زينب بنت علي فوّاز العاملية (1846-1914)، أديبة لبنانية، اشتُهرت في نهاية القرن التاسع عشر بدعوتها إلى تحرير المرأة، وبدفاعها القوي عن فكرة المساواة الكاملة بين الرجال والنساء، بما في ذلك المساواة في العمل، والمشاركة السياسية انتخابًا وترشحًا. تعدّ زينب المرأة العربية الأكثر نشاطًا في زمانها من حيث طرح الأفكار والدفاع عنها، والدخول في سجالات عبر صفحات الجرائد والمجلات في القاهرة وبيروت. ويظهر من فكر زينب أنها أصّلت أفكارها بوعي، مؤمنة بالمساواة بين الرجل والمرأة. ولذلك، ألّفت موسوعة تراجم لنساء العالم الفاعلات في الفكر والسياسة والأدب سعيًا منها إلى تعميم الوعي التاريخي بقضية المساواة بين الجنسين. وحين دعاها مؤتمر شيكاغو النسائي العالمي عام 1893، اعتذرت عن الحضور لعدم وجود مَحرَم يرافقها في السفر.
النشأة والتعليم
وُلدت زينب بنت علي فوّاز في بلدة تبنين جنوبيّ لبنان عام 1846[1]، وارتحلت في صغرها إلى الإسكندرية {{الإسكندرية: مدينة مصرية ساحلية أسسها الإسكندر الأكبر، وتحولت عبر العصور إلى مركز حضاري وتجاري وثقافي مهم في البحر المتوسط، تحتفظ اليوم بمكانتها التاريخية والسياحية والعلمية.}} لتلتحق بشقيقها المحامي محمد علي فواز، إذ درست هناك دراسة خاصة، وتتلمذت لشيوخ الإسكندرية في الدراسات اللغوية والفقهية، ثم انتقلت مع شقيقها إلى القاهرة حيث نشطت في الصحافة، وأصبح اسمها متداولًا في المنتديات الأدبية، فأعجب بها الأديب والصحافي الدمشقي أديب نظمي {{أديب نظمي: أديب ومصلح ثقافي عربي، جمع بين الأدب التقليدي والانفتاح على الفكر الحديث، وشارك في حركة النهضة الأدبية والاجتماعية العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.}} (1840-1918(، وتبادلا الرسائل طويلًا قبل أن يتزوجا عام 1879، فسكنت دمشق ثلاث سنوات أقامت خلالها صالونًا أدبيًّا في بيت زوجها، ثم طلبت الطلاق عام 1882 بسبب خلافات بينها وبين زوجة أديب نظمي الثانية[2]. وقد عبرت في مقالاتها عن رأيها بتعدد الزوجات، وعدّته وبالًا على العائلة، كما انتقدت بعض المفاهيم الدينية المتعلقة بالمرأة منطلقةً من أفكار إصلاحية اكتسبتها من مجالسة رواد التجديد في الفكر الإسلامي آنذاك[3].
استأنفت زينب نشاطها الصحافي والسجالي حين عادت إلى القاهرة، فكتبت في عدة جرائد ومجلات، منها: النيل؛ المؤيد؛ اللواء؛ الأهالي؛ الاتحاد المصري؛ الفتاة؛ أنيس الجليس. وتعددت أعمالها الأدبية، فكتبت روايتَي حسن العواقب، والملك كورش، ومسرحية شعرية بعنوان الهوى والوفاء، وألّفت موسوعة تراجم تاريخية لنساء العالم بعنوان الدر المنثور في طبقات ربّات الخدور، وجمعت مقالاتها السجالية حول حقوق النساء في كتاب بعنوان الرسائل الزينبية، وصدر لها ديوان شعري ضمّ معظم قصائدها. تُوفِّيت في 15 كانون الثاني/ يناير 1914[4].
أفكارها النسوية
ارتكزت الأفكار النسوية لزينب إلى حقيقة أن التمدُّن البشري عبر التاريخ إنما كان نتيجة تضافر وتعاون بين الرجال والنساء، وأن المطّلع على تاريخ الأمم القديمة المتمدنة، مثل المصريين واليونانيين القدماء، يدرك أن تلك الأمم كانت ترى في النساء عضوًا لا يمكن العمل بدونه[5]. وترى فواز أن المرأة مساوية للرجل تمامًا، فهي ذات عقل كامل، وفكر ثاقب، وأعضاء متساوية، تعطي الأمور قدرها، وتفصل بين الزمان والمكان، وتدلِّل على كلامها هذا باستشهادها بنساء حكمنَ الرجال، وسُسْن الأمور، ورتبن الأحكام، وجنّدن الجنود، مثل: كليوباترا ملكة مصر (ت. 30 ق. م)، وزنوبيا ملكة تدمر (ت. 275)[6].
وتؤكد أن منطق العصر أثبت أن الرجل والمرأة متساويان في المنزلة العقلية، وعضوان في جسم الهيئة الاجتماعية، فلا غنى لأحدهما عن الآخر، وتصل - بناء على ذلك - إلى جوهر فكرتها النسوية التي تبسطها عبر طرحها سؤالًا منطقيًّا حول المانع من اشتراك المرأة في أعمال الرجال، وممارستها الأعمال في الدوائر السياسية - وغيرها - إن كانت جديرة بتأدية ذلك، وتضيف قائلةً: "ما فائدة تعلُّم المرأة الغربية جميع العلوم التي يتعلمها الرجال من فلسفة وحكمة ورياضة وهندسة، وتدرس القوانين السياسية إذا لم تعمل بمقتضاها وتخدم النوع البشري؟"[7].
والجدير بالإشارة إليه أن زينب كانت ترد على جملة من الأفكار التي انتشرت في صحافة العقدين الثامن والتاسع من القرن التاسع عشر، والتي كانت تشكك في أهلية المرأة العقلية والجسدية، وتسخر من فكرة المساواة[8]. ويمكن القول إن استخدامها بعض العبارات والجمل المعينة في مقالاتها إنما كانت ردودًا مباشرة على ما طرحه الدكتور شبلي شميِّل {{شبلي شميّل: كاتب ومثقف عربي من جيل النهضة، ساهم في الأدب والفكر الإصلاحي، ودمج بين التراث العربي والانفتاح على الفكر الحديث، وترك أثرًا في الصحافة والمقالات الأدبية والاجتماعية في بلاد الشام.}} (1850-1917)، أحد المعدودين من تيار الحداثة آنذاك، حين ناقش بإسهاب في أحد منتديات القاهرة الفروقاتِ الجسدية والفيزيولوجية بين الذكور والإناث، محاولًا أن يجد حلًّا وسطًا بين الأفكار التي تمجد المرأة وتجعلها في مصافّ الملائكة - حسب تعبيره - وبين الآراء التي تنزلها إلى الحضيض، داعيًا إلى ضرورة وضعها في مقامها الحقيقي الذي يليق بها، فهي تابعة للرجل في ارتقائه، مساعدة له متممة ما نقص من كماله، مخففة عنه مشاق الحياة الداخلية[9].
مؤتمر النساء العالمي
كانت زينب فواز واحدة من النساء السوريّات اللواتي تلقين دعوة من رئيسة مؤتمر النساء العالمي في شيكاغو، بيرثا هونوريه بالمر (Bertha Palmer، 1849-1918)، عام 1893 للمشاركة في المؤتمر وإلقاء كلمة فيه، ولكن زينب اعتذرت عن الحضور شاكرة السيدة هونوريه على دعوتها، مبرّرةً ذلك بموانع شرعية إسلامية تتمثل بضرورة وجود مَحرَم معها، فاسترعى ذلك اهتمام السيدة بالمر، فكاتبت زينب طالبة منها شرحًا أوفى حول تلك الموانع الشرعية لا سيما أن بالمر كانت تعرف أفكارها الداعية إلى تحرر المرأة، فأجابت زينب عن تساؤلات بالمر برسالة تضمنت شرحًا وافيًا لأحكام النساء الواردة في الفقه الإسلامي، ولكنها رغم ذلك حثّت بنات جنسها من القادرات على السفر إلى شيكاغو على ألا يترددن في الذهاب والمشاركة الفاعلة[10].
لم تكلِّف زينب نفسها عبء الرد على الأطروحات التي كانت تنتقص من أهلية المرأة - عقليًّا وجسديًّا – بل عدتها آراءً لا تستحق المناقشة، وركزت في سجالاتها على دعاة فكرة التكامل بين الرجال والنساء، وهي أفكار تعارض المساواة، وتدور حول الأنثوية المثالية التي كانت تروّج لها الإرساليات البروتستانتية، ومن هذه الأفكار الاكتفاء بتعليم المرأة وتأهيلها لمهمة بناء الأسرة فقط، ومعارضة عملها خارج المنزل، واعتبار مشاركتها السياسية مؤديّةً إلى خلل في الناموس البشري.
ولذلك، كانت زينب تعبر عن أفكارها بوضوح ومباشرة بدون مواربة، إذ دعت إلى مساواة كاملة بين الرجل والمرأة، بما فيها من حق العمل، وحق الممارسة السياسية ترشحًا وانتخابًا، مستندة في أطروحاتها الثورية تلك إلى ثقافتها التاريخية التي أنتجت كتابها الموسوعي الدر المنثور في طبقات ربّات الخدور، إضافة إلى اعتمادها منهجًا إصلاحيًّا إسلاميًّا انتقدت به المفاهيم الشائعة عند الشيوخ المحافظين عن تفضيل الإسلام الرجل على المرأة[11].
المراجع
خلف، تيسير. الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني 1892-1896. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
الزركلي، خير الدين. الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط 15. بيروت: دار العلم للملايين، 2002.
شميل، شبلي. "المرأة والرجل وهل يتساويان". المقتطف. ج 6، السنة الحادية عشرة (آذار/ مارس 1887).
فواز، زينب. حسن العواقب (رواية)، الهوى والوفاء (مسرحية). تحقيق فوزية فواز. سلسلة من التراث العاملي 1. بيروت: المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، 1984.
الرسائل الزينبية. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014.
القاسمي، ظافر. جمال الدين القاسمي وعصره. دمشق: مكتبة أطلس، 1965.
محمد، فتحية. بلاغة النساء في القرن العشرين. مصر: المكتبة المصرية، 1925.
[1] يُنظر ما ورد في صفحة الغلاف في: زينب فواز، حسن العواقب (رواية)، الهوى والوفاء (مسرحية)، تحقيق فوزية فواز، سلسلة من التراث العاملي 1 (بيروت: المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، 1984).
[2] اعتمد معظم الذين كتبوا عن زينب فواز على سيرتها الواردة في كتاب بلاغة النساء في القرن العشرين التي أمْلَتها على مُؤلِّفته. يُنظر: فتحية محمد، بلاغة النساء في القرن العشرين، ج 1 (مصر: المكتبة المصرية، 1925)، ص 116-154.
[3] يقول الشيح جمال الدين القاسمي، أحد أبرز دعاة الإصلاح الديني في بلاد الشام، إنها زارته في القاهرة أثناء رحلته إليها عام 1903 برفقة الشيخ عبد الرزاق البيطار، وأشار إلى أن زينب فواز تعرفت على الشيخ البيطار في دمشق في فترة زواجها بأديب نظمي. يُنظر: ظافر القاسمي، جمال الدين القاسمي وعصره (دمشق: مكتبة أطلس، 1965)، ص 149-150.
[4] خير الدين الزركلي، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ج 3، ط 15 (بيروت: دار العلم للملايين، 2002)، ص 67.
[5] زينب فواز، "تقدم المرأة"، لسان الحال، العدد 1409، 6-18/5/1892، ص 3-4.
[6] زينب فواز، "الإنصاف"، النيل (القاهرة)، العدد 151، 14/7/1892.
[7] المرجع نفسه.
[8] ومثال ذلك ما كانت تنشره مجلة المقتطف خلال عامَي 1886 و1887، وكذلك جريدة التقدم البيروتية، إذ لم يخلُ عدد من ردود على آراء حول قضية المساواة بين الجنسين وحقوق النساء. يُنظر: تيسير خلف، الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني 1892-1896 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 23.
[9] شبلي شميل، "المرأة والرجل وهل يتساويان"، المقتطف، ج 6، السنة الحادية عشرة (آذار/ مارس 1887)، ص 355-360.
[10] خلف، ص 32.
[11] زينب فواز، الرسائل الزينبية (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 131-143.