عبد الله التل (1918-1973) قائدٌ عسكريٌّ أردنيّ، يُعَدّ من أبرز القادة العسكريين الأردنيين الذين ارتبط اسمهم بحرب فلسطين عام 1948، إذ تولَّى قيادة الكتيبة السادسة في الجيش العربي التي دافعت عن البلدة القديمة في القدس، وانتهى القتال فيها باستسلام الحَيّ اليهودي. شكَّلت تجربته في تلك الحرب محطّة فارقة في مسيرته السياسية الفكرية اللاحقة؛ فقد تولَّى بعدها منصبَ حاكم القدس العسكري، ثم متصرّفها، قبل أن تتوتّر علاقته بالقيادة البريطانية ممثّلةً بكلوب باشا؛ ما أدّى إلى استقالته ورحيله إلى المنفى في القاهرة، وخلال إقامته هناك، أصدر مؤلَّفاته الفكرية والسياسية التي كان أبرزها
كارثة فلسطين، الذي مثَّلَ شهادة نقدية على أداء القيادات العربية في الحرب.
عاد التل إلى الأردن في ستينيات القرن العشرين بعد صدور العفو العامّ، وتولَّى مناصبَ رسميةً عدّة، من بينها محافظ وعضو في مجلس الأعيان، حتى وفاته عام 1973، بعد مسيرة جمعت بين البطولة الميْدانية، والفكر القومي الناقد، والتحوّل السياسي المتَّزن، في مراحله الأخيرة.
حياته المدنية
وُلد عبد الله يوسف التل عام 1918 في مدينة
إربد شمال الأردن[1]، في مرحلة شهدت فيها المنطقةّ تحوّلات كُبرى عقب انهيار
الدولة العثمانية {{الدولة العثمانية: هي إمبراطورية إسلامية، تأسَّست عام 1299، واستمرّت حتى عام 1923. حكمت مناطقَ واسعةً من آسيا وأوروبا وأفريقيا، بما فيها بلاد الشام، واتَّسَم حكْمُها بالمركزية والسلطوية، وواجهت انتقادات بسبب الاستبداد والتتريك. ضعفت في القرن التاسع عشر؛ ما مهَّدَ لظهور الحركات القومية والثورات العربية.}} وبداية
الانتداب البريطاني {{الانتداب البريطاني: هو نظامٌ سياسيٌّ فرضَتْه عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، فتولَّت بريطانيا بموجبه إدارة مناطق عربية، منها: فلسطين، وشرق الأردن. بدأ عام 1920، واستمرَّ حتى استقلال الأردن عام 1946، وكان هدفه المُعلَن إعداد الشعوب للحُكْم الذاتي، لكنّه ارتبط بالسيطرة الاستعمارية، وتنفيذ وعد بلفور في فلسطين؛ ما أثار مقاومة شعبية واسعة.}} على
فلسطين، وبروز
المشروع الصهيوني فيها، وتنامي المشاعر القومية في المنطقة[2].
نشَأ التل في بيئة مُحافِظة، وسط أُسرة تتّسم بالالتزام الديني، والوعي الاجتماعي، وتنتمي إلى إحدى أعرق عشائر مدينة إربد، وهي عشيرة التل[3]. تلقَّى تعليمه في مدارس المدينة الحكومية، في وقتٍ كانت فيه
إمارة شرق الأردن لا تزال في طَوْر البناء الإداري والمؤسَّسي، وحصل على شهادة الثانوية (المترك) عام 1937 من
مدرسة السلط الثانوية[4]، وعمل بعد تخرّجه مُوظّفًا في دائرة الجوازات خمس سنوات (1937-1942)[5].
تزوَّج التلّ عام 1944 آسيا أحمد مسمار من مدينة السلط، وأنجبا بعد الهجرة إلى
مصر خمسة ذكور، هم: منتصر، وصلاح، وأسامة، وخالد، وحمزة، أمّا من الإناث، فلم يُنجِبا إلّا ابنة واحدة هي إيناس، وكان قد اختار لابنه البكر اسم "منتصر"، فغدت كنيتُه أبا المنتصر؛ انطلاقًا من إيمانه بانتصاره على الصهاينة في حرب 1948؛ ما كان مصدرَ اعتزازٍ حقيقيٍّ له[6].
حياته العسكرية
انخرط التلّ عام 1942 في صفوف
الجيش العربي الأردني برتبة ملازمٍ ثانٍ، وهو الجيش الذي تشكَّلت نواته عام 1921، مع تشكّل أوّل حكومة في شرق الأردن[7]. وحمَلَ في سجلّ الجيش رقم 147[8]، وقد مَثَّل خيار الالتحاق بالمؤسسة العسكرية آنذاك فرصةً اجتماعيةً ومهنيةً مرموقة[9].
كان الجيش لا يزال تحت الإشراف البريطاني المباشر بقيادة الجنرال
جون باغوت كلوب (John Bagot Glubb، 1897-1986)، المعروف بكلوب باشا، والذي تمتَّع بصلاحيات شبه مطلقة في إدارة المؤسسة العسكرية الأردنية، وكانت صلاحيته في الجيش موضعَ انتقاد شعبيّ في شرقي الأردن[10].
توتّرت العلاقة بين التلّ وكلوب لاحقًا؛ إذ عَدَّ هذا الأخير التلَّ شخصيةً صلبةً[11] غيرَ قابلة للتطويع ضمن النظام العسكري، أمّا التلّ، فقد رأى في كلوب نموذجًا لـ"الإدارة الأجنبية المُقنَّعة التي تُعيق [إمكانات] النصر العربي"، ورأى أنَّ "الجيش العربي كان خاضعًا لأوامر الجيش الإنكليزي"[12]، وقد تجلّى هذا التوتر بوضوحٍ خلال معركة
القدس؛ حين أبدى التل استقلاليةً واضحةً في اتخاذ القرار؛ ما أثار حفيظة القيادة المركزية آنذاك[13].
أظهر التل في سنوات خدمته المبكّرة حِسًّا وطنيًا وحنْكةً ميْدانيةً لافتة؛ ما أدّى إلى تقدّمه في الرُّتب العسكرية في وقت وجيز؛ فقد نال أربع ترقيات خلال ستّ سنوات، وتولّى مواقعَ متقدمةً في القيادة الميْدانية، أبرزها: تعيينه حاكمًا عسكريًا للقدس وهو في الثلاثين من عمره، ثمّ متصرّفًا لها برتبة زعيم[14].
وقد شغل التل وظائفَ عدّة بحسب التسلسل الزمني الآتي: مدير قلم لواء السيارات- المعسكر برتبة ملازم ثانٍ (1941-1942)، ولواء السيارات الأول- المعسكر برتبة ملازم أول (1942-1944)، والحامية الثانية- المعسكر (نيسان/ أبريل 1944- آب/ أغسطس 1944)، ومساعد الرئيس- مدرسة التعليم الحربي برتبة نقيب (رئيس) (أيلول/ سبتمبر 1944- آذار/ مارس 1945)، وقائد السرية العاشرة- اللطرون (آذار/ مارس 1945- كانون الأول/ ديسمبر 1945)، وقيادة سرية التعزيز (كانون الأول/ ديسمبر 1945- شباط/ فبراير 1946)، وأركان حرب- الكتيبة الثانية (شباط/ فبراير 1946- آذار/ مارس 1946)، وأركان حرب- مركز التدريب (آذار/ مارس 1946- كانون الأول/ ديسمبر 1947)، وقائد قوّة حرس القوافل العسكرية (كانون الأول/ ديسمبر 1947- أيار/ مايو 1948)، وقائد الكتيبة السادسة برتبة رائد (ميجر) (أيار/ مايو 1948- أيلول/ سبتمبر 1948)؛ والحاكم العسكري لمدينة القدس (أيلول/ سبتمبر 1948- آذار/ مارس 1949)[15].
أوفدت قيادة الجيش العربي عبدالله التل أثناء تولّيه رتبة نقيب (رئيس) في جولة ثقافية إلى
بريطانيا عام 1947، استمرّت 8 أسابيع، دوَّنَ خلالها يومياته عن مشاهداته في تلك الرحلة وانطباعاته عنها في كتابه
رحلة إلى بريطانيا[16]. ومِن أبرز الدورات التي التحق بها: دورة أركان حرب، ثمّ التحق بالفرقة البريطانية الأولى في صرفند، حيث شارك في تدريب مُتطوّعين فلسطينيين[17]، ومع تصاعد الأحداث في فلسطين، تقاطعت اهتماماته السياسية والفكرية مع مهمته العسكرية، وهو ما شكَّلَ ملامح مسيرته اللاحقة[18].
معركة القدس
تُعَدّ معركة القدس عام 1948 من أبرز المحطات في مسيرة التل؛ فمع انسحاب القوات البريطانية من فلسطين في 15 أيار/ مايو 1948، أضحت مدينة القدس مُهدّدةً بالسقوط في يد القوات الصهيونية، التي كانت تحاول فرض وقائع جديدة على الأرض وإعلان قيام دولة
إسرائيل[19]. في ظلّ تلك الأوضاع الحَرِجة، تولَّى التل قيادة الكتيبة الميْدانية السادسة في الجيش العربي الأردني، التي أُوكِلت إليها مهمّة الدفاع عن
القدس الشرقية {{القدس الشرقية: هي الجزء الشرقي من مدينة القدس، وتشمل البلدة القديمة والمواقع الدينية المقدسة، مثل: المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة. كانت تحت الحكم الأردني منذ عام 1948، حتى احتلّتها إسرائيل في حرب 1967. تُعَدّ وفق القانون الدولي أرضًا محتلة، ويطالب الفلسطينيون بها عاصمةً لدولتهم المستقبلية خلال حرب 1948[20]. وقد تمركزت قوّاته في مدينة القدس، تحديدًا داخل البلدة القديمة. وأظهر التل شجاعة ميدانية وحُسْنَ تنظيم، وبرز بوصفه قائدًا ميدانيًا صاحب حضور[21].
نفَّذَ التل عمليات عسكرية مُحْكَمة، واستطاع بالتنسيق مع الجيش العربي والمتطوّعين الفلسطينيين[22] صدَّ الهجوم اليهودي على البلدة القديمة، وفرضَ السيطرةِ على
الحي اليهودي {{الحي اليهودي في القدس: هو أحد أحياء البلدة القديمة، يقع جنوب شرقها. سكنَهُ اليهود تاريخيًّا، لكنّهم غادروه عام 1948 بعد الحرب، ثمّ أعادت إسرائيل ترميمه بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967. يضمُّ مواقعَ دينيةً، مثل حائط البراق، وهو جزء من القدس المحتلّة وفق القانون الدولي.}} الذي استسلم في 28 أيار/ مايو 1948، بعد حصارٍ دام أكثر من أسبوعَيْن، وذلك في واحدٍ من أهمّ النجاحات العربية في تلك الحرب. وقد سمح للمدنيين اليهود بالخروج بإشراف
الصليب الأحمر، لكنّه أَسَرَ المقاتلين وتعامَلَ معهم وفق القواعد العسكرية؛ فنُقِل أكثر من 340 منهم إلى
عمان تحت إشراف القوات الأردنية[23]. تلقّى التل آنذاك تهانيَ عدّةً على "البطولة الفائقة التي بذلها" في تلك المعركة[24]، بما في ذلك برقية تهنِئةٍ من
الملك عبد الله الأول بن الحسين (1882-1951)، أعرب فيها عن رضاه عن سيْر المعركة[25].
وقد وثَّق التلّ تفاصيلَ هذه المعركة في كتابه
كارثة فلسطين، مشيرًا إلى الصعوبات الميدانية والتضارب في التعليمات التي صدرت من القيادة، علاوة على الغياب المتعمَّد في نظره للدعم المدفعي رغم مناشداته المتكرّرة للقيادة العامة[26]. وقد حاول التلّ تقديم استقالته في 14 أيلول/ سبتمبر 1948، في خطابٍ أرسلَهُ إلى وزير الدفاع في الأردن؛ بسبب رفض القيادة زيادة قواته في القدس، إلّا أنّ الملك عبد الله الأول رفضها بنفسه، واصفًا التل بقوله: "هذا سيفنا وسندنا، والله ما يجوز يخلينا"[27].
ونظرًا لِما بذلهُ التل من بسالة وشجاعة في ميدان القتال، وفي معركة القدس تحديدًا، نال
وسام الإقدام {{وسام الإقدام العسكري: هو وسام أردني يُمنَح للعسكريين؛ تقديرًا لشجاعتهم وخدمتهم الميدانية المتميّزة. يُمنَح من القيادة العُليا للقوات المسلحة، ويُعَدّ من رموز التكريم الرسمية في المملكة. ويُمنَح عادةً لضُبّاط وأفراد شاركوا في عمليات نوعية، أو أظهروا تفانيًا في أداء الواجب العسكري.}} -وهو أرفع الأوسمة العسكرية في الأردن، هو وثلة من الضباط والجنود، علاوة على كتاب تقدير من رئيس أركان حرب
الجيش العربي الأردني[28].
وفي مذكّراته، دوّنَ التل تفاصيلَ دقيقةً عن تلك المواجهات العسكرية[29]، مُوثِّقًا بأسلوبٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ "غدْرَ" بعض الأنظمة العربية -حسب تعبيره-، وضعفَ التنسيق بين الجيوش العربية، وتقاعسَ بعض القيادات وتواطُؤَها مع القوى الدولية التي ساندت المشروع الصهيوني، مستندًا في ذلك إلى مشاهداته المباشرة ولقاءاته مع كلوب باشا وزُعماء محليّين[30].
قرَّرت الحكومة الأردنية تعيين التل مُلحَقًا عسكريًا في السفارة الأردنية بلندن، الأمر الذي لم يرُقْ له؛ ذلك أنه شعر بحسب ما جاء في مذكراته بتضييق عليه ونية لإبعاده عن الأردن وفلسطين، وهو ما أدّى به إلى تقديم استقالته من خدمة الحكومة متصرّفًا للواء القدس في 7 حزيران/ يونيو 1949، ليعود من هناك إلى مسقط رأسه مدينةِ إربد[31].
التوتر مع النظام الأردني والمنفى
رغم أنّ التل عُدَّ بطلًا قوميًا في نظر كثيرين بعد معركة القدس، فإنّ علاقته بالنظام الأردني دخلت منعطفًا خَطِرًا عقب انتهاء العمليات العسكرية في فلسطين؛ فقد عُرِفت عنه صراحته الحادّة، وانتقاداته المتكرّرة لسياسات الحكومة، وتحديدًا فيما يخصّ الموقف من القضية الفلسطينية والعلاقة مع بريطانيا. وظهر ذلك واضحًا في مذكّراته ودعوته إلى إنهاء السيطرة البريطانية على الجيش الأردني[32]. وقد قدَّم كلوب باشا تقريرًا إلى الملك عبد الله يقول فيه إنّ: "حاكم القدس عبد الله التل قد أصبح خطرًا يُهدِّد كيان الأردن"[33]، علاوة على اتّهامه بعد عودته من القدس إلى إربد بالشروع في محاولة انقلاب على النظام في الأردن. وكان التل قد ذكر في مذكّراته أنّه تواصل مع حسني الزعيم (1897-1949) في سورية؛ ليساعده في الانقلاب[34]، واصفًا ما حدث معه في تلك المرحلة بقوله: "كنتُ يومذاك شابًّا في الثلاثين من العمر، ولا شكّ أنّني تأثّرتُ بالجوِّ المحيط بي في القدس وفلسطين. كنت أؤمن بأنّ العرب يستطيعون فعل الكثير، وأنّنا نستطيع أن نطرد الإنكليز من قيادة الجيش، وقد فاتحتُ بهذا ضُبّاطًا أذكر منهم:
محمود الموسى، وعلي أبو نوار، وبلغ بنا الأمر أننا اتّصلنا بالأمير
طلال وعرضنا عليه الفكرة، فوافق عليها، ولكنَّ كلوب عرف بهذه الاتصالات، فأوهم الملك عبد الله بأنني أُعِدُّ العدّةَ للانقلاب. ومن هنا، صار الترتيب لنقلي مُلحَقًا عسكريًا في السفارة الأردنية في لندن. عندئذٍ، دخل في روعي أنّ الإنكليز يُدبّرون مكيدةً لي فاستقلت"[35].
وفي أواخر عام 1949، قرَّر التل مغادرة الأردن، فتوجَّه أولًا إلى سورية، ومنها إلى مصر حيث استقرّ في القاهرة[36]، وحرص على ألّا تظلّ مغادرته مرتبطة بأيّ حدث سياسي داخلي[37]. في القاهرة، عَدّته السلطات المصرية لاجِئًا سياسيًا؛ فلَقِي هناك ترحيبًا غير رسمي في الأوساط القومية والفكرية، وعاش بوصفه مناضلًا فكريًا، وبدأ بكتابة المقالات السياسية والعسكرية في صُحُفٍ مصرية بارزة[38]؛ إذ وفَّرت له الدولة المصرية آنذاك فضاءً للنشر والتعبير، إلّا أنّه في الوقت نفسه ظلَّ مُحتفِظًا بمساحة شخصية؛ فلم ينضمّ إلى أيّ حزب أو تنظيم، وحصل على درجة الماجستير في
التاريخ الإسلامي عام 1965 من جامعة الأزهر أثناء إقامته هناك، وكانت دراسته بعنوان "خطر اليهودية على الإسلام والمسيحية"[39].
وبعد اغتيال الملك عبد الله الأول عام 1951، راجت شائعات بشأن ضلوع التل في تحريضٍ سياسيّ، أو على الأقلّ علمه بمخطّطات بعض التنظيمات القومية التي كانت تنشط آنذاك، إلّا أنّه نفى أن تكون له أيّ صلة أو علم بأمر الاغتيال[40].
فكره وكتاباته
غلاف كتاب كارثة فلسطين: مذكرات عبد الله التل قائد معركة القدس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ألَّفَ عبد الله التل عددًا من الكتب والمقالات، أبرزها كتابه الشهير
كارثة فلسطين: مذكرات عبد الله التل قائد معركة القدس، الصادر عام 1959، الذي يُمثِّل مزيجًا من السيرة الشخصية والتاريخ السياسي العسكري. في الكتاب، قدَّمَ التل سردًا تفصيليًّا لأحداث حرب 1948، ووَسَّع السّرد فشمل نقدًا للقيادات العربية والقصور السياسي في التعامل مع المشروع الصهيوني، وكتب في مقدّمته: "فلسطين لم تُخسَر في الميدان فقط، بل خُسرت قبل ذلك في مكاتب المؤتمرات وفي صمت العواصم". وقد أثار الكتاب جدلًا واسعًا، لا سيّما في الأوساط الرسمية، إلّا أنّه لَقِي اهتمامًا في أوساط الباحثين الفلسطينيين والعرب[41].
وَثَّقَ التل شهاداته الميدانية، مُستخدِمًا لغة نقدية رصينة تميّزت بروح نقدية وطنية، مع تفنيد مدعَّم بالوثائق والمراسلات، ولُصَ من خلال تحليله إلى أنّ قيادة كلوب باشا للجيش العربي اتَّسمت بعقليّةٍ إمبراطوريّةٍ بريطانية؛ الأمر الذي أسهم -في تقديره- في تكوين ملامح الهزيمة قبل وقوع المعركة[42].
تميَّزَ خطاب التلّ في كتاباته بلغة قومية واضحة تُزاوِجُ بين العاطفة والبرهان؛ فكان يميل إلى التحليل السياسي العميق المَبنيّ على التجربة الميدانية، مؤمنًا بأنّ فلسطين قضية دينية مقدّسة في المقام الأول[43].
ألَّف التلّ، إلى جانب كتابه الأشهر
كارثة فلسطين، كُتُبًا أخرى، منها: كتابه
رحلة إلى بريطانيا الذي صدر عام 1947[44]، وكتابه عن رسالة الماجستير الذي صدر عام 1964، وعنوانه
خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية[45]، وأصدر عام 1971 كتابَيْه:
جذور البلاء، والأفعى اليهودية في معاقل الإسلام، اللذَين تضمَّنا أطروحته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، إلّا أنّ عودته إلى الأردن عام 1965 حالت دون مناقشتها[46]، فضلًا عن مجموعة مقالات في صُحُف ومجلات مصرية عدّة، منها: مجلة
آخر ساعة، وجريدة
الأهرام[47].
العودة إلى الأردن والوفاة
عاد التلّ إلى الأردن في أواخر ستينيات القرن العشرين، بعد غيابٍ دام أكثر من عقد ونصف العقد في المنفى، وجاءت عودته عقب صدور العفو العامّ الذي أعلنه الملك حسين عام 1965[48]، الذي شمل اللاجئين السياسيّين وسَمَحَ بعودتهم إلى البلاد.
كتبَ التل يوم الأربعاء 7 نيسان/ أبريل 1965: "انتهى اللجوء السياسي لأحرار الأردن، ولا بدّ من عودتهم جميعًا"[49]. وبعث برقية شكر إلى الملك حسين، أعرب فيها عن امتنانه لإصدار ذلك العفو الذي أنهى وضعَه بوصفه لاجئًا سياسيًا في مصر[50].
وفي عام 1973، تُوفّي التل عن عمر ناهز 55 عامًا، بعد التهابات في الرئة ناجمة عن مضاعفاتِ مرض السكّري، ووافته المنية في مستشفى عمّان، المعروف اليوم بمستشفى الجامعة الأردنية، ودُفِن في مدينة إربد مسقط رأسه[51].
وفي السنوات الثماني الأخيرة من حياته التي قضاها في الأردن، عمل التل بنشاطٍ في مجال الدعوة الإسلامية، وكان من الوجوه البارزة في المؤتمر الإسلامي العامّ. كذلك أدّى مناسك العمرة خلال إحدى زياراته إلى الحجاز. وبعد بضع سنوات، عاد إلى العمل الرسمي في الدولة، حيث عُيِّن محافظًا في وزارة الداخلية (تشرين الثاني/ نوفمبر 1970كانون الأول/ ديسمبر 1971)، ثم عُيِّن عضوًا في مجلس الأعيان (1971-1972)[52].
تُشير مواقف التل بعد عودته إلى الأردن إلى تحوُّلٍ ملموس في رؤيته السياسية مقارنةً بما كتبه في منفاه في مصر، إذ إنه أعاد النظر في مواقفه السابقة من القيادة السياسية الأردنية خلال حرب 1948، وتوصَّل إلى قناعةٍ مُغايِرَةٍ مفادها أن الملك عبد الله الأول كان واقعيًا في تقديراته السياسية والعسكرية، وأن قراراته آنذاك كانت مستندةً إلى اعتبارات تتعلق بمصالح الدولة الأردنية واستقرارها الداخلي[53].
المراجع
التل، أحمد يوسف.
عبد الله التل: بطل معركة القدس. عمان: دار الفرقان، 1999.
التل، عبد الله.
كارثة فلسطين: مذكرات عبد الله التل قائد معركة القدس. ط 2. القاهرة: دار الهدى، 1990.
جريدة الدفاع. العدد 3942. 23/4/1948.
خريسات، محمد عبد القادر.
الأردنيون والقضايا الوطنية والقومية:
دراسة في الموقف الشعبي الأردني 1918-1939. عمان: وزارة الثقافة، 2020.
ظبيان، تيسير.
الملك عبد الله كما عرفته. عمان: المطبعة الوطنية ومكتبتها، 1967.
العارف، عارف.
النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود، 1947-1952. صيدا: المكتبة العصرية، 1956.
مجلة الصريح. العدد 87 (27 كانون الثاني/ يناير 1947).
مجلة القافلة. العدد 2424 (12 كانون الأول/ ديسمبر 1947).
الموسى، سليمان.
وجوه وملامح: صور شخصية لبعض رجال السياسية والقلم. ط 2. عمان: دار ورد الأردنية؛ أمانة عمان الكبرى 2011.
[1] سليمان الموسى،
وجوه وملامح: صور شخصية لبعض رجال السياسية والقلم، ط 2 (عمان: دار ورد الأردنية؛ أمانة عمان الكبرى 2011)، ص 239.
[2] عبد الله التل،
كارثة فلسطين: مذكرات عبد الله التل قائد معركة القدس، ط 2 (القاهرة: دار الهدى، 1990)، ص 261؛ محمد عبد القادر خريسات،
الأردنيون والقضايا الوطنية والقومية:
دراسة في الموقف الشعبي الأردني 1918-1939 (عمان: وزارة الثقافة، 2020)، ص 33.
[3] أحمد يوسف التل،
عبد الله التل: بطل معركة القدس، ج 1 (عمان: دار الفرقان، 1999)، ص 19.
[4] المرجع نفسه، ص 31.
[5] الموسى، مرجع سابق.
[6] أحمد التل، ص 34.
[7] المرجع نفسه.
[8] المرجع نفسه، ص 31.
[9] المرجع نفسه.
[10] عبد الله التل، ص 81، 115، 179.
[11] المرجع نفسه، ص 593.
[12] . عارف العارف،
النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود، 1947 – -1952، ج 1، ( صيدا – بيروت: المطبعة المكتبة العصرية، 1956)، ج1، ص 295.
[13] عبد الله التل، ص 210، 217.
[14] أحمد التل، مرجع سابق.
[15] عبد الله التل، ص 2، 12، 16.
[16]مجلة القافلة، العدد 24 (12 كانون الأول/ ديسمبر 1947)، ص 11، 15.
[17] . عبد الله التل، كارثة، ص 2، 12.
[18] الموسى، ص 251.
[19]المرجع نفسه، ص 110.
[20] العارف، ص 297.
[21] أحمد التل، ص 142-143، 171-172، 176.
[22] العارف، ص 319.
[23] عبد الله التل، ص 136-138.
[24]جريدة الدفاع، العدد 3942، 23/4/1948، ص 2.
[25] عبد الله التل، ص 140-141.
[26] المرجع نفسه، ص 142-145.
[27] المرجع نفسه، ص 338-339.
[28] المرجع نفسه، ص 346-348.
[29] المرجع نفسه، ص 566-567.
[30] العارف، ج 3، ص 614، 658-660.
[31] عبد الله التل، ص 584-586.
[32] المرجع نفسه، ص 569-571.
[33] المرجع نفسه، ص 582.
[34] المرجع نفسه، ص 589.
[35] الموسى، ص 244.
[36] عبد الله التل، ص: ط.
[37] المرجع نفسه، ص 597-599.
[38]مجلة الصريح، العدد 87 (27 كانون الثاني/ يناير 1947)، ص 2.
[39] الموسى، ص 260.
[40] عبد الله التل، ص 599؛ الموسى، ص 249.
[41] الموسى، ص 250، 252.
[42] عبد الله التل، ص هـ- ز.
[43] أحمد التل، ج 2، ص 732، 7666.
[44]مجلة القافلة.
[45] أحمد التل، ص 979.
[46] الموسى، ص 251.
[47] العارف، ص 540.
[48] أحمد التل، ص 970.
[49] المرجع نفسه.
[50] المرجع نفسه، ص 971.
[51] الموسى، ص 256.
[52] أحمد التل، ص 973.
[53] للاطلاع على رسالة بخط القائد عبد الله التل ينظر: تيسير ظبيان،
الملك عبد الله كما عرفته (عمان: المطبعة الوطنية ومكتبتها، 1967)، ص 12-15.