أبو دُلَف مُسعِر بن مُهَلْهِل الخَزْرجي اليَنْبُوعي (تُوفّي بعد 377هـ/ 987م)، رحالة وجغرافي حجازي من مدينة يَنْبُع. عاش في بلاط السامانيين والبويهيين، وخرج في رحلات إلى الصين، وتركستان، والتبت، والهند، وبلاد فارس، وأذربيجان، وأرمينيا، وقد شكّلت هذه الرحلات مادة رسالتَيْه في الأدب الجغرافي.
تمتاز كتابات أبي دُلَف بالأصالة بوصفه شاهد عيان لم ينقل عن الرحالة والجغرافيين الذين سبقوه، وتُظهِر تلك الكتابات اعتناءه بدراسة الحدود والمدن والمواصلات والأنشطة الاقتصادية، فقد أسهمت ملحوظاته في تصحيح كثير من المعلومات الخاطئة، وساعدت في رسم الخرائط الإسلامية المبكرة، بحسب بعض الدارسين.
حياته
وُلد مُسعِر بن مُهَلْهِل في مدينة يَنْبُع، وهي ميناء المدينة المنورة على البحر الأحمر، لأسرة خَزْرجية أنصارية، كما يدلّ اسمه. وهو مجهول تاريخَي الولادة والوفاة، غير أن عبد الملك الثَّعالِبي (350هـ/ 961م-429هـ/ 1038م) أشار في كتابه يتيمة الدهر إلى اسم أبي دُلَف الكامل، وقال إنه التقاه وقد "خنق التسعين"[1]، أي قاربها أو تجاوزها. وكذلك ذكر ابن النَّديم (ت. 384هـ/ 994م)، صاحب "الفِهْرِسْت"، أنه رآه وأخذ منه إفادة عن بيت الذهب في الهند[2].
عمل أبو دُلَف في بلاط السامانيين في مدينة بخارى، وذكر أنه رافق بعثة صينية في طريق عودتها، كان قد أرسلها ملك الصين إلى بلاط الأمير نصر بن أحمد الساماني (293هـ/ 906م-331هـ-943م)، ويبدو أن الأمير الساماني قد كلفه بمرافقتها لإنجاز أمر زواج أحد أفراد الأسرة الحاكمة من أميرة صينية، فقصد معها الطريق العابر إلى بلاد تركستان، وصولًا إلى عاصمة الملك سندابل {{سندابل: بلدة قديمة ذكرتها المصادر الجغرافية الإسلامية، تقع في منطقة السند أو قُربها، وكانت تُعرف بتجارتها وموقعها على طرق القوافل، وارتبط اسمها بفتوحات المسلمين في بلاد السند.}}، بحسب ما جاء في رسالته الأولى[3].
ذكر الثعالبي أن أبا دُلَف كان من ندماء الوزير البويهي الصاحب بن عبَّاد (326هـ/ 938م-385هـ/ 995م)، وأنه كان يصحب كتبه، أي الصاحب في أسفاره، وأن الصاحب كان يحفظ أشعار أبي دُلَف، ويُردّد بعضها[4].
رحلاته
حفظ لنا الزمن رسالتين جغرافيتين لأبي دُلَف، عُثِر عليهما في مشهد الإيرانية عام 1923[5]. الأولى تضمنت سردًا مختصرًا لرحلته إلى الصين، وبلاد الترك، والهند، وقد وجّهها إلى شخصين في موقع المسؤولية لم يسمّهما، وخاطبهما بقوله: "إني لما رأيتكما يا سيدَيَّ أطال الله بقاءكما لَهِجَيْن بالتصنيف، مُولعَيْن بالتأليف، أحببت ألّا أخلي دستوركما وقانون حكمتكما من فائدة وقعت لي مشاهدتها، وأعجوبة رمت بي الأيام إليها". ويوضح مُسعِر بن مُهَلْهِل في مقدمة الرسالة منهجه، إذ يقول إنه بدأ "بذكر المسالك الشرقية، واختلاف السياسة فيها، وتباينات مُلكها، وافتراق أحوالها، وبيوت عبادتها، وكبراء ملوكها"[6].
أما الرسالة الأخرى، فهي موجهة أيضًا إلى الشخصين المهمين ذاتهما، ولكنه وبحسب تقديمه لها، أرادها أن تكون رسالة حسب وصفه: "شافية تجمع عامة ما شاهدتُه، وتحيط بأكثر ما عاينته، لينتفع به المعتبرون"[7]. ولكن ما وصلنا منها يتعلق فقط بأذربيجان، وأرمينيا وبعض أقاليم إيران، وهو ما يجعل زَعْم زكريا بن محمد القزويني (605هـ/ 1203م-682هـ/ 1283م) بأنه اقتبس معلوماته عن كتاب لمُسعِر بن مُهَلْهِل بعنوان عجائب البلدان، زعمًا يستحق النظر[8].
الرسالة الأولى
أثار نشر رسالة أبي دُلَف الأولى موجة من التشكيك من جانب المستشرقين الذين درسوها، والسبب هو خط سيرها غير المنتظم. ولكن، بعد مناقشة كثير مما ورد فيها من معطيات جغرافية وبشرية، توصل الدارسون إلى صحتها، وعزوا هذا الاضطراب إلى أسلوب أبي دُلَف الذي لم يُراعِ التسلسل الزمني لرحلته، بقدر عنايته بسرد الغرائب[9].
تبدأ رسالة مُسعِر بن مُهلهِل الأولى من بخارى، وفي طريقه يذكر الكثير عن القبائل التركية التي رآها ومكث عند بعضها قبل وصوله إلى سندابل، عاصمة ملك الصين المدعو فولين بن الشّخير. وبعد خروجه من سندابل يسير بمحاذاة الساحل حتى يصل إلى كله بار، أي كوالالمبور في ماليزيا الحالية. ومن هناك، يتجه إلى بلد الفلفل (الماليبار) {{بلد الفلفل (الماليبار): تقع في الساحل الجنوبي الغربي من الهند. كانت تاريخيًّا مركزًا تجاريًّا مهمًا بفضل موقعها على ساحل بحر العرب، واشتهرت بتجارة التوابل، خصوصًا الفلفل الأسود، وكانت مقصدًا للعديد من الرحالة والتجار العرب والبرتغاليين. دخلها الإسلام في وقت مبكر عبر التجار العرب، تضمّ مجتمعًا مسلمًا كبيرًا يُعرف باسم "المابيلا".}} التي وصلها على ما يبدو عن طريق سرنديب (سريلانكا)، متخذًا الطريق الذي كان يسلكه الرحالة العرب. ومن بلد الفلفل ينتقل أبو دُلَف إلى الساحل الغربي من الهند، ومنها إلى مدينة طابان {{طابان: من المدن التي كانت تقع ضمن إقليم السند، في منطقة جنوب باكستان الحالية. كانت طابان تُعرف بوصفها مركزًا عمرانيًّا ضمن الطريق التجاري الذي يربط الهند بالعالم الإسلامي، واشتهرت بخصوبة أرضها ونشاطها الزراعي والتجاري.}} في بلاد السند، ثم يعود ليحدثنا عن مدينة في جنوب الهند تُدعى مندورقين {{مندورقين: إحدى القرى أو المناطق الريفية الواقعة قرب مدينة كولم في ولاية كيرالا بجنوب الهند.}}، التي تقع قرب كولم {{كولم: يقع على الساحل الجنوبي الغربي للهند في ولاية كيرالا، يعدّ من أقدم المواني التجارية في البلاد. وكان مركزًا مهمًا للتجارة البحرية مع العرب، والرومان، والصينيين، ولا سيما في تجارة الفلفل والتوابل.}}، وهو الميناء الذي تنطلق منه السفن إلى عُمان، ليعود مرة أخرى إلى الشمال، ويحدثنا عن الملتان {{الملتان: تعدّ من المدن أو المراكز الإقليمية المهمة خلال العصور الإسلامية المبكرة، وتقع تقريبًا في جنوب باكستان الحالية، قرب مدينة ملتان.}} في بلاد السند. هذه الانتقالات هي التي سببت الإرباك عند الباحثين المشككين في رحلته[10].
الرسالة الثانية
غلاف كتاب الرسالة الثانية لأبو دلف مسعر بن مهلهل الخزرجي الينبوعي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تبدأ رسالة أبي دُلَف الثانية من مدينة الشيز {{الشيز: تُعرف أيضًا باسم شِزّ، تقع في جنوب منطقة أذربيجان الإيرانية، وكانت من المدن التاريخية المهمة في العصور القديمة، خصوصًا في العصر الساساني.}}، جنوبي أذربيجان، ويسير شمالًا حتى يبلغ مدينة باكو، ومنها ينطلق إلى تفليس {{تفليس: تعرف اليوم باسم تبليسي، وهي عاصمة جورجيا، وتقع في قلب منطقة القوقاز، وقد تأسست في القرن الخامس الميلادي، وموقعها على طرق التجارة القديمة.}} على البحر الأسود، ثم يعبر إلى أردبيل في بلاد شهرزور {{شهرزور: منطقة تاريخية قديمة تقع بين جبال زاغروس وسهول الرافدين، وتُعدّ من أقدم مناطق كردستان التاريخية. تعود أصول اسمها إلى العصور القديمة.}}، ومنها يتوجه إلى كرمسين {{كرمسين: تقع في غرب إيران قرب الحدود مع العراق. كانت كرمسين قديمًا مركزًا مهمًا في العصور الساسانية والإسلامية، واشتهرت بموقعها الاستراتيجي على الطرق التجارية بين إيران والعراق.}}، وهمدان {{همدان: تقع في غرب إيران، وتُعدّ من أقدم مدن العالم، حيث عرفت في العصور القديمة باسم أكباتانا، وكانت عاصمة للميديين في القرن السابع قبل الميلاد.}}، والري وطبرستان وقومس {{قومس: تقع في شمال شرق إيران، وكانت تعدّ بوابة بين الهضبة الإيرانية وشرق خراسان، ولها موقع استراتيجي على طرق التجارة والقوافل. ازدهرت في العصور الساسانية والإسلامية.}}، وطوس، ونيسابور وصولًا إلى هيرات. وبعد ذلك، انتقل إلى أصفهان ومدن الأهواز وعندئذٍ تنتهي الرسالة.
وكما هي الحال فيما يخص الرسالة الأولى، فإن أبا دُلَف لا يلتزم بترتيب متسلسل، ما حدا ببعض الدارسين إلى التشكيك في زيارته فعلًا بعض الأماكن التي ذكرها، مثل الديلم وخوارزم، مستدلّين على رأيهم بأن أوصافه كانت مختصرة. وتدل بعض التواريخ الواردة في متن الرسالة على أنه ربما زار المنطقة مرات عدة، وأنه دوَّن رسالته من مواد جمعها فيما بعد من أسفاره الكثيرة[11].
يبدو أبو دُلَف في رسالتَيْه رجلًا مثقفًا جغرافيًّا، قد التزم فيهما بتقاليد الأدب الجغرافي العربي، من حيث عرضه للطرق والمسالك، وأوصافه للمدن. غير أن النزعة العجائبية غلبت على كثير مما كتب، والسبب أن دافعه للخروج في الرحلات نابع من سعي ذاتي، أكثر من كونه سفرًا قصديًّا بهدف الاستكشاف أو التجارة. وكما أوضح في مقدمتَي رسالتَيْه، كان الهدف من تدوينهما هو إشباع رغبة الشخصَيْن المقصودَيْن في المقدمة، في الاطلاع على الفوائد والغرائب مما رآه وسمعه في أسفاره الكثيرة، وهذا ما غاب عن بعض الدارسين الذين حكموا بخيالية كثير مما جاء في الرسالتَيْن.
المصادر والمراجع
ابن النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق. الفهرست. تحقيق الشيخ إبراهيم رمضان. بيروت: دار المعرفة، 1997.
الثعالبي، أبو منصور عبد الملك. يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. تحقيق مفيد محمد قميحة. بيروت: دار الكتب العلمية، 1983.
الخزرجي الينبوعي، أبو دلف مسعر بن مهلهل. الرسالة الأولى. دراسة وتحقيق مريزن سعيد مريزن عسيري. مكة المكرمة: جامعة أم القرى، 1995.
________. الرسالة الثانية. تحقيق بطرس بولغانوف وأنس خالدوف، ترجمة محمد منير موسى. القاهرة: عالم الكتب، 1970.
القزويني، زكريا بن محمد. آثار البلاد وأخبار العباد. بيروت: دار صادر، 1960.
كراتشكوفسكي، إغناطيوس يوليانوفتش. تاريخ الأدب الجغرافي العربي. ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم. القاهرة: الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1961.
[1] أبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري، يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، تحقيق مفيد محمد قميحة، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1983)، ص 413.
[2] ابن النديم، الفهرست، تحقيق الشيخ إبراهيم رمضان، ط 2 (بيروت: دار المعرفة، 1997)، ص 422.
[3] أبو دلف مسعر بن المهلهل الخزرجي، الرسالة الأولى، دراسة وتحقيق مريزن سعيد مريزن عسيري (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، 1995)، ص 39.
[4] الثعالبي، ص 414.
[5] إغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم (القاهرة: الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1961) ص 189.
[6] أبو دلف، الرسالة الأولى، ص 37.
[7] أبو دلف مسعر بن المهلهل الخزرجي، الرسالة الثانية، تحقيق بطرس بولغانوف وأنس خالدوف، ترجمة محمد منير مرسي (القاهرة: عالم الكتب، 1970)، ص 29-30.
[8] زكريا بن محمد القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد (بيروت: دار صادر، 1960)، ص 97.
[9] كرافتشكوفسكي، ص 190.
[10] أبو دلف، الرسالة الأولى، ص 32-33.
[11] أبو دلف، الرسالة الثانية، ص 20-21.