الموجز
عبد الحميد مهري (1926-2012)، سياسي ومناضل جزائري، ولد ونشأ في بلدية الخروب قرب قسنطينة، وواصل تعليمه في تونس، حيث انخرط في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ونسج علاقات مع قوى مغاربية داعمة للتحرر.
شارك في ثورة التحرير الجزائرية من خلال نشاطه في تونس وسورية، حيث ساهم في حشد الدعم السياسي والمالي واللوجستي للقضية الجزائرية، وشارك في الوفد المفاوض في إيفيان (Évian).
بعد الاستقلال، شغل مناصب وزارية، وعُين سفيرًا ثم أمينًا عامًا لجبهة التحرير الوطني. برزت مواقفه المعارضة بعد عام 1988، إذ سعى لفصل الحزب عن السلطة، ورفض إيقاف المسار الانتخابي عام 1992، داعيًا للحوار والمصالحة الوطنية. أُبعد عن قيادة الحزب عام 1996، لكنه واصل نشاطه الفكري والسياسي مدافعًا عن الديمقراطية، وقد ترك إرثًا فكريًا وسياسيًا مؤثرًا، وكُرم بتسمية جامعة قسنطينة باسمه.
النشأة
ولد عبد الحميد مهري في الثالث من نيسان/ أبريل 1926 في الخْرُوب، قرب مدينة
قسنطينة[1]. تلقى مهري تعليمه الديني على يد والده الإمام عمار مهري، الذي كان شخصية محترمة في عموم مدينة قسنطينة، وعُرف عنه دعمه لحركة
الأمير خالد[2] {{خالد بن الهاشمي بن عبد القادر الجزائري: (1875-1936)، حفيد الأمير عبد القادر، قاد حركة النواب المسلمين الجزائريين (1919) المطالِبة بالمساواة في الحقوق مع الفرنسيين، ويُعدّ من رواد الحركة الوطنية الجزائرية الحديثة.}}. كان لهذه البيئة الوطنية المحافظة دور كبير في صقل شخصية عبد الحميد وأفكاره منذ سن مبكرة. في عام 1947، انتقل إلى تونس لمتابعة دراسته في جامعة الزيتونة، حيث انضم إلى الحركة الطلابية ولـ
حركة انتصار الحريات الديمقراطية التي كانت تناضل من أجل الاستقلال التام للجزائر عن فرنسا[3].
الانخراط في الحركة الوطنية
أثناء دراسته في تونس، احتك عبد الحميد مهري بمناضلي الحزب الدستوري التونسي، الذي كان يناضل من أجل استقلال البلاد. وفي سنة 1949، انتُخب على رأس الهيئة التنفيذية لمكتب جمعية الطلبة الجزائريين بالزيتونة، حيث اضطلع بدور بارز في تعبئة الطلبة الجزائريين وتشجيع عدد كبير منهم على الانخراط في صفوف حركة انتصار الحريات الديمقراطية. وتولى المسؤولية السياسية لاتحادية الجزائريين التابعة للحزب؛ وهي هيئة كانت تُعنى بتنظيم الطلبة والتجار وملّاك الأراضي وحشد الدعم المادي لفائدة النضال ضد الاستعمار في الجزائر. وبعد ذلك عُين ممثلًا للحزب في تونس، فأسس عددًا من الخلايا السرية، خاصة في المناطق الحدودية مع الجزائر، وقد كان لهذه الخلايا دور محوري بعد اندلاع ثورة أول تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، بالنظر إلى ما وفرته من دعم لوجستي قادم من تونس[4].
في سنة 1952، طردت السلطات الفرنسية عبد الحميد مهري من تونس بسبب نشاطه النضالي إلى جانب 0الحزب الدستوري، وذلك عقب اندلاع الانتفاضة الشعبية التونسية يوم 18 كانون الثاني/ يناير 1952. بعد عودته إلى الجزائر، عُين في اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية في عام 1953. صار مهري بفضل احتكاكه الكبير مع المناضلين التونسيين من الحزب الدستوري، وأمثالهم من حركة عبد الكريم الخطابي في المغرب، مؤمنًا بشدة بفكرة العمل المغاربي المشترك وضرورة تنسيق العمل المسلح، فكان همزة الوصل بين حركة
عبد الكريم الخطابي{{محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882-1963)، زعيم مغربي قاد المقاومة الريفية ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي (1921-1926)، ويُعدّ رمزًا للنضال التحرري في المغرب العربي.}} والقادة الذين كانوا يخططون لتفجير ثورة التحرير الجزائرية{{ثورة التحرير الجزائرية، حرب تحرير وطنية اندلعت في الجزائر في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1954 بقيادة جبهة التحرير الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، وانتهت باتفاقيات إيفيان واستقلال الجزائر في 5 تموز/يوليو 1962. }} ، خصوصًا
محمد بوضياف (1919-1992)، لتكوين ما سماه مهري جيش التحرير المغاربي[5].
دوره بعد اندلاع ثورة التحرير
بعد اندلاع ثورة التحرير في الجزائر في تشرين الثاني/نوفمبر 1954 تعرض مهري للاعتقال، وسجن إلى غاية نيسان/ أبريل 1955. بعد خروجه من السجن عُين من طرف قيادة الثورة في الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، وكُلف بإدارة مكتب جبهة التحرير الوطني في سورية. عمل مهري على حشد تأييد الحكومة السورية لصالح الثورة، وقد استطاع ربط علاقة وطيدة مع رئيس الجمهورية السورية
شكري القوتلي (1891-1967)، أدت لاحقًا إلى تقديم سورية لدعم مالي ولوجستي لصالح الثورة[6]. بالإضافة إلى الدعم المالي والعسكري، وعلى المستوى العلمي والثقافي نجح مهري في إقناع الحكومة السورية بتسهيل التحاق الطلبة الجزائريين بالجامعات السورية، مع إعفائهم من دفع رسوم الدراسة. وأقنع هيئة الإذاعة السورية بإدراج برنامج يومي باسم "صوت الجزائر" في دمشق، للتعريف بالقضية الجزائرية وحشد الدعم لصالحها[7].
عُين مهري في عام 1956 عضوًا في المجلس الوطني للثورة، المنبثق عن
مؤتمر الصومام المنعقد في 20 آب/ أغسطس 1956، ثم عضوًا في لجنة التنسيق والتنفيذ. كان لمهري دور كبير في تنسيق الاتصالات بين قيادة الثورة والحكومة السورية لتسهيل اقتناء الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا، وتسهيل عبورها عبر السواحل السورية[8].
بعد تشكيل
الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بتاريخ 19 أيلول/ سبتمبر 1958، تولى منصب وزير الشؤون المغاربية في الحكومة الأولى، ومنصب وزير الشؤون الاجتماعية والثقافية في الحكومة الثانية. وفي منصبه الأخير هذا، كان له دور كبير في معالجة مشاكل اللاجئين الجزائريين في تونس والمغرب[9].
شارك كعضو في الوفد الجزائري لمفاوضات إيفيان بين 1961 و1962[10]، التي انتهت بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 19 آذار/ مارس 1962 وإعلان استقلال الجزائر في 5 تموز/ يوليو 1962.
بعد الاستقلال، تولى مهري عدة مناصب حكومية خاصة في عهد الرئيس
الشاذلي بن جديد، أولًا وزيرًا للإعلام والثقافة (1979-1980)، ثم سفيرًا للجزائر في فرنسا (1984-1988)، وأخيرًا أمينًا عامًا لجبهة التحرير الوطني (1988-1996).
التمرد السياسي على السلطة
بعد الانتفاضة الشعبية في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، التي كان حزب جبهة التحرير الوطني -أو الحزب الواحد كما كان يُلقب- أحد أهدافها من خلال تحطيم مقراته، سارع الرئيس الشاذلي بن جديد إلى تغيير قيادة الحزب وتعيين عبد الحميد مهري أمينًا عامًا، ثم إقرار دستور شباط/ فبراير 1989، الذي فتح أبواب التعددية السياسية وأنهى عهد الأحادية الحزبية. صار لزامًا على حزب جبهة التحرير الوطني امتصاص الغضب الشعبي الواسع ضدها، والتأقلم مع الوضع الجديد للحفاظ على مكانته في الخارطة السياسية الجديدة، خاصة مع صعود التيار الإسلامي وتصدر الجبهة الإسلامية للإنقاذ نتائج الانتخابات البلدية لعام 1990، والدور الأول للانتخابات التشريعية لعام 1991. عمل مهري بصفته أمينًا عامًا لجبهة التحرير على فك ارتباط الحزب تدريجيًا بالسلطة ليصبح مستقلًا عنها في برنامجه وخطه الأيديولوجي، وكان موقفه المعارض لتوقيف المسار الانتخابي عام 1992 وتسلم الجيش لزمام البلاد أول صدام حاد له مع السلطة.
تمسك مهري بموقفه الرافض للحل الأمني الذي انتهجه الجيش، بل أكثر من ذلك، كان يدعو إلى الحوار مع جبهة الإنقاذ لإيجاد مخرج سياسي للحرب الأهلية التي دخلت فيها البلاد بعد توقيف المسار الانتخابي. وعلى هذا الأساس، شارك مهري بصفته ممثلًا لجبهة التحرير في
لقاء سانت إيجيديو(Sant 'Egidio) بروما عام 1995، الذي حضرته جبهة الإنقاذ وعديد الأحزاب المعارضة لورقة طريق الجيش. وقع مهري على الوثيقة المنبثقة عن اللقاء والمعروفة بـعقد روما، الداعية إلى مصالحة وطنية شاملة تكون جبهة الإنقاذ طرفًا فيها[12]. رأت السلطة في مواقف مهري تمردًا حقيقيًا، وأدركت أن إعادة احتواء حزب جبهة التحرير من طرف السلطة يمر بالضرورة عبر إزاحة مهري، وهو ما تحقق لها عام 1996، من خلال انقلاب أعضاء اللجنة المركزية للحزب على أمينهم العام، وصار يلقب لاحقًا بـالانقلاب العلمي، الذي كان -حسب مهري- من تدبير المخابرات[13].
إرثه السياسي
بعد إزاحته عن قيادة جبهة التحرير الوطني، انسحب مهري من الحياة السياسية، وشهدت علاقته بالسلطة توترًا انعكس في عدد من الإجراءات الإدارية بحقه، كحرمانه من جواز سفره الدبلوماسي. لكنه واصل مساهمته في النقاش حول الشأن العام، وظل مدافعًا عن التغيير الديمقراطي من خلال كتاباته في الصحافة الوطنية، ومشاركته في العديد من المحاضرات والملتقيات في الجزائر وفي الخارج. فضلًا عن ذلك، انخرط مهري في مبادرات سياسية رامية إلى التغيير الديمقراطي في الجزائر، وأبرزها المبادرة التي أطلقها عام 2007 رفقة زعيم حزب
جبهة القوى الاشتراكية السابق
حسين آيت أحمد، ورئيس الحكومة الأسبق
مولود حمروش[14]. ونشر مهري عام 2011 في سياق اندلاع ثورات الربيع العربي رسالة شهيرة بعثها إلى الرئيس بوتفليقة، يدعوه فيها إلى الشروع في تغيير ديمقراطي حقيقي[15].
على الصعيد الدولي، كان لمهري إسهام في دعم العمل العربي الوحدوي انطلاقًا من توجهاته القومية العربية. وترأس المؤتمر القومي العربي بين عامي1997-2002.
وفاته
توفي عبد الحميد مهري في 30 كانون الثاني/يناير 2012 بمستشفى عين النعجة العسكري بالجزائر العاصمة[1]، ودفن في مقبرة سيدي يحيى في العاصمة[2].
المراجع
العربية
بلقاسم، جميلة. "حمروش، مهري وآيت أحمد في بيان: نحن مستعدون للمساهمة في حل الأزمة".
الشروق أونلاين. 14/09/2007. شوهد في 26/04/2026، في:
https://acr.ps/hBxQI0x
الحاج أحمد، كريمة وصبرة العابد. "جهود عبد الحميد مهري السياسية لنصرة القضية الجزائرية بالخارج 1954-1962".
مجلة قبس للدراسات الإنسانية والاجتماعية. مج 5، العدد 2 (كانون الأول/ديسمبر2021).
جابي، ناصر.
الوزير الجزائري أصول ومسارات. الجزائر: منشورات الشهاب، 2011.
سيد علي، أحمد مسعود. "عبد الحميد مهري، رابط الاتصالات بين حركتي التحرر الجزائرية والتونسية".
مجلة المعارف للبحوث والدراسات التاريخية. مج 2، العدد 4 (2011).
"تصريح عبد الحميد مهري أمام اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني عام 1996"، 01/07/2018، شوهد في 26/4/2026، في: https://acr.ps/hByaRiV
"هذه خطوات التغيير السلمي وعقد مؤتمر وطني جامع"، رسالة من عبد الحميد مهري إلى الرئيس بوتفليقة،
الشروق أونلاين، 2011/02/16، شوهد في 26/4/2026، في: https://acr.ps/hBxQIry
الأجنبية
"Algérie: Abdelhamid Mehri, rassembleur jusqu'au bout."
Jeune Afrique. 10/02/2012. accessed on 26/04/2026, at:
https://acr.ps/hByaR3i
[1] ناصر جابي،
الوزير الجزائري أصول ومسارات (الجزائر: منشورات الشهاب، 2011)، ص 623.
[2] أحمد مسعود سيد علي، "عبد الحميد مهري، رابط الاتصالات بين حركتي التحرر الجزائرية والتونسية"،
مجلة المعارف للبحوث والدراسات التاريخية، مج 2، العدد 4 (2011)، ص 254-255.
[3] كريمة الحاج أحمد وصبرة العابد، "جهود عبد الحميد مهري السياسية لنصرة القضية الجزائرية بالخارج 1954-1962"،
مجلة قبس للدراسات الإنسانية والاجتماعية، مج 5، العدد 2 (كانون الأول/ديسمبر 2021)، ص 680-682. https://acr.ps/hBxQHUp
[4] المرجع نفسه، ص 683-685.
[5] أحمد مسعود سيد علي، مرجع سابق.
[6] كريمة الحاج أحمد وصبرة العابد، ص 684-685.
[7] المرجع نفسه، ص 689.
[8] المرجع نفسه، ص 692.
[9] المرجع نفسه، ص 696.
[10] Ahmed Mesbah, “L'homme qui a signé les accords d'Evian”,
L’Expression, 21/03/2015, accessed on 11/06/2026n at: https://lexpression.dz/nationale/lhomme-qui-a-signe-les-accords-devian-212900
[11] "الذكرى السادسة لرحيل عبد الحميد مهري"،
جريدة الوسط، 29/01/2018، شوهد في 11/06/2026، في: https://acr.ps/hBxQHUp
يُنظر: تسجيل مرئي لعبد الحميد مهري،
يوتيوب، 13/09/2019، شوهد في 11/06/2026، في: https://acr.ps/hBxQIxs
[12] " Algérie: Abdelhamid Mehri, rassembleur jusqu’au bout,"Jeune Afrique.10/02/2012. accessed on 26/04/2026,at:https://acr.ps/hByaR3i
[13] تصريح عبد الحميد مهري أمام اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني عام 1996، 01/07/2018، شوهد في 26/4/2026، في: .https://acr.ps/hByaRiV
[14] جميلة بلقاسم، "حمروش، مهري وآيت أحمد في بيان: نحن مستعدون للمساهمة في حل الأزمة"،
الشروق أونلاين، 14/09/2007، شوهد في 26/4/2026، في:
https://acr.ps/hBxQI0x
[15] "هذه خطوات التغيير السلمي وعقد مؤتمر وطني جامع"، رسالة من عبد الحميد مهري إلى الرئيس بوتفليقة،
الشروق أونلاين، 2011/02/16، شوهد في 26/4/2026، في: https://acr.ps/hBxQIry
[16] "سيرة ذاتية للراحل الكبير المجاهد عبد الحميد مهري"،
النهار أونلاين، 30/01/2012، شوهد في 11/06/2026، في: https://acr.ps/hBxQIMr
[17] "الراحل مهري.. شخصية حازت الإجماع"،
الجزيرة نت، 01/02/2012، شوهد في 11/06/2026، في:
https://acr.ps/hBxQI9o
قد يكون من الأفضل الاستغناء عن هذه الفقرة التي قد تبدو بمثابة خاتمة للمدخل الموسوعي، حيث لا حاجة إلى خاتمة.
من الأفضل إضافة فقرة بسيطة عن وفاته وتاريخها وملابساتها لو توفر ذلك.