النمذجة المعتمدة على الوكلاء (Agent-Based Models, ABMs) هي أسلوب حاسوبي يُستخدَم لدراسة التفاعلات المعقدة بين الوحدات الفردية (الوكلاء) ضمن نظام معين. يمكن أن يكون الوكلاء أفرادًا أو مجموعات أو كيانات تجارية أو غيرها. يعتمد الوكلاء على مجموعة من القواعد والقرارات المحددة مسبقًا، التي تُحدَّد كيفية تفاعلها وتطورها بمرور الوقت. يُعتمَد هذا الأسلوب في كثير من المجالات، مثل العلوم الاجتماعية، والاقتصاد، والبيئة، وعلم الأوبئة، والنقل، ويساعد في فهم السلوك الجماعي الناجم عن تفاعلات الوكلاء الفردية. تتميز النمذجة المعتمدة على الوكلاء بقدرتها على محاكاة الديناميكيات المعقدة والتفاعلات غير الخطية، ما يجعلها أداة قوية لدراسة الأنظمة التي يصعب تحليلها باستخدام الأساليب التقليدية.
تعريفها
تعتمد النمذجة المعتمدة على الوكلاء على محاكاة سلوكات الكيانات الفردية التي تتفاعل مع بعضها ومع بيئتها المحيطة. يمكن أن يكون الوكلاء أفرادًا أو مجموعات أو كيانات تجارية أو حتى عناصر بيولوجية. يعتمد الوكلاء على مجموعة من القواعد والقرارات المحددة مسبقًا، التي تُحدَّد كيفية تفاعلها وتطورها بمرور الوقت. يمكن للوكلاء أن يتعلموا ويتكيفوا مع بيئتهم، ما يسمح للنماذج بتمثيل واقعي وديناميكي للسلوكات المعقدة[1].
تعود فكرة النمذجة المعتمدة على الوكلاء إلى أواخر الأربعينيات، إذ كان جون فون نيومان (John Von Neumann، 1903-1957) رائدًا في تطوير أول آلة نظرية قادرة على التكاثر. تبع ذلك تطوير لعبة الحياة {{لعبة الحياة: (Game of Life) هي نموذج محاكاة خلوية. تتكون اللعبة من شبكة مربعات (خلايا) يمكن أن تكون حية أو ميتة وتتغير حالتها عبر أجيال متتابعة وفقًا لقواعد محددة تحاكي الولادة أو الموت أو البقاء. رغم بساطة القواعد تنتج أنماط شديدة التعقيد، ما يجعلها أداة تعليمية وبحثية لدراسة السلوك الناشئ في العلوم الطبيعية والحاسوبية.}} بوساطة جون كونواي (John Conway، 1937-2020) في السبعينيات، وقد أظهرت كيف يمكن للقواعد البسيطة أن تؤدي إلى أنماط معقدة من السلوك.
ثم قدم توماس شيلينغ (Thomas Schelling، 1921-2016) نموذج الفصل الذي استخدمه لفهم كيفية تشكل أنماط العزل العنصري في المجتمعات. استخدم شيلينغ العملات الورقية والورق البياني لنمذجة تفاعلات الأفراد بناءً على تفضيلاتهم[2]. في الثمانينيات، أسهم روبرت أكسلورد (Robert Axelrod، 1943-) في تطوير نماذج لعبة السجين {{لعبة السجين: (Prisoner's Game) هي أحد أشهر النماذج في نظرية الألعاب، يوضع فيها شخصان أمام خيارين: التعاون أو الخيانة، مع اختلاف العقوبات أو المكافآت بناءً على القرارات المشتركة بينهما. يظهر هذا النموذج كيف يمكن أن يؤدي السعي وراء المصلحة الفردية إلى نتائج أسوأ للطرفين حتى عندما يكون التعاون أفضل لهما.}}، إذ أجرى مسابقات لاختبار استراتيجيات التعاون والتنافس بين الوكلاء.
في التسعينيات، توسعت تطبيقات النمذجة المعتمدة على الوكلاء كثيرًا بفضل التقدم في الحوسبة. طُوِّرت كثير من النماذج لدراسة الظواهر الاجتماعية والبيئية، مثل نموذج شوقارسكايب {{شوقارسكايب: (SugarScape) هو نموذج محاكاة لدراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية من خلال بيئة افتراضية تحتوي على السكر بوصفه موردًا رئيسًا. يتحرك الوكلاء الافتراضيون داخل البيئة لجمع السكر من أجل البقاء، ويمكن أن تتطور البيئة لتشمل التجارة والهجرة وانتشار الأمراض وحتى الصراعات. يسمح هذا النموذج بفهم كيفية نشوء أنماط اجتماعية واقتصادية معقدة من تفاعلات بسيطة بين الأفراد.}} الذي طوره جوشوا إبستين (Joshua Epstein، 1940-) وروبرت أكستيل (Robert Axtell، 1957-) لدراسة الظواهر الاجتماعية، مثل الهجرة والتعاون والنزاعات.
عناصر النمذجة المعتمدة على الوكلاء
تتكون النمذجة المعتمدة على الوكلاء عادةً من أربعة عناصر رئيسة (الشكل 1).
[الشكل 1]
عناصر النمذجة المعتمدة على الوكلاء
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
عناصر النمذجة المعتمدة على الوكلاء
- 1. الوكلاء: يشمل هذا العنصر تعريف الوكلاء وصفاتهم وسلوكاتهم، لتُحدَّد القواعد التي تحكم تفاعلاتهم مع بعضهم ومع بيئتهم. يمكن للوكلاء أن يكونوا مختلفين في خصائصهم وسلوكاتهم، ما يعزز تنوع التفاعلات المحتملة داخل النموذج.
- 2. البيئة: هي البيئة التي يتفاعل فيها الوكلاء، والتي يمكن أن تكون مكانية (مثل شبكة أو خريطة)، أو غير مكانية (مثل مجموعة من الحالات). البيئة تؤدي دورًا حيويًا في تحديد كيفية تفاعل الوكلاء مع بعضهم ومع محيطهم. قد تتغير البيئة بمرور الوقت استجابة لتفاعلات الوكلاء، ما يضيف طبقة إضافية من الديناميكية إلى النموذج[3].
- 3. قواعد التفاعل: تشمل القواعد التي تحكم كيفية تفاعل الوكلاء مع بيئتهم ومع بعضهم، وكيفية تحديث حالات الوكلاء بمرور الوقت. يمكن أن تكون هذه القواعد بسيطة أو معقدة، وهي تعتمد على الغرض من النموذج والتفاصيل المطلوبة. تتيح قواعد التفاعل مراقبة كيفية تأثير التغييرات الصغيرة في سلوك الوكلاء على النظام كليًّا[4].
- 4. التنظيم: يشمل هذا العنصر كيفية تنظيم النظام كاملًا وهيكلته. يمكن أن تتضمن التنظيمات الهياكل الهرمية، أو الشبكات، أو حتى الأنماط العشوائية لتفاعل الوكلاء. التنظيم يساعد في تحديد كيفية توزيع المهمات والمسؤوليات بين الوكلاء، وكيفية تنسيق أنشطتهم لتحقيق الأهداف المشتركة.
ويمكن أخذ نموذج محاكاة لسوق الأسهم باستخدام النمذجة المعتمدة على الوكلاء؛ ففي هذا النموذج، يمكن أن يكون الوكلاء هم المستثمرين، وتُعرّف البيئة على أنها سوق الأسهم. قد تشمل قواعد التفاعل شراء الأسهم وبيعها بناءً على استراتيجيات الاستثمار المختلفة والمعلومات المتاحة. يمكن للنموذج محاكاة سلوك السوق تحت سيناريوهات مختلفة، مثل التقلبات الاقتصادية أو الأخبار المالية الكبيرة. يمكن استخدام هذا النوع من النماذج لتحليل تأثير الأحداث غير المتوقعة في السوق، وتطوير استراتيجيات لإدارة المخاطر. على سبيل المثال: يمكن للنماذج أن تحاكي كيفية تأثير الإعلانات المالية الكبرى في قرارات الاستثمار وتحركات السوق، ما يساعد في تطوير سياسات التعامل مع التقلبات السوقية.
التنفيذ التقني للنماذج المعتمدة على الوكلاء
في تطوير النماذج المعتمدة على الوكلاء، تعد الفاعلية التقنية عنصرًا حاسمًا يؤثر مباشرة في دقة هذه النماذج وكفاءتها. تتنوع الأدوات واللغات البرمجية {{اللغات البرمجية: هي نظم وقواعد تتيح للمبرمجين كتابة تعليمات للحاسوب لتنفيذ مهمات معينة. تنقسم اللغات البرمجية إلى لغات منخفضة المستوى حيث تكون قريبة من لغة الآلة مثل Assembly، ولغات عالية المستوى مثل بايثون (Python) وجاڤا (Java)، إذ تتيح كتابة برامج بطريقة أقرب إلى لغة الإنسان. تُستخدم لغات البرمجة في تطوير البرمجيات وتطبيقات الويب والموبايل والأنظمة التشغيلية والذكاء الاصطناعي.}} المستخدمة في هذا المجال، ما يوفر مرونة كبيرة وقدرات متعددة للباحثين والمطورين. ومن أبرز الأدوات المستخدمة في هذا المجال: نت لوغو[5] (NetLogo)، وبايثون (Python)، ومكتبة ميسا (Mesa)، وجاڤا (Java)، ومنصة ريباست سيمفوني (Repast Symphony)، التي تقدم كل منها خصائص فريدة تناسب مختلف أنواع النمذجة.
نت لوغو، على سبيل المثال، هي منصة تسهل على المستخدمين الجدد تعلم أساسيات النمذجة المعتمدة على الوكلاء، بفضل واجهة المستخدم الرسومية الخاصة بها، ولغتها البرمجية المبسطة. تعد نت لوغو مثالية للمحاكاة البيئية والاجتماعية، إذ يمكن للمستخدمين بسرعة إنشاء نماذج تفاعلية[6] وتجريبها. من ناحية أخرى، توفر بايثون مع مكتبة ميسا إمكانات أكبر للتخصيص والتوسع، بفضل المرونة الكبيرة للغة بايثون، والدعم الواسع من المجتمع العلمي. يستطيع المطورون استخدام ميسا لبناء نماذج معقدة تتضمن قدرات تحليلية متقدمة وإدارة بيانات فعالة، ما يجعلها مناسبة للتطبيقات الأكاديمية والصناعية الكبرى.
جافا مع ريباست سيمفوني تقدمان بيئة شاملة للمحاكاة، تركز على المستخدمين الذين لديهم خلفية في البرمجة، ويحتاجون إلى أدوات قوية للتحليل والنمذجة على نطاق واسع. تتميز ريباست سيمفوني بقدرتها على دعم محاكاة متزامنة ومتعددة للوكلاء، وتتطلب معالجة دقيقة ومعقدة للبيانات والتفاعلات. عند البدء بإنشاء نموذج بسيط باستخدام أي من هذه الأدوات، يجب على المطورين أولًا تحديد الهدف من النموذج والوكلاء المشاركين والتفاعلات المرغوبة. يتبع ذلك بناء البيئة التي سيتفاعل ضمنها الوكلاء، مع تحديد القواعد التي تحكم سلوكاتهم وتفاعلاتهم. الخطوة اللاحقة تتضمن تطوير القواعد البرمجية الأساسية، وتجربة النموذج للتأكد من صحته وكفاءته. لضمان تحسين الأداء والكفاءة، يجب على المطورين مراعاة أفضل الممارسات في البرمجة وإدارة الموارد، مثل: استخدام الحوسبة المتوازية {{الحوسبة المتوازية: هي معالجة البيانات بتنفيذ عدة عمليات حسابية أو تعليمات في الوقت نفسه باستخدام أكثر من معالج لزيادة سرعة الأداء وكفاءة المعالجة، ,خاصة عند التعامل مع كميات ضخمة من البيانات أو المهمات المعقدة، وتقسّم المشكلة إلى أجزاء صغيرة تُنفذ بشكل متزامن على معالجات متعددة، ثم تُدمج النتائج.}} (Parallel Computing)، وتحسين الكود {{الكود: هو مجموعة من التعليمات المكتوبة بلغة برمجية تهدف إلى توجيه الحاسوب لأداء مهمات محددة أو حل مشكلات معينة. يُكتب الكود المصدري (Source Code) بلغة يفهمها الإنسان، مثل بايثون (Python) أو جاڤا (Java)، ويحتوي على أوامر منطقية وتنظيمية تشمل الشروط والحلقات والدوال، التي تتحكم في تدفق العمليات داخل البرنامج. بعد كتابة الكود المصدري، تُحوَّل هذه التعليمات إلى كود آلة (Machine Code) باستخدام أدوات مثل المترجمات أو المفسرات؛ لتنفذ مباشرة بوساطة المعالج.}} لتسريع العمليات، وتقليل استهلاك الذاكرة والمعالج.
معايرة النماذج المعتمدة على الوكلاء والتحقق منها
تعدّ هذه العملية من الخطوات الأساسية لضمان قدرتها على تمثيل الظواهر الواقعية بدقة. هذه العمليات تؤكد على موثوقية النموذج وصلاحيته لإجراء تنبؤات واستنتاجات علمية.
معايرة النماذج المعتمدة على الوكلاء
معايرة النماذج تبدأ بتحديد المعاملات الضرورية التي تجعل النموذج يعكس بدقة البيانات أو السلوكات التي جرت ملاحظتها، وهذا يتطلب استخدام تقنيات مثل التحليل الحساسي {{التحليل الحساسي: (Sensitivity Analysis) هو أسلوب تحليلي يستخدم لتقييم مدى تأثر مخرجات نموذج أو نظام ما بتغير المدخلات، ويتيح تحديد المتغيرات الأكثر تأثيرًا على النتائج. في دراسة جدوى مشروع ما مثلًا يمكنه تحديد العوامل الحرجة مثل أسعار المواد أو معدلات الأرباح، ومن ثم مساعدة صناع القرار في وضع خطط بديلة أو تقليل المخاطر.}}، الذي يساعد في فهم تأثير المعاملات المختلفة في نتائج النموذج. يمكن أيضًا استخدام تقنيات التحسين، مثل البحث الشبكي والخوارزميات الجينية {{الخوارزميات الجينية: (Genetic Algorithms) هي أحد تقنيات الحوسبة التطورية المستوحاة من مبادئ الانتقاء الطبيعي والوراثة البيولوجية. تُستخدم لحل المشكلات المعقدة وغير الخطية. تبدأ الخوارزمية الجينية بإنشاء سكان أوليين من الحلول العشوائية المحتملة والتي تُسمى الكروموسومات، ويمثل كل منها حلًا مرشحًا، وتقيّم كل حل باستخدام دالة لياقة تُحدد جودة أو كفاءة هذا الحل.}} لاكتشاف أفضل تكوين لمعاملات النموذج. كثير من الدراسات توضح كيف ساعدت هذه المعايرة في تحسين دقة النماذج المستخدمة في مجالات متعددة مثل الاقتصاد والبيئة.
التحقق من صحة النماذج المعتمدة على الوكلاء
بعد المعايرة، يأتي دور التحقق من صحة النموذج، للتأكد من أنه يستطيع تمثيل الظواهر بدقة، ويمكن الاعتماد عليه في الاستنتاجات العلمية. التحقق من الصحة يشمل مقارنة نتائج النموذج ببيانات تاريخية أو دراسات تجريبية، للتأكد من أن النموذج يعكس الواقع على نحو صحيح. كذلك، يستخدم المطورون تقنيات الإحصاء لقياس مدى تطابق نتائج النموذج مع الأنماط المعروفة في البيانات الواقعية، ومع ذلك، قد تواجه هذه العملية تحديات، ولا سيما عند التعامل مع أنظمة معقدة وديناميكية.
تطبيقات النمذجة المعتمدة على الوكلاء
- 1. الاقتصاد: تُستخدَم النمذجة المعتمدة على الوكلاء لتحليل الأسواق المالية، إذ يمكن للنماذج محاكاة سلوكات المشترين والبائعين، لتوقع تأثيرات السياسات الاقتصادية الجديدة أو صدمات السوق[7]، ومن الأمثلة على ذلك: دراسة تأثير فرض ضريبة جديدة في سلوك المستهلكين والمنتجين. يمكن للنماذج أيضًا أن تساعد في: فهم توزيع الثروة، وتطور الأسواق المالية، واستقرار الأنظمة الاقتصادية. تُستخدَم النمذجة المعتمدة على الوكلاء أيضًا لتحليل الأزمات المالية، إذ يمكن للنماذج محاكاة تأثير الانهيارات الاقتصادية في سلوك الأفراد والشركات، وتقديم استراتيجيات للتخفيف من هذه الأزمات.
- 2. العلوم الاجتماعية: تساعد النمذجة المعتمدة على الوكلاء في دراسة الظواهر الاجتماعية، مثل: الهجرة، وانتشار الشائعات، والتغيرات الديموغرافية[8] {{التغيرات الديموغرافية: هي التحولات في خصائص السكان مثل حجمهم وتوزيع الأعمار ونسبة الإناث والذكور ومعدلات المواليد والوفيات وأنماط الهجرة. وتؤثر هذه التغيرات في الاقتصاد والطلب على الخدمات وسوق العمل والثقافة. وتساعد دراسة التغيرات الديموغرافية الحكومات والمؤسسات في وضع استراتيجيات طويلة الأمد لمواجهة التحديات، مثل شيخوخة السكان أو النمو السكاني السريع.}}. على سبيل المثال، يمكن نمذجة حركة الأفراد بين المناطق الحضرية والريفية لفهم تأثيرات السياسات الحكومية في الهجرة الداخلية. تُستخدَم النمذجة المعتمدة على الوكلاء أيضًا لدراسة أنماط السلوك الاجتماعي، مثل التعاون، والمنافسة، والتفاعل الاجتماعي، ما يوفر رؤًى قيمة بشأن كيفية تشكيل الهياكل الاجتماعية. على سبيل المثال، يمكن استخدام النمذجة المعتمدة على الوكلاء لدراسة تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في انتشار المعلومات والشائعات، وكيفية تكوين التحالفات والانقسامات في المجتمع.
- 3. علم الأوبئة: تؤدي النمذجة المعتمدة على الوكلاء دورًا مهمًا في محاكاة انتشار الأمراض المعدية، فمن خلال نموذج تفاعل الأفراد، يمكن التنبؤ بكيفية انتشار المرض تحت سيناريوهات مختلفة للتدخل الصحي، مثل التباعد الاجتماعي والتلقيح[9]. يمكن لهذه النماذج أن تساعد في تطوير استراتيجيات فعالة للسيطرة على تفشي الأمراض، وتقييم تأثير التدخلات الصحية المختلفة في انتشار العدوى. خلال جائحة كوفيد-19 {{جائحة كوفيد-19: (COVID-19) أزمة صحية عالمية بدأت في أواخر عام 2019 مع انتشار ڤيروس كورونا المستجد من مدينة ووهان بالصين لتتحول بسرعة إلى وباء عالمي. أدت الجائحة إلى عدد كبير من الإصابات والوفيات، وإغلاق واسع للمؤسسات والحدود واضطراب الاقتصاد العالمي. كذلك أثرت في أنماط العمل والتعليم، إذ تسارعت التحولات نحو الحلول الرقمية وظهرت تحديات جديدة في إدارة الأزمات.}}، استخدمت كثير من الحكومات نماذج النمذجة المعتمدة على الوكلاء لتقدير تأثير إجراءات الصحة العامة المختلفة، مثل الإغلاق والتباعد الاجتماعي، على انتشار الفيروس.
- 4. البيئة: تُستخدَم النمذجة المعتمدة على الوكلاء لدراسة التفاعلات البيئية، مثل ديناميكيات النظم البيئية والتأثيرات البيئية لتغير المناخ[10]. على سبيل المثال، يمكن نمذجة تأثير إزالة الغابات في التنوع البيولوجي والتوازن البيئي. تساعد النمذجة المعتمدة على الوكلاء في فهم التفاعلات المعقدة بين المكونات البيئية المختلفة، مثل التفاعل بين الأنواع المختلفة من الكائنات الحية، وتأثيراتها في النظم البيئية. يمكن أيضًا استخدام النمذجة المعتمدة على الوكلاء لدراسة تأثير التغيرات المناخية في النظم البيئية والزراعة، وتطوير استراتيجيات للتكيف مع هذه التغيرات.
- 5. النقل: تُستخدَم النمذجة المعتمدة على الوكلاء في نمذجة حركة المرور والنقل، لفهم تدفقات حركة المرور وتحسينها، وتخطيط النقل الحضري. من خلال محاكاة سلوك المركبات والسائقين، يمكن تطوير استراتيجيات لإدارة الازدحام وتحسين سلامة الطرق. يمكن أيضًا استخدام النمذجة المعتمدة على الوكلاء لتقييم تأثير سياسات النقل الجديدة، مثل توسيع البنية التحتية أو تحسينات النقل العام، في حركة المرور واستهلاك الطاقة. تُستخدَم النمذجة المعتمدة على الوكلاء أيضًا في نمذجة أنظمة النقل الذكية، مثل أنظمة النقل الذاتية والمركبات المتصلة، لتحسين كفاءة النقل وتقليل الحوادث المرورية.
التحليل المقارن بتقنيات النمذجة الأخرى
تعدّ النماذج المعتمدة على الوكلاء واحدة من عدة تقنيات تُستخدَم لفهم الأنظمة المعقدة ومحاكاتها، ولكن لكل تقنية مزاياها وعيوبها التي تجعلها ملائمة لسياقات معينة أكثر من غيرها. ومن هذه التقنيات أيضًا: ديناميكيات النظام، والمحاكاة المنفصلة للأحداث.
توفر النمذجة المعتمدة على الوكلاء إمكانية عالية لمحاكاة التفاعلات بين الوكلاء والبيئة التي يعملون ضمنها، ما يجعلها مثالية لدراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، فالتفاعلات الفردية يمكن أن تُحدِث تغيرات كبيرة في النظام كله. على الجانب الآخر، تقدم ديناميكيات النظام طريقة أكثر تجريدًا وملاءمة لمحاكاة الأنظمة على المستوى الكلي، مثل النظم البيئية أو الاقتصادية الكبيرة، إذ تُركز على تدفقات المعلومات والموارد. أما المحاكاة المنفصلة للأحداث، فتتميز بأنها مفيدة في السيناريوهات التي تكون فيها الأحداث منفصلة وواضحة، مثل عمليات الإنتاج أو اللوجستيات. هذه التقنية تُستخدَم لتحليل الأحداث في نقاط زمنية محددة، وتحليل تأثيراتها في النظام كله، ما يسهل فهم العمليات التشغيلية وتحسينها.
في الوقت الذي توفر فيه النماذج المعتمدة على الوكلاء فهمًا دقيقًا لكيفية تفاعل الأفراد وتأثيرهم في بعضهم ضمن النظام، تساعد ديناميكيات النظام في فهم كيف تتغير الحالة الكلية للنظام بمرور الوقت، تحت تأثير مختلف المدخلات والعمليات، وفي الوقت نفسه، تسمح المحاكاة المنفصلة للأحداث بمراقبة العمليات الفردية وتحسينها، مع التأكد من كفاءتها وفاعليتها[11].
اختيار التقنية المناسبة يعتمد على عدة عوامل، ومنها: الهدف من النمذجة، والبيانات المتوفرة، والحاجة إلى فهم الديناميكيات الفردية مقابل الديناميكيات الكلية. كل تقنية تقدم رؤًى قيمة بطريقتها الخاصة، واستخدامها بشكل متكامل يمكن أن يوفر فهمًا أكثر تفصيلًا للأنظمة المعقدة.
التقدم في النماذج المعتمدة على الوكلاء
في السنوات الأخيرة، شهدت النماذج المعتمدة على الوكلاء تطورات ملحوظة تعكس التقدم في تكنولوجيا المعلومات وعلوم الحاسوب، ما أدى إلى توسيع قدراتها وتعزيز فاعليتها في مختلف الأبعاد. هذه التطورات تشمل دمج الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي، ما يتيح للوكلاء ضمن النموذج تبني سلوكات أكثر تعقيدًا وواقعية. الوكلاء الآن قادرون على التعلم من تجاربهم وتعديل سلوكاتهم استجابةً لتغيرات البيئة المحيطة، ما يجعل النماذج أكثر دقة في تمثيل السلوك البشري والتفاعلات الاجتماعية[12].
علاوة على ذلك، أصبح دمج النماذج المعتمدة على الوكلاء مع تحليلات البيانات الكبيرة {{البيانات الكبيرة: هي مجموعات ضخمة ومعقدة من البيانات تتّسم بالحجم الكبير والتنوع في النوع والمصدر والسرعة العالية في التوليد، ما يجعل التعامل معها صعبًا باستخدام أدوات وتقنيات المعالجة التقليدية من حيث التخزين والإدارة والتحليل. وتعتمد معالجة البيانات الكبيرة على تقنيات مثل أباتشي هادوب (Apache Hadoop)، ولغات مثل سكالا (Scala) وبايثون (Python)، وتُخزن في أنظمة قواعد بيانات موزعة مثل نوسيكول (NoSQL).}} أكثر شيوعًا، ما يسمح بتحليل كميات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي ومعالجتها. هذا التكامل يعزز من قدرة النماذج على محاكاة سيناريوهات معقدة وديناميكية بكفاءة أعلى، مع توفير رؤى قيمة يمكن استخدامها في صنع القرار {{صنع القرار: هو عملية تحليلية لاختيار أفضل خيار ممكن من عدة بدائل لتحقيق هدف معين. تشمل العملية جمع المعلومات وتحديد معايير الاختيار وتقييم الخيارات ثم اختيار البديل الأنسب. يطبق صنع القرار في مجالات عدة منها إدارة الأعمال والسياسة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتعتمد فاعلية القرار على جودة المعلومات المتاحة ومهارات التحليل.}} الاستراتيجي والتخطيط على المستويات العليا.
من الناحية التكنولوجية، أدى التقدم في الحوسبة عالية الأداء إلى تحسين كبير في سرعة تشغيل النماذج المعتمدة على الوكلاء، مع تحسين كفاءتها. الباحثون الآن قادرون على تنفيذ محاكاة تشمل ملايين الوكلاء، عبر تفاعلات معقدة تجري خلال مدة أقصر بكثير مما كانت عليه في الماضي. هذه القدرة على معالجة النماذج الكبيرة تفتح آفاقًا جديدة لاستخدامات النماذج المعتمدة على الوكلاء في مجالات مثل البيئة، والصحة العامة، والأمن القومي. توسع استخدام النماذج المعتمدة على الوكلاء في الدراسات البيئية والتغيرات المناخية، يعد مثالًا بارزًا على الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه التقنيات في فهم التفاعلات المعقدة بين مختلف العوامل البيئية، وفهم تأثير الأنشطة البشرية في النظم البيئية. من خلال تحليل السيناريوهات المختلفة وتأثير السياسات البيئية، وتوفر هذه النماذج أداة قيمة للمخططين وصانعي السياسات لتقدير تأثيرات التدخلات المختلفة قبل تنفيذها على أرض الواقع.
المراجع
Bonabeau, Eric. "Agent-based modeling: Methods and techniques for simulating human systems." Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America. vol. 99, suppl. 3 (2002). pp. 7280-7287.
Epstein, Joshua M. & Robert Axtell. Growing Artificial Societies: Social Science from the Bottom Up. Washington: Brookings Institution Press, 1996.
Farmer, J. Doyne & Duncan Foley. "The Economy Needs Agent-based Modelling." Nature. vol. 460, no. 7256 (2009).
Gilbert, Nigel & Rosaria Conte. Artificial Societies: The Computer Simulation of Social Life. London: UCL Press, 1995.
Grimm, Volker, Railsback, Steven F. Individual-based Modeling and Ecology. Princeton Series in Theoretical and Computational Biology. Vol. 1. Princeton: Princeton University Press, 2005.
Niazi, Muaz & Amir Hussain. "Agent-based Computing from Multi-agent Systems to Agent-Based Models: A Visual Survey." Scientometrics. vol. 89, no. 2 (2011). pp. 479-499.
Railsback, Steven F. & Volker Grimm. Agent-Based and Individual-Based Modeling: A Practical Introduction. Princeton: Princeton University Press, 2011.
Schelling, Thomas C. "Dynamic Models of Segregation." Journal of Mathematical Sociology. vol. 1, no. 2 (1971). pp. 143–186.
[1] Eric Bonabeau, "Agent-Based Modeling: Methods and Techniques for Simulating Human Systems," Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America, vol .99, suppl. 3 (2002), pp. 7280–7287.
[2] Thomas C. Schelling, "Dynamic Models of Segregation," Journal of Mathematical Sociology, vol. 1, no. 2 (1971), pp. 143–186.
[3] Joshua M. Epstein & Robert Axtell, Growing Artificial Societies: Social Science from the Bottom Up
(Washington: Brookings Institution Press, 1996).
[4] Ibid.
[5] يُنظر:
Steven F. Railsback & Volker Grimm, Agent-Based and Individual-Based Modeling: A Practical Introduction (Princeton: Princeton University Press, 2011).
[6] Ibid.
[7] J. Doyne Farmer & Duncan Foley, "The Economy Needs Agent-Based Modelling," Nature, vol. 460, no. 7256 (2009), pp. 685-686.
[8] Muaz Niazi & Amir Hussain, "Agent-Based Computing from Multi-Agent Systems to Agent-Based Models: A Visual Survey," Scientometrics, vol. 89, no. 2 (2011), pp. 479–499.
[9] Ibid.
[10] Steven F Railsback & Volker Grimm, Individual-based Modeling and Ecology, Princeton Series in Theoretical and Computational Biology, vol. 1 (Princeton: Princeton University Press, 2005).
[11] Epstein & Axtell.
[12] Nigel Gilbert & Rosaria Conte, Artificial Societies: The Computer Simulation of Social Life (London: UCL Press, 1995).