تسجيل الدخول

القضاء الإداري



الموجز

القضاء الإداري حقلٌ معرفيٌّ قانونيٌّ مستقلٌّ داخل الحقل الأوسع للقانون الإداري، إلى جانب المحاكم الابتدائية والتجارية والاستئنافية ومحكمة النقض ضمن التنظيم القضائي العام. نشأ وتطوَّر من رحم التجربة الفرنسية التي أرست مبدأ ازدواجية المحاكم، للفصل بين المنازعات المدنية والإدارية. وتميَّز بخصيصتَي الاستقلالية والاختصاص، وبانقسام موضوعه بين دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ودعوى القضاء الشامل.

عرَف القرن التاسع عشر في فرنسا محاولةً لضبط تدخُّلات الدولة، فميَّز قانون 16/24 لآب/ أغسطس 1790 بين أعمال السلطة الخاضعة للقضاء الإداري وأعمال الإدارة الخاضعة للقضاء العادي، قبل أن يتعرَّض هذا التمييز لانتقادات بسبب تداخل الأعمال وصعوبة حصر مجال القانون الإداري. وقد مرَّ تأسيس القضاء الإداري الفرنسي بمراحل متعاقبة، هي: مرحلة الملكيات المطلقة ونظام البرلمانات قبل عام 1789، حيث احتكرت السلطة الملكية التقاضي من دون رقابة؛ ثم مرحلة ما بعد الثورة الفرنسية (1789)، التي ألغت البرلمانات وأسّست نظام الإدارة القاضية؛ فمرحلة القضاء المقيَّد أو المحجوز، حين أُنشئ مجلس الدولة الفرنسي هيئةً استشارية لا تُنفَّذ قراراتها إلا بتصديق السلطة التنفيذية.

شكّل قانون 24 أيار/ مايو 1872 نقطة تحوّل بمنح مجلس الدولة اختصاصًا مستقلًا في البتّ، ثم رسّخ حكم بلانكو (BLANCO، 1873) استقلالية القضاء الإداري بإقراره خضوع مسؤولية الدولة عن أضرار مرافقها العامة لقواعد خاصة لا لقواعد القانون المدني، تلته قضية كادو (CADOT، 1889) التي أنهت اشتراط المرور بمحاكم الأقاليم قبل التقاضي أمام المجلس. وتُوِّج هذا المسار بمنح المحاكم الإدارية الفرنسية -التي كانت تُعرَف سابقًا بمجالس الأقاليم- اختصاص النظر في المنازعات الإدارية عام 1953، ثم بإنشاء محاكم الاستئناف الإدارية عام 1987.

أرسى حكم بلانكو ثلاثة مبادئ لتحديد الاختصاص الإداري، هي: مبدأ ربط الاختصاص بالقانون واجب التطبيق، ومبدأ المرفق العام، ومبدأ المسؤولية الخاصة للدولة. وقد بلورت "مدرسة المرفق العام" بقيادة ليون دوغي فكرة المرفق العام بوصفها محورًا لتعريف القانون الإداري، رابطةً إياه بأركان أربعة: العمل، والمصلحة العامة، والسلطة المُنشِئة، والنظام القانوني الخاص. غير أن "مدرسة السلطة العامة" انتقدت حصر المرفق العام في أنشطة الدولة وحدها، وصعوبة التمييز بين قواعد القانونين العام والخاص تبعًا له. وقد تعمّقت هذه الأزمة عضويًا، بلجوء الإدارة إلى تسيير خاص أو مشترك لمرافقها العامة؛ وموضوعيًا بقضية ناقلة إلوكا (Bac d’ELOKA، 1921) التي أخضعت مرفقًا عامًا لقواعد القانون الخاص نظرًا إلى طابعه الصناعي والتجاري.

وفي التجربتين المغربية والمصرية، سار القضاء الإداري في مسار موازٍ للنموذج الفرنسي؛ ففي المغرب، أسّس المشرّع المجلس الأعلى عام 1957 بغرفة إدارية تنظر في طلبات إلغاء القرارات بسبب تجاوز السلطة، ثم استقل الاختصاص الإداري باستحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 90-41 (1993)، ومحاكم الاستئناف الإدارية (2006). أما في مصر، فتعود جذور القضاء الإداري إلى بدايات القرن العشرين، قبل أن يتأسَّس مجلس الدولة رسميًا عام 1946 برئاسة عبد الرزاق السنهوري، متأثرًا بالنموذج الفرنسي، ثم اتّسع اختصاصه بموجب القانون رقم 9 لسنة 1955 ليُصبح الجهة الوحيدة المختصّة بالمنازعات الإدارية، ويتكوَّن اليوم من المحكمة الإدارية العليا ومحكمة القضاء الإداري والمحاكم الإدارية ومحاكم التأديب، ويواجه تحدّيات تتعلق بسرعة الفصل في القضايا وتنفيذ الأحكام الصادرة ضد الإدارة.

التعريف

القضاء الإداري حقلٌ فرعيٌّ تطوَّرَ حتى أصبح حقلًا معرفيًا مُستقِلًّا. وقد كانت التجربة الفرنسية نموذجَ تأسيسٍ له، كونها أساسَ التمييز القائمِ اليوم بينه وبين القضاء العادي، من خلال مبدأ ازدواجية المحاكم، الذي فُصِلت المنازعات الإدارية وفقًا له عن المدنية، ابتداءً من عام 1873 تقريبًا. وقد تطوَّر هذا المجال عبر مراحل تاريخية، بدءًا من الملكيات المُطلَقة ونظام البرلمانات، مرورًا بمرحلة الإدارة القاضية، ووصولًا إلى تأسيس مجلس الدولة الفرنسي والمحاكم الإدارية المستقلّة.

وقد أدّى حكم بلانكو (BLANCO، 1873) دورًا في ترسيخ معايير مثل "المرفق العامّ" و"السلطة العامّة"، لتحديد اختصاص القضاء الإداري، فضلًا عن بعض الاجتهادات القضائية التي أسهمت في ظهور نظرية المرافق العامّة وأزماتها، خصوصًا مع ظهور المرافق الصناعية والتجارية التي تتطلَّب تطبيق قواعد القانون الخاص.

وقد استقلَّ القضاء الإداري بوصفه حقلًا معرفيًا في مواجهة المادّة الإدارية التي نشَأ فيها بصفة عامّة، أو في مواجهة مجموعة القانون الإداري التي تطوَّر فيها، وما زال يُحسَب عليها بصفة خاصّة[1]. وهو من إحدى ركائز التنظيم القضائي، مِن خلال المحاكم الإدارية في أي دولة في العالم، إلى جانب المحاكم الابتدائية والتجارية (بوصفها محاكمَ درجة أولى)، أو المحاكم الاستئنافية ومحاكم الاستئناف التجارية (بوصفها محاكمَ درجة ثانية)، أو محكمة النقض بِغُرفها الإدارية والتجارية والمدنية والجنائية، وغيرها[2].

يتميّز القضاء الإداري بخصيصتَيْن رئيستَيْن في مواجهة العناصر الإدارية الأخرى، وهما: خصيصة الاستقلالية، وخصيصة الاختصاص. ومن ثم، فهو يتميّز بكونه حقلًا معرفيًا "استثنائيًا" بتاريخه وموضوعه، ولا سيما عناصره الكُبرى التي تشمل أهمَّ مضامينه الأساسية، فيما يرتبط بالأفراد من جهة وبالإدارة من جهة أخرى. والمقصودُ هنا أهمّ الدعاوى القضائية التي ينظر فيها القضاء الإداري منذ نشوئه وحتى اليوم[3].

كذلك يتميَّز القضاء الإداري بطبيعة موضوعه الذي ينقسم بين نوعَيْن من الدّعاوى الأساسية: دعوى الإلغاء بسبب الشَّطَط في استعمال السلطة، التي تُرفَع ضد قرار إداري مَشوب بعَيْب عدم المشروعية من جهة[4]؛ ودعوى القضاء الشامل التي تستهدف الدفاع عن المركز القانوني للفرد المَعنيِّ باعتداء الإدارة على حقٍّ من حقوقِه، بإرجاع الحالة إلى ما هي عليه، أو الأمر بفعلٍ ما، أو تقديم تعويضٍ مُقابل الضَّرَر الحاصل للمركز القانوني "للمُتضرّر" من جهة أخرى[5].

مرحلة ازدواجية المحاكم في التعامل مع أنشطة الدولة

عَرَفت بداية القرن التاسع عشر في فرنسا تطوّرًا في الأبحاث والدراسات التي تَهتمّ بالمادة الإدارية، وعلى رأسها القانون الإداري عمومًا والقضاء الإداري خصوصًا[6]، وذلك نتيجة تدخُّلات الدولة في عدة مجالات اجتماعية وإدارية، إذ تكتفي بممارسة أنشطة مُتعلّقة بالأمن والدفاع والقضاء، في إطار ما يُسمّى "الدولة التدخُّلية". وفي هذا الإطار، ظهر الفقه الإداري الفرنسي في محاولة لوضع حدٍّ لتدخُّلات الدولة، ومن ثم الربط بين مختلف قواعد القانون الإداري ومبادئه ومجالات تطبيقه، والجهة المُكلَّفة بتطبيقه بهدف الخروج من واقع ازدواجية المحاكم[7]. والدولة التدخّلية {{الدولة التدخّلية: هي الدولة التي لا تقتصر وظيفتها على الحفاظ على الأمن داخليًا وخارجيًا، بل تمتدّ لتشمل حماية المصلحة العامّة وتحقيق التنمية. وقد تطوَّرت الدولة من دولة حارسة إلى دولة تتدخّل في المجالات كافّة، فتُمارِس سلطاتها على النشاط الاقتصادي كتنظيم السوق، وتوفير الخدمات الأساسية في التعليم والصحّة؛ وفي النشاط الاجتماعي، بِسَنِّ التشريعات للحفاظ على العدالة وتحقيق التوازُن بين مصالح المجتمع.}} تقتصر على الاحتفاظ بفكرة السيادة أو السلطة العامّة[8]، التي تُمثِّلها طبيعة تدخُّلاتها الاجتماعية والإدارية، ولا سيما تدخُّلاتها في مجالَي التجارة والصناعة، وهو الأمر الذي يفرض تطبيق القانون الإداري في هاته المجالات. وقد أسهم هذا الأمر، بعد صدور قانون 16/24 لآب/ أغسطس 1790 من طرف المُشرِّع الفرنسي، في تمييز القضاء العاديّ بين:

  1. أعمال السلطة: تُمثِّل مختلف الأعمال والتصرُّفات التي تُمارسها الإدارة بوصفها سُلطة آمِرة، تُصدر الأوامر والنواهي في إطار ما يُسمّى أيضًا بأعمال السيادة أو الحكومة، وتتّخذ القرارات المُلزِمة للأفراد وفق إرادتها المنفردة، كقرارات الترخيص أو المنع من مباشرة نشاطٍ أو عمل ما. وهي أيضًا مجموع الأعمال والتصرّفات التي تخضع لاختصاص القاضي الإداري في المحاكم الإدارية، وتُطبَّق بخصوصها قواعد القانون الإداري. وهي تابعة للسلطة الإدارية التي يُمثّلها مجلس الدولة الفرنسي.
  2. أعمال الإدارة (التسيير): تُمثِّل مختلف التصرّفات والأعمال التي تُجَرَّد فيها الدولة من سلطتها العامّة، ويُتَعامل معها على قدم المساواة مع الأفراد. وتُسمّى التصرّفات العادية، وتخضع كذلك لقواعد القانون الخاص واختصاص المحاكم المدنية، بوصف الدولة فردًا كبقية أفراد المجتمع. لذلك، تُسمّى تصرّفاتها "أعمال الإدارة"، إذ تُمارسها هذه الأخيرة وتتحمَّل فيها المسؤولية الكاملة مثل بقية الأفراد، كعقود التأجير على سبيل المثال. وهي تابعة للقضاء العادي[9].

وللتمييز بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة، اعتمد كثير من الفقهاء والباحثين إمّا على الجانب الشكلي (العضوي)، وإمّا على الجانب الموضوعي (المادي)، من خلال التمييز بين الأعمال التي تنتمي إلى القانون العام {{القانون العامّ: هو مجموعة القواعد القانونية التي تُنظّم العلاقات بين الدولة والأفراد، وبين الدولة وغيرها من أشخاص القانون الدولي العامّ بوصفها صاحبة السيادة والسلطان. فهو القانون الذي يُنظّم الروابط التي تكون الدولة طرفًا فيها، بوصفها شخصًا معنويًا عامًّا صاحب السيادة والسلطة؛ كالقانون الدستوري، والقانون الإداري، وقانون العقوبات.}}، أو التي تتبع قواعد القانون الخاص {{القانون الخاص: هو مجموعة القواعد القانونية التي تُنظّم العلاقات بين الأشخاص الطبيعيّين أو المعنويّين، أو بينهم وبين الدولة بوصفها شخصًا عاديًّا، لا بوصفها صاحبة السيادة والسلطان؛ كالقانون المدني، والقانون التجاري، وقانون العمل.}}، بحيث:

  1. يرتكز أنصار الجانب العضوي على الجهاز أو الهيئة التي تمارس النشاط، فإذا كان العضو من أشخاص القانون العامّ طُبِّقت قواعد القانون الإداري؛ وإذا كان من أشخاص القانون الخاص طُبّقت قواعد القانون المدني.
  2. يرتكز أنصار الجانب المادي على طبيعة النشاط المُمارَس، فإذا كان نشاطًا يدخل ضمن أعمال السلطة العامّة، تُطبَّق بخصوصه قواعد القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري؛ وإذا كان نشاطًا يدخل ضمن أعمال الإدارة، تُطبَّق بخصوصه قواعد القانون الخاص، ومن ثم اختصاص القضاء العادي.

وقد تعرّض كلا الجانبَيْن لانتقادات، نظرًا إلى:

  1. تداخل أعمال السلطة العامّة وأعمال الإدارة بشكل مستمرّ.
  2. عدم إمكانية قَبول ازدواجية أدوار الدولة بوصفها شخصًا عامًّا {{الشخص العامّ: هو الشخص المعنوي الذي تُخصّصه الدولة لتمارس من خلاله اختصاصاتها لتحقيق المصلحة العامّة. وتكون له الامتيازات والصلاحيات كافة التي تُمنَح الدولة إياها، ويشمل الدولة بمؤسساتها وهيئاتها كافة. كذلك يقسم الفقه الشخص العامّ إلى فئتَيْن: الإقليمية التي يتحدَّد اختصاصها ضمن إقليم مُحدَّد كالبلديات؛ والمرفقية التي يتحدَّد اختصاصها بغرضٍ مُحدَّدٍ نشَأت من أجله كالجامعات.}} كُلّما طَبَّقت أعمال السلطة العامّة، أو بوصفها شخصًا معنويًا خاصًا كُلّما طَبَّقت أعمال الإدارة.
  3. أنه سيُحصَر مجال تطبيق قواعد القانون الإداري[10].

لقد أُثير إشكال مساءلة الدولة من عدمه، من خلال مختلف الانتقادات المُوجَّهة إلى كلا الجانبَيْن من الفُقهاء، سواء على مستوى تطبيق أعمال السلطة العامّة أم على مستوى تطبيق أعمال الإدارة، إذ إنه بعد صدور قانون 24 أيار/ مايو 1872، أصبح النظر في المنازعات، التي تكون الإدارةُ طرفًا فيها، مِن اختصاص مجلس الدولة الفرنسي {{مجلس الدولة الفرنسي: هو جزء من النظام القضائي الفرنسي، ويُعَدّ هيئة استشارية قضائية إدارية في فرنسا. تأسَّس عام 1799، وله اختصاصان: استشاري يُسهم في صياغة مشروعات القوانين وتفسيرها؛ وقضائي يفصل في المنازعات التي تكون بين الدولة والأفراد.}}، وذلك ما أكّده الاجتهاد القضائي الفرنسي فيما بعد عام 1873.

في نهاية القرن التاسع عشر، عرَفَ المجتمع الفرنسي تطوّرًا صاحبته عدد من المطالب المجتمعية ذات الطابع الإداري والاقتصادي والسياسي، من خلال مختلف الحاجات الحيوية على المستويَيْن التعليمي والصحّي، وبعض الخدمات الاجتماعية كتوزيع الماء والكهرباء وخطوط الهاتف، الأمر الذي أسهم في قصور معيارَيْ أعمال السلطة وأعمال الإدارة في الاستجابة لمختلف المطالب والاحتياجات الجديدة. وقد دفع الأمر الدولة الفرنسية نحو البحث عن حلول لتجاوز ذلك القصور، الذي جعل القانون الإداري والمحاكم الإدارية تقع في أزمة لاعتمادها على مبدأ ازدواجية المحاكم لزمن طويل[11].

تبعًا لذلك، أضحت أنشطة الدولة تعرف تراجُعًا في التسيير، في إثر ظهور بعض الوظائف الجديدة التي أصبحت تتطلّب خدمات مُستدامَة لفائدة المجتمع الفرنسي، وهو ما اتَّضح من خلال قضية بلانكو، أو ما سُمّي بحُكم بلانكو (بالفرنسية: L’arrêt BLANCO)[12]، الذي أصدره القضاء الإداري الفرنسي بتاريخ 8 شباط/ فبراير 1873[13]، والذي أَبرَزَ إلى الوجود نظريّةَ المرفقِ العامِّ بوصفها نظرية جديدة لتدبير احتياجات المجتمع الفرنسي.

أهمّ مراحل التطوّر التاريخي والموضوعي

شهد القضاء الإداري تطورًا تاريخيًا موازيًا لتطور موضوعاته، فقد أفضى البحث في مجالات الفلسفة والتاريخ والعلوم الاجتماعية كافة، بما فيها العلوم القانونية والإدارية، إلى التجربة الغربية عمومًا، والفرنسية خصوصًا، التي شهدت تطوّر القضاء الإداري ونشأته بمعالمه الحديثة والمعاصرة.

شهد تطوّر القضاء الإداري مع المحاكم العاديّة في فرنسا عدة مراحل تاريخية، قبل الانتقال إلى مَأسَسة القضاء الإداري، بوصفه اختصاصًا خالصًا في مجال المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والإدارة بوصفها جهازًا إداريًا تابعًا للدولة، ويتمتَّع بامتيازات السلطة العامّة. وهذه المراحل هي:

مرحلة الملكيات المُطلَقة ونظام البرلمانات

اتسمت السلطة السياسية الحاكمة في مرحلة ما قبل الثورة الفرنسية (1789) بشيوع السلطة المُطلَقة، فقد ساد نظام الملكية المُطلَقة التي تحكُم وتسود، وتستأثر أيضًا بمهمة التقاضي بين المُتنازِعين في شؤون السياسة والإدارة والاقتصاد، في الوقت نفسه الذي لا يُسأَل فيه رئيس الدولة أو يُراقَب، أي الملك آنذاك. وكانت مجموعة المحاكم القضائية المسمّاة بالبرلمانات هي اللسان المتحدّث باسم سلطات الملك وأوامره ونواهيه، فضلًا عن وظائفه القضائية، سواء أمام الأفراد أم الإدارات[14]. ومن ثم فإن الدولة الفرنسية ما قبل الثورة لا تُراقَب سياسيًا، ولا تُسْأَل قانونيًا أو تُتابَع قضائيًا. أمّا دعاوى الأفراد، فتُحال في حالة النزاع في إطار معاملاتها مع الإدارة، للنظر فيها حسب القوانين المدنية فقط، أي أمام محاكم القضاء العادي {{القضاء العاديّ: هو القضاء صاحب الولاية العامّة في النظر في المنازعات المدنية والجزائية والتجارية جميعها في الدولة، التي لم تُوكَل إلى هيئة أخرى. ويكون على درجتَيْن، ويتولّاه قُضاة مستقلّون يَفصِلون بموجب القوانين النافذة.}}.

مرحلة ما بعد البرلمانات وتكريس نظام الإدارة القاضية

عَرَفَ عامُ 1789 حدثَ الثورةِ الفرنسيّةِ التي جاءت بمبادئ الحريةوالديمقراطيةواحترام حقوق الإنسان. وقد أكَّد قادتها أن تحقيق هذه المبادئ رهين بتحقيق مبدأ أساسي، هو "الفصل بين السلطات"، حتى لا يتكرَّر اجتماع السلطات كافة في يد سلطة حاكمة مُطلَقة. ومن ثم، التركيز على الفصل بين الأمور المتعلّقة بالمنازعات والتقاضي (السلطة القضائية للمحاكم)، والأمور المتعلّقة بالإدارة (السلطة التنفيذية للحكومة)، ما سيؤدي إلى استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية.

في هذا الإطار، صدر القانون الفرنسي رقم 16/24 في آب/ أغسطس 1790، الذي نَصَّ على إلغاء المحاكم القضائية (أي البرلمانات)، وأكَّد على ضرورة إنشاء ما يُسمّى بالإدارة القاضية (Administration juge) أو الوزير القاضي، ومَنَعَ القضاءَ العاديَّ من النظر في المنازعات التي تكون فيها الإدارة طرفًا، في حين أنه سَمَح للأفراد باللجوء إلى الوزير القاضي للتظلُّم، ولكن ذلك لم يستمرّ كثيرًا، على الرغم من أن هذه المرحلة قد اشتُهرت بمرحلة "الإدارة القاضية"[15].

مرحلة تجاوز الإدارة القاضية وتقييد سلطة القضاء

عَرَفَت هذه المرحلة إنشاء مجلس الدولة الفرنسي (بالفرنسية: Le Conseil d'État français)، بوصفه أعلى هيئة قضائية تُستَأنَف أمامها القضايا التي تحكُم فيها محاكمُ الأقاليم أو مجالسُها ابتدائيًا. وقد صدر قانون بذلك في 12 كانون الأول/ ديسمبر 1799، يَمْنح مجلس الدولة الحقَّ في النظر في القضايا الإدارية التي يُصدِر بشكلٍ استشاريٍّ قراراته بخصوصها، والتي لا تُنفَّذ وتُطبَّق إلّا بعد فحصها والتصديق عليها من طرف قُنصل الدولة[16].

وسُمّي القضاء في تلك المرحلة بالقضاء المُقيَّد أو المحجوز (Justice retenue)[17]، لأن تنفيذ قراراته لا يكون إلّا بعد أن يؤشّر عليه القُنصل الذي تعتمده الدولة الفرنسية في القضايا الإدارية، وهي الحالة التي ظلَّت سائدة إلى حدود عام 1872 أو 1873 تقريبًا.

الاجتهادات والتطوّر نحو المَأسَسة

ثمّة حدثان رئيسان يعدّان أهمَّ نقاط التحوّل في بروز القضاء الإداري ونشأته، هما:

التدشين من خلال حكم بلانكو وقضية كادو

في تاريخ 24 أيار/ مايو 1872، أصدر المُشرِّع الفرنسي قانونًا يمنح مجلس الدولة الفرنسي حَقَّ البتِّ في المنازعات الإدارية بشكل مستقلّ، من دون الحاجة إلى تصديق أي جهة على قراراته، وذلك تطبيقًا لمبدأ استقلالية السلطة القضائية عن بقية السلطات في الدولة. إلّا أنَّ الإشكال الذي طُرِح على المُشرِّع الفرنسي في المادة الإدارية، هو بقاء المجلس مُتعالِيًا عن النظر في دعاوى الأفراد ضد الإدارة، إذ لا تزال الإدارة القاضية هي السائدة، من خلال البتِّ في دعاوى الأشخاص بخصوص نزاعاتهم مع الإدارة، الأمر الذي لم يعُد قائمًا نهائيًا بعد عام 1889، ما عدا ما حدَّده بالنَّصِّ قانونُ 12 كانون الأول/ ديسمبر 1872.

وقد عرفت هذه المرحلة أحد الأحكام القضائية الكُبرى في تاريخ الاجتهاد القضائي الفرنسي، وهو ما سُمّي بحُكم بلانكو الصادر في 8 شباط/ فبراير 1873 من طرف محكمة التنازُع الفرنسية، الذي مَهَّد لنشأة القضاء الإداري بوصفه اختصاصًا، للنظر في المنازعات التي تكون فيها الإدارة طرفًا، فتُطبَّق بخصوصها قواعد القانون الإداري، لا قواعد القانون المدني.

وفي تاريخ 13 كانون الأول/ ديسمبر 1889، قَبِل مجلس الدولة الفرنسي دعوى أحد الأفراد، التي قدَّمَها بشكل مباشر في قضية كادو[18] من دون اللجوء إلى محاكم/ مجالس الأقاليم، ليُصبِح المجلس منذ ذلك التاريخ صاحبَ الاختصاصِ الوحيد للنظر في المنازعات الإدارية وتأسيس القضاء الإداري "شبه المستقلّ" إلى حدود عام 1953، حين مُؤْسِسَ القضاء الإداري واستقلّ باختصاصاته من خلال تدشين المحاكم الإدارية في فرنسا.

تأسيس المحاكم الإدارية وتعزيز النشأة

بعد السَّماح للأفراد بمُقاضاة الإدارة أمام مجلس الدولة الفرنسي، لَحظ هذا الأخير -بعد تجربة تفوق ما يناهز نصف قرن من النظر في المنازعات التي تكون الإدارة فيها طرفًا في مواجهة الأفراد- تراكُمًا لافتًا في القضايا الفردية ذات العلاقة بالإدارة، التي استعصى على المجلس البتّ فيها بسرعة وفي آجال معقولة، الأمر الذي دفع المُشرِّع الفرنسي في تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 1953، إلى إصدار مرسوم يمنح المحاكم الإدارية (التي كانت جزءًا من مجالس الأقاليم كما كانت تُسمّى سابقًا) اختصاص النظر في المنازعات الإدارية، فضلًا عمّا تلاه من مستجدّات واجتهادات قضائية في مجال الإدارة والمرافق العامّة بشكل خاص.

في هذا الإطار، أصدر المُشرِّع الفرنسي، دعمًا لتطوُّر الإدارة الفرنسية في جانب المرافق العامّة، مرسومَ 16 كانون الأول/ ديسمبر 1987، الذي أنشأ المحاكم الإدارية الاستئنافية، ووَسَّعَ نطاق النقض أمام مجلس الدولة الفرنسي.

مهّد هذان التأسيسان لمرحلة جديدة من مَأسَسة القضاء الإداري التي أدّت فيما بعد إلى استقلال القضاء في المادة الإدارية. وقد كان ذلك عبْر ظهورِ معيارٍ جديدٍ في تحديد نوعية الاختصاص في المنازعات التي تعرفها الإدارة في علاقتها بالمواطنات والمواطنين، إذ أصبح الحديث عن "معيار المرفق العامّ" في تحديد اختصاص القضاء الإداري إلى جانب "معيار السلطة العامّة"[19].

أهم معايير تحديد جهة الاختصاص

أسهم حُكم بلانكو في إرساء قواعد خاصّة مَنَحَها المُشرِّع الفرنسي المُتمثِّل في مجلس الدولة الفرنسي طابعَ الاستقلالية، من خلال قرار محكمة التنازُع التي ميَّزَت بين قواعد المادة المدنية وقواعد المادة الإدارية لأول مرّة، ما أقرَّ وبشكل عملي مبدَأَيْن جديدَيْن في تاريخ القضاء الفرنسي[20]، أسهما في بلورة مبدأ ثالث سُمّي مبدأ المسؤولية الخاصة للدولة. وفيما يأتي تفصيل هذه المبادئ الثلاثة:

  1. مبدأ ربط الاختصاص بالقانون واجب التطبيق: إذا تعلَّق الأمر بقضية مُثارَة أمام القضاء، وتُعَدّ إحدى إدارات الدولة طرفًا فيها، وكانت القواعد ذات الطبيعة الخاصة واجبةَ التطبيق، فإنَّ قواعد القانون الإداري هي التي يجب تطبيقها، لا قواعد القانون المدني.
  2. مبدأ المرفق العامّ بوصفه معيارًا لتطبيق قواعد القانون الإداري: كُلّما تعلّق الأمر بدعوى مُثارَة أمام القضاء يُعَدّ أحد أطرافها الرئيسة مِن المرافق العامة، فإنَّ القواعد التي تُطبَّق لحلِّ النزاع هي قواعد القانون الإداري، لا قواعد القانون العادي {{القانون العادي: هو مجموعة القواعد القانونية التي يُصدرها البرلمان بوصفها قاعدة عامّة. وتلي الدستور في سُلّم الهرم التشريعي، فلا يجوز أن تخالف أحكامه. وتليها الأنظمة، فالتعليمات، فالقرارات. ويُفرّق بعض الفقه بين القانون العادي والقانون الإداري، بحيث ينحصر الأول في تنظيم العلاقات التي لا تكون بين الفرد والدولة.}}، وهو ما عُدّ مُؤكِّدًا لصلاحية فكرة المرفق العامّ أن تكون معيارًا للتمييز بين تطبيقات القضاء الإداري وتطبيقات القضاء المدني، ما يُمَكِّن المرفق العامّ من تبوّؤ درجة المبدأ بوصفه معيارًا لتطبيق قواعد القانون الإداري أمام المحاكم الإدارية، في أي نزاع يتعلّق أحد أطرافه بمرفق عامّ.
  3. مبدأ المسؤولية الخاصة للدولة: أثبت حُكم محكمة التنازع في قضية بلانكو أنَّ "مسؤولية الدولة ليست مُطلَقة ولا عامّة"، بل أصبحت مُحدَّدة ومُقيَّدة، لأن "لها قواعدها الخاصة". وبناءً عليه، "فإن للسلطة الإدارية وحدها حقّ النظر فيها"، ومن ثم اختصاص القضاء الإداري.

ومن ثَمَّ، تُعَدّ المسؤوليةُ التي أقرَّتها محكمة التنازع على إدارة المرفق العامّ مسؤوليةً إداريةً لا مدنيّة، لأنّها تتبع قواعدَ خاصّة بها، سمّاها جانبٌ كبيرٌ من الفقه الفرنسي -في كلية الحقوق ببوردو- بـ"قانون المرافق العامّة"، إذ ربطوا المفاهيم الرئيسة كلها في القانون الإداري بمفهوم المرفق العامّ، كـ"القرار" و"العقد" و"المُوظّف"، إلى أن أصبح هذا الاتجاه من الفِقه القانونيّ يُسمّى "مدرسة المرفق العام"، أو نظرية المرفق العامّ[21].

الاجتهادات ونشأة نظرية المرافق العامّة

بعد الاجتهاد القضائي بخصوص حكم بلانكو، أصبحت فكرة المرفق العامّ تؤدي دورًا محوريًا في أيِّ تعريف يُقدَّم للمرافق العامّة، وللقانون الإداري عمومًا والقضاء الإداري خصوصًا. وقد قدّم رُوّاد مدرسة المرفق العامّ، وعلى رأسهم العميد ليون دوغي، تعاريفَ متعدّدة اتّفق عمومها على أن "المرفق العامّ مشروع تُنشِئه الدولة، أو نَشاط تقوم به إحدى الهيئات العمومية التابعة للدولة، ويكتسي طابع المصلحة العامّة التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها، وفق نظام قانوني خاص ومُميّز يسري على مختلف أنشطتها"[22].

وبناءً عليه، فقد أقرَّ كثير من فُقهاء القانون الإداري، المُهتمّين أساسًا باجتهادات القضاء الإداري، انطلاقًا من حُكم بلانكو، وجودَ أركانٍ للمرفق العامّ أثارَها القضاءُ الإداري، وتتمثَّل في:

  • ركن العمل أو كل نشاط مُنظِّم للمرفق العامّ: هو كل ما تُقدِّمه المرافق العامّة للمواطنين على أساس غير ربحي، أي من دون مقابل[23]. وهو خدمة تتمّ وفق حاجات المجتمع التي تُلبّي مختلف مطالبهم الاجتماعية من الدرجة الأولى، مِن قَبِيل: توفير الأمن من خلال الدفاع عن الوطن والمواطنين؛ وتطبيق مبادئ العدل والمُساواة في القضاء؛ وتقديم يد المساعدة والتضامُن والإعانات للمحتاجين ومنكوبي الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل؛ والمحافظة على البيئة السليمة والصحّة العامّة؛ وتوفير البنيات التحتية اللازمة للمواصلات والتجوال؛ وبناء المدارس في مختلف التراب الوطني لاستفادة الجميع من تعليم حديث وعصري؛ فضلًا عن تيسير أدوات حفظ الكرامة الإنسانية في أبسط حقوقها، كالسَّكَن والمَأْكل والمشْرَب والملْبَس والتعليم، وغيرها من الاحتياجات والمطالب التي لا يُمكِن تحقيقها إلّا في إطار أنشطة المرافق العامّة ذات الطابع العمومي، من خلال سعيها المستمرّ نحو تحقيق المصلحة العامّة.
  • ركن المصلحة العامّة التي يُقدِّمها المرفق العامّ: كُلُّ مرفقٍ عامّ، بوصفه نشاطًا يُقدِّم خدمات مجتمعيّةً للمواطنين، يجب أن يُقدِّمها على أساس تحقيق نَفْع عامّ، لا يمكن فيه لفرد أو جماعة أو جهة أن تكون وحدها المستفيد، أو أن تكون المَعنيّة بتلك الخدمات من دون بقية عموم المواطنين، ذكورًا وإناثًا. لذلك، يُعدّ رُكنُ المصلحة العامّة عنصرًا رئيسًا في تعريف المرفق العامِّ وجوازِ عَدِّ أنشطته كذلك، ما دامت تتمّ في إطار كُلّيٍّ وشموليٍّ لا يُستثنى منه أحد، لأنَّ المنفعة العامّة هي أساس وجود المرفق العامّ في الأصل، وغياب هذا الركن يحكم عليه بانتفاء صفة العمومية، ومن ثم احتمال إلغاء وجوده.
  • ركن السلطة أو هيئة المرفق العام: هي كل إدارة أنشَأتها الدولة لممارسة أنشطة ذات خدمات عمومية، وتكون تابعةً لها، أو كل مشروع تُحدِثُه هيئةٌ تابعةٌ هي بدورها للدولة، كالجماعات الترابية، أو هيئةٍ تدخُل تحت رقابتها. ولتلك الهيئات الحقّ في إنشاء تلك المشروعات وإدارتها أو إلغائها وفق قواعد مُعيَّنة. كذلك يمكن في بعض الأحيان، تخويل هيئة مستقلّة أو هيئة خاصّة بمهمّة تسيير أو تدبير نشاط ذي طابع عمومي تابع للدولة أو أحد مرافقها العامّة، بطريقة الامتياز على سبيل المثال. إلا أنَّ سلطة الدولة، على إدارتها الموكولة إلى الغير، تظلّ هي صاحبة السلطة الواسعة في تنظيم المرفق العمومي وتسييره الممنوح فيه الامتياز للخواصّ، وذلك وفق شروط مُعيَّنة[24].
  • ركن النظام القانوني الخاص بالمرفق العامّ: هو عنصر مُتميّز عن بقية الأنظمة القانونية التي تُطبَّق في بقية المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وثمة استثناءات يُمكِن أن تُطبَّق فيها القواعد نفسها في بعض المجالات، رغم اختلاف طبيعتها وأنشطتها. وبصفة عامة، فالمرافق العامّة -كما تطوَّرت مع حكم بلانكو- هي مرافقُ يُطبَّق عليها ما يُطبَّق على الإدارة من قواعد وقوانين خاصّة لا تنتمي إلى قواعد القضاء العادي، ولا تُطبَّق بخصوصها قوانين المادة المدنية، لأنَّ قوانين المرافق العامّة هي قواعد مُستمَدّة في الأصل من القانون العامّ، ولا سيما القانون الإداري. "وبما أنَّ نشاط المرفق العموميّ ضروري لإرضاء الحاجات الجماعية الأساسية، فإنه سيخضع لنظام قانوني من شأنه أن يضمن إرضاء تلك الحاجات كيفما كانت الظروف"[25]، مع إمكانية إلغاء تلك المرافق كُلّما تبيَّن أنها لا تؤدي مهمّتها الأساسية، أو لا تحتكم في أنظمتها القانونية إلى قواعد القانون الإداري، أو لم تعُد تتوفّر فيها الشروط والعناصر المُنشِئة للمرافق العامّة عمومًا، وذلك وفق مساطرَ وإجراءات مُعيَّنة.

وقد أثارت هذه الأركان كلها إشكالية التمييز بين معيارَيْن لتعريف المرفق العامّ: المعيار العضوي حيث الاعتداد بالهيئات الممارِسة؛ والمعيار الموضوعي حيث الاعتداد بطبيعة النشاط المُقدَّم من طرف المرافق العامّة. إلّا أنَّ بعض فُقهاء القانون الإداري، ولا سيما فُقهاء مدرسة المرفق العامّ، قد اعتمدوا المفهومَيْن مُجتمعَيْن للإشارة إلى تعريف مُوحَّد للمرافق العامّة يَأْخُذ المعيارَيْن معًا.

غير أنَّ السؤال الذي طرحه هذا التصنيف هو: ألا يمكن للمرفق العامّ أن يكون مرفقًا من الناحية العضوية من دون أن يكون مرفقًا من الناحية المادية أو العكس؟ ما أثار لدى فُقهاء المرفق العامّ بَعد حُكم بلانكو عدّة إشكالات مركزية، ناتجة من تطوّر المجتمع الفرنسي، ولا سيما مع ظهور حالات واقعية تنفي اكتمال نظرية المرفق العامّ، وتُنذِر بدخوله في أزمة نظرية وعَمليّة.

بعض نقاشات الفقه الإداري بشأن نظرية المرفق العامّ واجتهادات القضاء الإداري

بعد اعتماد معيار المرفق العامّ بوصفه ركيزة أساسية لتحديد مجال تطبيق قواعد القانون العامّ مِن خلال قواعد القانون الإداري، واختصاص القضاء الإداري في القضايا التي يكون المرفق العامّ طرفًا فيها، ظهرت تحديدات جديدة، تتجاوز التعريف التقليدي للمرفق العامّ كما قدَّمَته "مدرسة المرفق العامّ". وقد كان رُوّاد "مدرسة السلطة العامة" مِمَّن عارضوا مسألة تطبيق معيار المرفق العامّ بوصفه معيارًا وحيدًا للتمييز بين قواعد القانون العامّ وقواعد القانون الخاص. وقد استلهموا دفوعاتهم ضد مدرسة المرفق العامّ من خلال مجموعة من الانتقادات.

الانتقادات الموجَّهة إلى نظرية المرفق العامّ

  1. حَصْرُ المرافقِ العامّةِ مجالَ أنشطتِها ضمن أنشطة الدولة فقط، في حين أن الإدارة عمومًا لا تضطلع فقط بوظيفة تدبير المرافق العموميّة وأنشطتها ذات المصلحة العامّة، بل تتجاوزها إلى إمكانية تنظيم أنشطة الخواصّ. كذلك تضطلع بذلك الشرطة الإدارية أو هيئات سلطات الضبط الإداري، عند إصدارها بعض القرارات التي تهمّ الخواصّ أو تُقدِّم خدمةً للمواطنين، في إطار تسيير أنشطة الأفراد التي تُقدِّم مصلحةً عامّةً للمجتمع.
  2. صعوبة التمييز في التطبيق بين قواعد القانون الخاص (القانون المدني) وقواعد القانون العامّ (القانون الإداري)، لأن فكرة المرفق العامّ ليست معيارًا ثابتًا وقارًّا لتطبيق القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري، في الوقت الذي يُمكِن فيه للدولة بوصفها سلطةً عامّة، اللجوء إلى قواعد القانون الخاصّ لتنظيم بعض أنشطتها الأخرى.
  3. ظهور مرافق جديدة بأنشطة مُخالِفة لأنشطة المرافق العامّة التقليدية، وهي المرافق العامّة التجارية والصناعية، التي تتطلَّب قواعدَ خاصّةً غير القواعد التي تُطبَّق على مستوى القانون الإداري. لذلك، تفترض هذه المرافق التمتُّع بصفة المرفق العامّ الذي يخضع لتطبيق قواعد القانون الخاص، مع إشراف السلطة العامّة عليها، رغم أنها تُسَيَّر بمنطق المشروعات أو المنظّمات الخاصة.

وقد ذهب رُوّاد مدرسة السلطة العامّة إلى أنه:

  1. لا يجب أن يُصنَّف كل نشاط تضطلع به الإدارة بوصفه مرفقًا عامًّا -وهي تهدف من ورائه إلى تحقيق مصلحة عامّة- ضمن أنشطة السلطة العامة، الأمر الذي يَستبعِد تطبيق قواعد القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري، لأنه يُمكِن لمرفق عامّ أن يُمارِس أنشطة اقتصادية تُطبَّق عليها قواعدُ القانونِ الخاصّ فقط دون غيرها من القواعد الأخرى. لهذا، تحدَّث بعض الفقه عن أزمة التعريف الموضوعي (المادي) للمرافق العامّة.
  2. لا يجب أن تُعَدَّ في حُكم الشخص العامِّ كُلُّ هيئةٍ تُقدِّم خدمةً عامّة وهي تهدف إلى تحقيق مصلحة عامّة، لأن ثمة هيئات خاصة توجد في حُكم المشروعات الخاصة يُمكِن أن يُعهَد إليها من طرف الدولة بمسؤولية ممارسة أنشطة عامّة، وهي تستدعي تطبيق قواعد القانون الخاص لا مبادئ القانون العام[26].

أزمة نظرية المرفق العامّ عضويًا وموضوعيًا

تبعًا للانتقادات السابقة، أصبح معيار المرفق العامّ يُعاني أزمة عضوية وأُخرى موضوعية، في إطار التعريف المُقدَّم له من طرف مدرسة المرفق العامّ، وهذه الأزمة تتمظهر على مستويَيْن:

على مستوى التعريف العضوي

أكَّد الاجتهاد الفرنسي، المُتمثِّل في اجتهادات القضاء الإداري لِمَا بعد حُكم بلانكو، أنَّ المرفق العامّ لم يعُد بإمكانه فعلًا الاستناد في تدبيره إلى هيئات عامّة تابعة لأشخاص القانون العامّ فقط، بقدر ما يُمكِن أن يُدبَّر أيضًا من طرف هيئات خاصّة تابعة للقانون الخاص. وقد تمظهرت هذه النقطة عبر حالتَيْن:

  1. حالة اللجوء إلى تسيير خاصّ للمرفق العامّ: يتّضح هذا الأمر في استعمال الوسائل الخاصّة في التسيير، كما هي العادة في المشروعات الخاصة والمقاولات الخاصة، ولا سيما عندما تلجَأ الإدارة إلى اعتماد "عقود" مع الخواصّ لتدبير نشاط يعود إليها، ولكن بتسييرٍ يعتمِدُ الوسائلَ الخاصّةَ بالخواصّ. ويتّضح ذلك في الخدمات المتعلّقة بتوزيع مياه الشرب والربط الكهربائي وخدمات توصيل البريد، فضلًا عن مَدّ خطوط السكك الحديدية، وكلّ ما يتعلَّق بالنقل الحضري على سبيل المثال، وكلّ ما يدخل في نطاق عمليّات البيع والشراء. وقد بدأ اللجوء إلى مثل هذا النوع من التسيير منذ إصدار الحُكم القضائي المُتعلّق بشركة كرانيت (Société des Granits Porphyroïdes des Vosges)، الصادر بتاريخ 31 تموز/ يوليو 1912 من طرف مجلس الدولة الفرنسي[27].
  2. حالة التسيير المُشترَك للمرفق العامّ: هي الحالة التي تلجَأ فيها إدارة المرفق العامّ إلى "التنازل" (في إطار الامتياز مثلًا) عن بعض الأنشطة أو جُلِّها، أو بعض الخدمات أو جزء من المرافق بصفة عامّة، لِتُدبَّر من طرف أشخاص خاضعين للقانون الخاص، وليسوا تابعين للقانون العامّ.

وقد عرف اجتهاد القضاء الفرنسي منذ عام 1935 عدة قضايا، اعتُمِدت فيها أحكامٌ بالتدبير المُشترَك وفق قاعدة التسيير الخاص التابع لأشخاص، أو مقاولات ومؤسّسات خاصّة تكون تابعة للقانون الخاصّ، منها الأحكام الآتية[28]:

  1. بتاريخ 20 كانون الأول/ ديسمبر 1935: أصدر مجلس الدولة الفرنسي، في قضية مؤسّسة فيزيا (Ets Vézia)، حُكمًا وفق القاعدة الآتية: السماح لبعض صناديق التقاعد الخاصّ بالاستفادة من امتيازات السلطة العامّة كنزع الملكية[29].
  2. بتاريخ 13 أيار/ مايو 1938: أصدر مجلس الدولة الفرنسي، في قضية الصندوق الأولي للمساعدة والحماية (Caisse primaire aide et protection) الذي يُيَسَّر من طرف مؤسسة خاصة، حُكمًا وفق القاعدة الآتية: ما دام نشاط هذا المرفق يكتسي مصلحة عامّة، رغم تسييره من طرف مؤسسة خاصة، فإنه يخضع جزئيًا للقانون العام[30].
  3. بتاريخ 31 تموز/ يوليو 1942: أصدر مجلس الدولة الفرنسي، في قضية مونبور (Monpeurt)، حُكمًا وفق القاعدة الآتية: اللجان المُكلَّفة بتنظيم الإنتاج الصناعي هي بمنزلة هيئات نقابية مُكلَّفة بتيسير مرفق عامّ[31].
  4. بتاريخ 2 نيسان/ أبريل 1943: أصدر مجلس الدولة الفرنسي، في قضية بوكين (Bouguen)، حُكمًا وفق القاعدة الآتية: تسيير مرفق عامّ من طرف الهيئات المِهْنية كهيئة الأطباء[32].
  5. بتاريخ 5 أيار/ مايو 1944: أصدر مجلس الدولة الفرنسي، في قضية الشركة الملاحية لأفريقيا الشرقية (Compagnie maritime de l’Afrique orientale)، حُكمًا وفق القاعدة الآتية: خضوع نشاط المؤسسات الخاصّة للمبادئ العامّة المُتمثِّلة في الاستمرارية والمُساواة ثم التكيُّف[33].
  6. بتاريخ 13 كانون الثاني/ يناير 1961: أصدر مجلس الدولة الفرنسي، في قضية مانيي (Magnier)، حُكمًا وفق القاعدة الآتية: مهمّة مكافحة طُفيليّات النباتات موكولة إلى الفلّاحين[34].
  7. بتاريخ 22 نيسان/ أبريل 1974: أصدر مجلس الدولة الفرنسي، في قضية بلانشي (Blanchet)، حُكمًا وفق القاعدة الآتية: مؤسسات خاصّة مُكلّفة بالضمان الاجتماعي[35].

على مستوى التعريف الموضوعي

بدأت ملامح أزمة المعيار المادي لتعريف المرفق العامّ عند صدور حُكم قضائي في قضية ناقلة إلوكا، أو ما يُسمّى "الشركة التجارية لغرب أفريقيا" (Société commerciale de l’Ouest africain)[36]، التي أصدرت بخصوصها محكمة التنازُع الفرنسية بتاريخ 21 كانون الثاني/ يناير 1921، قرارًا بوجوب تطبيق قواعد القانون الخاصّ، رغم أنَّ المرفقَ عامٌّ والنشاطَ المُمارَسَ عامٌّ أيضًا، ويبتغي مصلحة عامّة. ومن ثَمَّ، أثيرت أسئلة عن سبب ذلك، وعن إمكانية تطبيق قواعد القانون الخاص في قضية أشبه بقضية بلانكو، حين يتعلّق الأمر بمرفق عامٍّ يستدعي تطبيق قواعد القانون الإداري، واختصاص القضاء الإداري لا المدني. وفيما يأتي أهمِّ وقائع النازلة/ النزاع وحيثيّاتها[37]:

  1. تضرُّر عربة تملكُها الشركة التجارية لغرب أفريقيا، نتيجة حادث وقع لعبارة إلوكا، وهي مصلحة الربط البحري على ضفاف نهر مُستعمَرة ساحل العاج سابقًا.
  2. طالبت الشركة بتعيين خبير لتقييم حجم الخسائر التي لحقت بِعَربتِها.
  3. استنادًا إلى حُكم بلانكو، أصدرت المحكمة القضائية قرارًا بعدم الاختصاص، لأنَّ الأمر يتعلّق بتدبير مرفق عامّ تتحمَّل مصلحة الإدارة فيه كامل المسؤولية.
  4. ما اضطرّ الإدارة إلى اللجوء إلى محكمة التنازُع للفصل في أمر الاختصاص.
  5. الجديد أنَّ محكمة التنازُع تُصدِر قرارًا تتجاوز فيه الاعتراف بالاجتهاد القضائي في قضية بلانكو سابقًا، وتُقرّ أنَّ القضاء المدني -وفق قواعد القانون الخاصّ- هو القضاء المُتخصّص للنظر في القضية.

استندت محكمة التنازع لتحديد اختصاص القضاء المدني عوض اختصاص القضاء الإداري، إلى ضرورة التمييز بين المرافق العامّة الإدارية (كما الحالة في قضية بلانكو) والمرافق العامّة الصناعية والتجارية. ورغم أنّ كلا الصنفَيْن ينتميان إلى المرافق العامّة، فإن الفرق بينهما -كما تقول محكمة التنازع- هو المقابل المادي الذي يُدفَع مقابل الخدمات التي تُقدِّمها حالة ناقلة إلوكا. ورغم أن وجود المقابل المادي يعني وجود الربح، ووجود هذا الأخير ينفي صفة المصلحة العامّة عن خدمات المرفق العامّ، التي تعتمد في معظم الأحيان على فكرة/ مبدأ المجانية، فإن "الغرض من المُقابِل المادي ليس دائمًا هو تحقيق الربح"[38]، بل الإسهام في تغطية نفقات تسخير تلك الخدمة واستمراريّتها بالنسبة إلى الجميع (فنموذج النقل الحضري مثلًا، يحتاج بالتأكيد إلى مصاريف للصيانة، وأطنان من الوقود، وأُجرة للعُمّال، بالرغم من إمكانية اعتماد هذه العناصر كلها على تدبير الإدارة المَعنيّة بالتسيير والاستغلال).

بناءً عليه، فقد أبرزت تطوّرات القضاء الإداري أنَّ المرافق العامّة، ولا سيما ذات الطابع الصناعي والتجاري، تخضع حسب محكمة التنازُع الفرنسية لقواعد القانون الخاصّ، نظرًا إلى تشابه بعض أنشطتها وأنشطة الخواصّ، وإلى أنَّ المقابل المادي لا يعني استهداف الربح أبدًا، ولا يعني نفي ابتغاء المصلحة العامّة {{المصلحة العامّة: هي الغاية التي تهدف الدولة إلى تحقيقها من خلال ممارستها صلاحيّاتها وسلطاتها. وتهدف إلى تحقيق المنفعة والفائدة للمجتمع بصفة عامّة، من غير تخصيصٍ في ذلك لفرد بعينه. وتكون المبرّرَ لقرارات الدولة وممارساتها وتشريعاتها، وتتمثَّل في: تحقيق الأمن، والمحافظة على النظام العامّ، والتعليم، والصحّة.}} من الأساس. ويؤكد فُقهاء القانون العامّ في فرنسا، أنَّ تمييز الاجتهاد القضائي الفرنسي بين المرافق العامّة الإدارية والمرافق العامّة الصناعية والتجارية، يرجع إلى ما يأتي:

  1. حسب الهدف من النشاط: فإذا كانت الغاية تحقيق مصلحة عامّة، مع وجود مُقابِل ماديّ لا يستهدف الربح، فذلك يُعَدّ مرفقًا عامًّا اقتصاديًا.
  2. حسب أسلوب التسيير: فإذا كانت طبيعة التنظيم الداخلي وطُرق التدبير وأساليب العمل مِمّا هو غير معتاد في المرافق العامّة الإدارية، ولكنه قريب مِمّا هو معروف في المقاولات الخاصّة، فإنَّ المرفقَ العامَّ في هذه الحالة مرفقٌ اقتصاديّ.
  3. حسب مصادر الدخل: فإذا كانت مصادر الدخل لدى المرفق هي مجموع عوائد الخدمات التي يُقدِّمُها من دون تحوُّلِها إلى غايات ربحية، فإنَّ المرفقَ العامَّ في هذه الحالة أيضًا مرفقٌ اقتصاديّ.

لمحة عن إسهامات المغرب ومصر

أسس المُشرِّع المغربي بعد الاستقلال عام 1956[39] المجلسَ الأعلى، بوصفه سلطة قضائية تتضمَّنُ عدّة غُرف للنظر في مجموعة من القضايا والنوازل ذات الطبيعة الدستورية أو المدنية أو الإدارية في مرحلة أولى؛ ثمّ في مرحلةٍ ثانية، أسّس المُشرِّع، في خطوة للاستقلال بالمادة الإدارية، المحاكمَ الإدارية (1993) ومحاكمَ الاستئناف الإدارية (2006)، التي جسَّدَت مكانة القضاء الإداري، مع توطين اجتهاداته بشكل مُستقلّ مؤسساتيًا[40].

كذلك في مصر، تأسَّس مجلس الدولة المصري عام 1946 بوصفه مؤسسة قضائية مستقلّة. ويتميّز باختصاصه في الفصل في المُنازعات الإدارية، بما في ذلك دعاوى الإلغاء والتعويض عن القرارات الإدارية المَشوبة بعدم المشروعية. ومثله مثل النموذج المغربي، يعتمد النظام المصري على مبدأ "المرفق العامّ"، بوصفه محورًا رئيسًا لتحديد اختصاص القضاء الإداري، مع تأثّر بالنموذج الفرنسي.

النشأة والتطوّر في التجربة المغربية

بوادر النشأة من خلال تأسيس المجلس الأعلى

فيما يَخُصّ هذه المرحلة، يَنصُّ الظهير المُؤسِّس للمجلس الأعلى عام 1957[41]، في الفصل الأوّل من الجزء الأول المُتعلّق بالاختصاصات، على الآتي: "يُعهَد إليه [أي المجلس الأعلى] البتّ في القضايا الآتية، ما لم ينصّ نَصٌّ بخلاف ذلك: طلبات إلغاء المُقرّرات الصادرة من السلطات الإدارية بدعوى الشَّطَط في استعمال السلطة"؛ في حين أنَّ مجموعةً من المواد والفصول الأُخرى تظل تابعة للمقتضى المُشار إليه أعلاه، وإن بدرجات مُتفاوتة، فالفصل الثالث مثلًا يَنُصُّ على أنَّ طلبات نقد الأحكام المعروضة على المجلس، يجب أن تُبنى على أحد الأسباب الدالّة على الشَّطَط في استعمال السلطة، الذي يُحدِّد القواعد الخاصة برفع الدعوى كُلّما ثبت هناك وجود شَطَط في استعمال السلطة، وخصوصًا القاعدة المنصوص عليها في الفقرة الخامسة من الفصل 14: "بحيث لا يُقبَل طلب الإلغاء المُوجَّه ضد المقرّرات الإدارية إذا كان في استطاعة من يَعنيهم أمر المطالبة بحقوقهم لدى المحاكم الإدارية". وهذا يعني أنَّ المجلس يفصل بين القضايا ذات الطابع العاديّ التي لا تنظُر فيها سوى المحاكم العاديّة (أي المدنية)، والقضايا ذات الطابع الإداري، التي لا تنظُر فيها سوى المحاكم الإدارية، ومن ثم اختصاص القضاء الإداري.

إلى جانب ذلك، لا تُرفَع إلى الغرفة الإدارية إلّا:

  1. مطالب النقض المرفوعة ضد الأحكام القضائية الصادرة في القضايا التي يكون أحد الخصوم فيها شخصًا عموميًا.
  2. طلبات الإلغاء المُوجَّهة ضد مقرّرات السلطة الإدارية بسبب الشَّطَط في استعمال السلطة[42].

ومن ثَمَّ، يكون التنصيص على الاختصاص الإداري خارج مُقتضيات المحاكم العادية للنظر في كُلِّ نزاع أو قضية مُثارَة تُعَدّ الإدارة طرفًا فيها من خلال:

  1. النظر من طرف الغرفة الإدارية في كُلِّ طلب إلغاء لمُقرَّر صادر عن السلطة الإدارية، بسبب الشَّطَط في استعمال السلطة.
  2. النظر من طرف الغرفة الإدارية في كُلِّ طلب إلغاء ضد المقرّرات الإدارية، ما لم يكن باستطاعة المَعنيّين بالأمر المطالبة بحقوقهم لدى المحاكم العادية.
  3. النظر من طرف الغرفة الإدارية في كُلِّ طلبِ نَقْضٍ بخصوص القضايا التي صدر فيها حُكْمٌ قضائيّ، وكان أحد خصومها شخصًا عموميًا.

ويتضمَّن المجلس الأعلى، حسب الفصل الثاني من الظهير المُنظِّم له المُشار إليه سابقًا، أربعَ غرف، منها الغرفة الإدارية. وقد ظلّت الدساتير الصادرة كلّها، منذ أوّل دستور مغربي عام 1962 وحتى دستور 1972، تؤكّد اختصاص الغرفة الإدارية ضمن المجلس الأعلى في القضايا التي تكون الإدارة طرفًا فيها، سواء بكونها سلطة عامة أم مرفقًا عموميًا[43].

تأسيس المحاكم الإدارية وتطوّر القضاء الإداري المغربي

أُسِّست المحاكم الإدارية في المغرب بموجب القانون رقم 90-41، الذي تنصّ الفقرة الأولى من المادة 8 من الفصل الأول من الباب الثاني منه، على أنَّ المحاكم الإدارية[44] تختصّ، مِن مُجمَل ما تختَصّ به في إطار المنازعات الإدارية[45]، في "البتّ ابتدائيًا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة، وفي النزاعات المتعلّقة بالعقود الإدارية، ودعوى التعويض عن الأضرار التي تُسبِّبها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العامّ، ما عدا الأضرار التي تُسبّبها في الطريق العامّ أيًّا كان نوعها، يملكها شخص من أشخاص القانون العامّ". وهو ما تؤكّده موادّ الباب الثالث من المادة 20 إلى المادة 25، بشأن طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة المرفوعة إلى المحاكم الإدارية.

وفي سياق تطوّر القضاء الإداري المغربي، ومعه المحاكم الإدارية، أنشئت محاكم الاستئناف الإدارية في شباط/ فبراير 2006[46]، التي تختصّ بالنظر في استئناف أحكام المحكمة الإدارية وأوامر رُؤسائِها، إلا إذا كانت ثمة مُقتضيات قانونية مُخالِفة، حسب المادة الخامسة من الباب الثاني المُعنوَن بـ"في الاختصاص".

النشأة والتطوّر في التجربة المصرية

نشأة القضاء الإداري في مصر

تعود جذور القضاء الإداري في مصر إلى بدايات القرن العشرين، حينما تأثرت البلاد في بنيتها القانونية بالتجربة الفرنسية. وقد أُنشِئ القضاء الإداري رسميًا لأول مرة عام 1946، بصدور القانون رقم 112 للسنة نفسها، الذي أنشَأ مجلس الدولة المصري، مُستلهِمًا في تنظيمه واختصاصاته النموذج الفرنسي. وقد جاء هذا القانون تنفيذًا للتوجُّه الإصلاحي الذي بدأ يتبلور منذ ثلاثينيات القرن العشرين، خصوصًا مع تصاعد الحاجة إلى جهة قضائية تفصل في منازعات الإدارة بشكل مستقلٍّ عن القضاء العادي.

لكن قبل هذا التاريخ، كانت المنازعات الإدارية تُعرَض على محاكم القضاء العادي، ما أثار جَدَلًا بشأن مدى ملاءمة هذا التنظيم لفصل الدولة بوصفها طرفًا ذا امتيازات عن الأفراد. وقد تبلورت الفكرة في عهد مصطفى النحاس باشا {{مصطفى باشا النحّاس: (1879-1965) سياسيٌّ وزعيمٌ وطنيٌّ مصريٌّ، دافع عن الدستور والديمقراطية، ونادى بإجلاء القوات الأجنبية. درس الحقوق، وعمل محاميًا، ثم قاضيًا. شارك مع سعد زعلول في النشاط السياسي، وشارك في ثورة عام 1919. وترأَّسَ حزب الوفد، وكان رئيسًا للحكومة خلال الاحتلال البريطاني، فوقَّعَ معاهدة عام 1936 مع الإنكليز لسحب قوّاتهم من مصر.}}، الذي تبنّى مشروع إنشاء مجلس الدولة خلال وزارته عام 1946. وقد عُيِّن عبد الرزاق السنهوري (1895-1971)[47] أول رئيس لهذا المجلس، فأسهم بتكوينه الفقهي في تأسيس مدرسة قضائية مصرية مستقلّة ذات طابع إداري محض.

وقد مَنَحَ القانونُ الأصليُّ مجلسَ الدولةِ اختصاصًا قضائيًا واستشاريًا، فكان ينظر في الطعون الإدارية ومنازعات الموظّفين العموميّين، ويُقدِّم الفتوى القانونية للوزارات والهيئات العامّة، ويمارس الرقابة على مشروعات مختلف القوانين واللوائح.[48]

التطوّر الحديث للقضاء الإداري المصري

منذ إنشائه عام 1946، عَرَفَ القضاءُ الإداريُّ في مصر تطوّرًا في اختصاصاته وبنيته التنظيمية؛ ففي عام 1955، أُعيد تنظيم مجلس الدولة بموجب القانون رقم 9 لسنة 1955، الذي وسَّع من مجال اختصاصاته، وجَعَلَهُ جهةَ القضاء الوحيدةَ المختصّةَ في النظر في المنازعات الإدارية[49].

يتكوَّن مجلس الدولة من عدد من المحاكم، منها: المحكمة الإدارية العُليا، ومحكمة القضاء الإداري، والمحاكم الإدارية، ومحاكم التأديب. وقد أضفى هذا التنظيم طابعًا هَرَميًا يضمن مختلف درجات التقاضي، ويُسهم في تحقيق مبدأ الرقابة القضائية على أعمال الإدارة وتفعيله[50].

المراجع

العربية

الأعرج، محمد. القانون الإداري المغربي. ط 7. الرباط: منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2023.

البصري، إدريس [وآخرون]. القانون الإداري المغربي. الرباط: المطبعة الملكية، 1988.

بعلي، محمد الصغير. الوجيز في المنازعات الإدارية. عنابة، الجزائر: دار العلوم للنشر والتوزيع، 2005.

بنلمليح، منية. المختصر في القضاء الإداري والمنازعات الإدارية. سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية 135. الرباط: منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2020.

بوعشيق، أحمد. المرافق العامة الكبرى. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2001.

الجبوري، ماهر صالح علاوي. مبادئ القانون الإداري: دراسة مقارنة. بغداد: جامعة بغداد، 2009.

خالص، عبد الرحيم. "الموظف العمومي والمنازعات الإدارية: أي تعليل أو إلغاء للقرارات الإدارية المشوبة بعدم الشرعية؟". المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. العدد 165-166 (2022). ص 13-36.

رأفت، فؤاد عبد المنعم. مجلس الدولة المصري ودوره القضائي. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2005.

صحيب، حسن. القضاء الإداري المغربي. ط 2. مراكش: الطباعة والوراقة الوطنية، 2019.

طلبة، عبد الله. القانون الإداري: الرقابة القضائية على أعمال الإدارة؛ القضاء الإداري. ط 2. حلب: مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية- جامعة حلب، 1996.

الطماوي، سليمان محمد. القضاء الإداري ورقابته لأعمال الإدارة: دراسة مقارنة. ط 2. القاهرة: دار الحمامي للطباعة، 1961.

________. القضاء الإداري: قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام، الكتاب الثاني. القاهرة: دار الفكر العربي، 1977.

"الظهير الشريف رقم 1.57.223 المتعلق بالمجلس الأعلى". الجريدة الرسمية. العدد 2347. 18/10/1957.

عوض، عوض محمد. القضاء الإداري ومجلس الدولة في مصر. القاهرة: دار الفكر العربي، 1998.

لونغ، مارسو [وآخرون]. القرارات الكبرى في القضاء الإداري. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2007.

محمد، علي عبد الفتاح. الوجيز في القضاء الإداري: مبدأ المشروعية- دعوى الإلغاء: دراسة مقارنة. القاهرة: دار الجامعة الجديدة، 2009.

مؤلف جماعي. تدبير المرافق العمومية الترابية: واقع الحصيلة ومداخل التجويد. أكادير: دار الآفاق المغربية، 2024.

النادي، فؤاد محمد. القضاء الإداري وإجراءات التقاضي وطرق الطعن في الأحكام الإدارية. القاهرة: [د. ن.]، 1998.

نشطاوي، محمد. المرافق العامة الكبرى. مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية، 2002.

اليعكوبي، محمد. تاريخ القانون الإداري المغربي قبل الحماية: بين التحليل والتركيب. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2023.

الأجنبية

Braibant, Guy et al. "Les grands arrêts de la jurisprudence administrative." Revue internationale de droit comparé. vol. 43, no. 3 (1991). pp. 742-743.

Lessi, Jean. "Le juge administratif et la Sécurité sociale." En3s.fr. at: https://acr.ps/hBya0vO

"Tribunal des conflits, du 8 février 1873, 00012, publié au recueil Lebon." Legifrance. at: https://acr.ps/hBya0xU

"Conseil d'Etat, du 31 juillet 1912, 30701, publié au recueil Lebon." Legifrance. at: https://acr.ps/hBya0Iz

"Conseil d'Etat, Assemblée, du 20 décembre 1935, 39234, publié au recueil Lebon." Legifrance. at: https://acr.ps/hBya0Te

"Conseil d'Etat, Assemblée, du 31 juillet 1942, 71398, publié au recueil Lebon." Legifrance. at: https://acr.ps/hBya1ey

"Conseil d'Etat, Section, du 5 mai 1944, 66679, publié au recueil Lebon." Legifrance. at: https://acr.ps/hBya1ey

"Conseil d’Etat, 13 janvier 1961, Magnier." marche-public.fr. at: https://acr.ps/hBya1pd

مراجع للاستزادة

Cane, Peter. Administrative Law. 6th ed. Oxford: Hart Publishing, 2018.

Chapus, René. Droit administratif général. 17eme éd. Paris: Montchrestien, 2021.

Craig, Paul. Administrative Law. 9th ed. London: Sweet & Maxwell, 2020.

Debbasch, Charles & Jacques Bourdon. Droit administratif. 10eme éd. Paris: Economica, 2018.

Long, Marceau et al. Les grands arrêts de la jurisprudence administrative. 22nde éd. Paris: Dalloz, 2019.

Rivero, Jean & Jean Waline. Droit administratif. 25eme éd. Paris: Dalloz, 2020.

Schwartz, Bernard. Administrative Law. 4th ed. New York: Wolters Kluwer, 2019.

[1] غالبًا ما يُنظِّم القانون الإداري أعمال الإدارة العامّة التي تحوز امتيازات السلطة العامّة، وهو فرع من فروع القانون العامّ. أما القضاء الإداري، فيعمل بوصفه جهة اختصاص في تطبيق قواعد القانون الإداري وتفسيرها من جهة، والفصل في مختلف المنازعات الإدارية التي يشوبها عَيْب المشروعية من جهة أخرى، سواء ما يتعلّق بدعاوى قضاء الإلغاء أم دعاوى القضاء الشامل أم غيرها من الدعاوى الإدارية، حسب الدول التي تتبنّى مبدأ ازدواجية المحاكم عوض مبدأ وحدة القضاء. ومِن خصائص القانون الإداري أنه قانون قضائي بامتياز، وهو ما يجعل القضاء الإداري يرتبط بالقانون الإداري وقواعده. للمزيد بشأن اعتبار القانون الإداري، وأنه حديث النشأة ومُتطوّر وغير مُقنَّن، وأنه قانون قضائي بامتياز، يُنظَر: محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، ط 7 (الرباط: منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2023)، ص 70 وما بعدها.

[2] مثلما في المغرب الذي يعتمد في دعاوى الدرجة الأولى المحاكمَ الابتدائيةَ والمحاكمَ الإداريةَ والمحاكمَ التجارية؛ وفي دعاوى الدرجة الثانية محاكمَ الاستئناف ومحاكمَ الاستئناف الإدارية ومحاكمَ الاستئناف التجارية، ثم في دعاوى درجة النقض محكمةَ النقض.

[3] بشأن أنواع الدعاوى التي تَنظُر فيها المحاكم الإدارية من منظور القضاء الإداري، يُنظَر: حسن صحيب، القضاء الإداري المغربي، ط 2 (مراكش: الطباعة والوراقة الوطنية، 2019)، ص 28-29؛ الأعرج، ص 671، 713.

[4] يتضمَّن القضاء الإداري -حسب الدول التي تأخذ بمبدأ ازدواجية المحاكم- عدة دعاوى للتقاضي، بغضّ النظر عن قضاء الإلغاء ودعوى القضاء الشامل، مثل دعاوى قضاء التأديب وقضاء التفسير. وبخصوص هذا الأخير، يُنظر: محمد الصغير بعلي، الوجيز في المنازعات الإدارية (عنابة، الجزائر: دار العلوم للنشر والتوزيع، 2005)، ص 188؛ أما بخصوص قضاء الإلغاء والقضاء الشامل، فيُستحضَر التعريف الذي قدَّمه فؤاد محمد النادي حين قال: "وهو الخاصّ بدعوى الإلغاء أو الطعن بسبب مُجازاة السلطة، وهي الدعوى التي يرفعها صاحب المصلحة إلى القضاء الإداري، مُختصِمًا فيها قرارًا إداريًا غير مشروع مُطالِبًا بإلغائه وإعدام آثاره. فيقوم القاضي بفحص مشروعية هذا القرار، حتى إذا ما تبيَّن مخالفته للقانون، قضى بإلغائه دون أن يمتدّ حكمُه إلى تعديله أو استبدال غيره به، ودون أن يتعدّى ذلك إلى بيان نطاق المركز القانوني للطاعن، ودون أن يُبيّن للإدارة صراحةً ما هو الحلّ الصحيح". أما بخصوص القضاء الشامل، فيقول: "وهو الذي تُثار أمامه ولاية القضاء كاملة، بدعوى يرفعها صاحب الشأن على الإدارة لاعتدائها على مركز قانوني ذاتي له، بإنكاره حقّه فيه، أو منازعة في مداه، أو التهديد بالاعتداء عليه، فيطلُب إلى القضاء حسم النزاع، حيث لا يقتصر الأمر على مجرّد إلغاء قرار غير مشروع، بل يُرتِّب القاضي على الوضع غير المشروع جميع نتائجه القانونية بصدد القرار الإداري المَعيب، بما في ذلك الحكم بالتعويضات المختلفة بعد التغلغُل إلى المراكز القانونية التي تدور حولها المنازعات، واستظهار عناصرها الداخلية. ومن ثم فإنه في نطاق القضاء الكامل، لا يقتصر دور القاضي على إلغاء القرار المَعيب وتحطيم رأي الإدارة، ولكنه يُصحِّح المركز القانوني للطاعن، كما يُبيّن الحلَّ الصحيح للمنازعة". يُنظر: فؤاد محمد النادي، القضاء الإداري وإجراءات التقاضي وطرق الطعن في الأحكام الإدارية (القاهرة: [د. ن.]، 1998)، ص 282-283؛ وبخصوص قضاء التفسير وقضاء التأديب يُنظر: المرجع نفسه، ص 283؛ وبخصوص دعوى الإلغاء يُنظَر: عبد الله طلبة، القانون الإداري: الرقابة القضائية على أعمال الإدارة؛ القضاء الإداري، ط 2 (حلب: مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية- جامعة حلب، 1996)، ص 186؛ وبخصوص دعوى القضاء الشامل أو الكامل، يُنظر: المرجع نفسه، ص 301.

[5] في هذا الإطار، ثمة موضوعان رئيسان للقضاء الإداري، قد تتفرّع عنهما عدة موضوعات أُخرى، لكنها متكاملة بينها، وهي:

  • موضوع فحص شرعية القرار الصادر من طرف الإدارة، إذ يُبادر القاضي الإداري إلى النظر في مدى شرعيّته من عدمها؛ وإذا ثبتت عدم مشروعيّته، يحكُم القاضي الإداري بإلغائه وإقرار حقّ المَعنيّ بالأمر، باسترجاع حقّه، أو تمكينه من وضعيّته القانونية المُغتصَبة بسبب الشَّطط في استعمال السلطة، وهو ما يُسمّى بقضاء الموضوع.
  • موضوعُ إقرارِ حقٍّ تُنازِع فيه الإدارةُ مركزًا قانونيًا فرديًا، إذ يُبادر المَعنيّ بالأمر إلى رفع دعوى لإثبات حقِّه في مواجهة الإدارة، من مُنطلَق الحقّ السابق لوضعيّته المُتنازَع بخصوصها، أي إنَّ المتضرّر من الوضعية الجديدة لمركزه القانوني التي يرفضها، يتوجَّه بمقتضاها إلى القاضي الإداري، ليطلب إليه إلغاء القرار الصريح أو الضمنيّ للإدارة من جهة، وإقرار حقّه وعناصر الوفاء به من طرف الإدارة لفائدة الطاعن من جهة أخرى.

للتفاصيل بخصوص مبدأ الشرعية بوصفه أساسًا للقضاء الإداري، يُنظر: منية بنلمليح، المختصر في القضاء الإداري والمنازعات الإدارية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية 135 (الرباط: منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2020)، ص 13؛ النادي، ص 3.

[6] فيما يتعلّق بسبق المُشرِّع الفرنسي في نشأة القضاء الإداري عبر العالم، يُنظر: سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري ورقابته لأعمال الإدارة: دراسة مقارنة، ط 2 (القاهرة: دار الحمامي للطباعة، 1961)، ص 28-48.

[7] رغم التطوُّر في العالم المعاصر على مستوى تبنّي مبدأ ازدواجية المحاكم، ثمة دول لا تزال تعمل بمبدأ وحدة المحاكم، إذ لا تُميّز بين القضاء العادي والقضاء الإداري، ومن هذه الدول: إنكلترا والولايات المتحدة الأميركية غربيًا؛ والسودان والسعودية عربيًا. وقد عبّرت الأجهزة الحكومية لدى بعض هذه الدول عن إمكانية التحوُّل، في أي لحظة إذا استدعت الظروف والتطوُّرات القضائية ذلك، إلى تبنّي القضاء المزدوَج.

[8] بشأن التعريف بمعيار أو مبدأ السلطة العامّة أو مدرسة السلطة العامّة، يُنظَر: أحمد بوعشيق، المرافق العامة الكبرى (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2001)، ص 21، 48.

[9] للمزيد من المعلومات والمُعطَيات فيما يتعلّق بالتمييز بين أعمال السلطة العامّة والأعمال أو التصرّفات العادية، يُنظر: طلبة، ص 38-39، 74.

[10] بوعشيق، ص 22-23.

[11] يقصد بمبدأ ازدواجية المحاكم، أو ما يُسمّى أيضًا نظام القضاء المزدوج، "أن تقوم بالوظيفة القضائية جهتان قضائيتان (جهة القضاء العادي وجهة القضاء الإداري)، تختصّ إحداهما (العادي) بالفصل في المنازعات التي تنشَأ بين الأفراد، أو بين الأفراد والإدارة، وتُحاكي فيها تصرّفات الأفراد؛ والأخرى (الإداري)، تختصّ بالفصل في المنازعات الإدارية التي تنشَأ بين الجهات الإدارية، أو بين الإدارة (بوصفها سلطة عامة) والأفراد". يُنظر: طلبة، ص 71.

[12] يُصنَّف حُكم بلانكو ضمن ما يُسمّى بـ"الأحكام القضائية الكُبرى" في مجال القضاء الإداري. وللاطّلاع على النصّ الكامل للحُكم، يُنظر: مارسو لونغ [وآخرون]، القرارات الكبرى في القضاء الإداري (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2007)، ص 15-22.

[13] يمكن تلخيص وقائع الحكم فيما يأتي:

  • وقَعَ اصطدام بين ابنة السيد بلانكو المُسمّاة أجنيس (Agnès BLANCO)، وإحدى عَرَبات نقل السِّلَع التابعة لمصنعٍ لإنتاج التبغ في ملكية الدولة الفرنسية (الذي تَستغلّه عن طريق الاستغلال المباشر) في محافظة لاجيروند (la Girande) بمدينة بوردو (Bordeaux)، حيث تَنقُل البضائع بين بنايتَيْن عبر شارع يفصلهُما (البناية الأولى مَعمَلٌ للإنتاج، وتُستعمَل البناية الأخرى مُستودَعًا لتخزين السلع). وقد صادف في هذا الشارع أن اصطدمت إحدى عَرَبات النقل بالفتاة أجنيس (التي تبلغ من العمر خمس سنوات ونصف السنة)، وسبَّبت لها كسرًا في إحدى ساقَيْها.
  • الأمر الذي دفَعَ الأب بلانكو إلى اللجوء إلى القضاء، عن طريق رفع دعوى قضائية أمام القضاء العادي (أي المدني) لمطالبة الدولة، في شخص حاكم مُحافظة لاجيروند (le préfet du département de la GIRONDE ) بوصفه ممثّلًا عن الدولة، باعتبار هذه الأخيرة مسؤولة مدنيًا عن الأضرار والأخطاء التي يرتكبها العُمّال التابعون لها، ومسؤولة عن أنشطة إدارة شركة التبغ التي توجد في المجال الترابي للمحافظة، بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بابنته، تبعًا للمواد 1382 و1383 و1384 من القانون المدني الفرنسي.
  • حَكَمَ القضاء العادي في القضية بعدم الاختصاص، الأمر الذي دفع حاكم محافظة لاجيروند نحو عرض القضية على محكمة التنازُع الفرنسية، للإدلاء بقولها الفصل في هذه الواقعة الجديدة في نظر المحاكم المدنية.
  • وإذا عُلِم أنَّ الواقعة التي حدثت، والدعوى المرفوعة من طرف السيد بلانكو بخصوصها، تهدفان إلى الحصول على تعويض من الدولة، على اعتبار أنَّ الركنَ الماديَّ في الحادثة فعلٌ من الأفعال التي تدخل ضمن التصرّفات العادية، وليس من صميم أعمال السلطة أو السيادة؛ فإنَّ الجهة المختصّة هي المحاكم المدنية وفق إجراءات القانون الخاص. إلّا أنَّ رفض الدولة للتعويض المبدئي، والدفع بعدم الاختصاص، أدَّيا إلى تحديد محكمة التنازُع (le tribunal des conflits) الجهةَ المختصة للنظر في هذه القضية بتاريخ 8 شباط/ فبراير 1873، من خلال الحُكم الآتي: "حيث إن الدعوى المرفوعة من طرف السيد بلانكو ضد حاكم محافظة لاجيروند، مُمثّلًا للدولة، من أجل التصريح بالمسؤولية المدنية للدولة، طبقًا للفصول 1382 و1383 و1384 من المدوّنة المدنية، عن الضرر الناتج من إصابة ابنته، جرّاء فعل العُمّال المُستخدَمين من طرف إدارة التبغ. وباعتبار المسؤولية المُلقاة على كاهل الدولة، جرّاء الأضرار التي تلحق الأفراد، نتيجة فعل الأشخاص الذين تستخدمهم في المرفق العامّ، لا يمكن أن تُنظّمها المبادئ المُدرَجة في المدوّنة المدنية، من أجل العلاقات التي تحكم الأفراد فيما بينهم؛ وأن هذه المسؤولية ليست لا بعامة ولا بمُطلَقة، بل لها قواعدها الخاصة التي تتنوّع حسب حاجات المرفق، وضرورة توفيق حقوق الدولة مع الحقوق الخاصة. ولذلك، بمقتضى القوانين المُشار إليها أعلاه، السلطة الإدارية هي وحدها المختصّة بالنظر في القضية" (القرار: تأكيد حُكم التنازُع). نصُّ الحُكم تُرجِم إلى اللغة العربية عن النصِّ الفرنسي المنشور إلكترونيًا، يُنظر:

"Tribunal des conflits, du 8 février 1873, 00012, publié au recueil Lebon," legifrance, accessed on 2/1/2026, at: https://acr.ps/hBya0xU;

ولمزيد من المعلومات والتدقيق، يُنظر:

Guy Braibant et al., "Les grands arrêts de la jurisprudence administrative," Revue internationale de droit comparé, vol. 43, no. 3 (1991), pp. 742-743.

[14] بشأن نظام البرلمانات وكيفية ظهورها واستماتتها باسم حُكم السلطة الملكية المُطلَقة، يُنظر: ماهر صالح علاوي الجبوري، مبادئ القانون الإداري: دراسة مقارنة (بغداد: جامعة بغداد، 2009)، ص 11-12.

[15] المرجع نفسه، ص 12-13.

[16] للتفاصيل بشأن نظام مجلس الدولة الفرنسي ومحاكم الأقاليم، يُنظَر: الطماوي، القضاء الإداري ورقابته لأعمال الإدارة: دراسة مقارنة، ص 35.

[17] الجبوري، ص 13.

[18] السيد كادو كان يُمارس مهماته بوصفه مديرًا لإدارة الطُّرُقات والمياه في مدينة مرسيليا الفرنسية، عندما حاول مجلس هذه الأخيرة الاستغناء عن خدماته بإلغاء تلك الوظيفة نهائيًا، الأمر الذي لم يتقبّله، إذ طالب البلدية بالتعويض عن هذا الفصل الذي عدّه مُجحِفًا في حقّه. وقد رفضت البلدية الاستجابة لطلبه بقرار إداري، ما قاده إلى الطعن فيه أمام مجلس الدولة الفرنسي، مع العلم أنه لا يوجد قانون يَنُصُّ على إمكانية رفع الدعوى مباشرةً إلى المجلس قبل المرور من محاكم الأقاليم. ورغم ذلك، قبل المجلس اختصاصه للنظر في الدعوى بتاريخ 13 كانون الأول/ ديسمبر 1889، إذ أصدر قراره في القضية مستندًا إلى أن "كل قرار إداري يجب أن يكون قابلًا للمنازعة أمام القضاء"، فأصبح هذا القرار فيما بعد من مبادئِ القضاء الإداري وأُسُسه.

[19] تبنَّتْ هذا المعيار "مدرسة المرفق العام"، ومِن بين زُعمائها: العميد بارثلمي (Barttelemy)، الذي يرى أن الأخذ بفكرة المرفق العامّ بوصفه معيارًا كُليًّا فكرة خاطئة؛ والعميد موريس هوريو (Maurice Hauriou)، الذي يعتمد على فكرة السلطة العامّة أساسًا فنيًّا لاعتماد قواعد القانون الإداري، ومنه اختصاص القضاء الإداري؛ فضلًا عن كُلٍّ من الفقيه فيدل (Vedel)، والفقيه جون ريڤيرو (J. Rivero)، والعميد ڤالين (Waline)، ثم العميد كوراي (Corail)، وغيرهم. ولمزيد من التفاصيل، يُنظر: بوعشيق، ص 21-22، 48-49.

[20] للمزيد من التفاصيل بشأن حُكم بلانكو عمومًا وفكرة المبدَأَيْن اللّذَيْن أرساهُما هذا الحُكم خصوصًا، يُنظر: محمد نشطاوي، المرافق العامة الكبرى (مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية، 2002)، ص 12-17.

[21] يُذكَر على رأسهم: العميد ليون دوجي (بالفرنسية: Léon Duguit، 1859-1928)، الذي يعتمد على أهداف المرفق العامّ بوصفها أساسًا لاعتماد القانون الإداري؛ والفقيه جاستون جيز (بالفرنسية: Gaston Jeze، 1869-1953)، الذي يجعل من ترادُف فكرة المرفق العامّ مع فكرة النظام الإداري أساسَ مختلِف نظريّات القانون الإداري؛ ثم العميد روجر رونارد (بالفرنسية: Roger Bonnard، 1878-1944)، الذي يُلخِّص قواعد القانون الإداري في قانون المرافق العامّة.

[22] يُفيد هذا التعريف وجود عدّة دلالات، مِن قَبِيل:

  • الدلالة العضوية: ويُقصَد بها الهيئات التي تُمارس كل نشاط ذي طابع عامّ يستهدف تحقيق المصلحة العامّة، مثل القطاعات الوزارية على الصعيد المركزي، والجماعات الترابية على الصعيد المحلي. وهذه الدلالة الشكلية، هي نفسها ما يُحدّد التعريف العضوي أو الشكلي للمرفق العامّ، بوصفه كل جهاز عامٍّ مُكلَّف بتدبير أنشطة مُوجَّهة للاستجابة لحاجات المواطنين وفق مبدأ المصلحة العامّة.
  • الدلالة الوظيفية: ويُقصَد بها طبيعة النشاط الذي تضطلع به مختلف الهيئات المُتّسمة بصفة المرفق العامّ، الذي يهدف إلى تحقيق النَّفْع العامّ وتلبية مطالب مختلف المواطنين، من خلال خدمات ووظائف ذات طابع عمومي، مثل توفير الأمن الفردي والجماعي، والفصل في المنازعات القضائية، والمحافظة على الصحّة العامة. وهذه الدلالة الوظيفية، هي نفسها ما يُحدّد التعريف المادي أو الموضوعي للمرفق العامّ، بوصفه نشاطًا يهدف إلى بلوغ المصلحة العامّة للمواطنين كافة من دون استثناء (تحت مراقبة الإدارة بشكل مباشر أو غير مباشر).
  • الدلالة القانونية: ويُقصَد بها طبيعة الترسانة القانونية التي تُطبَّق على المرافق العمومية بوصفها هيئات أو أنشطة تُقدَّم بصفة عامّة لتحقيق النَّفْع العامّ، تحت المراقبة المباشرة أو غير المباشرة للسلطات العمومية. وتُمثِّل في مجموعها مختلف الأنظمة القانونية الخاصّة التي تُطبَّق على المرافق العامة خصوصًا دون بقية القواعد المتعلقة بالقانون الخاص المرتبط بأنشطة الأفراد. وهو نظام خاصٌّ بقواعد القانون الإداري الذي يُعتَدّ به بوصفه قانونًا للمرافق العامّة، على خلاف قواعد القانون العادي المُتمثّلة أساسًا في قواعد القانون المدني ومبادئه.

[23] وإن كانت بعض تلك المرافق ذات الخدمات التجارية والصناعية تُحقِّق نوعًا من الأرباح، لأنَّ الأهمَّ في هذا الإطار هو تقديم منافعَ عامّة للمجتمع. للمزيد يُنظر: نشطاوي، ص 19-20.

[24] إدريس البصري [وآخرون]، القانون الإداري المغربي (الرباط: المطبعة الملكية، 1988)، ص 237.

[25] المرجع نفسه، ص 238.

[26] تُنظر آراء فُقهاء آخرين أسهموا في الانتقادات المُوجَّهة إلى كلتا الفكرتَيْن أو المعيارَيْن، أي معيار السلطة العامّة ومعيار المرفق العامّ، في إطار بحثهم عن "أساس آخر للقانون الإداري، ومعيار لتطبيقه من قِبَل القضاء الإداري"، أو الجمع بين الفكرتَيْن، في: الجبوري، ص 25-28.

[27] للاطلاع على نصّ قرار مجلس الدولة الفرنسية، يُنظر:

"Conseil d'Etat, du 31 juillet 1912, 30701, publié au recueil Lebon," legifrance, accessed on 2/1/2026, at: https://acr.ps/hBya0Iz

[28] بوعشيق، ص 56.

[29] "Conseil d'Etat, Assemblée, du 20 décembre 1935, 39234, publié au recueil Lebon," legifrance, accessed on 2/1/2026, at: https://acr.ps/hBya0Te

[30] التفاصيل في موقع مجلس الدولة الفرنسية، يُنظر:

http://www.conseil-etat.fr/Decisions-Avis-Publications/Decisions/Les-decisions-les-plus-importantes-du-Conseil-d-Etat/13-mai-1938-Caisse-primaire-Aide-et-protection

[31] "Conseil d'Etat, Assemblée, du 31 juillet 1942, 71398, publié au recueil Lebon," legifrance, accessed on 2/1/2026, at: https://acr.ps/hBya1ey

[32] التفاصيل في موقع مجلس الدولة الفرنسية على الرابط الآتي (تم الاطلاع عليه بتاريخ 30 أكتوبر 2024، الساعة 16H16):

http://www.conseil-etat.fr/Decisions-Avis-Publications/Decisions/Les-decisions-les-plus-importantes-du-Conseil-d-Etat/2-avril-1943-Bouguen

[33] "Conseil d'Etat, Section, du 5 mai 1944, 66679, publié au recueil Lebon," legifrance, accessed on 2/1/2026, at: https://acr.ps/hBya1ey

[34] "Conseil d’Etat, 13 janvier 1961, Magnier," marche-public.fr, accessed on 2/1/2026, at: https://acr.ps/hBya1pd

[35] Jean Lessi, "Le juge administratif et la Sécurité sociale," En3s.fr, accessed on 2/1/2026, at: https://acr.ps/hBya0vO

[36] بوعشيق، ص 51-54.

[37] للتفصيل يمكن الرجوع إلى قرار محكمة التنازع الفرنسية، ينظر: (تم الاطلاع عليه بتاريخ 30 أكتوبر 2024، الساعة 18H07):

Tribunal des conflits - 22 janvier 1921- Société commerciale de l’Ouest africain - Rec. Lebon p. 9 in : http://www.conseil-etat.fr/Decisions-Avis-Publications/Decisions/Les-decisions-les-plus-importantes-du-Conseil-d-Etat/Tribunal-des-conflits-22-janvier-1921-Societe-commerciale-de-l-Ouest-africain

[38] بوعشيق، ص 52.

[39] بخصوص نشأة القضاء الإداري وبوادر تطوُّرِه في المغرب حتى مرحلة ما قبل الاستقلال، يُنظر: محمد اليعكوبي، تاريخ القانون الإداري المغربي قبل الحماية: بين التحليل والتركيب (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2023).

[40] للاطلاع على تفاصيل تطوّرات القضاء الإداري المغربي، سواء قبل الاستقلال أم بعده، يُنظر: الأعرج، ص 658-670.

[41] "الظهير الشريف رقم 1.57.223 المتعلق بالمجلس الأعلى"، الجريدة الرسمية، العدد 2347، 18/10/1957.

[42] وفق الفقرة الثانية من الفصل 17 من ظهير المجلس الأعلى، يُنظر: المرجع نفسه.

[43] للمزيد بشأن إسهام نظرية المرافق العامة في نشأة القضاء الإداري في المغرب، يُنظر: عبد الرحيم خالص، "وضعية المرفق العام في التجربة المغربية: من التأسيس إلى الدسترة"، في: مؤلف جماعي، تدبير المرافق العمومية الترابية: واقع الحصيلة ومداخل التجويد (أكادير: دار الآفاق المغربية، 2024).

[44] المنشور في الجريدة الرسمية العدد 4227، الصادر في 3 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1993.

[45] بخصوص فَهْم المنازعات الإدارية المرتبطة بالمركز القانوني للموظّف في إطار أحكام القضاء الإداري المغربي، ومدى إسهامها في تقعيد اجتهادات القضاء الإداري ضمن التجربة المغربية، يُنظر: عبد الرحيم خالص، "الموظف العمومي والمنازعات الإدارية: أي تعليل أو إلغاء للقرارات الإدارية المشوبة بعدم الشرعية؟"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 165-166 (2022)، ص 13-36.

[46] من خلال القانون رقم 08.03 المنشور في الجريدة الرسمية العدد 5398، الصادر في 23 شباط/ فبراير 2006.

[47] له عدة مؤلفات، منها: أصول القانون، وفقه الخلافة، والوسيط في شرح القانون المدني في مصر.

[48] للمزيد بشأن التجربة المصرية في مجال القضاء الإداري، يُنظر: فؤاد عبد المنعم رأفت، مجلس الدولة المصري ودوره القضائي (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2005)؛ عوض محمد عوض، القضاء الإداري ومجلس الدولة في مصر (القاهرة: دار الفكر العربي، 1998).

[49] وتوالت التعديلات بعد ذلك، ولا سيما في عام 1972، بصدور قانون مجلس الدولة رقم 47 للسنة نفسها، الذي يُعَدّ الإطار التشريعي المُعتمَد حاليًا، وقد استمرَّ سريانه مع تعديلات طفيفة حتى اليوم.

[50] للتوسّع في الموضوع، يُنظر: علي عبد الفتاح محمد، الوجيز في القضاء الإداري: مبدأ المشروعية- دعوى الإلغاء: دراسة مقارنة (القاهرة: دار الجامعة الجديدة، 2009)؛ سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري: قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام، الكتاب الثاني (القاهرة: دار الفكر العربي، 1977).

المحتويات

الهوامش