الموجز
عبد العزيز بن إبراهيم العظمة (15 كانون الثاني/ يناير 1856–6 تشرين الثاني /نوفمبر 1943) إداري عثماني، ومؤرخ سوري من دمشق، اشتهر بكتاب مرآة الشام: تاريخ دمشق وأهلها الصادر عام 1987 بعد وفاته.
كان عضوًا في هيئة تحرير جريدة سورية الرسمية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ثم متصرفًا في اليمن والعراق وفلسطين وطرابلس الشام.
النشأة والتعليم
وُلد عبد العزيز العظمة في حارة الصمادية في حي الشاغور الدمشقي[1]. استهل مساره التعليمي التقليدي في كُتّاب الشيخ يوسف الداراني، حيث أتم حفظ القرآن الكريم، ثم تابع تحصيله العلمي في مدرسة الشيخ عبد اللطيف الصوفي، بالقرب من حمام القاضي، ثم انتقل إلى مدرسة عبد الصمد أفندي الطاغستاني الكائنة في جامع يلبغا. توج العظمة مرحلته الدراسية بالتحاقه بالمدرسة الرشدية الملكية في قبة الملك الظاهر، وهي إحدى الثمار التربوية لحركة التنظيمات العثمانية التي شهدها القرن التاسع عشر، ما أهله لدخول سلك الوظيفة العامة في الدولة العثمانية وهو في سن الرابعة عشرة، ليبدأ بذلك مسيرة إدارية وبيروقراطية طويلة استندت إلى تكوين تعليمي حديث في حينه[2].
في السلك الإداري العثماني
التحق العظمة بالعمل الإداري عام 1871 قبل انتقاله إلى جريدة سورية الرسمية عام 1884، حيث عمل محررًا لسنوات طويلة، قبل أن يُعيَّن بمنصب باشكاتب أركان الحرب في الجيش الخامس عام 1895، وبعدها مديرًا للشعبة الأولى في إدارة الجيش العثماني السابع في اليمن في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1898.
في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1902، أصبح متصرف الحُدَيدة، حيث دون الكثير من المشاهدات في عمله بشأن الإدارة والمجتمع والعادات والأبنية، جُمعت في كتاب صدر باللغة الإنكليزية بعد وفاته، ولا يزال المخطوط الأصلي محفوظًا في دار الكتاب في صنعاء[3].
عقب تجربته في اليمن، استقر عبد العزيز العظمة لفترة في إسطنبول قبل أن يُستأنف مساره الإداري بتعيينه متصرفًا لـلواء العمارة في العراق في 7 حزيران/ يونيو 1905، نُقل بعدها إلى إمارة المنتفق العشائرية العراقية في 15 أيار/ مايو 1906، لعدم ملاءمة المناخ، لينتقل إلى نابلس في 25 آب/ أغسطس من العام نفسه[4]. اختتم العظمة مسيرته الوظيفية بتولي متصرفية طرابلس الشام في تشرين الثاني/ نوفمبر 1907 حتى إحالته على التقاعد عام 1908، لينصرف بعدها للعمل الأهلي بدمشق إبان الحرب العالمية الأولى من خلال رئاسته لجمعية تُعنى بشؤون الجرحى والمستشفيات[5].
الأوسمة
خلال مسيرته في العمل الرسمي مع الدولة العثمانية، نال عبد العزيز العظمة عدة أوسمة رفيعة تقديرًا لخدماته، فقد مُنح الوسام العثماني من الدرجة الرابعة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1892، ثم رُفع إلى الدرجة الثالثة من الوسام ذاته في 8 آب/ أغسطس 1895. وقُلد الوسام المجيدي في 24 آب/ أغسطس 1899، وهي أوسمة كانت تُمنح عادةً لكبار الموظفين والمسؤولين المتميزين في الدولة[6].
موقفه من الثورة العربية الكبرى
اتخذ عبد العزيز العظمة موقفًا محافظًا تجاه الثورة العربية الكبرى التي أعلنها الشريف حسين بن علي عام 1916، إذ ظل متمسكًا بـالرابطة الإسلامية التي تمثلها الدولة العثمانية، ورفض تأييد الحراك الانفصالي عنها. وفي هذا السياق يذكر المؤرخون لسيرته طرفًا من التباين السياسي داخل بيته، إذ انخرط ولداه نبيه وعادل العظمة في صفوف الثورة العربية، وكانا من أركانها، في حين حافظ والدهما على ولائه للسلطنة، وهو ما يعكس الصراع بين الولاء للشرعية الخلافية وبين التيار القومي العربي الصاعد آنذاك.[7]
معارضته للملك فيصل الأول
عقب انتهاء الحكم العثماني في دمشق عام 1918، رفض عبد العزيز العظمة مبايعة الأمير فيصل بن الحسين حاكمًا على سورية، رغم التبدل الجذري في المشهد السياسي وتولي شقيقه يوسف العظمة منصب وزير الحربية في الحكومة العربية الناشئة. وقد تعمق استياؤه من العهد الفيصلي نتيجة ما عده سوء تخطيط أدى إلى هزيمة الجيش السوري في معركة ميسلون، وهي المعركة التي قضى فيها شقيقه يوسف في 24 تموز/ يوليو 1920. مع بسط الانتداب الفرنسي سيطرته على البلاد، واجهت عائلة العظمة تضييقات سياسية حادة، حيث صدرت أحكام بالإعدام بحق ولديه نبيه وعادل، ما اضطرهما إلى الفرار والعيش في المنفى، ليمضي عبد العزيز بقية سنواته بعيدًا عنهما حتى صدور العفو العام في أعقاب المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936، التي سمحت بعودتهما إلى البلاد.
كتاب مرآة الشام
في منتصف العقد السابع من العمر، تفرغ عبد العزيز العظمة لتدوين كتاب مرجعي عن المنطقة العربية، تألف من ثلاثة أجزاء، خُصص الجزء الأول لتاريخ دمشق وموقعها الجغرافي، وعاداتها ومناخها واقتصادها، أما الجزآن الثاني والثالث، فقد رصدا تاريخ بلاد الشام منذ الفتح الإسلامي وصولًا إلى العهد العثماني. بقي المخطوط حبيس الأدراج لعقود، حيث أُودع الجزآن الثاني والثالث في المكتبة الوطنية بدمشق، في حين حُقق الجزء الأول ونُشر عام 1987 تحت عنوان مرآة الشّام: تاريخ دمشق وأهلها، الذي حققه الباحث عزيز العظمة، بالتعاون مع المؤرخ العراقي نجدت فتحي صفوت. وتتجلى القيمة التاريخية لهذا العمل في الأمانة الفكرية التي شدد عليها المؤلف، إذ أوصى أبناءه صراحةً بعدم حذف أي فقرة أو تعديلها من الكتاب، ولو خالفت عقيدتهم السياسية وشذت عن مذهبهم القومي العربي، تحديدًا فيما يتعلق بموقفه من الثورة العربية الكبرى[8]. وفي سنوات التقاعد أيضًا وضع مسودة كتاب حديث النعمة في تاريخ آل العظمة، إلا أنه لم يُنشر، وظل محفوظًا في مكتبه ابنه نبيه[9].
الوفاة
توفي عبد العزيز العظمة بدمشق عام 1943، عن عمر ناهز 87 عامًا. وقد وصف نبيه العظمة والده بالقول: "كان دون مزاحمة، يسعى لأن يكون سباقًا لغيره ولأمثاله وأقرانه في خدمة مثمرة، وكان مبتكرًا في أعماله بسبب ذكائه وقوة حافظته وجلده في العمل. أصبح الشخصية الثالثة البارزة في دمشق بعد الوالي، دون أن تكون له أهداف مادية طيلة حياته رغم ما أحرزه من بروز وشهرة"[10].
المراجع
العظمة، عبد العزيز. مرآة الشام: تاريخ دمشق وأهلها. لندن: دار رياض نجيب الريس، 1987.
قاسمية، خيرية. الرعيل العربي الأول: حياة وأوراق نبيه وعادل العظمة. لندن: دار رياض نجيب الريس، 1991.
الأرشيف العثماني BOA-DH.SAİDd 42-173 (أرشيف الدكتور عزيز العظمة).
رسالة بخط يد نبيه العظمة حول سيرة عبد العزيز العظمة (أرشيف الدكتور عزيز العظمة).
[1] نبيه العظمة، "حياة عبد العزيز العظمة" (مخطوط غير منشور).
[2] عبد العزيز العظمة، مرآة الشام: تاريخ دمشق وأهلها (لندن: دار رياض نجيب الريس، 1987)، ص 9.
[3] المرجع نفسه، ص 10.
[4] وثيقة وظائف عبد العزيز العظمة من الأرشيف العثماني BOA-DH.SAİDd 42-173، تقدمة الدكتور عزيز العظمة.
[5] العظمة، مرآة الشام، ص 10.
[6] نبيه العظمة، "حياة عبد العزيز العظمة".
[7] العظمة، مرآة الشام، ص 8-9.
[8] المصدر نفسه، ص 15.
[9] العظمة، "حياة عبد العزيز العظمة".
[10] خيرية قاسمية، الرعيل العربي الأول: حياة وأوراق نبيه وعادل العظمة (لندن: دار رياض نجيب الريس، 1991)، ص 17.