الموجز
عباس حلمي الأول (1812-1854) هو الوالي الثالث لمصر من الأسرة العلوية، تولّى الحكم رسميًّا في 24 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1848، وفق ترتيبات الخلافة الواردة في معاهدة لندن 1840 والفرمانات السلطانية الصادرة عام 1841، عقب وفاة عمّه إبراهيم باشا، وفي ظلّ عجز جدّه محمد علي باشا عن مباشرة شؤون الحكم. نشأ عباس في إطار الأسرة العلوية، وتولّى جدّه تربيته وإعداده للمناصب، فتقلّد مديرية الغربية ثم الكتخدائية، وشارك في حملات الشام، مع ميلٍ مبكّر إلى نمط الحياة العربية البدوية والنفور من الثقافة الأوروبية. قبل الولاية، اتّخذ خطوات دبلوماسية ذات دلالة بإطلاق سراح الأمير فيصل بن تركي آل سعود ثم أمراء نجد المُعتقَلين في القاهرة، وتمرّس على شؤون الحكم داخل المجلس الخصوصي الذي أُنشئ عام 1847.
اتّسم عهده بتركّز السلطة في يد الوالي وتراجع فاعلية الدواوين، مع إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة وتقلّص دَوْر الأرمن في الإدارة والاقتصاد، رغم استمرار مِنَح محدودة لبعضهم في أواخر حكمه. وعلى الصعيد الخارجي، شهدت سياسته تحوّلًا من النفوذ الفرنسي إلى التقارب مع بريطانيا، وتبلورت خلال عهده خطوة إدخال السكك الحديدية إلى مصر، إلى جانب مشروعات بنية أساسية وعمران ديني وتنظيمات حضرية محدودة في القاهرة. كذلك تقلّص التعليم النظامي بإغلاق معظم المدارس والمعاهد، والإبقاء على 14 مدرسة فقط، مع إجراءات تعليمية وثقافية انتقائية داخل الجيش والسراي. في السنوات الأخيرة من حكمه، اتّسعت ملامح الانكفاء السياسي والعزلة الشخصية، رغم استمرار مشاركة مصر العسكرية في حرب القرم دعمًا للدولة العثمانية. انتهت ولايته باغتياله في قصره في مدينة بنها ليلة 14 تموز/ يوليو 1854، في واقعة عكست أزمة بنيوية في أساليب الحكم داخل الدولة، وأفضت إلى انتقال السلطة إلى محمد سعيد باشا، في سياقٍ مضطربٍ داخل الأسرة الحاكمة.
النشأة والتكوين السياسي
وُلد عباس حلمي بن أحمد طوسون بن محمد علي باشا عام 1812، ونشَأ في كنف جدّته خلال سنوات طفولته الأولى. وفي عام 1816، تُوفّي والده أحمد طوسون باشا فجأةً بعد عودته من الحجّ بأقل من عام، فترسّخت نشأته داخل الإطار العائلي المباشر للأسرة العلوية، إلى أن بلغ سن الرشد عام 1831[1].
تولّى جدّه محمد علي باشا رعايته وتربيته، وألحقه بالخانكة لتلقّي التعليمين الديني والتقليدي، وأعَدّه تدريجيًّا لتقلّد المناصب الإدارية. في هذا السياق، قُلّد منصب مديرية الغربية، ثم منصب الكتخدائية (نائب الوالي)، وأُشرك في الحملات العسكرية مع عمّه إبراهيم باشا في الشام، ضمن خطة هدفت إلى إعداده لتحمّل المسؤوليات السياسية والعسكرية المُستقبلية داخل الأسرة العلوية[2].
في مرحلة شبابه، أظهر عباس حلمي ميلًا واضحًا نحو الحياة العربية البدوية ونفورًا من الثقافة الأوروبية، ورفض الانخراط في الطابع الغربي الذي حرص عليه جدّه محمد علي باشا. وتجلّى هذا التوجّه في عزمه على تنشئة أبنائه في البادية، بما يعكس ملامح توتّر ثقافي مبكّر داخل الأسرة الحاكمة بشأن هُوية الدولة ومسارها[3].
الدوْر السياسي قبل الولاية
في عام 1843، اتّخذ عباس حلمي خطوة دبلوماسية ذات دلالة قبل تولّيه الحكم، تمثّلت في إطلاق سراح الأمير فيصل بن تركي آل سعود لتمكينه من العودة إلى حكم نجد، في توجّه عكسَ مسارًا مُغايرًا لسياسات القوة والمواجهة العسكرية التي انتهجها أسلافه تجاه الجزيرة العربية. وفي عام 1847، استكمل هذا المسار بإطلاق سراح أمراء نَجْد الوهابيّين المعتقلين في القاهرة، من أبرزهم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (1810-1876)، وهو ما مثّل تحوّلًا ملحوظًا في سياسة الدولة تجاه الحركة الوهابية، قائمًا على الابتعاد عن الاحتجاز والمواجهة المباشرة[4].
وقُبيل تولّيه الحكم مباشرة، ارتبط اسم عباس باشا بالمجلس الخصوصي الذي أنشأه محمد علي عام 1847 في ظلّ تدهور حالته الصحية والعقلية، وهو مجلس انتقلت عبره السلطة الفعلية إلى إبراهيم باشا. ضمّ المجلس إبراهيم باشا رئيسًا، وعباس باشا بصفته وليّ العهد وحامل لقب كتخدا باشا (نائب الوالي)، إلى جانب عدد من كبار رجال الدولة. اضطلع المجلس بوظيفة قريبة من مجلس الوصاية أو مجلس البلاط، إذ أشرف على شؤون الحكومة وسنّ القوانين، وشكّل الإطار المؤسَّسي الذي مارس داخله عباس شؤون الحكم واكتسب خبرة مباشرة في إدارة السلطة قبل تولّيه الولاية رسميًّا[5].
الولاية وبنية السلطة
محمد علي باشا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تولّى عباس حلمي الأول حكم مصر رسميًّا في 24 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1848، عقب وفاة عمّه إبراهيم باشا في 10 تشرين الثاني/ نوڤمبر من السنة نفسها، وفي وقتٍ كان فيه جدّه محمد علي باشا عاجزًا عن مباشرة شؤون الحكم بسبب المرض. وجاء تولّيه الولاية استنادًا إلى ترتيبات الخلافة الواردة في معاهدة لندن 1840، والفرمانات السلطانية الصادرة عام 1841 التي نصّت على انتقال الحكم إلى أكبر أفراد الأسرة سنًّا، ليصبح الوالي الثالث لمصر من الأسرة العلوية[6].
في الشهر نفسه (تشرين الثاني/ نوڤمبر 1848)، قرّر عباس السفر إلى الأستانة لتلقّي فرمان الولاية من الباب العالي، مُحاكِيًا خطوة عمّه إبراهيم باشا، رغم أن الفرمان لم يكن يشترط ذلك. وقد حظي باستقبال حافل في العاصمة العثمانية، على خلاف ما لقيه عمّه إبراهيم باشا[7]، وهو ما عكس في تلك المرحلة حرص الباب العالي على إظهار الرضا عن انتقال الولاية وفق الترتيبات المُقرّرة.
في سياق هذا التواصل مع العاصمة العثمانية، استمرّ خلال عهد عباس حلمي الأول التأثر بالطراز الثقافي والحياة الاجتماعية العثمانية في مصر، ولا سيما في السراي الخديوية، إذ تبنّت الأُسرة الحاكمة وحاشيتها نمط المعيشة التركي التقليدي "الأتوركا" في الزيّ وآداب المعاشرة، إلى جانب العناية بتعليم التلاميذ منذ سنٍّ مبكّرة، وتشجيع الشغف بالموسيقا التركية ونشرها داخل السراي والأوساط الاجتماعية المُحيطة. وقد تعزّزت هذه الصلات بروابط المصاهرة بين العائلات الأرستقراطية، منها زواج ابن عباس، إبراهيم إلهامي باشا، من الأميرة منيرة ابنة السلطان عبد المجيد[8].
جوستاف فلوبير
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في إطار ملامح السياسة العامّة لعهدِ عباس باشا، تقلّص النفوذ الفرنسي في مصر بصورة واضحة، إذ اتّخذ عباس موقفًا مُتحفّظًا تجاه فرنسا، وعمل على إقصاء الوجود الفرنسي في سياق سعيه إلى تدعيم سلطته الداخلية. وقد انعكست هذه النظرة في كتابات بعض الرحّالة الفرنسيين، مثل جوستاف فلوبير (بالفرنسية: Gustave Flaubert، 1821-1880) وماكسيم دي كان (بالفرنسية: Maxime de Cannes) اللذين قدّما أوصافًا نقدية لشخصيته وسلوكه. في المقابل، ومع فتور العلاقة بفرنسا، اتّجهت مصر إلى التقارب مع بريطانيا، إذ توسّع نفوذ القنصل البريطاني الذي استطاع إقناع عباس بإصلاح طريق القاهرة-السويس، وهو ما شكّل مدخلًا للتعاون التقني بين الجانبَيْن[9]، وأسّس لتحوّل تدريجي في ميزان العلاقات الدولية المصرية.
فيما يتّصل بإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة، شهدت السنوات الأولى من حكم عباس تراجُعًا واضحًا في دَوْر الأرمن داخل الجهازَيْن الاقتصادي والإداري مقارنةً بعهد محمد علي باشا الذي كان قد وفّر لهم الحماية والمناصب، ومكّنهم من مواقع مؤثرة في إدارة الدولة. ارتبط هذا التراجُع بجملة سياسات اتّخذها عباس تجاه الفئات المرتبطة بالعهد السابق، شملت إقصاء عدد من الموظفين الأرمن، ومنع الأوروبيين واليونانيين والشوام والأرمن من التوغّل خارج القاهرة والإسكندرية إلى داخل البلاد، إلى جانب فرض قيود على المسيحيين شملت الحدَّ من حرّية العبادة والاستيلاء على بعض أوقافهم، وهو ما دفع عددًا من الأرمن إلى مغادرة مصر والعودة إلى أوطانهم الأصلية.
شملت هذه السياسات أيضًا الإقصاء من الوظائف العُليا، كما حصل مع أرتين تشراكياَن مدير التجارة والأمور الخارجية، وإسطفان دميرچیان وكيل الخارجية. وقد لحِظَ الرحالة سنيور أن عباس أظهر نفورًا من أنصار جدِّه، إلى حدّ أن الوجود الأرمني داخل القصر تقلّص بصورة كبيرة، ويُلحظ أن هذه التحوّلات جاءت في سياق اقتصادي وسياسي أوسع، إذ أسهمت اتفاقية بلطة ليمان المُوقّعة عام 1838، بإلغائها نظام الاحتكار، في تقويض الأُسس التي استفاد منها الأرمن خلال العقود السابقة[10]، بما ضاعف من أثرِ تراجُع مكانتهم خلال حكم عباس حلمي الأول.
ومع ذلك، لم تكن هذه السياسة ذات طابع واحد مُطّرد، إذ منح عباس حلمي الأول في أواخر حكمه مساحات من الأراضي لبعض الأرمن الذين ارتبطوا به أو بأفرادٍ من أُسرته بعلاقات شخصية مباشرة، فقد منحَ مساحات من أطيان أبعادية البحيرة، وكفر أبو حمص، ودلجا، والعزيزية بالجيزة إلى عدد من الشخصيات الأرمنية، في إطار استمرار سياسة منح الأراضي التي بدأت منذ عهد محمد علي وخلفائه، والهادفة إلى تكوين فئة من كبار المُلّاك ترتبط مصالحُها بالسلطة، بما يعكس في الوقت نفسه ثقة عباس في بعض المُقرّبين منه، رغم التراجع العامّ في مكانة الأرمن داخل أجهزة الدولة[11].
نوبار باشا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في سياق ما دار خلال وجوده في العاصمة العثمانية، اتّجهت نوايا عباس، بحسب شهادة نوبار باشا (1825-1899) الذي رافقه، نحو بحث تأسيس خطّ للسكك الحديدية في مصر، وهي فكرة طُرحت ضمن مشاورات جرت بينه وبين كبار المسؤولين في الدولة العثمانية[12]، لتصبح لاحقًا من أبرز ملفّات التفاوض السياسي والتقني في عهده.
السياسات الإدارية والعسكرية
مع استقراره في الحكم، ورث عباس حلمي الأول البنية الديوانية التي تأسّست في عهد محمد علي باشا، القائمة على نظام الدواوين المركزية، بوصفها الأداة الأساسية لإدارة الدولة. وفي مقدّمة هذه الدواوين: ديوان الجهادية المُختصّ بالشؤون العسكرية؛ وديوان البحرية، المسؤول عن الإشراف على الأسطول والترسانات وكل ما يتّصل بالملاحة؛ وديوان المدارس المَعنيّ بشؤون التعليم، وكانت تتبعه دُور العلم والمعامل والكتبخانات وجريدة الوقائع المصرية ومطبعة بولاق؛ كذلك شمل البناء الإداري ديوان الأمور الإفرنكية والتجارة المصرية المختصّ بالتجارة الخارجية والداخلية؛ وديوان الفابريقات المشرف على المصانع الحكومية في مختلف أقاليم القُطْر المصري[13].
غير أن عباس، منذ السنوات الأولى لحكمه، اتّجه إلى تقليص فاعلية هذا البناء المؤسَّسي، فجمع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يدَيْه، وأدار شؤون الدولة إدارةً شخصيةً مباشرة، مع ميل واضح إلى إضعاف دَوْر الحكومة والدواوين. وفي هذا السياق، أعاد تشكيل المجلس الخصوصي ليقوم مقام مجلس الوزراء، مكتفيًا به بوصفه أداةً مركزية لإدارة الحكم، وهو ما انعكس في تراجع انتظام العمل الإداري وضُمور الحياة السياسية خلال عهده[14].
اتّسم أسلوب عباس في الحكم بدرجة عالية من الحذر والانطواء والنفور من الاحتكاك العامّ، حتى داخل محيط أُسرته، وفق ما تذكره مذكّرات نوبار باشا. افتقر عهدُه أيضًا إلى النزعة التحديثية التي ميّزت مشروع جدّه محمد علي باشا أو تجربة عمّه إبراهيم باشا، وهو ما انعكس على السياسات العامّة للدولة، فقد أُهملت مؤسسات الجيش والبحرية، وأُغلقت مدارس ومعاهد عدّة، وسادت أجواء من العزلة الاجتماعية. وقد عبّر عباس عن هذا التوجّه بعبارته المعروفة: "إنني لا أريد أن يتحوّل قصري إلى نوع من المقهى"[15].
تمثال سليمان باشا في المتحف الحربي القومي في مصر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في الإطار العسكري، أجرى عباس تعديلات واسعة على بنية الجيش، كان أبرزها إدخال نحو 6 آلاف من المرتزقة الأرناؤوط (الألبان)، وتشكيلهم قوة حرس خاص مُسلّحة بالمسدّسات، إلى جانب إنشاء فرقة للهجانة، في مقابل حرمان المصريين من حمل السلاح. أسهمت هذه الإجراءات في خلخلة التراتُبية العسكرية التقليدية، وتحويل الأرناؤوط إلى قوة مؤثرة داخل المؤسسة العسكرية، على نحوٍ عجز معه القائد العامّ للجيش سليمان باشا (1788-1860) عن معالجة الخلل البنيوي الناتج منها[16].
بالتوازي مع ذلك، اعتمد عباس على حاشية من المماليك الذين قرّبهم واصطفاهم، ومَنحَهُم رُتبًا عسكرية عالية من دون اعتبارٍ للكفاءة المهنية، حتى بلغ بعضهم رتبة قائمقام. كذلك لجأ إلى شراء المماليك من أسواق الرقيق وإلحاقهم بخدمته بوصفهم ضُباطًا أو حُرّاسًا خصوصيين، مع العناية بتدريبهم على فنون القتال والفروسية. وقد ضمّ هؤلاء المماليك إلى صفوف الجيش إلى جانب أعيان البلاد، وألزم الخزانة بسداد استحقاقاتهم المالية، ومنحَ بعضَهم الأموال والزوجات والجواري، بما ضمن ولاءَهم الشخصي له. وشمل هذا التنظيم ابتكار ما عُرف بـ"البدل الشخصي" الذي أتاح للأغنياء استبدال أبنائهم بعبيد من السُّود أو المُولَّدين لأداء الخدمة العسكرية، وهو ما وفّر موردًا بشريًّا ثابتًا للجيش، وشهد إقبالًا ملحوظًا فور صدوره. وعلى الرغم من تراجع عدد العبيد في الجيش مقارنةً بعهد محمد علي باشا، فقد ظلَّ وجودهم ملموسًا، ولا سيما في السودان، إذ استمرّ تجنيدهم خلال هذه المدة[17].
ومع ذلك، يُشار إلى أن الجيش في عهد عباس حلمي الأول، أدّى بصورة غير مقصودة دَوْرًا في تكوين كوادر عسكرية ستبرز لاحقًا في التاريخ المصري، إذ تدرّج عدد من الضبّاط في صفوفه إلى مواقع قيادية. من بين هؤلاء علي أفندي محمد، والد الزعيم الوطني مصطفى كامل (1874-1908) الذي خدم برتبة ضابط مهندس في سلاح الطوبجية، ثم في بلوكات المهندسين، وبلغ رتبة يوزباشي، وتولّى قيادة عسكرية خلال هذا العهد[18].
بحلول عام 1850، بلغ تعداد الجيش المصري في عهد عباس حلمي الأول نحو 101 ألف جندي، وفق دفاتر الدفترخانة المصرية المُستخرَجة من كشوفات المعيّة السنوية الخديوية وديوان الجهادية، مُسجِّلًا زيادةً عدديةً مقارنةً بتعداد الجيش في أواخر عهد محمد علي الذي بلغ نحو 94 ألف جندي عام 1847، وذلك على الرغم من التراجع النوعي في بنيته التنظيمية والوظيفية[19].
التعليم والثقافة
شهد قطاع التعليم في عهد عباس حلمي الأول تراجُعًا واسعًا مقارنةً بالاتّساع الذي بلغه في عهد محمد علي باشا؛ إذ اتّجه الوالي إلى تقليص المؤسسات التعليمية التي أُنشئت خلال العقود السابقة، مُكتفيًا بالإبقاء على عدد محدود منها، فأُغلقت الغالبية العُظمى من المدارس والمعاهد، باستثناء 14 مدرسة فقط، جرى انتقاء الطلبة المتفوّقين فيها لإلحاقهم بالمدرسة الحربية "المفروزة" (إشارة إلى أن تلاميذها فُرِزوا من بين طلبة المدارس بالعباسية) التي أُسند الإشراف عليها إلى علي مبارك بك، بوصفها المؤسسة التعليمية المركزية المُتبقّية لإعداد الكوادر العسكرية والإدارية[20].
في الإطار نفسه، أُرسلت بعثة علمية محدودة العدد إلى أوروبا ضمّت 19 طالبًا فقط، في حين أن معظم طُلّاب البعثات السابقة استُدعوا من الخارج[21]، بما مثّل إنهاءً عمليًّا لمرحلة التكوين الأوروبي الواسع للنُّخب المصرية. وقد انعكس هذا التوجّه في تراجع مُخصّصات التعليم بشكل كبير، إذ انخفضت نفقاته في آخر سنة من حكم عباس إلى نحو 5 آلاف جنيه، بعد أن كانت قد بلغت في عهد محمد علي نحو 88 ألف جنيه[22].
الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
شملت هذه السياسات أيضًا إلغاء عدد من المؤسّسات التعليمية المتخصّصة، إذ ألغى عباس مدرسة الطبّ البيطري، ونُقلت كوادرها إلى وظائف أخرى، مع نزع رُتبهم ونياشينهم. ألغى كذلك مدرسة الألسن، التي كانت قد أُنشئت في عهد محمد علي بناءً على اقتراح الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) الذي تولّى نظارتها، فنُفي إلى السودان، ونُقل مُدرّسو المدرسة إلى مدرسة الخرطوم الابتدائية، وقد ظلوا هناك حتى استدعائهم بعد تولّي سعيد باشا الحكم. عمومًا، اتّسمت هذه المرحلة بتضييق نطاق التعليم النظاميّ وحصره في مؤسسات محدودة تخضع لإشراف مباشر من السلطة[23].
وفي أيار/ مايو 1850، أصدر عباس حلمي الأول قرارًا بجمع الأطفال الأتراك الفقراء والمُشرّدين في مدينة الإسكندرية، مِمَّن تتراوح أعمارهم بين السابعة والسابعة عشرة، ونقلهم إلى القاهرة لإلحاقهم بمدرسة ابنه إبراهيم إلهامي باشا، بهدف تلقينهم العلوم والمعارف وتأهيلهم ليصبحوا عناصرَ نافعةً لأنفسهم وأُسرهم والدولة. وقد أبرز القرار أن الدافع التربوي والإصلاحي كان محور هذه السياسة، بعيدًا عن أي مفاضلة عِرْقية، إذ استخدمت الوثيقة مصطلح "العنصر الصالح" لا "العنصر النقيّ"، بما يعكس توجّهًا رسميًّا لحماية الأطفال المُشرّدين وتنظيم طاقتهم البشرية ضمن إطار تعليمي منضبط[24].
على المستوى الثقافي، اتّخذ عباس خطوات ذات طابع تعليمي وفني داخل المؤسسة العسكرية والسراي؛ ففي 18 آب/ أغسطس 1850، أمر بإنشاء دُور للتمثيل على الطريقة التركية داخل المفرزات العسكرية، وقد كان الجنود يؤدّون النصوص المسرحية وتُلحَّن الأشعار المصاحبة لها، مع تعيين مدير فرنسي للإشراف على هذه الدُّور. وقد عكس هذا التوجّه حرصًا على إدخال عناصر من التعليم الفني والثقافي داخل الجيش، على نحوٍ يستعيد بعض ملامح مشروع محمد علي، وإنْ في إطارٍ أكثر انضباطًا وتحكّمًا[25].
كذلك، أصبحت الموسيقا التركية جزءًا أساسيًّا من الحياة الثقافية داخل السراي، إذ تولّى مُعلِّمون مختصّون تعليمَ الفتيات الموهوبات الموسيقا الشرقية والغربية، بينما خضعت الجواري لتدريبات يومية على العزف على مختلف الآلات. ولم يكن مسموحًا للراقصات والمُغنّيات بالمشاركة في هذه الأنشطة، ما يشير إلى تركيز واضح على البُعْد التعليمي والثقافي المُنظَّم، لا على الترفيه. وشمل هذا التعليم إتقان العزف على آلات مثل الكمان، والطنبور، والكمنجة، والناي، والدفّ، ضمن نظام تربوي منتظم يعكس اهتمام عباس بالحفاظ على التراث الموسيقي التركي ونقله داخل الأُطر الرسمية للسراي والجيش[26].
العمران والبنية التحتية
شهد عهد عباس حلمي الأول نشاطًا عمرانيًّا وبنيويًّا مُتباينًا، اتّسم من جهةٍ بالتركيز على مشروعات ذات طابع وظيفي وديني، ومن جهة أخرى بالانكفاء عن مشروعات التحديث الشامل التي ميّزت عهد محمد علي باشا. وقد انعكس هذا التوجّه في اهتمامه بتطوير بعض مناطق القاهرة، مع ميل واضح إلى العزلة والتحصّن المكاني في اختيار مواقع العمران الجديد، فقد شهدت منطقة شمال صحراء الحصوة، التي عُرفت لاحقًا بالعباسية، امتدادًا عمرانيًّا ملحوظًا، إذ قُسّمت الأراضي لإقامة قصر عباس ومنازل الأمراء، وشُقّت شوارع جديدة، بما أسهم في نشوء حيّ جديد حمل اسمه. في الوقت نفسه، أُجريت تحسينات عمرانية في أحياء الحلمية وبركة الأزبكية، وشهد شارع السكّة الجديدة في منطقة المعزّ أعمال تطوير وتنظيم، في إطار إعادة ترتيب بعض المحاور الحضرية داخل القاهرة[27].
في المجال الديني، واصل عباس تنفيذ مشروعات ترميم وبناء عدد من المساجد والزوايا، في توجّهٍ يعكس حرصَه على تثبيت حضوره الرمزي بوصفه حاكمًا مُحافِظًا؛ فقد أتمَّ أعمال النقش والبلاط والفرش والإضاءة في مسجد محمد علي بالقلعة، وجدَّد الجامع المُجاور لقبّة "يشبك من مهدي" أمام قصر القبة، وأنشأ عددًا من الزوايا الصوفية، من بينها زاوية السروجية وزاوية الفناجيلي. وفي عام 1850، جُدّد جامع السيدة سكينة، وأُنشئت زوايا جديدة، مثل زاوية الست مرحبا، وزاوية أبي زينب، وزاوية الشيخ عبد الله بسراي الحلمية، وزاوية النحاس، ضمن سلسلة من التوسُّعات الدينية التي تواصلت بين عامَي 1850 و1851، وشملت كذلك تحسينات في الأحياء المحيطة وبركة الأزبكية، بما يعكس الجمع بين الاهتمام العمراني التقليدي والضبط الاجتماعي والديني[28].
كذلك ارتبط عباس حلمي الأول بتاريخ السرايا المُقامَة على بركة الأزبكية التي آلت إليه بعد تداوُل ملكيتها بين عدد من كبار الأمراء منذ القرن الثامن عشر؛ فقد اشتراها من وَرَثة الأمير طاهر باشا، ثم أمر بهدمها وتوسيعها وإعادة بنائها من جديد، وخصّصها لإقامة والدته أرملة الأمير طوسون. ويُنسَب إليه تغيير عتبة السرايا من اللون الأزرق إلى اللون الأخضر بعد إعادة بنائها تبعًا لذوقه الشخصي، وهو ما انعكس لاحقًا على تسمية الموقع بـ"العتبة الخضراء". ومع مشروعات تنظيم الأزبكية في عهد الخديوي إسماعيل وردمِ ما تبقّى من البركة، اقتُطع جزء كبير من السرايا، ولم يبقَ منها سوى القصر الرئيس الذي صار مقرًّا للمحكمة المختلطة قبل انتقالها لاحقًا إلى دار القضاء العالي[29]، في مسارٍ يُوضح تحوّل هذا الفضاء من مقرّ أميريّ خاص إلى مركز إداري وقضائي في قلب القاهرة الحديثة.
وفي مجال البنية التحتية، أَولى عباس اهتمامًا خاصًّا لمسألة توفير مياه الشرب لسُكّان القاهرة، سعيًا لتجاوز الاعتماد التاريخي على الخليج المصري وقنوات الفيضان الموسمية التي كانت تُغذّي البرك وتُلبّي حاجات السكان خلال أشهر الفيضان فقط. وبعد إخفاق مشروع محمد علي الرامي إلى تأمين جريان دائم للمياه داخل المدينة، طرح عباس عام 1849 مشروعًا جديدًا يقوم على استخدام الآلات الرافعة وتوزيع المياه عبر المواسير داخل القاهرة، وكلّف المهندسين بدراسة هذا التصوّر، في محاولة لإرساء نظام أكثر انتظامًا واستقرارًا لإمداد العاصمة بالمياه[30].
في الإطار نفسه، اكتمل العمل في مشروع القناطر الخيرية في عهده، وأُصلِح طريق القاهرة-السويس لتسهيل حركة النقل والتجارة، بالاستفادة من الأعمال التحضيرية التي كانت قد بدأت في عهد محمد علي[31]. وقد شكّلت هذه المشروعات جزءًا من سياسة بنيوية محدودة النطاق، ركّزت على تحسين المرافق الأساسية من دون التوسّع في مشروعات تحديث شاملة.
وفي عام 1851، أُقيم مسجد الشيخ درويش العشماوي في موقع زاوية صغيرة دُفن فيها الشيخ عام 1832، وقد وضع الأمير أدهم باشا تخطيطه المعماري على نحو قريب من مسجد فاطمة النبوية، مع إدخال زخارف متأثرة بطرازَي الباروك والروكوكو[32]، بما يعكس دمجًا محدودًا للعناصر الأوروبية في العمارة الدينية، مع الحفاظ على الوظيفة الدينية الأساسية.
شهدت هذه المرحلة أيضًا استمرار تنفيذ مشروعات الطرق والشوارع الجديدة، إلى جانب الاهتمام بتشجير بعض الفضاءات الحضرية وتنظيمها، في مقدّمتها الأزبكية التي كان التوجّه سائرًا نحو تنظيمها بوصفها متنزّهًا عموميًّا، مع نقل الأشجار من جنينة شبرا وغرسها في المنطقة تحت إشراف إداري مباشر[33].
وفي مجال المواصلات، مثّل عهد عباس حلمي الأول نقطة تحوّل حاسمة مع الشروع في تنفيذ مشروع السكك الحديدية، فبعد مفاوضات مُطوَّلة مع الحكومة البريطانية، جرى التعاقد مع المهندس روبرت ستيفنسون (Robert Stephenson، 1803-1859) لإنشاء خطّ السكك الحديدية بين الإسكندرية والقاهرة، مُستفيدًا من التجهيزات والدراسات الأوّلية التي تعود إلى عهد محمد علي. وقد بدأ تنفيذ المشروع فعليًّا عام 1852، وأُنجز الجزء الأول من خط القاهرة-الإسكندرية عام 1854 قبل وفاة عباس، ليُشكّل ذلك إدخالًا فعليًّا للسكك الحديدية إلى المجال الحضري المصري، وتمهيدًا لتحوّلات بنيوية طويلة الأثر في عمران القاهرة وحركتها[34].
في السياق العمراني ذاته، أنشأ عباس عددًا من القصور في مواقع متفرّقة، من بينها قصره الكبير في صحراء العباسية، وقصر الدار البيضاء على طريق السويس، وقصر بنها على ضفاف النيل الذي قُتل فيه لاحقًا. كذلك أشرف على توسعة مدافن الأسرة العلوية بجوار الإمام الشافعي التي عُرفت باسم "تربة الإلهامية" نسبةً إلى ابنه إبراهيم إلهامي، والتي تحوّلت إلى مجمّع جنائزي ملكيّ استمرّ تطويره في العهود اللاحقة[35].
سنواته الأخيرة
في السنوات الأخيرة من حكم عباس حلمي الأول، ولا سيما بين عامَي 1852 و1854، اتّسمت سياساته بدرجة متزايدة من الانكفاء والعزلة، على الرغم من استمرار بعض مظاهر الانفتاح المحدود في مجالات بعينها. ففي هذه المرحلة، نظّم بعثات تعليمية جديدة إلى أوروبا، شملت تخصّصات الطبّ والفلك والهندسة، وتوجّه أفرادها إلى النمسا وإيطاليا وإنكلترا، في إطار توجّه انتقائي نحو التعليم الحديث، من دون أن يُمثّل ذلك عودة إلى سياسة البعثات الواسعة التي ميّزت عهد محمد علي باشا. في السياق نفسه، سمح عباس للمُبشّرين الأميركيين بإنشاء مدارس في مناطق الأزبكية وشارع الرملي والموسكي بالقاهرة، وهو ما يشير إلى قَبول محدود بوجود تعليم أجنبي غير حكومي داخل العاصمة، ضمن إطارٍ مراقَب ومُقيَّد، وبعيدًا عن تحويله إلى سياسة تعليمية عامّة[36].
تزامن هذا الانكفاء السياسي مع تصاعد عزلة عباس داخل محيط أُسرته، إذ غادرت عمّته الأميرة نازلي إلى الأستانة، بينما آثرَ عمُّه سعيد باشا الإقامة في الإسكندرية بعيدًا عن مركز الحكم في القاهرة. في المقابل، انصرف عباس إلى شؤونه الخاصة وهواياته مثل اقتناء الخيول والكلاب، مع استمرار اعتماده المتزايد على الحرس الأرناؤوط، وهو ما انعكس على طبيعة علاقاته السياسية والأُسرية، وأضعف شبكة التوازُنات التقليدية داخل البيت الحاكم[37].
وعلى الرغم من هذا الانكفاء الداخلي، فقد شهد عهده مشاركة عسكرية مصرية فاعلة في سياق دولي واسع، تمثّلت في حرب القرم، فمع اندلاع الحرب عام 1853، استجابت مصر لطلب الدولة العثمانية بإرسال قوّات دعم، وأرسل عباس قوتَيْن عسكريتَيْن متتاليتَيْن. شاركت القوات المصرية بقيادة أحمد باشا المنكلي في معارك شبه جزيرة القرم في أيلول/ سبتمبر 1854، وحقّقت انتصارًا على القوات الروسية. وفي حزيران/ يونيو 1855، وصلت تعزيزات عسكرية قوامها 15 ألف جندي إلى مدينة أوباتوريا، وهو ما أسهم في إجبار القوات الروسية على التراجع، وساعد في دفعها إلى طاولة المفاوضات التي أنهت الحرب، قبل عودة القوات المصرية[38].
وفي عام 1854، استمرّت بعض مظاهر الرعاية الدينية الرسمية، فأُمر السيّد مصطفى البولاقي بن رمضان البرلسي بتجديد جامع أبي العلا، مع بدء إنشاء رواق البروجية بالجامع الأزهر، غير أن وفاة عباس حالت دون إتمامه. وفي العام نفسه، جُدّد جامع السيدة نفيسة على يد أدهم باشا الكاتب، في إطار استمرار الاهتمام الرسمي بالمؤسسات الدينية الكُبرى، رغم الانعزال السياسي المتزايد[39].
في ليلة 14 تموز/ يوليو 1854، اغتِيل عباس حلمي الأول في قصره بمدينة بنها. وتُشير الرواية الرسمية إلى أن المؤامرة دبّرها بعض خدمه الخاصّين بالتواطؤ مع غلامٍ يُدعى عمر وصفي، في حين نَسبت روايات أخرى التخطيط للاغتيال إلى عمّته الأميرة نازلي أو أُختِها زينب. وقد نُقل جثمانه إلى القاهرة ودُفن في مدافن الأسرة العلوية بجوار الإمام الشافعي[40].
عقب اغتياله، حاول بعض المُقرّبين تنصيب ابنه إبراهيم إلهامي باشا واليًا على مصر، في مسعًى لمنعِ انتقال الحكم إلى عمّه سعيد باشا، غير أن تدخّل إسماعيل سليم باشا لصالح سعيد، وتحرُّكات الأخير، أدّيا إلى إحباط هذه المحاولة. وأُقيمت مراسم جلوس محمد سعيد باشا في قلعة القاهرة بحضور أعيان الدولة وأمراء الأُسرة، وسط استعراض عسكري، إيذانًا بانتقال السلطة[41].
انتهت ولاية عباس حلمي الأول رسميًّا بوفاته في تموز/ يوليو 1854، وأُخطر الباب العالي بالحادث، واستُكملت الإجراءات البروتوكولية لنقل الحكم، فتولّى محمد سعيد باشا الولاية في 16 تموز/ يوليو 1854.
ملامح العهد وحدوده
اتّسم حكم عباس حلمي الأول بقصر مدّته، إذ لم يتجاوز خمس سنوات، غير أنه مثّل مرحلة انتقالية مُعقّدة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، تداخلت فيها عناصر الاستمرار مع إرث محمد علي باشا، إلى جانب ملامح إدارية مُحافِظة واضحة. فقد ورث عباس جهاز دولةٍ مركزيًّا واسعًا، إلا أن إدارته اتّجهت نحو تركّز السلطة في يد الوالي، مع تقليص فاعلية الأُطر المؤسَّسية التي تشكّلت في العقود السابقة، وهو ما انعكس على انتظام العمل الإداري والحياة السياسية خلال عهده.
تذهب بعض القراءات التاريخية إلى النظر إلى هذا العهد بوصفه مرحلة لم تشهد مشروعات نهضة عمرانية واسعة النطاق، على غرار ما عُرف في عهد محمد علي باشا، باستثناء ما تحقّق في مجال المواصلات والبنية الأساسية، مثل مشروع السكك الحديدية وإصلاح طريق القاهرة-السويس. غير أن هذه القراءات نفسها تؤكد أن تقييم حكم عباس لا يقتصر على ما أُنجز عمرانيًّا، بل يتّصل كذلك بطبيعة السياسات المالية والاقتصادية التي انتهجها.
فردينان دلسبس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في هذا السياق، يُنسب إلى عباس حلمي الأول حرصه على عدم فتح أبواب التدخّل الأجنبي في شؤون البلاد، إذ لم يُمكِّن الأجانب من التغلغُل في الإدارة أو الاقتصاد، ولم يلجأ إلى الاستدانة من الخارج، بل ترك خزانة الدولة خالية من أعباء الديون الأجنبية التي ستقع مصر تحت وطأتها في العهود اللاحقة. كذلك يُشار إلى سعيه المتكرّر لسدّ عجز الميزانية بوسائل داخلية من دون الاعتماد على القروض، وعدم ميله إلى منح الأوروبيين امتيازات لاستثمار مرافق البلاد[42]. من هذا المنظور، يُعَدّ هذا الجانب من سياسات عباس المالية والاقتصادية موضعَ تقدير في عدد من التقييمات التاريخية، ولا سيما عند مقارنته بخلفائه؛ إذ يُنظَر إلى عهد محمد سعيد باشا بوصفه مرحلة شهدت منح امتياز حفر قناة السويس للمسيو فردينان دلسبس (بالفرنسية: Ferdinand de Lesseps، 1805-1894)، بما مثّل بداية عهد الاقتراض من الخارج، في حين أن عهد الخديوي إسماعيل ارتبط بتراكُم الديون الجسيمة التي اقترضتها مصر من البيوت المالية الأوروبية، وما ترتّب على ذلك من أعباء سياسية واقتصادية ثقيلة.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد جاء حكم عباس في سياق إقليمي ودولي مضطرب، ما فرضَ على مصر موازنة دقيقة بين الدولة العثمانية والقوى الأوروبية الكبرى. وفي هذا الإطار، شهدت علاقات مصر تحوّلًا ملحوظًا من النفوذ الفرنسي إلى التقارب مع بريطانيا، وهو تحوّل كان له أثر مباشر في بعض مشروعات البنية التحتية، ولا سيما في مجال المواصلات.
المراجع
أرسلان، شكيب. مدوّنة أحداث العالم العربي ووقائعه 1800-1950 بحسب التسلسل الزمني. إشراف وتحرير يوسف حسين إيبش وتوما توفيق عريضة ويوسف قزما خوري. ط 2. المختارة-الشوف، لبنان: الدار التقدّمية، 2011.
الإمام، محمد رفعت. تاريخ الجالية الأرمنية في مصر: القرن التاسع عشر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.
أوغْلي، أكمل الدين إحسان. الأتراك وتراثهم الثقافي في مصر. القاهرة: دار الشروق، 2011.
جعفر، حسني وآية إبراهيم. موسوعة القرافة: التوثيق قبل الاندثار. القاهرة: [د. ن.]، 2024.
حلمي، سهير. أسرة محمد علي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003.
الرافعي، عبد الرحمن. عصر إسماعيل، ج 1: يشتمل على عهد عباس وسعيد وأوائل عهد إسماعيل. ط 2. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1948.
رمضان، عبد العظيم محمد إبراهيم. مصطفى كامل في محكمة التاريخ. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987.
سامي، أمين. تقويم النيل وأسماء من تولّوا أمر مصر ومدة حكمهم عليها وملحوظات تاريخية عن أحوال الخلافة العامة وشؤون مصر الخاصة عن المدة المنحصِرة بين السنة الأولى وسنة 1333 هـ (622–1915م). القاهرة: المطبعة الأميرية، 1916.
الطرابيلي، عباس. أحياء القاهرة المحروسة: خطط الطرابيلي. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية-مكتبة الأسرة، 2003.
طلعت، عمرو سميح. "ليلة قتل الوالي". مصر المحروسة. ج 7 (نيسان/ أبريل 2001). ص 2-15.
عبد الرحمن، أحمد زكريا زكي علي. "التغير في عمارة المسجد المعاصر في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بمدينة القاهرة"، رسالة ماجستير. كلية الهندسة. جامعة عين شمس. القاهرة. 2001.
عبد الرحمن، محمود عباس أحمد. معالم مصر الحديثة والمعاصرة: تاريخ وحضارة. القاهرة: الدار العالمية للنشر والتوزيع، 2006.
عمر، عمر عبد العزيز. تاريخ مصر الحديث والمعاصر 1517–1919. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1993.
عوض، لويس. تاريخ الفكر المصري الحديثمن عصر إسماعيل إلى ثورة 1919، المبحث الأول: الخلفية التاريخية، ج 2: الديمقراطية والأحزاب والصحافة والرقابة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983.
محمد، محمد كمال السيد. أسماء ومسميات من تاريخ مصر-القاهرة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.
مرسي، إسماعيل. السيرة الملكية: ملوك الأسرة المحمدية العلوية: تاريخ مصر الحديث من الحملة الفرنسية حتى خلع الملك فاروق (1789–1952). القاهرة: دار أكتب للنشر والتوزيع، 2020.
نوبار. مذكّرات نوبار باشا. مقدمة وملاحظات ميرت بطرس غالي. ترجمة جارو روبير طبقيان. القاهرة: دار الشروق، 2009.
هلال، عماد أحمد. الرقيق في مصر في القرن التاسع عشر. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1999.
[1] عمرو سميح طلعت، "ليلة قتل الوالي"، مصر المحروسة، ج 7 (نيسان/ أبريل 2001)، ص 2-15.
[2] محمود عباس أحمد عبد الرحمن، معالم مصر الحديثة والمعاصرة: تاريخ وحضارة (القاهرة: الدار العالمية للنشر والتوزيع، 2006)، ص 113-116.
[3] إسماعيل مرسي، السيرة الملكية: ملوك الأسرة المحمدية العلوية: تاريخ مصر الحديث من الحملة الفرنسية حتى خلع الملك فاروق (1789–1952)، ج 2 (القاهرة: دار أكتب للنشر والتوزيع، 2020)، ص 97-98.
[4] المرجع نفسه، ص 98-99.
[5] لويس عوض، تاريخ الفكر المصري الحديثمن عصر إسماعيل إلى ثورة 1919، المبحث الأول: الخلفية التاريخية، ج 2: الديمقراطية والأحزاب والصحافة والرقابة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983)، ص 18-20.
[6] محمود عبد الرحمن، ص 113-116؛ مرسي، ص 97-99.
[7] نوبار، مذكّرات نوبار باشا، مقدمة وملاحظات ميرت بطرس غالي، ترجمة جارو روبير طبقيان (القاهرة: دار الشروق، 2009)، ص 119-120.
[8] أكمل الدين إحسان أوغْلي، الأتراك وتراثهم الثقافي في مصر (القاهرة: دار الشروق، 2011)، ص 28.
[9] سهير حلمي، أسرة محمد علي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003)، ص 133-137.
[10] محمد رفعت الإمام، تاريخ الجالية الأرمنية في مصر: القرن التاسع عشر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999)، ص 75-76.
[11] المرجع نفسه، ص 140-146.
[12] نوبار، ص 124.
[13] عوض، مرجع سابق.
[14] المرجع نفسه.
[15] نوبار، ص 119.
[16] المرجع نفسه، ص 101-106.
[17] عماد أحمد هلال، الرقيق في مصر في القرن التاسع عشر (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1999)، ص 164-169.
[18] عبد العظيم محمد إبراهيم رمضان، مصطفى كامل في محكمة التاريخ (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987)، ص 12.
[19] شكيب أرسلان، مدوّنة أحداث العالم العربي ووقائعه 1800-1950 بحسب التسلسل الزمني، إشراف وتحرير يوسف حسين إيبش وتوما توفيق عريضة ويوسف قزما خوري، ط 2 (المختارة-الشوف، لبنان: الدار التقدّمية، 2011)، ص 32.
[20] عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، ج 1: يشتمل على عهد عباس وسعيد وأوائل عهد إسماعيل، ط 2 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1948)، ص 16-17
[21] المرجع نفسه، ص 17.
[22] محمد كمال السيد محمد، أسماء ومسميات من تاريخ مصر-القاهرة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)، ص 176-180.
[23] المرجع نفسه.
[24] أوغلي، ص 10-11.
[25] المرجع نفسه، ص 44.
[26] المرجع نفسه.
[27] أحمد زكريا زكي علي عبد الرحمن، "التغير في عمارة المسجد المعاصر في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بمدينة القاهرة"، رسالة ماجستير، كلية الهندسة، جامعة عين شمس، القاهرة، 2001، ص 71.
[28] المرجع نفسه، ص 72-76.
[29] عباس الطرابيلي، أحياء القاهرة المحروسة: خطط الطرابيلي (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية-مكتبة الأسرة، 2003)، ص 93-94.
[30] المرجع نفسه، ص 49.
[31] أمين سامي، تقويم النيل وأسماء من تولّوا أمر مصر ومدة حكمهم عليها وملحوظات تاريخية عن أحوال الخلافة العامة وشؤون مصر الخاصة عن المدة المنحصِرة بين السنة الأولى وسنة 1333 هـ (622–1915م) (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1916)، ص 70-73.
[32] أحمد عبد الرحمن، ص 74.
[33] الطرابيلي، ص 113-114.
[34] المرجع نفسه؛ ولتفاصيل مشكلة إنشاء السكة الحديدية وتطوّر المشروع يُنظر: عمر عبد العزيز عمر، تاريخ مصر الحديث والمعاصر 1517–1919 (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1993)، ص 287.
[35] حسني جعفر وآية إبراهيم، موسوعة القرافة – التوثيق قبل الاندثار، ج 6 (القاهرة: [د. ن.]، 2024)، ص 16، 60.
[36] سامي، ص 70-73.
[37] محمود عبد الرحمن، ص 113-116.
[38] المرجع نفسه، ص 117-118.
[39] أحمد عبد الرحمن، ص 71-80.
[40] محمود الرحمن، ص 113-116؛ مرسي، ص 110-112.
[41] سامي، مرجع سابق.
[42] الرافعي، ص 22.