أبو العيد دودو (1934-2004) كاتب وأديب ومسرحي ومترجم جزائري، اشتُهر بكتابته القصص القصيرة والمسرحيات، وبترجماته الأدبية والتاريخية من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية. قاده التعلُّم إلى الانتقال إلى قسنطينة ثم تونس فبغداد فڨيينا. وبعد نيله شهادة الدكتوراه عام 1961، عمل أستاذًا في النمسا وألمانيا، قبل أن يعود إلى الجزائر عام 1968.
أشرف على إدارة معهد اللغة العربية بجامعة الجزائر المركزية مدة ناهزت 11 عامًا، وحرص دائمًا على الإسهام برأيه في النقاش العام بشأن المسائل الاجتماعية والقضايا الثقافية والتاريخية عبر المجلات والجرائد الوطنية.
نشأته
وُلِد أبو العيد دودو عام 1934 في قرية تامَنْجَر، التابعة حاليًا لبلدية العُنصر - دائرة الميلية، في ولاية جيجل شمال شرق الجزائر[1]. عاش طفولته يتيمًا بعد وفاة والده عام 1937[2].
مساره التعليمي
بدأ مساره التعليمي بحفظ القرآن الكريم في جامع القرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية لتلقّي مبادئ اللغة العربية، ثم انتقل عام 1946 إلى قسنطينة حيث كفِله عمُّه الذي كان يعمل بالتجارة، واستقرّ فيها حتى عام 1951، عام سفره إلى تونس.
في هذا الصدد، يقول عمار بوحوش زميله في الدراسة: "وبما أنّ عمّه أحمد دودو لم يُرزق بأطفال، فقد اعتبر أبو العيد بمثابة ابنه، وصرف عليه أموالًا طائلة لمواصلة تعلُّمه في قسنطينة وفي بغداد. كنتُ أنا المسؤول عن إرسال الحوالات إليه في هذه الأخيرة عن طريق تاجر سوري في دمشق، صديق قديم للعم أحمد دودو، وهو يتولى بدوره إيصال تلك الحوالات المالية إلى أبو العيد في بغداد"[3].
كان من أوائل الطلبة المُلتحقين بمعهد الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، الذي افتتحته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الجامع الأخضر بقسنطينة عام 1947. درس هناك علومَ اللغة العربية وآدابها، والعلوم الإسلامية، والتاريخ، والجغرافيا مدّة أربعة أعوام[4]. وفي عام 1951، انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، فلم تطُل إقامته أكثر من عام، إذ سافر عام 1952 إلى العراق، مستفيدًا من منحة قدَّمتها له جمعية العلماء، فدرس في دار المعلمين العالية ببغداد، وتخرّج فيها عام 1956 بشهادة الإجازة في الأدب العربي.
كتاب التاريخ المنصوري: تلخيص الكشف والبيان في حوادث الزمان
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
انتقل بعد ذلك مباشرةً، في العام نفسه، إلى النمسا لمواصلة الدراسة في جامعة ڨيينا، في قسم الدراسات الشرقية، ضمن تخصُّص الأدب العربي والفارسي والفلسفة. ثم ناقش أطروحة الدكتوراه عام 1961، برسالة حَقَّق فيها كتاب التاريخ المنصوري: تلخيص الكشف والبيان في حوادث الزمان، لأبي الفضائل محمد بن علي بن نظيف الحموي (نحو القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي)[5].
مساره الوظيفي
بعد أن نال دودو الدكتوراه، بدأ العمل أستاذًا لِلُّغة العربية في جامعة ڨيينا حتى عام 1963[6]، ثم التحق بجامعة كييل (Kiel University) في ألمانيا الغربية للعمل أستاذًا محاضرًا في قسم اللغات الشرقية. وفي عام 1966، عاد مرة أخرى إلى النمسا. وقد مكّنته إقامته الطويلة في كُلٍّ من النمسا وألمانيا من إتقان اللغة الألمانية والإلمام بآدابها[7]، وكان يُتقن علاوة على العربية والألمانية أربع لُغات أخرى، هي: الفرنسية والإنكليزية والفارسية واللاتينية[8].
عاد إلى الجزائر عام 1968، وعُيّن عام 1969 أستاذًا للأدب المقارن والآداب الأجنبيّة ونظريّة الأدب، في معهد اللغة العربية وآدابها في جامعة الجزائر المركزية. وشغل منصب مدير المعهد بينَ عامَي 1975 و1981، ثم بين عامَي 1984 و1988[9]، وترأّس مجلسه العلمي[10]. وقد كان بموازاة ذلك عضوًا في عدة لجان وزارية تقويمية، وعضوًا في اتحاد الكتاب الجزائريين[11]، وأسهم أيضًا في تأسيس تخصُّص الأدب المقارن في الجامعة ذاتها، وفي إنشاء جمعية الأدب المقارن ومجلة الأدب المقارن[12].
لقِي أبو العيد بعد عودته إلى الجزائر دعمًا وتشجيعًا كبيرَيْن من مولود قاسم نايت بلقاسم (1927-1992)، وزير الشؤون الدينية، الذي سبق له أن تعرّف عليه خلال إقامة الأخير في ڨيينا خلال ثورة التحرير الجزائرية، فمكّنه هذا من نشر كثير من المقالات في مجلة الأصالة التي تشرف عليها الوزارة. حظي كذلك بدعم أحمد طالب الإبراهيمي (1932-2025)، وزير التربية والتعليم، ثم وزير الثقافة آنذاك، الذي شجَّعه على الكتابة في مجلة الثقافة التي كانت تشرف عليها الوزارة. نشر أبو العيد كذلك بعض الدراسات والأبحاث في صحيفة المجاهد الأسبوعية والمجاهد الثقافي والقسم الثقافي لصحيفة الشعب اليومية، وكذا مجلة اللغة العربية[13].
أعماله
كان دودو غزير الإنتاج منتظم النشر، واشتُهر على الأخص من خلال الترجمة التاريخية التي كان شغوفًا بها. يقول عمار بوحوش (1938-) في شهادته عنه: "عندما زرتُه في بيته في بن عكنون عام 1970، أطلعني على عشرات الوثائق التي جلبها معه من النمسا وألمانيا، وأكَّد لي بأنه ينوي ترجمتها إلى العربية ونشرها في الجزائر، لأنه يوجد فراغ كبير في الميدان الثقافي، وخاصة في نشر الأبحاث الخاصة بالجزائر، التي كتبها عُلماء ومفكّرون نمساويون وألمان عنها"[14]. وقد ترك ما يربو على مئة مؤلف، جامعًا بين المؤلفات الأدبية والترجمات التاريخية.
مؤلفاته
فضلًا عن تحقيقه كتابَ التاريخ المنصوري الصادر عام 1981 عن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، صدرت لدودو كثيرٌ من الأعمال، منها:
مجموعاته القصصية
- بحيرة الزيتون (1967).
- دار الثلاثة وقصص أخرى (1971).
- الطريق الفضّي وقصص أخرى (1981).
- الطعام والعيون (1998).
مسرحياته
- التراب (1968).
- البشير (1981).
كتبه
- كتب وشخصيات (1971).
- صور سلوكية (1985، 1990، 1993)، وهو كتاب صدر في ثلاثة أجزاء ويضمّ تأمُّلات للكاتب بشأن سلوكات المجتمع الجزائري.
- دراسات أدبيّة مقارنة (1991).
- الجزائر في مؤلّفات الرحّالين الألمان 1830-1855 (1989).
مقالاته
- "حركة العاصفة والاندفاع الألمانيّة: دراسة نقديّة" (2002).
- "شاعر وقصيدة ـ قراءة لمعزوفة السيد الأصم لبوزيد حرز الله" (2002)ـ
- "الساحر والسحر: دراسة نقدية" (2003).
- "رودلف غاير وأعشى قيس" (2003).
ترجماته
الكتب
- غونتز غراس، القط والفأر، 2001 (Katz und Maus, 1961).
- الشاعر وقصيدته (1986)، وهو ترجمة لأشعار 16 شاعرًا بالألمانية.
- من القصص النمساوي (1983)، وهو كتاب يضمُّ مختارات لأدباء نمساويين.
- يوهان فولفغانغ فون غوته: مختارات شعريّة ونثريّة (1999).
- أولريش بك، ما هي العولمة؟، 2003 (Was ist Globalisierung?, 1999)
- مارتن هايدغر، أصل العمل الفني، 2001 (Der Ursprung des Kunstwerkes, 1950).
- ڤولفغانغ كايزر، العمل الفني اللغوي: مدخل إلى علم الأدب، 2000 (Das sprachliche Kunstwerk: eine Einführung in die Literaturwissenschaft, 1948).
المسرحيات
- برتولت بريخت، الإنسان الطيب، 1963 (Der gute Mensch von Sezuan, 1943-1944).
- ألكسندر بوشكين، الضيف الحجري، 1976 (Каменный гость, 1830).
- شتيفان تسڤايغ، الهروب إلى الله، 1976 (Flucht zu Gott, 1927).
- برتولت بريخت وإليزابيث هاوبتمان وسلاتان دودو، بادن لتعليم الموافقة، 1976 (Das Badener Lehrstück vom Einverständnis, 1929).
- فديريكو غارثيا لوركا، حديقة الحب، 1976 (Amor de don Perlimplín con Belisa en su jardín, 1938).
- تولستوي، هو السبب والعامل الأول (Причина всего, 1910).
- جورج بوخنر، موت دانتون (Dantons Tod, 1835).
الترجمات التاريخية
- هاينرش ڤون مالتسان مدخّنو الحشيش في الجزائر (1968).
- سيمون بفايفر، مذكرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر 1974 (Meine Reisen und meine fünfjährige Gefangenschaft in Algier, 1834).
- هاينريش ڤون مالتسان، ثلاث سنوات في شمال غربي أفريقيا 1976 (Drei Jahre im Nordwesten von Afrika : Reisen in Algerien und Marokko, 1863).
- فندرلين شلوصر، قسنطينة أيّام أحمد باي 1832-1837 1980 (Reisen in Brasilien und Algier; oder, Lebensschicksale Wendelin Schlossers, zuletz gewesenen Bombaschia des Achmed Bey von Constantine, 1839).
- لوكيوس أبوليوس، الحمار الذهبي 2001 (Metamorphoseon, 1469).
- أدولف دينيزن، الأمير عبد القادر والعلاقات الفرنسية العربية في الجزائر 2003 (Abd-el-Kader und die Verhältnisse zwischen Franzosen und Arabern im nördlichen Afrika, 1840).
- ألبر فون شونبيرغ، الطب الشعبي الجزائري في بداية الاحتلال 2005 (Skizze über Algier in medicinischer Rücksicht. Zwei in der Königlichen Medicinischen Gesellschaft zu Kopenhagen gehaltene Vorträge, 1837).
- يوهان كارل بيرنت، الأمير عبد القادر 1997 (Abdelkader oder drei Jahre eines Deutschen unter den Mauren: Nebst einem Anhange, 1840).
وفاته
تُوفي أبو العيد دودو في 16 كانون الثاني/ يناير 2004، ودُفن في مقبرة بن عكنون {{بن عكنون: حي وبلدية في العاصمة الجزائرية، يتبع دائرة بوزريعة، ويقع شرق وسط مدينة الجزائر. يتميّز بكثافة سُكّانية عالية، وبوجود المدارس والجامعات والمرافق الثقافية، ويضمّ كذلك مقبرة مشهورة. ويُمثّل مركزًا حضريًّا مهمًّا للتجارة والسكن والخدمات.}} في الجزائر العاصمة.
تكريماته
- وسام الاستحقاق الوطني بدرجة عشير (2017)[15].
- إطلاق اسمه على ثانوية في حي بكّيرة، بلدية حامة بوزيان في ولاية قسنطينة (2003)[16].
- تنظيم الملتقى الوطني الأدبي والفكري للترجمة والتأليف: "أبو العيد دودو"، في المكتبة الرئيسة للمطالعة العمومية في جيجل (2024)[17].
المراجع
بوحوش، عمار. "أبو العيد دودو كما عرفته". اللغة العربية. مج 6، العدد 2 (2004). ص 181-192.
بوشعير، السعيد. "كلمة بمناسبة حفل تكريم المتفوقين في جائزة اللغة العربية الموسومة ’أبو العيد دودو‘". اللغة العربية. مج 6، العدد 2 (2004). ص 297-300.
بوفلاقة، محمد. "أبو العيد دودو". في: الموسوعة الجزائرية. الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية، 2020.
"ثانوية أبو العيد دودو بلدية حامة بوزيان". بكالوريا. في: https://acr.ps/1L9F3aB
"خلال فعاليات ملتقى وطني حول الترجمة والتأليف: جيجل تستذكر أعمال الكاتب والمترجم ’أبو العيد دودو‘". النصر. 17/12/2024. في: https://acr.ps/1L9F3aM
دودو، أبو العيد. "رسالة من النمسا: تعصب أم هوس وجنون؟". الفكر. العدد 2 (تشرين الثاني/ نوڤمبر 1962). ص 82-87.
عويمر، مولود. "الدكتور أبو العيد دودو والترجمات التاريخية". المكتبة الجزائرية الشاملة. 19/1/2021. في: https://acr.ps/1L9BPGs
"مرسوم رئاسي رقم 17-128 مؤرّخ في 29 جمادى الثانية عام 1438 الموافق 28 مارس سنة 2017، يتضمن منح وسام بدرجة ’عشير‘ من مصف الاستحقاق الوطني بعد الوفاة". الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. العدد 20. 29/3/2017. في: https://acr.ps/1L9F2hW
ولد خليفة، محمد [وآخرون]. الأديب والمترجم أبو العيد دودو: مسار وإبداع. ط 3. الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية؛ دار النشر راجعي، 9200.
[1] محمد بوفلاقة، "أبو العيد دودو"، في: الموسوعة الجزائرية، مج 1 (الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية، 2020)، ص 88.
[2] عمار بوحوش، "أبو العيد دودو كما عرفته"، اللغة العربية، مج 6، العدد 2 (2004)، ص 181-192.
[3] المرجع نفسه.
[4] مختار نويوات، "الدكتور أبو العيد دودو: نبذة وجيزة عن حياته وآثاره"، في: محمد ولد خليفة [وآخرون]، الأديب والمترجم أبوالعيد دودو: مسار وإبداع، ط 3 (الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية؛ دار النشر راجعي، 9200)، ص 77-78.
[5] بوفلاقة، مرجع سابق.
[6] أبو العيد دودو، "رسالة من النمسا: تعصب أم هوس وجنون؟"، الفكر، العدد 2 (تشرين الثاني/ نوڤمبر 1962)، ص 83.
[7] مولود عويمر، "الدكتور أبو العيد دودو والترجمات التاريخية"، المكتبة الجزائرية الشاملة، 19/1/2021، شوهد في 18/12/2025، في: https://acr.ps/1L9BPGs
[8] أبو القاسم سعد الله، "أبو العيد دودو 1934-2004"، في: محمد ولد خليفة [وآخرون]، الأديب والمترجم أبو العيد دودو: مسار وإبداع، ط 3 (الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية؛ دار النشر راجعي، 9200)، ص 99.
[9] نويوات، مرجع سابق.
[10]عبد المجيد حنون، "أبو العيد دودو والأدب المقارن في الجزائر"، في: محمد ولد خليفة [وآخرون]، الأديب والمترجم أبو العيد دودو: مسار وإبداع، ط 3 (الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية؛ دار النشر راجعي، 9200)، ص 161.
[11] السعيد بوشعير، "كلمة بمناسبة حفل تكريم المتفوقين في جائزة اللغة العربية الموسومة ’أبو العيد دودو‘"، اللغة العربية، مج 6، العدد 2 (2004)، ص 299.
[12] نويوات، ص 80.
[13]بوحوش، ص 186.
[14] المرجع نفسه، ص 184.
[15] "مرسوم رئاسي رقم 17-128 مؤرّخ في 29 جمادى الثانية عام 1438 الموافق 28 مارس سنة 2017، يتضمن منح وسام بدرجة ’عشير‘ من مصف الاستحقاق الوطني بعد الوفاة"، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 20، 29/3/2017، ص 20، شوهد في 18/12/2025، في: https://acr.ps/1L9F2hW
[16]"ثانوية أبو العيد دودو بلدية حامة بوزيان – ولاية قسنطينة"، بكالوريا، شوهد في 18/12/2025، في: https://acr.ps/1L9F3aB
[17] "خلال فعاليات ملتقى وطني حول الترجمة والتأليف: جيجل تستذكر أعمال الكاتب والمترجم ’أبو العيد دودو‘"، النصر، 17/12/2024، شوهد في 18/12/2025، في: https://acr.ps/1L9F3aM