أحمد محمد شاكر عبد القادر (1892-1958)، عالم بالشريعة وعلوم الحديث من مصر. عمل في سلك القضاء الشرعي، وحقق عددًا من الكتب التراثية المهمّة، من أبرزها
الرسالة للشافعي،
وتفسير الطبري بالاشتراك مع أخيه محمود شاكر. أسهم في إغناء الحياة الثقافية والفكرية في مصر من خلال العديد من النقاشات مع عدد من رموز الفكر والثقافة والدين في عصره، ودوّن ذلك في مقالاته.
النشأة والتكوين
أحمد محمد شاكر عبد القادر، أحد أبرز علماء الشريعة والحديث. ينتهي نسبه إلى
الحسين بن علي بن أبي طالب (ت. 61هـ/ 680م)، وُلِد في مدينة القاهرة بتاريخ 29 كانون الثاني/ يناير 1892، وقضى ثماني سنوات في القاهرة مع والده حينما كان يشغل منصب "أمين الفتوى" بمصر، ثم انتقل معه عام 1900 إلى السودان حيث عيّن والده قاضيَ قضاته. وبعد أربعة أعوام، عاد إلى مصر مع والده الذي تولى مشيخة علماء الإسكندرية، فالتحق شاكر بالمعهد الديني هناك، ثم انتقلت الأسرة مجددًا إلى القاهرة عام 1909، حيث عيّن والده وكيلًا لمشيخة الأزهر. وتدرّج شاكر في التعليم الأزهري حتى حاز شهادة العالِميّة عام 1917[1].
عمل شاكر، بعد حصوله على شهادة العالمية، مدرّسًا في مدرسة عثمان باشا ماهر بالقاهرة مدة أربعة أشهر، ثم عُيّن عام 1918 موظفًا قضائيًّا بالمحكمة القضائية بمدينة الزقازيق، ثم قاضيًا، وترقى في مناصبه حتى اختير رئيسًا للمحكمة العليا الشرعية. أُحِيل إلى التقاعد عام 1951، لكنه بقي مدةً عضوًا في لجنة مناهج علوم التفسير والحديث التابعة للمعاهد الشرعية[2].
أتاحت له إقامته في القاهرة أن يتتلمذ على يد عددٍ من العلماء فيها، منهم
سليم البشري (1832-1917)، شيخ الجامع الأزهر آنذاك، وعبد الله بن إدريس السنوسي (1841-1931)، مُحدِّث المغرب الذي قرأ عليه وأجازه برواية
كتب الحديث الستة، وأحمد بن الشمس الشنقيطي (ت. 1924)، وطاهر الجزائري (1852-1920)، ومحمد رشيد رضا (1865-1935)، وقد أجازوه جميعهم بمروياتهم في السنة النبوية، كما حضر عند والده
محمد شاكر (1866-1939) عددًا من مجالس التفسير والسنة وأصول الفقه والمنطق، فكان له أثر كبير في نشأته وتكوينه العلمي[3].
تفقّه شاكر على المذهب الحنفي في بدايات تكوينه العلمي في المعهد الديني بالإسكندرية، فدرس على يد
محمود أبو دقيقة (1876-1940)، وقرأ مبكرًا على والده كتاب
الهداية في الفقه الحنفي. وعلى الرغم من هذا التكوين المذهبي، فإنه تحفّظ لاحقًا على القول بوجوب اتباع أحد المذاهب الفقهية الأربعة[4].
المؤلَّفات والتحقيقات
سافر شاكر عدة مرات إلى مكة والرياض ودمشق، واطلع على الكثير من المخطوطات ونوادر الكتب، فعمل على تحقيق الكثير من كتب التراث، ومن أبرزها كتاب
الرسالة للإمام
الشافعي (ت. 204هـ/ 820م)، ومسند الإمام أحمد بن حنبل (ت.241هـ/ 855م)، والمُحلَّى لابن حزم الأندلسي (ت. 456هـ/ 1064م)، واشترك مع أخيه محمود شاكر (1909-1997) في تحقيق
تفسير الطبري. وفي ميدان اللغة والأدب، حقّق كتابَ
الشعر والشعراء لابن قتيبة (ت. 276هـ/ 889م)،
ولُباب الآداب لأسامة بن منقذ (ت. 584هـ/ 1188م)، واشترك مع
عبد السلام هارون (1909-1988) في تحقيق
المفضّليات، والأصمعيات، وإصلاح المنطق لابن السِّكِّيت (ت. 244هـ/ 858م). إضافةً لذلك، اختصر شاكر تفسيرَ ابن كثير في كتابه
عمدة التفسير، وشَرَحَ
ألفية السيوطي في علوم الحديث، وحقّق كتاب
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ت. 792هـ/ 1390م)[5].
تجاوزت أعمال شاكر مئتَي عمل، بين التأليف والتحقيق والتهذيب والشرح، وطُبعت له عدة رسائل وكتب ألّفها، من أشهرها كتاب
حُكْم الجاهلية، وكتاب
الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر، وكتاب
الشرع واللغة، وكتاب
كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر.
منهج التحقيق والسجالات الفكرية
تميّزت أعمال شاكر التحقيقية بمقدمات طويلة تضمّنت الكثير من الفوائد العلمية[6]، وكذلك هوامش التحقيق ودراسات الأسانيد، إذ ظهر فيها تمكُّنه من الصنعة التحقيقية في العشرات من أعماله. وقد أوجَز شاكر بنفسه منهجَه في التحقيق بأنه سار على طريقة علماء التحقيق المتقدّمين، وهي طريقة تحافظ على أصل النص مع الرجوع إلى المصادر الأولى والترجيح بين النسخ في حال وجود عدة منها، أو التوقف في حال غياب دليل مُرجِّح بين النسخ، إذ يثبت شاكر اختلافَ النسخ في حال وجود ما يحتمل التصويب وما لا يُجزَم بخطئه فقط، مع التنبيه على ما شاع خطؤه[7].
دارت بين شاكر وعدد من المفكرين والأدباء والعلماء نقاشاتٌ علمية في صفحات المجلات، كان من أبرزها السجالات بينه وبين
محمد حسين هيكل (1888-1956)[8]، وعباس محمود العقاد (1889-1964)[9]، ومحمد حامد الفقي (1892-1959)[10]، ومحمد رشيد رضا[11]. وقد أغنت هذه النقاشات، رغم ما فيها من حدة في بعض المواضع، الحياةَ الثقافية العربية والإسلامية في ذلك الحين، وكانت تعبيرًا عن روح تلك الحقبة وسمات رموز الفكر والثقافة والدين آنذاك[12].
وفاته وأثره
توفي أحمد شاكر يوم السبت 14 حزيران/ يونيو 1958 بعد أن قدّم للمكتبة العربية والإسلامية الكثيرَ من الأعمال العلمية المهمة. ورغم أنه لم يتتلمذ على يديه مباشرة كثيرٌ من الطلاب؛ لانشغاله بالبحث والتحقيق والكتابة، فإن الكثيرين منهم قد تتلمذوا لكتبه وأعماله. وقد تأثّر به أخوه
محمود محمد شاكر (1909-1997)، وابنُ خاله المحقق عبد السلام هارون[13].
المراجع
الجواليقي، أبو منصور موهوب بن أحمد.
المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم. بتحقيق وشرح أحمد محمد شاكر. طهران: [د. ن.]، 1966.
داس، آصف أحمد. "أحمد محمد شاكر وجهوده في تحقيق التراث الأدبي".
المجلة العربية الدولية للبحوث الخلاقة. مج 4، العدد 3 (2023).
العقل، عبد الرحمن بن عبد العزيز.
جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر. القاهرة: دار الرياض، 1426ه/ 2005م.
فؤاد، عاطف التهامي. "الشيخ أحمد شاكر ومنهجه في مسند الإمام أحمد بن حنبل".
مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية. مج 17، العدد 48 (آذار/ مارس 2002).
محمد، مؤمن توفيق. "منهج الشيخ أحمد شاكر في تعقباته، وقيمتها العلمية". مجلة الآداب والعلوم الإنسانية (المنيا). مج 89، العدد 3 (يوليو 2019). ص 221-239.
عبد الرحيم، أشرف عبد المقصود.
منهج أحمد محمد شاكر في تحقيق النصوص. الإسماعيلية: مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، 2016.
قراءات إضافية
العربية
بيومي، محمد رجب.
النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين. دمشق: دار القلم؛ بيروت: الدار الشامية، 1995.
الزركلي، خير الدين.
الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط 15. بيروت: دار العلم للملايين، 2002.
شاكر، أحمد محمد.
كلمة الحق. القاهرة: مكتبة السنة، [د. ت.].
الأجنبية
Moosa, Ebrahim. “Shaykh Aḥmad Shākir and the Adoption of a Scientifically Based Lunar Calendar.”
Islamic Law and Society. vol. 5, no. 1 (1998). pp. 57-89.
Shaham, Ron. “An Egyptian Judge in a Period of Change: Qāḍī Aḥmad Muḥammad Shākir (1892-1958).”
Journal of the American Oriental Society. vol. 119, no. 3 (1999). pp. 440-455.
[1] عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل،
جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر، ج 1 (القاهرة: دار الرياض، 1426ه/ 2005م)، ص 11-20.
[2] عاطف التهامي فؤاد، "الشيخ أحمد شاكر ومنهجه في مسند الإمام أحمد بن حنبل"،
مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، مج 17، العدد 48 (آذار/ مارس 2002)، ص 125-126.
[3] يُنظر: أشرف عبد المقصود عبد الرحيم،
منهج أحمد محمد شاكر في تحقيق النصوص (الإسماعيلية: مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، 2016)، ص 69-85.
[4] العقل، ص 60-62.
[5] للمزيد من التفاصيل عن مؤلفات أحمد شاكر وتحقيقاته وشروحه، يُنظر: عبد الرحيم، ص 102-133.
[6] يُنظر: مؤمن توفيق محمد، "منهج الشيخ أحمد شاكر في تعقباته، وقيمتها العلمية"، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية (المنيا)، مج 89، العدد 3 (يوليو 2019)، ص 221-239.
[7] للمزيد من المعلومات، يُنظر مقدمة تحقيق شاكر في: أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي،
المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، بتحقيق وشرح أحمد محمد شاكر (طهران: [د. ن.]، 1966)، ص 9. ويُنظر أيضًا: آصف أحمد داس، "أحمد محمد شاكر وجهوده في تحقيق التراث الأدبي"،
المجلة العربية الدولية للبحوث الخلاقة، مج 4، العدد 3 (2023)، ص 370-379.
[8] كتب أحمد شاكر عدة مقالات يستدرك فيها جملة من الأخطاء التاريخية على محمد حسين هيكل في كتابه حول عمر بن الخطاب. يُنظر: العقل، ص 260-297.
[9] نشر أحمد شاكر مقالتين ينتقد فيهما كتابَي عباس محمود العقاد عن أبي بكر الصديق وعائشة، إذ دارت أكثر الانتقادات حول جملة من الأخطاء التاريخية والحديثية من وجهة نظر شاكر. يُنظر: العقل، ص 195-209.
[10] دارت عدة سجالات بين شاكر والفقي حول مقالة نُشرت للأخير في مجلة
الهدى النبوي عن ابن تيمية، وبدا لشاكر فيها خطأ الفقي. يُنظر: العقل، ص 385-418.
[11] يُنظر "الانتقاد على المنار وتفسيره" في: العقل، ص 209-212.
[12] جمع عبد الرحمن العقل عشرات المقالات والتعليقات حول ذلك، يُنظر: العقل، مرجع سابق.
[13] عبد الرحيم، ص 100.