
أسباب اختلاف الرواية عن الإمام أحمد (الكويت: غراس للنشر والتوزيع والإعلان، 2012)، ص 6-7.
[222] علي الخفيف،
أسباب اختلاف الفقهاء (القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت])، ص 270.
[223] يُنظر: الخلال، مج 1، ص 492.
[224] يُنظر: "أبواب إثبات كلام الله تعالى وأنه غير مخلوق والرد على الجهمية"، في: المرجع نفسه، مج 2، ص 5.
[225] أبو داود السجستاني، ص 64.
[226] الكوسج، ج 2، ص 391.
[227] ابن تيمية،
مجموع الفتاوى، ج 7، ص 507-508.
[228] الخلال، مج 1، ص 440.
[229] المرجع نفسه، ص 456.
[230] أبو داود السجستاني، ص 363.
[231] عبد الله بن أحمد بن حنبل،
السنة، ص 396.
[232] المرجع نفسه.
[233] الخلال، مج 1، ص 440.
[234] المرجع نفسه، ص 441.
[235] المرجع نفسه، ص 85.
[236] المرجع نفسه، ص 87؛ ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 158.
[237] الخلال، مج 1، ص 87.
[238] المرجع نفسه، ص 100.
[239] ابن حنبل،
مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، ص 99.
[240] الكوسج، ج 2، ص 535.
[241] ابن هانئ النيسابوري، ج 1، ص 60.
[242] الخلال، مج 1، ص 398.
[243] المرجع نفسه.
[244] ابن حنبل،
مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، ص 431.
[245] محمد بن مفلح المقدسي،
كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج 8 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2003)، ص 65.
[246] الخلال، مج 1، ص 484.
[247] المرجع نفسه، ص 498.
[248] المرجع نفسه.
[249] أبو داود السجستاني، ص 367.
[250] حرب بن إسماعيل الكرماني، "مسائل حرب (من كتاب النكاح إلى آخر الكتاب)"، أطروحة دكتوراه، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1422ه/ 2002م، ص 1015.
[251] أبو داود السجستاني، ص 367.
[252] المرجع نفسه، ص 64.
[253] يُنظر ترجمته في: تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي،
الطبقات السنية في تراجم الحنفية، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو (الرياض: دار الرفاعي، 1983)، ج 2، ص 230.
[254] المرجع نفسه، ج 1، ص 290.
[255] محمد زاهد الكوثري،
تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1990)، ص 15.
[256] أبو داود السجستاني، ص 367.
[257] ابن هانئ النيسابوري، ج 2، ص 168.
[258]ا بن حنبل،
مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، ص 438.
[259] الكوسج، ج 2، ص 565.
[260] ابن مفلح المقدسي، ج 8، ص 378.
[261] أبو داود السجستاني، ص 374؛ أبو القاسم البغوي،
مسائل الإمام أحمد، تحقيق عمرو عبد المنعم سليم (القاهرة: مؤسسة قرطبة، 1993)، ص 66-67.
[262] الذهبي،
سير، ج 13، ص 166.
[263] الخطيب البغدادي، مج 1، ص 390؛ الذهبي،
سير، ج 13، ص 168.
[264] ابن أبي يعلى الفراء، ج 1، ص 127.
[265] الخطيب البغدادي، مج 15، ص 265.
[266] الخطيب البغدادي، مج 7، ص 552.
[267] الذهبي،
سير، ج 11، ص 212.
[268] وقال الذهبي معلقًا: "أين المتنطّع المنكر على أحمد [...] أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع"، المرجع نفسه.
[269] عمرو بن بحر الجاحظ،
رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964)، ص 279 وما يليها.
[270] المرجع نفسه.
[271] أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي،
كتاب المقالات ومعه عيون المسائل والجوابات، تحقيق حسين خانصو وراجح كردي وعبد الحميد كردي (إسطنبول: مركز الدراسات القرآنية KURAMER، 2018)، ص 204.
[272] يُنظر: الذهبي،
سير، ج 12، ص 82.
[273] المرجع نفسه، ج 11، ص 477.
[274] Wesley Williams, “Aspects of the Creed of Imam Ahmad IBN Hanbal: A Study of Anthropomorphism in Early Islamic Discourse,”
International Journal of Middle East Studies, vol. 34, no. 3 (2002), pp. 441- 463.
[275] يُنظر: محمد بن الحسن الحجوي،
الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995)، ص 27.
[276] أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي،
ترتيب المدارك وتقريب المسالك، تحقيق ابن تاويت الطنجي [وآخرون]، ج 1 (المحمدية: مطبعة فضالة، 1983)، ص 86.
[277] تتبّع محمد مجدي السيّد هذا الاهتمام الغربي المتزايد بأحمد بن حنبل في: محمد مجدي السيد، "مقدمة المحرر"، في: ميلشيرت، ص 87 وما بعدها.