تسجيل الدخول

أبو إسماعيل الهروي

أبو إسماعيل عبدالله الأنصاري الهروي 

تاريخ الميلاد

(396هـ/ 1005م)

مكان الميلاد

هراة، أفغانستان

الوفاة

(481هـ/ 1059م)

الفترة

القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي

المجالات

فقيه، ومفسر، ومحدث، وصوفي، وشاعر

المدرسة الفكرية

أهل السنة والجماعة

أهم المؤلفات

· منازل السائرين

· ذم الكلام وأهله

· الأربعون في دلائل التوحيد

· طبقات الصوفية

 المذهب

الحنبلي


الموجز

أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي (396–481هـ/ 1006–1089م)، عالم وفقيه ومحدّث ومفسّر وصوفي من هراة، عُرف بألقاب منها "شيخ الإسلام" و"بي​ر هرات"، واشتهر في التراث باسم الأنصاري الهروي والخواجة عبد الله الأنصاري. كان حنبلي المذهب، شديد التمسك بالأثر، وبرز خصوصًا في التصوف والزهد، وله مؤلفات في التصوف والعقيدة والحديث والتفسير، من أشهرها منازل السائرين وذم الكلام وأهله. نُسب إلى أصل عربي، وقيل إن نسبه يتصل بأبي أيوب الأنصاري، ونشأ في بيئة فارسية في خراسان. عُرف بموقفه الحاد من علم الكلام، وانتقاده المذهب الأشعري والتأويل الكلامي، مع حضور قوي للمذهب الحنبلي في تكوينه العقدي والفقهي. ويُعد من أبرز أعلام التصوف السني في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وكان لكتاباته، ولا سيما منازل السائرين، أثر واسع في الأدبيات الصوفية اللاحقة وشروحها.​

حياته وطلبه للعلم

وُلد عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن جعفر بن منصور بن مت الأنصاري الهروي، في هراة من أرض أفغانستان، نحو سنة 396هـ/ 1005م، كما يقول مؤرخون[1]، وفيها درج ونشأ. ولُقب بالأنصاري لأنه يُعتقد أنه من ذرية الصحابي أبي أيوب الأنصاري (ت. 52هـ/ 674م)[2]، وبالهروي نسبة إلى بلده هراة. وعلى الرغم من عروبة أصله فإنه كان يتقن اللسان الفارسي.

كان أبوه أبو منصور (ت. 430هـ/ 1038م) من المتصوفة، وعنه أخذ تعليمه الأولي[3]، لكن الأب غلبته، كما يقول ابنه، حال صوفية، إذ شُغل باطنه عن الصفاء الروحي بسبب الزوجة والولد، فترك دكانه وأسرته، وانصرف يسخر حياته للتصوف[4]. وقد تولت أمه، بعد ذلك، تربيته وتعليمه في بيته، وفي التاسعة من عمره -كما أخبر عن نفسه- كان قد تعلم الكتابة، وبرع في الشعر وتفوق فيه[5]. وانصرف إلى قراءة القرآن، وإلى ملازمة الخانقاه (زاوية صوفية)، وإلى حفظ الحديث وكتابته[6].

ثم طلب العلوم التقليدية الإسلامية على يد ثلة من الشيوخ، ففي هراة أخذ الحديث والتفسير عن يحيى بن عمار السجزي[7]، وقال إنه تأثر به تأثرًا شديدًا[8]، وكان السجزي –كما يقول الذهبي (ت. 748هـ/ 1348م)– "متحرقًا على المبتدعة والجهمية بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف"[9]. كذلك أخذ عن أبي منصور الأزدي{{أبو منصور الأزدي: (ت. 410هـ/ 1019م) شيخ الشافعية في هراة، جمع بين الفقه والحديث.}}[10]، وأبي الفضل الجارودي{{أبو الفضل الجارودي: (ت. 413هـ/ 1022م) محدث، من أهل هراة، موصوف بالورع عند أهل التراجم.}}[11]، وعبد الجبار بن محمد الجراحي (ت. 412هـ/ 1021م) من رواة سنن الترمذي، وكان ورد هراة سنة 409هـ/ 1018م[12]، وغيرهم.

ثم ارتحل سنة 417هـ/ 1026م إلى نيسابور فأخذ فيها عن أبي سعيد الصيرفي (ت. 421هـ/1029م)، وأبي نصر المفسر المقرئ (ت. 424هـ/ 1032م)، وأبي الحسن الطرازي (ت. 424هـ/ 1032م)، وعن جماعة من أصحاب أبي العباس الأصم{{أبو العباس الأصم: (ت. 346ه/957م) محمد بن يعقوب بن يوسف النيسابوري الأصم، محدث من أهل نيسابور، ومن كبار شيوخ الرواية في خراسان، رحل في طلب الحديث إلى عدد من الأمصار. اشتهر برواية كتب الشافعي، ولذلك يرد ذكره كثيرًا في أسانيد الشافعية وخراسانييهم. لُقب بـ"الأصم" لأنه أُصيب بالصمم بعد شبابه.}}[13] راوية كتب الشافعي (150هـ - 204هـ / 767م-820م). ولما كان الهروي متحمسًا للاعتقاد الحنبلي، رفض أن يأخذ عن المحدث أبي بكر الحيري (ت. 421هـ/ 1029م)، لأنه رآه "مخالفًا للسنة"[14] يميل إلى المذهب الأشعري. وعدا نيسابور، ارتحل الهروي إلى طوس وبسطام، وغيرهما[15]. وبهذا اجتمع له علم الحديث والتفسير والفقه.

ويُضاف إلى تلك العلوم التصوف، وكان من أبرز أساتذته فيه أبو إسماعيل أحمد بن محمد بن حمزة (الشهير بعمو أو عمويه)[16]، وقد تولى هو رعايته، بعد أن فارقه أبوه[17]. وعلى يديه تعلم الهروي آداب الصوفية ورسومها كما يقول[18]. وكان يخلفه على كرسيه في أثناء سفره[19]. كذلك أخذ التصوف عن جماعة منهم: أبو الحسن علي بن أحمد الخَرَقَاني (ت. 424هـ/ 1033م)[20]، وابن باكويه الشيرازي (ت. 428هـ/ 1036م)[21]. والحنبلي أبو عبد الله محمد بن الفضل بن محمد الطاقي السجستاني (ت. 416هـ/ 1025م) الذي يقول عنه إنه هو الذي عرفه الاعتقاد الحنبلي[22].

اشتهر الهروي بمجالس التذكير، والإشراف على مريديه الصوفية وتربيتهم وسلوكهم، وكان من أكثر ما يحاضر به التفسير، فينقل ابن رجب (736-795هـ/ 1336-1393م) أنه ابتدأ دروس التفسير سنة 436هـ/ 1044م، وكان يفسر القرآن بالمعهود من التفسير بالأثر وظاهر الشرع، ثم صار يفسر القرآن تفسيرًا صوفيًّا. ويبدو أنه بقي يفسر بهذه الطريقة حتى وفاته، رغم ما تعرض له من عوائق بسبب النزاعات مع السلطة والخلافات المذهبية[23]. وتُوفي في بلده هراة بقرية تُدعى غازورغاه (GĀZORGĀH) وله فيها ضريح مشيد شهير أعاد ترميمه صندوق الآغا خان للثقافة[24].

علاقته بالسلطة

عاش الهروي في عهد السلطنتين السنيتين: الغزنوية (الماتريدية) ثم السلجوقية (الأشعرية)، وهو كذلك عهد نزاع الخلافة العباسية مع الدولة الفاطمية. وفي ذلك السياق، تفاوت موقف السلاجقة من الأشاعرة، فبعد أن أمر طغرل بك السلجوقي (385-455هـ/ 995-1063م) (حكم بين سنتي 429هـ/ 455ه- 1037م/ 1063م) بلعن الأشاعرة على المنابر، دعمهم الوزير نظام الملك (408-485هـ/ 1018-1092م)في عهد الأميرين السلجوقيين: ألب أرسلان (حكم بين سنتي 455هـ/ 465ه- 1063م/ 1072م) ثم ملكشاه (حكم بين سنتي 465هـ/ 485هـ- 1072م–1092م)[25]. وفي ذلك العهد كانت الخلافات المذهبية-السياسية نشطة بين السنة والشيعة (وخاصة الاثني عشرية والإسماعيلية)، وفي تلك الأحوال استتاب الخليفة العباسي القادر بالله (336-422هـ/ 947-1031م)، سنة 408هـ/ 1017م، المعتزلة والشيعة وغيرهم، كما ذكر ابن الجوزي (510-597هـ/ 1116-1201م)[26]، وفي ذلك العهد صدر ما عُرف بـالاعتقاد القادري{{الاعتقاد القادري: بيان عقائدي أصدره الخليفة العباسي القادر بالله ببغداد لتحديد الموقف السني الرسمي من الخلافات الكلامية. أكد أصول أهل السنة، ورفض المعتزلة والشيعة، وأقر الصفات على منهج أهل الحديث، واستُخدم لتثبيت الشرعية العباسية في ظل الهيمنة البويهية، وقد تعزز البيان بدعم الغزنويين له وإقرارهم بمحتواه. وصل مختصره عبر ابن الجوزي.}} الذي يؤيد مذهب السنة في مواجهة غيره كالاعتزال والتشيع[27]. كذلك شهد هذا العصر في بعض مراحله خلافات نشطة داخل المذاهب السنية كما جرى -مثلًا- بين الشافعية (وعامتهم أشعرية) والحنفية (وعامتهم ماتريدية ومعتزلة) في بعض المراحل[28]، إضافة إلى نزاعات الحنابلة مع غيرهم من المذاهب[29].

يذكر ابن رجب الحنبلي أن السلطان مسعود بن محمود الغزنوي (388-432هـ/ 998-1041م) -وكان الغزنويون حنفية ماتريدية- قد استدعاه سنة 430هـ/ 1038م ليمتحنه في مسألة عن الصفات الإلهية المختلف في تفسيرها بين المذاهب الإسلامية، فأجاب بحصافة، فتركه وشأنه[30]. وفي سنة 438هـ/ 1047م، عُقد له مجلس وكُتب في حقه محضر قضائي بسبب عقائده وبعض أقواله، فأُخرج من بلده هراة إلى بلد مجاور حُبس فيه وقُيد، ثم أُعيد في السنة التي تليها إلى هراة، ورجع إلى مجلس تذكيره المعتاد. ثم في سنة 450ه/ 1058م شُكي إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي ليُمنع من تلك المجالس، وذلك لحنبليته الشديدة وإنكاره على ما يراه بدعًا ومنكرات، ولأنه عدو للكلام والمتكلمين عمومًا، ولأبي الحسن الأشعري (260-324هـ/ 874–936م) والأشاعرة على وجه الخصوص[31].

ولكنه بعد نحو عشر سنين، أي في سنة 462هـ/ 1070م، أُلبس خلعة (وهي لباس تشريفي) من الخليفة العباسي القائم بأمر الله (حكم بين سنتي 422هـ/ 467هـ- 1031م/ 1075م)، ثم خلعة أخرى سنة 472هـ/ 1080م، مع الحصول على اللقب التشريفي الذي اشتهر به "شيخ الإسلام، وشيخ الشيوخ، وزين العلماء". وكان الساعي في حصوله على هذه الخلعة هو الوزير السلجوقي نظام الملك[32]. وعلى الرغم من هذا التشريف السلطاني واللقب، أُخرج من البلد بعد سنة 377هـ/ 988م، ثم عاد إليها سنة 480هـ/ 1087م[33].

مصنفاته

يذكر بعض الدارسين أن الأنصاري لم يكن مؤلفًا بالمعنى الحقيقي للتأليف، بل كانت كتاباته في معظمها إملاء، أو كتابة التلاميذ لدروسه ومجالسه، ولم يُتح له هو نفسه أن يحرر ذلك الإنتاج[34]. ومع ذلك فالكتب المنسوبة إليه منها المكتوب بالعربية ومنها بالفارسية، ومنها المقطوع بنسبته إليه ومنها ما هو موطن شك، ومنها المطبوع والمخطوط والمفقود.

أما ما هو في حكم المفقود من مؤلفاته، فقد اشتهرت عنه عنوانات لم يُظفر بمخطوطات لها، منها: تكفير الجهمية، وقد ذكره ابن تيمية (661-728هـ/ 1263-1328م)[35]، وذكر الذهبي كتابه الفاروق في الصفات[36]، وانتقده بأنه "كدره بذكر أحاديث باطلة يجب بيانها وهتكها"[37]، ونقل عنه أيضًا[38]، ويُسمى أيضًا الفاروق في الفَرْق بين المثبِتة والمعطِّلة[39]، وله علل المقامات ويبدو أنه كان متاحًا في زمن ابن تيمية، فقد ذكره وأشار إليه[40]. وجمع سيرة للإمام أحمد[41]، ولعله هو المشهور بـمناقب الإمام أحمد بن حنبل[42]. وله القصيدة النونية، وهي قصيدة على بحر الكامل قافيتها على حرف النون، يمدح بها الإمام أحمد ومذهبه ويرد فيها على المخالفين[43].

وتوجد كتب تصح نسبتها إليه، من أهمها وأشهرها: منازل السائرين، وهو من أعمدة كتب التصوف في التاريخ الإسلامي، مطبوع[44]، وله شروح، من أبرزها شرح سديد الدين اللخمي (ت. نحو 650هـ/ 1252م)[45]، وشرح عبد الرزاق القاشاني (ت. 730هـ/ 1329م)[46]، وشرح ابن قيم الجوزية (ت. 751هـ/ 1350م)، في كتابه الشهير مدارج السالكين[47]، وشرح محمود بن حسن الفركاوي (كان حيًا نحو سنة 750هـ/ 1349م)[48].

ومن كتبه صد ميدان(بالفارسية) في التصوف أيضًا وهو مطبوع[49]، وهو رسالة مختصرة لـمنازل السائرين. وله ذم الكلام وأهله، هاجم فيه علم الكلام والمتكلمين ولا سيما الأشعرية وأبي الحسن الأشعري، وهو مطبوع[50]. والأربعون في دلائل التوحيد، وهو عبارة عن أحاديث في إثبات الصفات الإلهية بالابتعاد عن التأويل، وهو مطبوع[51]. وله كتاب طبقات الصوفية، وموضوعه عن تراجم الصوفية وحكاياتهم، وقد وسعه عبد الرحمن الجامي (817-898هـ/ 1414-1492م)، وأضاف إليه، وانتشر بعنوان نفحات الأنس، وهو مطبوع[52]. وله غير ذلك.

أما المشكوك في نسبته إليه، فمن ذلك: أنس المريدين وبهجة المجالسين (بالفارسية) وهو عن قصة النبي يوسف -عليه الصلاة والسلام-[53]. وقد جمع بعض الباحثين عنوانات كتب فارسية منسوبة إلى الهروي، مُبدين سبب شكه فيها، وهي أنها مخطوطات لم تظهر إلا في قرون متأخرة، ولم يذكرها من ترجم للهروي[54].

أبرز آرائه

أما في الاعتقاد فقد عُرف الهروي بحماسته للاعتقاد الحنبلي، ويروي الرواة عنه أقوالًا أشبه بالأمثال السائرة تفيد ذلك فمنها قوله: "مذهب أحمد أحمد مذهب"[55]، ومنها البيت الشعري:

أنا حنبليٌّ ما حَييتُ وإن

أَمُتْ فوصيتي للناس أن يتحنبلوا[56]

ومن ثم، كان موقفه صريحًا في رفض علم الكلام، وعده بدعة مضلة، وموقفه العقدي العام من الأسماء والصفات هو إثباتها ولا سيما الصفات الخبرية (كاليد والقدم والوجه والنفس والصورة والحد وغير ذلك) بلا تأويل[57]، ونُقل عنه أبيات بالفارسية ترجَمَتُها إلى العربية هكذا، كما نقلها ابن رجب:

"إلهُنا مرئيٌّ على العرش مستوٍ

كلامُه أزليٌّ، رسولُه عربيّ

كلُّ من قال غيرَ هذا أشعريّ

مذهبُنا مذهبٌ حنبلي"[58].

ورُوي عنه أنه كان ربما يلعن من لم يعتقد أن الله في السماء[59]، في إشارة إلى المؤولة من الأشاعرة وغيرهم.

وفي الحديث كان يرى أن سنن الترمذي أشد فائدة من الصحيحين، وذلك لأن في الكتاب وظيفة تعليمية تناسب عموم الناس أكثر من الصحيحين، كما يقول[60].

وفي فروع الفقه، كان يمزج بين الفقه الحنبلي والفقه الشافعي، ولكنه عمومًا، كما قال ابن تيمية فيما ينقله عنه ابن رجب، من أهل الحديث[61].

وفي التصوف، يعد نفسه من أهل التصوف السني، ويشدد في مقدمة كتابه منازل السائرين على أن "النهايات لا تصح إلا بتصحيح البدايات، كذلك فإن الأبنية لا تقوم إلى على الأساس، وتصحيح البدايات هو إقامة الأمر على مشاهدة الإخلاص ومتابعة السنة، وتعظيم النهي على مشاهدة الخوف ورعاية الحرمة، والشفقة على الغير ببذل النصيحة وكف المؤنة، ومجانبة كل صاحب يفسد الوقت، وكل سبب يفتن القلب"[62].

المآخذ عليه ​

رصد تاج الدين السبكي (727-771هـ/ 1327-1370م) في كتابه طبقات الشافعية الكبرى ملابسات تلقيب الهروي بـ"شيخ الإسلام"، مبينًا أن ذلك جاء في سياق تعصبي حين أراد من سماهم "المجسمة" بمدينة هراة أن يقابلوا اللقب الذي كان يُطلق على غيره، فأطلقوه على الأنصاري. وقد أقر السبكي للهروي بكثرة عبادته وتحديثه، إلا أنه أخذ عليه التظاهر بما يسميه "التجسيم والتشبيه" والنيل من أهل السنة (وهم الأشعرية عند السبكي). وهو ما دفع السبكي إلى القول بأنه لا يستحق هذا اللقب لأنه لُقب به تعصبًا لا استحقاقًا.

هذا، وقد أشار السبكي إلى أن أهل هراة في عصر الهروي كانوا فئتين: فئة تعتقده وتبالغ في تعظيمه بسبب تقشفه وعبادته، وفئة تُكفره بسبب ما يظهره من التشبيه[63]. وهذا الانقسام الحاد يكشف عمق الإشكالية التي كان يمثلها الهروي في مجتمعه العلمي.

خص السبكي بالنقد ثلاثة كتب للهروي هي: ذم الكلام، والفاروق في الصفات، والأربعين، يراها من مظاهر الانحراف للتشبيه، كذلك انتقده بتكفير الأشاعرة[64]. هذا وقد أشار الذهبي -كما سبق- إلى انتقاد آخر للهروي تعلق بذكره أحاديث باطلة في بعض كتبه.

أما ابن تيمية، فقد انتقد الهروي من جهة مغايرة للسبكي، إذ لفت الانتباه إلى تناقض في منظومته الفكرية، فبينما كان الهروي يشتد على الجهمية والأشاعرة في مسائل الصفات حتى بلغ به الأمر الغلو في الإثبات للصفات[65]، وكان ربما بلغ حد لعن الأشاعرة، كان في مسائل القدر والأفعال يجري على النهج الجهمي ذاته في نفي الحكم والأسباب، بل رأى ابن تيمية أنه في هذا الباب أشد نفيًا للحكم والأسباب من الأشاعرة أنفسهم. ويرى أن تصوره لمقام العارف يفضي إلى محو الفارق بين الحسنة والسيئة في نظر السالك، وهو ما عده خطأ جسيمًا[66].

كذلك صرح ابن تيمية بأن في كلامه في منازل السائرين ما يشي بالحلول، أي إن الله يحل في قلب العارف الواصل[67]، غير أن ابن القيم نفى عنه ذلك ورأى أن حمل كلامه على المعاني الصحيحة (أي في مذهب أهل السنة والجماعة) أولى مما "يظنه طائفة الاتحادية والحلولية، وإن كانت كلماته المجملة شبهة لهم، فسنته المفصلة مبطلة لظنهم"[68].

المراجع

 العربية

الإسكندري، عبد المعطي. شرح منازل السائرين. تحقيق الأب س. دي لوجييه دي بوركي الدومنكي. القاهرة: مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، 1954.

الأفغاني، سعيد. شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري الهروي: مبادئه وآراؤه الكلامية والروحية. القاهرة: مطبعة دار التأليف، 1968.

أنصاري، خواجه عبد الله. صد ميدان (فارسي). تحقيق عبد الحي حبيبي. تهران: انتشارات دنياى كتاب، [د. ت.].

"الترميم في هرات". شبكة الأغا خان للتنمية (AKDN). في: https://tinyurl.com/3ajzp4n6

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. الحسنة والسيئة. بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.].

________. شرح حديث النزول. ط 5. بيروت: المكتب الإسلامي، 1977.

________. أمراض القلب وشفاؤها. ط 2. القاهرة: المطبعة السلفية، 1979.

________. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية. تحقيق محمد رشاد سالم. ج 5. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1986.

________. مجموع الفتاوى. تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. ج 5. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004.

الجامي، عبد الرحمن. نفحات الأنس من حضرات القدس (بالفارسية). تحقيق مهدي توحيدي بور. طهران: از انتشارات كتابفروشي محمودي، [د. ت.].

الجوزي، جمال الدين أبو الفرج. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك. تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. ج 15. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992.

خليفة، حاجي. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. ج 1. بغداد: مكتبة المثنى، 1941.

ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي. ج 3. ط 3. بيروت: دار الكتاب العربي، 1996.

الحنبلي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب. ذيل طبقات الحنابلة. تحقيق عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. ج 1. الرياض: مكتبة العبيكان، 2005.

الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان. سير أعلام النبلاء. تحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرون]. ج 18. ط 3. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985.

السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين. طبقات الشافعية الكبرى. تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو. ج 4. ط 2. القاهرة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، 1413هـ.

السمعاني، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور. الأنساب. تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني [وآخرون]. ج 5. حيدر آباد: مجلس دائرة المعارف العثمانية، 1962.

الصولي، أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله. أخبار الراضي بالله والمتقي لله= تاريخ الدولة العباسية، من كتاب الأوراق. تحقيق ج هيورث دن. القاهرة: مطبعة الصاوي، 1935.

ابن عساكر. تاريخ دمشق: وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها. تحقيق محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي. ج 71. دمشق: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1995.

القادري، محمود بن حسن الفركاوي. شرح منازل السائرين. تحقيق الأب س. دي لوجييه دي بوركي الدومنكي. القاهرة: مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، 1953.

القاشاني، كمال الدين عبد الرزاق. شرح منازل السائرين. تحقيق محسن بيدارفر. بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، [د. ت.].

ابن نقطة، أبو بكر. التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد. تحقيق كمال يوسف الحوت. ج 1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1988. ص 322.

الهروي، أبو إسماعيل. الأربعون في دلائل التوحيد. تحقيق علي بن محمد بن ناصر الفقيهي. المدينة المنورة: [د. ن.]، 1983.

________. منازل السائرين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1988.

________. ذم الكلام وأهله. عبد الرحمن بن عبد العزيز الشبل. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1996.

وشاح، غسان محمود. "علاقة الأشعرية بالسلطة في الدولة السلجوقية (1055–1092م/ 447–484هـ)". دورية كان التاريخية. السنة 11، العدد 40 (حزيران/ يونيو 2018). ص 58-66.

الأجنبية

Farhādi, A. G. Ravān. ‘Abdullāh Anṣārī of Herāt (1006–1089 C.E.): An Early Sufi Master. London: Routledge, 1996.

Morrissey, Fitzroy. A Short History of Islamic Thought. Oxford: Oxford University Press, 2022.

[1] تُنظر ترجمته في: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط [وآخرين]، ج 18، ط 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985)، ص 503؛ عبد الرحمن الجامي، نفحات الأنس من حضرات القدس (بالفارسية)، تحقيق مهدي توحيدي بور (طهران: از انتشارات كتابفروشي محمودي، [د. ت.])، ص 331-335؛ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ذيل طبقات الحنابلة، تحقيق عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، ج 1 (الرياض: مكتبة العبيكان، 2005)، ص 115.

[2] الحنبلي، ج 1، ص 115.

[3] الجامي، ص 331-332.

[4] المرجع نفسه.

[5] المرجع نفسه، ص 332-333.

[6] المرجع نفسه، ص 334.

[7] الحنبلي، ج 1، ص 116-117؛ قارن بـ: الجامي، ص 335.

[8] الجامي، ص 335.

[9] شمس الدين الذهبي، ج 17، ص 482.

[10] الحنبلي، ج 1، ص 116.

[11] المرجع نفسه.

[12] أبو بكر ابن نقطة، التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، تحقيق كمال يوسف الحوت، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988)، ص 322؛ قارن بـ: الذهبي، ج 17، ص 257.

[13] الحنبلي، ج 1، ص 137

[14] المرجع نفسه، ص 116-117؛ الجامي، ص 334-335.

[15] الحنبلي، ج 1، ص 116-117.

[16] تُنظر ترجمته في: ابن عساكر، تاريخ دمشق: وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، تحقيق محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي، ج 71 (دمشق: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1995)، ص 97.

[17] الجامي، ص 336.

[18] المرجع نفسه، ص 344.

[19] المرجع نفسه.

[20] أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، الأنساب، تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني [وآخرين]، ج 5 (حيدر آباد: مجلس دائرة المعارف العثمانية، 1962)، ص 93.

[21] ابن رجب، ج 1، ص 130.

[22] المرجع نفسه، ص 337.

[23] المرجع نفسه، ص 131-132.

[24] يُنظر: "الترميم في هرات"، شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN)، شوهد في 15/7/2026، في: https://acr.ps/hBy2saX

[25] يُنظر في ذلك مثلًا: غسان محمود وشاح، "علاقة الأشعرية بالسلطة في الدولة السلجوقية (1055–1092م/ 447–484هـ)"، دورية كان التاريخية، السنة 11، العدد 40 (حزيران/ يونيو 2018)، ص 58-66.

[26] جمال الدين أبو الفرج الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، ج 15 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 125.

[27] المرجع نفسه، ج 15، ص 128. وصارت تتكرر تلاوته على الناس. ينظر مثلًا: المرجع نفسه، ج 15، ص 279.

[28] Fitzroy Morrissey, A Short History of Islamic Thought (Oxford: Oxford University Press, 2022), p. 69.

[29] تُنظر -مثلًا- أخبار البربهاري الحنبلي وأتباعه في بغداد في: أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي، أخبار الراضي بالله والمتقي لله= تاريخ الدولة العباسية، من كتاب الأوراق، تحقيق ج هيورث دن (القاهرة: مطبعة الصاوي، 1935)، ص 65.

[30] الحنبلي، ج 1، ص 130.

[31] المرجع نفسه.

[32] الحنبلي، ج 1، ص 130-131.

[33] المرجع نفسه، ص 132.

[34] A. G. Ravān Farhādi, ‘Abdullāh Anṣārī of Herāt (1006–1089 C.E.): An Early Sufi Master (London: Routledge, 1996), p. 36.

[35] يُنظر: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الحسنة والسيئة (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.])، ص 108.

[36] ذكره: الذهبي، ج 18، 509.

[37] المرجع نفسه، ص 509.

[38] المرجع نفسه، ج 7، ص 450.

[39] تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق محمد رشاد سالم، ج 5 (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1986)، ص 538.

[40] تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، أمراض القلب وشفاؤها، ط 2 (القاهرة: المطبعة السلفية، 1979)، ص 52.

[41] الذهبي، ج 18، ص 510.

[42] الحنبلي، ج 1، ص 118.

[43] الذهبي، ج 18، ص 507.

[44] مثلًا: أبو إسماعيل الهروي، منازل السائرين (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988).

[45] عبد المعطي الإسكندري، شرح منازل السائرين، تحقيق الأب س. دي لوجييه دي بوركي الدومنكي (القاهرة: مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، 1954).

[46] كمال الدين عبد الرزاق القاشاني، شرح منازل السائرين، تحقيق محسن بيدارفر (بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، [د. ت.]).

[47] محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين، ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، ط 3 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1996).

[48] محمود بن حسن الفركاوي القادري، شرح منازل السائرين، تحقيق الأب س. دي لوجييه دي بوركي الدومنكي (القاهرة: مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، 1953).

[49] مثلًا: خواجه عبد الله أنصاري، صد ميدان (فارسي)، تحقيق عبد الحي حبيبي (تهران: انتشارات دنياى كتاب، [د. ت.]).

[50] أبو إسماعيل الهروي، ذم الكلام وأهله، عبد الرحمن بن عبد العزيز الشبل (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1996).

[51] أبو إسماعيل الهروي، الأربعون في دلائل التوحيد، تحقيق علي بن محمد بن ناصر الفقيهي (المدينة المنورة: [د. ن.]، 1983).

[52] الجامي، مرجع سابق.

[53] بالفارسية، يُنظر: حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج 1 (بغداد: مكتبة المثنى، 1941)، ص 178، غير أن من الباحثين من يشك في ذلك. يُنظر: سعيد الأفغاني، شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري الهروي: مبادئه وآراؤه الكلامية والروحية (القاهرة: مطبعة دار التأليف، 1968)، ص 114.

[54] من تلك العناوين: كنز السالكين، پردهی حجاب، رسالة دل وجان، قلندر نامه، محبت نامه، واردات، أسرار نامه، إلهي نامه. يُنظر:

Farhâdi, p. 41.

[55] الحنبلي، ج 1، ص 118.

[56] المرجع نفسه، ص 121.

[57] يُنظر: الهروي، الأربعون في دلائل التوحيد.

[58] الحنبلي، ج 1، ص 121.

[59] المرجع نفسه، ص 125.

[60] المرجع نفسه ص 133.

[61] المرجع نفسه، ص 147.

[62] الهروي، منازل السائرين، ص 7.

[63] تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، ج 4، ط 2 (القاهرة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، 1413هـ/ 1993م)، ص 272.

[64] المرجع نفسه.

[65] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، ص 358.

[66] يُنظر: ابن تيمية، الحسنة والسيئة، ص 108.

[67] تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، شرح حديث النزول، ط 5 (بيروت: المكتب الإسلامي، 1977)، ص 119؛ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج 5 (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004)، ص 126.

[68] ابن قيم الجوزية، ص 480.


المحتويات

الهوامش