تسجيل الدخول

وليام شكسبير

​​​

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.




الاسم

وليام شكسبير

سنة الميلاد

1564

مكان الميلاد

ستراتفورد أبون آڤون، إنكلترا

سنة الوفاة

1616

مكان الوفاة

ستراتفورد أبون آڤون، إنكلترا

المهنة

شاعر، مسرحي



وليام شكسبير (William Shakespeare، 1564-1616)، من أهم كتاب المسرح والشعراء الإنكليز في القرنين السادس عشر والسابع عشر. انتشرت أعماله المسرحية وقصائده في العالم، وتُرجِمت إلى عديد من اللغات. تميز شكسبير عن غيره من الشعراء بأسلوبه الدرامي وحبكاته المحكمة، وبنائه المتقن للشخوص الدرامية، ولُقِّب بـالشاعر الإنكليزي (The English Bard)[1]. ألهمت أعماله كثيرًا من الكُتّاب والنُّقاد والشعراء، وأُلِّف عنه كثير من المجلدات والدارسات النقدية. وقد مُثّلت مسرحياته على الخشبات المسرحية العالمية، وطُوِّعت كثيرٌ من أعماله من كُتّاب ومخرجين في المسرح والسينما والأوبرا. ألّف شكسبير ما يقارب 38 عملًا دراميًّا، و154 سوناتا (Sonnets)، وكتب أغلب أعماله وحده. زادت شهرة شكسبير وعالميته على مرّ العصور اللاحقة، وكثُرت المراجعات والدراسات النقدية والترجمات والتطويعات (Adaptation) لأعماله من كُتّاب لاحقين، وتلقّف الكُتّاب أعماله في المسرح وصناعة السينما، وفي الجامعات والفنون بأشكالها، واستُعمِلت في الدراسات الثقافية والنقد الأدبي والأدب المقارن والأدب العالمي.

حياته ونشأته

وُلِد الشاعر وكاتب المسرح الإنكليزي شكسبير عام 1564، في بلدة ستراتفورد أبون آڤون، التابعة لبلدة وارويكشاير، الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة لندن عاصمة إنكلترا. وبالرغم من أن تاريخ ميلاده الدقيق غير مؤكد، فقد حُدِّد اليوم الثالث والعشرون من شهر نيسان/ أبريل في كل عام احتفالًا بيوم مولده. تكوّنت عائلة وليام شكسبير من ثمانية أفراد: الأب جون شكسبير (John Shakespeare) الذي امتهن صناعة القفازات؛ والأم ماري (Mary) ربة المنزل؛ ووليام الابن الأكبر؛ وإخوته الذكور الثلاثة: غيلبرت (Gilbert)، وريتشارد (Richard)، وإدموند (Edmund)؛ إضافة إلى شقيقتيه آنا (Anne) التي تُوفّيت في السابعة من عمرها؛ وجوان (Joan) الأخت الصغرى[2].

وبالرغم من عدم وجود أدلة كافية، تقول الدراسات إن شكسبير التحقَ في سن السادسة أو السابعة بمدرسة ستراتفورد للقواعد (Stratford Grammar School)، التي سُمّيت لاحقًا بمدرسة الملك الجديدة؛ واطّلع مبكرًا على نصوص أدبية كلاسيكية كُتِبت باللغة اللاتينية، لكُتّاب من أمثال: ڤيرجيل (Virgil، 70-19ق.م.)، وسينيكا (Seneca، ت. 65م)، وشيشرون (Cicero، 106-43ق.م.)، وأوڤيد (Ovid، 43 ق.م.-18م)، وهوراس (Horace، 65-8ق.م.)، الأمر الذي عزز ذائقته الفنية الأدبية، وحفّز خياله في مرحلة مبكرة من عمره. وفي سن الثامنة عشرة، تزوج شكسبير من آنا هاثاوي (Anne Hathaway، 1556-1623)، وأنجبا سوزانا (Susanna) البنت الأكبر، وجودث (Judith) وهامنت (Hamnet) التوأم.

انتقل شكسبير إلى لندن، وعمل فيها ممثلًا وكاتبًا مسرحيًّا، وأسّس فرقة مسرحية بقيادته تحمل اسم رجال اللورد تشامبرلين (Lord Chamberlain's Men)، في عهد الملكة إليزابيث الأولى (Elizabeth I، 1533-1603) عام 1594. وأُعيد تسمية الفرقة بـاسم رجال الملك (The King's Men) عام 1603، حين رعى الملك جيمس الأول (James I، 1566-1625) الفرقة. ارتبط اسم شكسبير ارتباطًا وثيقًا بهذه الفرقة، حتى وفاته في الثالث والعشرين من شهر نيسان/ أبريل عام 1616. اختصت الفرقة بتمثيل مسرحيات شكسبير أكثر من غيره، وألّف شكسبير لها مسرحيتَيْن تقريبًا في كل عام.

عاد شكسبير إلى مسقط رأسه وتُوفّي هناك، ودُفِن في كنيسة الثالوث التابعة للبلدة، ولم يُدفَن في مقبرة زاوية الشعراء التابعة لكنيسة وستمنستر الملكية، التي دُفِن فيها أكثر من مئة شاعر مشهور في التاريخ الإنكليزي الأدبي، مثل: جيفري تشوسر (Geoffrey Chaucer، 1343-1400)، وإدموند سبنسر (Edmund Spenser، 1552-1599)، وغيرهما. ولتعويض غياب جثمانه عن زاوية الشعراء، أُقيمَ له تمثال تذكاري فيها عام 1740[3] (الصورة 1 ). اشتُهر شكسبير بين معاصريه، ورثاه معاصرُه الكاتب الإنكليزي بن جونسون (Ben Jonson، نحو 1572-1637)، واصفًا إياه بــ"روح العصر"[4].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


مؤلفاته

ألّف شكسبير ما يقارب 38 عملًا دراميًّا، و154 سوناتا (Sonnets)، وكتب أغلب مسرحياته وحده؛ إذ أشار بعضهم إلى إسهام كُتّاب آخرين في تأليف أربع مسرحيات له، منهم: جورج بيل (George Bell) الذي شارك في كتابة مأساة تيطس أندرونيكوس Titus Andronicus؛ وتوماس ناش أو توماس كيد (Thomas Kyd، 1558-1594) في المسرحية التاريخية هنري السادس - الجزء الأول Henry VI-Part I؛ وتوماس ميدلتون (Thomas Middleton، 1580-1627) في مأساة تيمون الأثيني Timon of Athens؛ وجورج ويلكنز (George Wilkins، ت. 1618) في مسرحية بريكليس، أمير صور Pericles, Prince of Tyre[5]. إن هذا التشارك كما يُعتقَد، في تأليف بعض أعمال شكسبير، لا يقلل من براعة الشاعر الإنكليزي، بل يدل على مدى شهرته في ذلك الزمن.

صُنّفت مسرحيات شكسبير إلى 12 تراجيديا (مأساة)، و14 كوميديا (ملهاة)، و11 مسرحية تاريخية، ويُعتقَد أنها كُتِبت في المدة بين عامي 1589 و1613. لم يضع شكسبير هذا التصنيف، وإنما صنف النُّقاد من بعده المسرحيات حسب موضوعاتها وخصائصها الدرامية، رغم تداخل بعض الخصائص الفنية أحيانًا. وطُبِعت كثير من مسرحياته على شكل كوارتوهات (Quartos)، كل كوارتو خُصِّص لمسرحية، وهي أشبه بالمجلات الصغيرة بصفحات مربعة مقسمة إلى أربعة أجزاء. كذلك طُبِعت في شكل فوليوهات (Folios)، وهي مجلدات مكونة من صفحات كبيرة. نُشِرت مسرحيات شكسبير على مرحلتين: المرحلة الأولى: في أثناء حياته، إذ نُشِرت تسع عشرة مسرحية على شكل كوارتوهات منفصلة؛ والمرحلة الثانية: كانت بعد وفاته، عندما عمد جون همينغز (John Heminge، ت. 1630) وهنري كونديل (Henry Condell، ت. 1627)، رفيقا شكسبير، إلى جمع 36 مسرحية في عام 1623، ونشرها بوصفها مجموعة واحدة، عُرِفت لاحقًا باسم "الفوليوهات الأولى"، وقد طُبِعت منها 750 نسخة، ولم يتبقَّ سوى 235 نسخة فقط[6]. وقد فُقِدت مسرحيتان نُسِبتا إليه، هما: فاز عمل الحب Love's Labour's Won، وكاردينيو Cardenio، دون معرفة السبب[7].

دارت مسرحيات شكسبير التاريخية حول شخصيات تاريخية حقيقية، حكمت في القرن الثاني عشر حتى السادس عشر، وقد صدرت هذه المسرحيات في رباعيتين: الرباعية الأولى كُتِبت في بدايات 1590، وهي: هنري السادس، الجزء الأول Henry VI, Part I، وهنري السادس، الجزء الثاني Henry VI, Part II، وهنري السادس، الجزء الثالث Henry VI, Part III، وريتشارد الثالث Richard III. تكوّنت كلٌّ من مسرحيات هنري السادس بأجزائها الثلاثة من خمسة فصول، مع نشر الجزأين الثاني والثالث في الكوارتو الأول، ونشر الجزء الأول وحده في الفوليوهات الأولى بعد وفاة شكسبير[8]. تدور الثلاثة أجزاء حول أحداث سياسية حقيقية، حدثت في القرنَيْن الثالث عشر والرابع عشر في إنكلترا، عندما تولّى هنري السادس (Henry VI، 1421-1471) سدة الحكم، وبدأت الحروب الأهلية الداخلية في البلاط الإنكليزي من أجل السلطة، التي سُمّيت لاحقًا بحروب الورود[9]. بدأ الجزء الأول مع اعتلاء هنري السادس العرش، وانتهى الجزء الثالث بمقتله على يد ريتشارد، الذي قتل الكثيرين طمعًا في العرش؛ فأصبح لاحقًا الملك ريتشارد الثالث (Richard III، 1452-1485). أما الرباعية الثانية، فتضمنت: ريتشارد الثانيRichard II، وهنري الرابع، الجزء الأولHenry IV, Part I، وهنري الرابع، الجزء الثانيHenry IV, Part II، وهنري الخامسHenry V، وانتُهي منها عام 1599. دارت هذه المسرحيات التاريخية حول أحداث سياسية سابقة، حدثت قبل تولي هنري السادس للحكم.

أما تراجيديات شكسبير، فقد تكوّنت من عدة مسرحيات، هي: تيطس أندرونيكوس (1591)، وروميو وجوليتRomeo and Juliet (1594)، ويوليوس قيصر Julius Caesar (1599)، وهاملت Hamlet(1600)، وترويلوس وكريسيدا Troilus and Cressida (1601)، وعطيل Othello (1604)، والملك لير King Lear (1605)، وماكبث Macbeth (1606)، وتايمون أثينا Timon of Athens (1605)، وأنطونيو وكليوباتراAntony and Cleopatra (1606)، وأخيرًا كوريولانوس Coriolanus (1607). بُنِيت ثلاث مسرحيات من ضمن هذه التراجيديات على شخوص حقيقيين من التاريخ الروماني، وهي: مسرحية يوليوس قيصر، وأنطونيو وكليوباترا، وكوريولانوس. أما بقية الشخوص فتنوعوا؛ فهاملت كان أميرًا دنماركيًّا؛ وعطيل قائدًا عسكريًّا مغاربيًّا؛ وماكبث قائدًا وأميرًا إسكتلنديًّا.

اشتركت هذه التراجيديات في تجسيد الصراع بين الخير والشر الكامنَيْن في الطبيعة البشرية، وقدَّمت حبكات عن شخصيات رئيسة ارتكبت أخطاءً مأساوية في حالات ضعفها، وطغت عليها السمات الإنسانية السلبية أكثر من السمات الحسنة؛ فهاملت أصيب بالتردد والحيرة في أخذ ثأر أبيه؛ وماكبث كان طموحًا يسعى إلى السلطة؛ أما مأساة الملك لير فحدثت بسبب الغطرسة والكبرياء المفرطَيْن؛ وعانى عطيل من الشك والتسرع، حتى قتل زوجته ديديمونا بسبب الغيرة المفرطة.

لقد طوّر شكسبير المأساة إلى مرحلة جديدة، وهي أن الطبيعة البشرية، وليست الظروف وحدها أو القدر كما حدث في أغلب التراجيديات الكلاسيكية، هي السبب في النهايات المأساوية التي واجهت الشخوص الرئيسين في النهاية. واختلفت التأويلات لهذه التراجيديات في بعض الأحيان، كما حدث في مسرحية هاملت، فمِن النّقاد من رأوا أن هاملت لم يكن يعاني التردد، بل امتاز بالحكمة، وعدم التسرع في الحكم على عمه بارتكاب جريمة قتل والده، ولم يأخذ بالثأر إلا عندما تأكد من حقيقة جريمة عمه.

ورغم هذا التطوير الذي قدمه شكسبير في مسرحياته، ظلت مآسيه تتفق مع كثير من الخصائص الدرامية، التي أشار إليها أرسطو في كتابه فن الشعرPoetics، الذي وضع فيه أهم خصائص التراجيديا. عرّف أرسطو التراجيديا المحكمة بأنها "تقليد ومحاكاة لفعل جدي وكامل، يكون بحجم معين [...] ويثير الشفقة والخوف اللذين يؤديان إلى التطهير المناسب (التنفيس) لهذه المشاعر"[10]. لقد اتبعت تراجيديات شكسبير كثيرًا من العناصر الدرامية التي وضعها أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، وتناولت قصصًا جدية عن شخصيات مهمة، وهدفت إلى إثارة الشفقة والخوف في قلوب المشاهدين، وتحقيق التطهير المناسب لديهم عند موت الشخصية الرئيسة في النهاية، وحفظت الوحدات الثلاث التي تكلم عنها أرسطو. وعلى غرار أبطال التراجيديا عند أرسطو، الذين هم من الأشراف والنبلاء وذوي المناصب العليا في الدولة، يُعدّ أبطال شكسبير من الأمراء والملوك والقادة العسكريين الكبار. كذلك يصل أبطال شكسبير إلى مرحلة الإدراك والمعرفة بخطورة تصرفاتهم في النهاية، وهذا ما رسمه أرسطو لنهايات التراجيديا الجيدة، أو ما سمّاه الحبكة المعقدة. لكن شكسبير خالف أرسطو في بعض النقاط، فعلى سبيل المثال، لم تخلُ مسرحيات شكسبير من بعض المشاهد الكوميدية، التي استُخدِمت بذكاء من أجل إعطاء راحة للمشاهدين، بخلاف التراجيديا الجدية عند أرسطو.

لم تكن كوميديا شكسبير ورومنسياته بمنأى عن الصراع، إلا أن هذه الصراعات لم تكن مؤذية لدرجة هلاك أصحابها عمومًا. وتضم قائمة شكسبير الكوميدية والرومانسية مسرحيات، مثل: ترويض الشرسة أو النمرة The Taming of the Shrew (1593)؛ وحلم ليلة منتصف الصيفA Midsummer Night's Dream (1595)؛ وكثير من اللغط حول لا شيء Much Ado About Nothing (1598)؛ والليلة الثانية عشرة Twelfth Night (1599)؛ وكما تحبها أو كما تشاء As You Like It (1599)؛ وكل شيء بخير إذا انتهى بخير All's Well That Ends Well (1602)؛ وزوجات وندسور المرحات The Merry Wives of Windsor (1602)؛ والصاع بالصاع Measure for Measure (1603)؛ وحكاية الشتاءThe Winter's Tale (1610)؛ وملهاة العاصفة The Tempest (1611).

اختلفت هذه المسرحيات عن تراجيديات شكسبير، بأنها انتهت بنهايات سعيدة مثل زواج المتحابّين، وإعادة لمّ شمل العائلة والأصدقاء، والتصالح، وإعادة ترتيب النظام السابق. وأضاف شكسبير عناصر كوميدية مثل التنكر، الذي يضفي نوعًا من الكوميديا عندما تتيه الشخصيات عن بعضها، ويعطي الشخصيات نوعًا من الحرية في التصرف. مثال ذلك، تنكّر روزاليند في مسرحية كما تحبها، في المشهد الثاني من الفصل الثاني، بزي صبي مع صديقتها سيليا، لتكتشف مشاعر أورلاندو الحقيقية تجاهها، دون الكشف عن نفسها. وقد طلب الدوق أورسينو من فيولا التنكر بزي صبي، من أجل نقل رسائله إلى حبيبته أوليفيا، في المشهد الرابع في الفصل الأول من مسرحية الليلة الثانية عشرة. يُضاف إلى ذلك أن شكسبير استخدم عناصر كوميدية أخرى، مثل المزاح والتلاعب بالألفاظ والخداع والمكر. وغالبًا ما تحدث أحداث هذه المسرحيات بعيدًا عن الحياة اليومية في المدن، إذ لن يشغل بال الشخوص سوى العلاقات العاطفية والمزاح، كما حدث في غابة آردن في مسرحية كما تحبها؛ وجزيرة صقلية في مسرحية كثير من اللغط حول لا شيء؛ وإليريا، المملكة الوهمية على ساحل البحر الأدرياتيكي، في مسرحية الليلة الثانية عشرة.

وفيما يتعلق بقصائد شكسبير السوناتات، مفردها سوناتا (Sonnets)، فقد وصل عددها إلى 154 قصيدة، نُشِرت لأول مرة عام 1609[11]. ويمكن تقسيم هذه القصائد إلى قسمَيْن حسب المخاطَب: في السوناتات من 1 إلى 126، يخاطب المتحدث فيها شابًا وسيمًا في موضوعات مختلفة، كمختصر حياة الإنسان في سوناتا 1، والخلود في سوناتا 21، والذكريات الحزينة في سوناتا 30، والخيانة في سوناتا 35؛ وكان الخطاب في السوناتات من 127 إلى 154 موجهًا إلى السيدة السمراء (The Dark Lady)، التي أعلن حبها ودافع عنه في سوناتا 127، وذكر عزفها للموسيقا التي تُطربه في سوناتا 128، وتحدث عن الحب الحقيقي بينهما في سوناتا 130، في حين أنه علّق على تراجع الحب بينهما في سوناتا 140.

أما بالنسبة إلى بنية هذه القصائد، فقد تكوّنت كل قصيدة من 14 سطرًا، استخدم في نظمها تفاعيل خماسية، هي نفسها التي استُخدِمت في كتابة مسرحياته، علاوة على اتّباع قافية تتردد كل سطرين، على شكل أ ب أ ب. وقد قُسمت كل قصيدة إلى ثلاث مجموعات، تكوّنت كلٌّ منها من أربعة أبيات، تفصل بينها فاصلة، وتنتهي بنقطة في آخر البيت الرابع من كل مجموعة[12]. وتُختتَم القصيدة ببيتين منفصلين لهما القافية نفسها. استمد شكسبير هذا الأسلوب الشعري من الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بتراركا (Francesco Petrarca، 1304-1374) في القرن الرابع عشر، الذي انتشر أسلوبه في أشعار عصر النهضة.

اطلاعه وتأثره

تجلت أعمال شكسبير عن ثقافة واسعة واطلاع كبير على الكلاسيكيات الأدبية واللغات والثقافات الأخرى، فقد استقى معرفته من مصادر ومنابع أدبية ودينية وفنية مختلفة، فانتقى بذكائه الفني ما يناسبه من هذه المصادر، وأعاد صياغة المعرفة وقدّمها للبشرية بقالب جديد.

وعلى مستوى الأدب الكلاسيكي (الإغريقي والروماني)، كشفت مسرحيات شكسبير عن مدى اطّلاعه وتأثره بأعمال هومر، وسنيكا، وأوڤيد، وفيرجل، وغيرهم، وتمثل هذا التأثر في أعماله من خلال الاستعارات المتكررة للشخوص، والمقولات الكلاسيكية التي وردت في أساطير وملاحم إغريقية ورومانية. على سبيل المثال لا الحصر، أشار في هنري السادس، الجزء الأول، إلى البرغولوس، القرصان الوليرياني القوي في قصيدة دي أوفيسيس (De Officiis) لشيشرون (Marcus Tullius Cicero، 106 ق. م.-43)؛ وبنى قصتي الحب الموجودتين في مسرحية روميو وجولييت، ومسرحية حلم ليلة منتصف الصيف، على أسطورة الحب المشؤومة بين بيراموس وثيسبي، الموجودة في قصيدة التحولات الملحمية (باللاتينية: Metamorphōseōn librī) للكاتب الروماني أوڤيد (Ovid، ت. 43 ق. م.)[13]، التي لاقت حضورًا واسعًا في عصر النهضة (Renaissance)، عندما ترجمها آرثر غولدين (Arthur Golding، 1636-1602) إلى الإنكليزية عام 1567؛ وقد أورد في مسرحية ترويلوس وكريسيدا، شخصيات من الملحمة الإغريقية الإلياذة لهوميروس (Homerous، القرن الثامن قبل الميلاد)، مثل: هيكتور، وأياكس، وأخيل، وأغاممنون. ومن الممكن أن يكون شكسبير قد عرف أعمال هوميروس من خلال ترجمة جورج تشابمان (George Chapman، 1559-1634) للكتب السبعة الأولى للملحمة عام 1609، أو أنه قرأ النص باللغة اللاتينية في مدرسة الملك الجديدة في طفولته. إن الأمثلة على اقتباس شكسبير للنصوص الكلاسيكية كثيرة، وهذا يدلّ على مدى اطلاع شكسبير وقراءاته الواسعة، وقد ذكر ستيوارت كيلز في كتابه مكتبة شكسبير Shakespeare’s Library: Unlocking the Greatest Mystery in Literature، حقيقة أن الشاعر الإنكليزي امتلك مكتبة كبيرة تُقدّر بآلاف الجنيهات، احتوت على كتب كثيرة ومخطوطات أثْرَت معرفته التي انعكست على أعماله.

لم تكن معرفة شكسبير مقتصرة على قراءات من الأدب الكلاسيكي فقط، بل اقتبس كلمات ونصوصًا من الكتاب المقدس، وهذا يدل على مدى تثقيفه الديني، بالرغم من حقيقة أن اتجاهاته الدينية لم تكن جلية وواضحة، فمسرحيتا هاملت وعطيل وحدهما احتوتا أكثر من خمسين اقتباسًا من الكتاب المقدس[14]. إن سؤال تشارلز، دوفين فرنسا، في مسرحية هنري السادس، في المشهد الثاني من الجزء الأول، عن "هل كان محمد ملهمًا بحمامة؟"[15]، يدل على اطلاع شكسبير على الإسلام، وعلى تعاطي الأوروبيين في العصر الإليزابيثي مع الشرق والإسلام. ومثال ذلك حدث في مسرحية ماكبث، عندما وصفت السيدة ماكبث قوة العطور العربية قائلة: "كل عطور الجزيرة العربية لن تنظف هذه اليد الصغيرة" (ماكبث، الفصل الخامس، المشهد الأول). ويصف عطيل عينيه الدامعتين على مقتل ديديمونا، بأنهما مثل شجرة المر العربية، حين قال: "أُسقِط الدموع بسرعة مثل أشجار المر العربية" (عطيل، الفصل الخامس، المشهد الثاني). وليس من الثقافة العربية فقط، بل يقتبس شكسبير من الثقافات الهندية والفارسية والمصرية والتركية وغيرها، وقد تأثر بحركات التوسع والاستكشاف المنتشرة في ذلك العصر، فيصف القدس، ويذكر حلب ومصر، وغيرها من مدن الشرق في أعماله، وهذا يدل على معرفته الجغرافية أيضًا.

وقد أثّرت كثير من الأحداث التاريخية في أعمال شكسبير المسرحية؛ وتشير إلينا ودكير إلى ارتباط مسرحية الملك لير بالأحداث التي سبقت وتبعت وصول الملك جيمس الأول إلى الحكم، الذي ترأس حكم ثلاث دول، هي: بريطانيا وإسكتلندا وإيرلندا. لم يودّ جيمس تقسيم بلده، بل توريث الدول الثلاث لشخص واحد آنذاك[16]. لقد كُتِبت المسرحية بعد سنتين من تولي جيمس رئاسة الدول الثلاث، وعلى عكس الملك جيمس، أراد الملك لير في المسرحية تقسيم مملكته بين الورثة، فانتهى هذا التقسيم بمأساة حلّت به وبمملكته. لقد ضمّن شكسبير رسالة سياسية في مسرحيته للمشاهد الإنكليزي، مفادها أن قرار جيمس بعدم التقسيم هو قرار حكيم[17]. ويشير شكسبير في مسرحية ماكبث إلى مؤامرة البارود (Gunpowder Plot, 1605)، التي كانت محاولة فاشلة لقتل الملك جيمس من الثوار الكاثوليك، في عملية تفجير مجلس البرلمان بمادة البارود[18]. وتمثلت تلك الخيانة في المسرحية، من خلال سعي ماكبث الطموح إلى الحكم وخيانته العرش. كذلك تغنت مسرحية عطيل بالمعركة البحرية (ليبانتو) التي وقعت بين العثمانيين والإيطاليين في البندقية، في القرن السادس عشر، وخسر فيها العثمانيون الحرب أمام الجيوش الأوروبية.

لم يُشِر شكسبير في أعماله إلى الأحداث السياسية فقط، بل أشار إلى أحداث تاريخية مهمة حدثت في عصره أو قبله، فذكر مرض الطاعون المنتشر في أوروبا في السنوات السابقة في روميو وجولييت؛ وتفاخر بالاختراعات العلمية التي ميّزت عصر النهضة كعلم النجوم في الملك لير، والعدسة المكبّرة في ريتشارد الثالث؛ ورجع إلى ما سمّاه الوصفات الطبية لمعالجة سن اليأس في مسرحية كل شيء بخير إذا انتهى بخير، وثمة كثير من الأمثلة الأخرى، التي كشفت عن مدى اطّلاع شكسبير وتأثره بالاختراعات والاكتشافات والأحداث التي جرت في وقته.

عالميته

تميّز شكسبير مبكرًا، وأشاد معاصروه بتميزه، فقد وصفه الشاعر الإنكليزي بن جونسون (Ben Jonson، 1572-1637) بأنه "نجم الشعراء"، وأنه "لم يكن لعصر معين، بل لكل العصور"[19]. بات شكسبير محط الاهتمام والتمجيد من النّقاد والكُتّاب على مر العصور، وقد أشار صموئيل جونسون (Samuel Johnson، 1709-1784) في كتابه مقدمة لشكسبير Preface to Shakespeare، إلى أن أعمال شكسبير قادرة على تحقيق المتعة، ومثّلت الطبيعة الإنسانية العامة من مَناحٍ مختلفة، لذلك فقد "سبق كل الكُتّاب، على الأقل الكُتّاب المعاصرين، في كونه شاعر الطبيعة، الشاعر الذي حمل لقُرّائِه مرآة صادقة للأخلاق والسلوكيات والحياة"[20]. وأضاف أن "شخصياته لم يتم تطويرها بناءً على طباع خاصة بأماكن معينة، أو أنها غير منتشرة في أرجاء العالم الأخرى، أو بناءً على خصائص مدروسة ومهنية [...]، بل إنهم النسل الحقيقي للإنسانية المشتركة". ووفق هذه الميزات، أعلن جونسون أن شكسبير، كغيره من الكُتّاب القدماء المشهورين، "تجاوز عصره"[21].

زادت شهرة شكسبير وعالميته على مر العصور اللاحقة، وكثُرت المراجعات والدراسات النقدية والترجمات والتطويعات لأعماله من كُتّاب لاحقين، وتلقّف الكُتّاب أعماله في المسرح وصناعة السينما، وفي الجامعات والفنون بأشكالها، واستُعمِلت في الدراسات الثقافية والنقد الأدبي والأدب المقارن والأدب العالمي. يسأل جون إلسوم في كتابه هل ما زال شكسبير شاعرًا معاصرًا لنا؟ Is Shakespeare Still Our Contemporary? عن شهرة شكسبير في القرن العشرين، ويجيب بالإيجاب قائلًا: "لقد أصبح شكسبير معاصرًا وقادرًا على التعليق على الأحداث المعاصرة، بحرّية لا يتمتع بها الكتاب الأحياء"[22]. ويعني إلسوم بالأحداث هنا، تلك الصراعات السياسية التي انتشرت في القرن العشرين، انتشارًا سريعًا ملحوظًا. لقد أصبح شكسبير أداة لهؤلاء الكُتّاب للتعليق على حياتهم المعاصرة، وستارة يختبِئون وراءها من براثن السلطة والقمع.

ألّف الناقد الأميركي هارولد بلوم Harold Bloom)، 1930-2019) كتابًا عن عالمية شكسبير، تحت عنوان: شكسبير: اختراع البشرية Shakespeare: The Invention of Human، وبدأ بطرح سؤال: "لماذا شكسبير؟"، ثم أجاب بقوله: "ومن غيره أجدر أن يكون". ثم يُعلّل إجابته بقوله: "لا يوجد كاتب غربي ولا مؤلف من الشرق، قادر أنا على قراءته، يُضاهي شكسبير في ذكائه"[23]. كذلك يذهب بلوم إلى أكثر من ذلك، عندما قارن أعمال شكسبير بالكتاب المقدس من حيث العالمية، بقوله: "ما يتشارك به الكتاب المقدس وشكسبير، ليس أقل مما يعتقده الناس، أنا نفسي أشك بأن القيمة المشتركة هي فقط العالمية، والكونية، وتعدد الثقافات"[24].

وأسهمت الفرق المسرحية وحركات الاستكشاف في القرنَيْن السادس عشر والسابع عشر، في انتشار أعماله إلى بقع جغرافية بعيدة. على سبيل المثال، اضطلع البحارة المستكشفون، تحت إمرة القبطان الإنكليزي وليام كيلنغ (William Keeling، 1577-1619) بمسرَحَةِ كُلٍّ من هاملت وريتشارد الثاني مبكرًا في أماكن عدة، مثل أفريقيا والبرتغال وإسبانيا، كما ورد في مذكرات كييلنغ نفسه[25]. ودون التطرق إلى احتمالية أن يكون قد اختُزِل جزء من هذه المسرحيات، أو عُرِضت كاملة بلغات أخرى لتناسب ظروف المكان والزمان، فإن الأمر المهم هنا، هو التأكيد على فكرة حرص الإنكليز على تقديم شاعرهم إلى العالم.

بعد وفاة شكسبير، وبعد غلق المسرح لأكثر من خمسين عامًا، على يد المتطهّرين البروتستانت (Puritans) في إنكلترا، جاء الملك تشارلز الثاني (Charles II، 1630-1685)، وأمر بإعادة فتح المسارح. وتكوّنت فرقتان مسرحيتان، هما: فرقة رجال الدوق، وفرقة رجال الملك، وأخذتا على عاتقيهما مسؤولية إحياء أعمال شكسبير من بين الأعمال الأخرى، مع تقديمها للجمهور الإنكليزي المتعطش إلى المسرح من جديد. وفي أواخر القرن الثامن عشر، قدّمت فرقة إنكليزية، تابعة لشركة شرق الهند الإنكليزية في المستعمرة الهندية، أعمالًا متعددة لشكسبير في مسرح كالكوتا والمسرح الجديد التابع للكابتن جورج وليامسون (George Williamson، ت. 1817)، كان غرضها إمتاع الضباط والتجار والمستكشفين الإنكليز هناك. إلا أن هذه التجارب المسرحية، سرعان ما تُرجِمت إلى اللغة الهندية من سُكّان الهند، الذين تطلعوا إلى التشارك الثقافي مع الإمبراطورية الإنكليزية[26]. كذلك لا يمكن تجاهل أهم المسارح التي أثرت في عالمية شكسبير، ألا وهو المسرح الكوني (The Globe Theatre) الذي تأسس من فرقة شكسبير للمسرح؛ رجال اللورد تشامبرلين، عام 1599، واختصّ بمسرَحَة أعمال شكسبير، وقد تعرّض للحرق والإغلاق مرارًا، وأُعِيد إلى العمل بنسخته الحديثة تحت مسمى مسرح شكسبير العالمي، الذي ما يزال يعمل حتى الآن، وقد أخذ ممثلوه ومخرجوه على عاتقهم نقل أعماله إلى أكبر عدد من الجمهور في العالم.

وأسهم المترجمون وحركات الترجمة الأدبية، في تقديم شكسبير للجماهير من شتى المنابت والأصول، وذلك من خلال ترجمة أعماله إلى كثير من لغات العالم. ولم تكن الترجمة في البداية لأعماله جميعها، بل لأشهرها. وكان من رواد الترجمة الأوائل ڤولتير (Voltaire، 1694-1778)، الذي ترجم مسرحية يوليوس قيصر إلى اللغة الفرنسية، وترجم مونولوج هاملت فقط إلى اللغة الفرنسية عام 1734. وظهرت ترجمة كاملة لأعمال شكسبير باللغة الفرنسية، عندما ترجمها بيري أنتوين دي لا بلاس (Pierre-Antoine de la Place، 1707-1793) ما بين عامي 1745 و1784، بهدف تقديم الدراما الإنكليزية إلى الجمهور الفرنسي، والتأكيد على التشابهات والفروقات مع الدراما الفرنسية. وربما أن هذه الترجمات قد جعلت جمهور الفرنسيين أكثر اطّلاعًا على شكسبير من غيرهم مِن مجاوريهم الأوروبيين[27]. وليس ببعيد ترجمة الألمانيَّيْن أوغست ڤيلهلم شليغل (August Wilhelm Schlegel، 1767-1845) ولودڤغ تيك (Ludwig Tieck، 1773-1853)، مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف، عام 1810، ثم ترجمة أعماله الكاملة إلى اللغة الألمانية[28]. كذلك ترجم الإسباني جان فرانسوا دوتشيس (Jean-Francois Ducis، 1733-1816) أعمال شكسبير للإسبانية، معتمدًا على الترجمات الفرنسية، ومحدِثًا اختلافًا جزئِيًّا بين الترجمات والنصوص الأصلية. وترجم الثلاثي جوزيف باسكويسكي (Józef Paszkowski، 1817-1861) وستانسلو كوزمين (Stanisław Koźmian، 1836-1922) وليون أولرتش (Leon Ulrich، 1811-1885) أعمال شكسبير إلى اللغة البولندية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خلال عيشهم في المنفى في إنكلترا، بعد ثورة نوفمبر البولندية بين عامي 1830 و1831.

هذا على الصعيد الأوروبي باختصار، أما على الصعيد الآسيوي، فقد جاءت أولى الترجمات باللغة الصينية من تيان هان (Tian Han، 1898-1968)، الذي ترجم هاملت إلى الصينية عام 1922؛ وجاء بعده زو شينغهو (Zhu Shenghao، 1912-1944) الذي ترجم أعمال شكسبير الكاملة، بدءًا من مسرحية العاصفة عام 1936[29]. أما في الوطن العربي، فقد بدأت رحلة شكسبير بنوع من التعريب لأغراض المسرَحة، عندما عرّب اللبناني طانيوس عبده (1869-1926) هاملت من اللغة الفرنسية عام 1899. لكن عبده غيّر في النص الأصلي، وجعل النهاية سعيدة. كذلك عرّب نجيب الحداد {{نجيب الحداد: (1867-1899) أديب وصحافي ومترجم من مواليد بيروت. تنقل بين لبنان ومصر وعمل محررًا في جريدة الأهرام، وأنشأ جريدة السلام اليومية في مصر. من مؤلفاته رواية صلاح الدين ورواية شهداء الغرام.}} أيضًا روميو وجولييت، مع تغيير في موضوع المسرحية، ليناسب موضوع الزواج التقليدي في الثقافة العربية. وظهرت ترجمات أخرى في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما ترجم الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا (1919-1994) هاملت وغيرها من الأعمال.

لا بُدّ من ذكر أن عالمية شكسبير قد أثرت وتأثرت بصراع القوى بين ثنائية المستعمِر/ المستعمَر، وثنائية الذكورية/ الأنثوية. وكثيرًا ما قدّم الشاعر الإنكليزي ممثلًا لفكرة الذكورية البيضاء الغربية، التي كانت أساس الهيمنة الغربية وفكرة الاستعمار، واستُخدِمت من المستعمرين الإنكليز كإشارة على تفوّق اللغة والثقافة الإنكليزيتَيْن؛ وفكرة المركزية الأوروبية (Eurocentrism)، حتى عدّه كثير من نُقّاد مدرسة ما بعد الاستعمار جزءًا لا يتجزأ من الهيمنة الغربية على أفريقيا والشرق، وعدّه كثير من كُتّاب الحركة النسوية مُلهمًا للسلطة الذكورية. تقول أنيا لومبا ومارتن أوركين في كتابهما شكسبير ما بعد الاستعمار Post-Colonial Shakespeares، إن شكسبير قد استُخدِم فعلًا مِمَّن يُسمّون بـ"الأجناس المتحضرة، والتربويين الاستعماريين والإداريين السياسيين"، من أجل "تعزيز التسلسلات الهرمية الثقافية والعنصرية الغربية"[30]. لذلك، لا يُعيد نُقّاد ما بعد الاستعمار والحركة النسوية قراءة أعمال الشاعر الإنكليزي، وبيان ما تضمّنته من تمييز عنصري وذكورية وأيديولوجيات استعمارية فقط، كما فعلوا كثيرًا في عطيل والعاصفة، بل يسلطون الضوء أيضًا على آلية تقديم الغرب لشكسبير، بعدِّه شاعرهم، ورمزًا للتميّز والثقافة الإنكليزية والهيمنة الحضارية التوسّعية.

وتُكمل لومبا وأوركين قولهما بـ: "كلٌّ من شكسبير والاستعمار معًا، قد تركا بصماتهما على الثقافات في جميع أنحاء العالم"[31]. وليس مجرد التحليل فقط، بل أخذ بعض كُتّاب ما بعد الاستعمار ومُؤلّفي الحركة النسوية على عاتقهم إعادة صياغة أعمال شكسبير، وتطويعها تحت مظلة عملية الكتابة المضادة للإمبراطورية (Writing Back to the Emperor)، كما ورد في كتابات كُتّاب مثل بيل أشكروفت (Bill Ashcroft، 1946-) وسلمان رشدي {{سلمان رشدي: اسمه أحمد سلمان رشدي (Salman Rushdie، 1947-) روائي بريطاني من أصول هندية. تخرج في جامعة كامبريدج وحصل على جائزة بوكر عن نصه "أطفال نصف الليل" عام 1981، وتعدّ روايته الرابعة آيات شيطانية من أكثر رواياته جدلًا. تعرض لمحاولة طعن عام 2022، وأصيبت عينه اليمنى على إثرها.}}[32]، تهدف إلى إعلاء أصوات المهمشين، وخلق بُعْدٍ ثالث تتلاشى فيه الطبقية والفوقية كلها، والتسلسل الإنساني والمركزية، ويتحقق فيه التهجين والمساوة. لذلك، ظهرت تطويعات مثل رواية هاملت الأسود من تأليف ولف ساك (Wulf Sachs)، ورواية جيرترود وأوفيليا Gertrude and Ophelia للكاتبة الكندية مارغريت كليرك (Margret Clarke) عام 1993، بوصفها تطويعات تهدف إلى إعادة صياغة هاملت من وجهة نظر أفريقية ونسوية.

تطويعاته

تُعرّف ليندا هتشيون في كتابها نظرية التطويعات Theory of Adaptation عملية تطويع النصوص (Adaptation) بأنها: "عملية معلنة وواسعة في تحويل نص معين إلى نص جديد"[33]، بينما يؤكد دانييل فيشلين (Daniel Fischlin) ومارك فورتيير (Mark Fortier، 1966-) في كتابهما تطويعات شكسبير Adaptations of Shakespeare، أن التطويع "يشمل تقريبًا أي تغيير يُجرى على أعمال ثقافية محددة من الماضي، تأتي ضمن عملية عامة من الترفيه الثقافي"[34]. وبالرغم من وجود صعوبة في تعريف كلمة التطويع - كما أشارت هتشيون - ناتجة من حقيقة أن الكلمة قد تعني العملية ذاتها التي تعرّضت لها أعمال شكسبير، أو قد تعني المنتج ذاته الناتج من تطويعات أعماله؛ وبالرغم أيضًا من الهجوم الذي لاقته هذه العملية من المؤمنين بحقوق الكاتب، واتهام المطوّعين بالسرقة العلمية في بداية القرن العشرين، فإن التطويع فرض نفسه في النصف الثاني من القرن العشرين على ساحة الدراسات الشكسبيرية خصوصًا، والدراسات الأدبية والسينمائية عمومًا، وأصبح عملية مشروعة وقانونية، التفّ حولها كثير من المتخصصين والمشجعين. على سبيل المثال، قال جون إليس (Jhon Ellis) إن التطويعات السينمائية المبنية على نصوص أدبية، شكّلت ما يقارب 30 في المئة من أفلام هوليوود، وكان لشكسبير حصة الأسد فيها[35].

تعرّضت أعمال الكاتب الإنكليزي لعمليات متنوعة ومختلفة من التغيير، شملت اختزالًا لشخصياته، أو إضافة شخصيات جديدة، أو تغييرًا في الحبكة أو الموضوع أو تسلسل الأحداث، أو تغييرًا في الإطار الزمني-المكاني الذي جرت فيه الأحداث. وقد نتجت من هذا التغيير أعمال جديدة مستقلة بذاتها، خدمت أهداف المُطوّعين الثقافية والفنية والسياسة والاقتصادية المختلفة. وعمومًا، عُدَّ شكسبير واحدًا من أكثر الكتاب، وربما الأكثر، الذين طُوِّعت أعمالهم عبر التاريخ. ولم تظلّ نصوصه بصبغتها الدرامية أيضًا، بل اكتسبت خصائص فنية جديدة، عندما تحوّلت إلى عروض سينمائية على الشاشات، وغنائية في الأوبرا، وكرتونية في الأفلام المتحركة. كذلك طُعّمت بالخصائص السردية عندما تحولت إلى روايات، والخصائص الفنية الشعرية عندما تحوّلت إلى قصائد في بعض الأحيان.

وفي سياق التطويعات الأدبية والسينمائية وغيرها، يُعدّ السؤال: "لماذا شكسبير دون غيره؟" سؤالًا مشروعًا. إن التحمس الواضح لإعادة إخراج أعماله وإنتاجها بحلة جديدة، جاء بشكل من أشكال الحقيقة المطلقة، وهو دليل قطعي لا يختلف عليه اثنان على عالمية الكاتب الإنكليزي، التي استمدّها من إثارته موضوعات تهم الإنسانية، مثل الحب والكراهية في روميو وجولييت؛ والعنصرية والسيطرة في عطيل؛ والشجاعة والتردد في هاملت؛ والإخلاص والمداهنة في الملك لير؛ والخير والشر في ماكبث؛ والانتهاز في تاجر البندقية The Merchant of Venice.

يُضاف إلى ذلك أن شكسبير، بذكاء وبأسلوب مباشر وغير مباشر، قد استثار العقول بطرحه أسئلة فلسفية ووجودية وسياسية ودينية واجتماعية، قد طرحها الفلاسفة من قبله ومن بعده، كما حدث في مسرحية العاصفة، عندما طرح بريسبرو فلسفته عن العبثية فقال: "نحن مثل هذه الأشياء، كما تُصنَع الأحلام، وحياتنا الصغيرة تُختتَم بالنوم") العاصفة: الفصل الرابع، المشهد الأول)؛ أو عندما أشارت إموجين في مسرحية سيمبلينCymbeline إلى نسبية الحقيقة التي أثارت جمهورًا من الفلاسفة عبر التاريخ، بقولها: "لقد كانت مجرد صاعقة من لا شيء، أطلقت على لا شيء/ يصنعها الدماغ من الأبخرة: أعيننا ذاتها/ أحيانًا تكون مثل أحكامنا، عمياء" (سيمبلين: الفصل الرابع، المشهد الثاني)؛ أو الفلسفة الوجودية عندما قال جاك في مسرحية كما تحبها: "العالم كله عبارة عن مسرح، وكل الرجال والنساء مجرد ممثلين" (كما تحبها: الفصل الثاني، المشهد السابع)، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى.

وبالرغم من أن شكسبير ليس فيلسوفًا بالمعنى الحرفي، فإن فلسفته الجلية في مسرحياته أثارت الكُتّاب والفلاسفة الذين جاؤوا بعده. يشير الكاتب ستينلي ستيوارت (Stanley Stewart) في كتابه شكسبير والفلسفة Shakespeare and Philosophy إلى مدى دراسة أعمال شكسبير من بعض الفلاسفة اللاحقين، وكيف أُضيفَت صبغة فلسفية على أعماله، مثل كتاب شكسبير الماركسي Marxist Shakespeare لـجان إي هوارد (Jean E. Howard)؛ وسكوت كاتلر شيرشو (Scott Cutler Shershow)؛ وكتاب البرغماتية الشكسبيرية Shakespearean Pragmatism لـلارس إنجل (Lars Engle)؛ وكتاب الإنسانية لدى شكسبير Shakespeare's Humanism لـروبن هيدلام ويلز (Robin Headlam Wells)، وغيرها[36]. وقد يكون هذا النوع من محاولة إيجاد نظرة فلسفية معينة، وتفريدها وتخصيصها في بعض نصوص شكسبير أو كلها، من بعض النّقاد والكُتّاب، أمرًا مبالغًا فيه، يحمّل نصوص شكسبير أفكارًا فلسفية أكثر مما ينبغي، فشكسبير مثلًا لم يعرف عن الماركسية التي جاءت بعده، إلا أن ما يهم هنا، هو حقيقة أن شكسبير وضع في أعماله أفكارًا تشاركية كلية، تجد صداها في العالم أجمع.

إن براعة شكسبير التي كانت سببًا في كثرة تطويعات أعماله وتكييفها من الكُتّاب، لا تظهر فقط في الموضوعات والأسئلة التي طرحها، بل في شخصياته الدرامية المتنوعة أيضًا، التي يمكن إسقاطها على شخصيات واقعية. أشار الشاعر الإنكليزي الشهير أليكساندرا بوب (Alexander Pope، 1688-1744) في مقالته "Preface to Shakespeare" إلى هذه الحقيقة، بقوله: "كل شخصية عند شكسبير هي شخصية منفردة، تشابه الشخصيات الموجودة في الحياة الواقعية، ومن غير الممكن العثور على أي شخصيتَيْن متشابهتَيْن بينهما"[37]. كذلك، يؤكد الناقد الألماني فريدريش شليغل (Friedrich Schlegel، 1772-1829) على براعة انتقاء شكسبير لشخوصه، عندما قال: "ربما لم تكن هناك موهبة أكثر شمولية في رسم الشخصية مثل موهبة شكسبير"[38]. ويشير ريجنالد فوكس (Reginald Foakes) إلى حقيقة تميّز شخصيات شكسبير، ولكن هذه المرة فيما يتعلق بشخصية هاملت فقط، ويعزو سبب انتشار مسرحية هاملت إلى ذكاء شكسبير، في جعل هاملت قادرًا على "الجمع بين العديد من السمات القوية مع الصفات الضعيفة المشتركة"[39]، فإن كان هاملت قادرًا على إظهار البطولة والقوة من جانب، فإنه مصاب بالتردد والشك من جانب آخر. إن هذه الصفات المتناقضة، جعلت منه رمزًا عائمًا يمكن إسقاطه على البشر في العالم الحقيقي، وأسهمت في انتشار المسرحية انتشارًا واسعًا من خلال استغلال هذه الشخصية من الكُتّاب الذين جاؤوا بعد شكسبير. ويُعتقَد أن شكسبير قد استعار شخصية هاملت وطوّرها من شخصية الأمير الدنماركي آمليث (Amleth)، التي وردت في قصص نُشِرت بالفرنسية، للكاتب فرانسيوس دي بليفوريست (François de Belleforest، 1530-1583) عام 1570، والتي طوّرها بليفورست أيضًا من النص اللاتيني للكاتب الدنماركي ساكسو غراماتيكيس (Saxo Grammaticus، 1150-1220)، في القرن الثاني عشر[40].

إن ذكاء شكسبير في اختيار موضوعاته، كان سببًا من ضمن الأسباب التي جعلت الكُتّاب المتأخرين يجدون في مسرحياته مادة دسمة لكتاباتهم، ومن هنا، ظهرت تطويعات كثيرة لأعماله، فعلى سبيل المثال، طُوِّعت مسرحيته كما تحبها لعدة أفلام، من المخرج الإنكليزي جيمس ستيوارت بلاكتون (J. Stuart Blackton، 1875-1941) عام 1912، وبوساطة الكاتب والمخرج الهنغاري باول كزينر (Paul Czinner، 1890-1972) عام 1936. وقد طوّع المخرج كليفورد ويليامز (Clifford Williams، 1926-2005) عام 1967 كوميديا الأخطاء The Comedy of Errors بوصفها مسلسلًا تلفزيونيًّا؛ والصاع بالصاع بوصفها فيلمًا بوساطة الهندي بوب كومار عام 2006؛ وتاجر البندقية في فيلم صامت للمخرج الإنكليزي والتر ويست (Walter West، 1885-1958) عام 1916. وظهرت مسرحية زوجات وندسور المرحات باللغة الألمانية، للمخرج الألماني جورج ڤيلدهاغن (Georg Wildhagen، 1920-1990) عام 1950. كذلك ظهرت هاملت بوصفها فيلم جريمة سياسية، تحت عنوان حيدر، للمخرج الهندي ڤيشال بهاردڤاج (Vishal Bhardwaj، 1965-) عام 2014.

ظهرت أيضًا بعض مسرحياته بوصفها أوبرا غنائية ومنها: غنائية "جيسيكا" (Jessica) باللغة التشيكية عام 1905، من تأليف التشيكي جوزيف بوهوسلاڤ فورستر (Josef Bohuslav Foerster، 1859-1951) لمسرحية تاجر البندقية؛ وأوبرا "كونينغاس لير (الملك لير)" (Kuningas Lear) المكوّنة من فصلين، على يد الأميركي من أصول فنلندية أوليس سالينين (1935-) عام 2000؛ و"الجزيرة المسحورة" (The Tempest) المأخوذة عن مسرحية العاصفة، على يد جوليان كراوتش (Julian Crouch، 1962-) وفيلم ماكديرموت (Phelim McDermott، 1963-)، وقد عُرِضت لأول مرة في أوبرا متروبوليتان عام 2011. حتى على صعيد الأفلام الكرتونية المتحركة، ظهر فيلم "الأسد الملك" (The Lion King) عام 1994، من إنتاج شركة ديزني الأميركية، وهو تطويع غير مباشر لمأساة هاملت؛ والفيلم الكرتوني "رحلة إلى ميلونيا" (A Journey to Melonia) للسويدي بير أوهلن (Per Åhlin، 1931-2023) عام 1989، الذي كان تطويعًا لمسرحية العاصفة.

شكسبير في الوطن العربي

تشير الدراسات العربية الحديثة إلى أن رحلة الكاتب الإنكليزي في الوطن العربي قد بدأت أواخر القرن التاسع عشر، عندما طلب الممثل المسرحي، لبناني الأصل، سليمان القرداحي (ت. 1909)، تعريبَ عطيل لمسرَحَتها عام 1880. وقد مثّل القرداحي نفسه دور عطيل، قبل أن يمثله محمد بهجت (1922-) وفرقة إسكندر فرح (1851-1916) المسرحية لاحقًا، وجاءت المسرحية تحت عنوان حيل الرجال[41]. ثم ترجم الكاتب والمترجم اللبناني نجيب سليمان حداد (1867-1899) مسرحية روميو وجولييت عام 1889، في أثناء مكوثه في مصر، واشتُهرت المسرحية العربية بين المشاهدين باسم شهداء الغرام[42]. وترجم نقولا بدران هاملت عام 1893، وروميو وجوليت عام 1903 على يد المخرج اللبناني طانيوس عبده من النص الفرنسي، وعلى شكل غنائية شعرية أدّاها ومثّلها الشيخ سلامة حجازي {{الشيخ سلامة حجازي: (1852-1917) رائد من رواد المسرح الغنائي العربي، وملحن مصري من مواليد رأس التين بالإسكندرية. أخرج عروض مسرحية كثيرة ومثّل بنفسه أدوارًا بطولية في مسرحيات مثل مسرحية شهداء الغرام المعربة من روميو وجولييت لشكسبير.}} أسس فرقة غنائية وأدائية باسمه مع جوقته. ثم عرّب عبده ماكبث بالطريقة الغنائية نفسها، ومثّل حجازي دور روميو[43]. إلا أن هذه الطريقة الغنائية في تعريب مسرحيات شكسبير، لاقت نقدًا واسعًا من الفرق المسرحية الكلاسيكية، وقد وُجِدت كذلك بعض الاختلافات عن النص الإنكليزي الأصلي.

إن رحلة شكسبير في العالم العربي، لا يمكن وصف بدايتها إلا بالبداية المتواضعة والمتأخرة، إن قُورِنت بالتجارب الأوروبية. ويمكن أن يُعزى هذا التأخر إلى أسباب جغرافية، مثل بعد المسافة وصعوبة تنقل الفرق المسرحية. وقد تكون الأسباب سياسية، ولا سيما عندما قبع العرب تحت سلطة الدولة العثمانية، التي استُنزِفت بسبب انقساماتها الداخلية في نهاية القرن التاسع عشر، وهذا لم يؤخر اطّلاع العرب على المسرح الغربي فقط، بل أعاق الانفتاح الثقافي العربي على الثقافات الأخرى. وعند النظر إلى السياق السياسي التاريخي، يُرى أن بداية معرفة العرب لشكسبير في أواخر القرن التاسع عشر، جاءت بالتوازي مع الحركة الاستعمارية الإنكليزية-الفرنسية، التي حملت موروثها الثقافي معها، ما دفع العرب إلى تلقي الثقافة الغربية، إن لم يكن بنَهَمٍ فبحذر، وهذا تمثّل في إنشاء أقسام لِلّغة الإنكليزية وآدابها، وأقسام للترجمة في جامعات عربية مختلفة، والتي بدورها جعلت المثقفين العرب أكثر تماسًا مع الحركات الأدبية الغربية عمومًا، ومع شكسبير بصورة خاصة.

لا ينفي هذا التأخر وجود تجارب سابقة من بعض المترجمين، من أمثال نجيب حداد وأديب إسحاق {{أديب إسحاق: (1856-1885) أديب سوري من أصول أرمنية. ولد في دمشق. انتقل إلى مصر وأسهم مع سليم النقاش في إخراج عروض مسرحية. أصدر وترأس جريدة مصر في القاهرة ومصر القاهرة في باريس. عاد إلى بيروت وتوفي في قرية الحدث.}} وسليم نقاش، الذين ترجموا أعمالًا غربية، ولا سيما فرنسية، مثل أعمال ڤولتير وڤيكتور هوغو وموليير (1622-1673). وقد يكون السبب في تأخر مسرح شكسبير، أن المسرح بشكله ومضمونه الغربيَّيْن لم يكن ذا أولوية في البعد الأدبي للعرب الذين عشقوا الشعر، ولا في البعد الديني الذي فَرض على الثقافة الأدبية العربية ضوابط، تُحدد انفتاحها على التصوير والأشباح وتعدّد الإله والعلاقات غير الشرعية. وقد تكون الأسباب أقل أو أكثر من ذلك، إلا أن العرب سرعان ما انغمسوا في ترجمة أعمال شكسبير وتلقّفها، ولا سيما في بدايات القرن العشرين كغيرهم.

وكان لمصر أثر كبير في تسريع رحلة شكسبير في الوطن العربي في عشرينيات القرن المنصرم، فعلى صعيد الترجمة، ترجم أمين حداد (1870-1912) هاملت عام 1907؛ وعبد المالك إبراهيم ماكبث عام 1911، وترجمها في العام نفسه محمد عفت على شكل شعر، وكانت أولى الترجمات التي نقلت النص حرفيًّا، باستثناء قليل من الأشياء التي تُنافي الذوق العربي. وترجمها لاحقًا عبد الفتاح السرنجاوي عام 1923، ثم خليل مطران (1872-1949) عام 1950. وترجم محمود العقاد (1889-1964) وعثمان القربي مسرحية هنري الثامن عام 1925، ثم ترجمها يعقوب إسكندر عام 1926. وتُرجِمت مسرحية العاصفة على يد إسكندر جرجس (1888-1973) عام 1929، تلتها ترجمة ناشد سيفين في العام نفسه[44]، وترجمها محمد عوض إبراهيم أيضًا عام 1950، ثم ترجمها جبرا إبراهيم جبرا بالتعاون مع وزارة الإعلام الكويتية عام 1979.

وعندما تولى طه حسين (1889-1973) رئاسة اللجنة الثقافية في الجامعة العربية، أصدر قرارًا بضرورة ترجمة أعمال شكسبير جميعها من أدباء عرب، وقد نجح في ذلك وقدّم دروسًا في الترجمة لشكسبير[45]. لقد أضفت حركة الترجمة في مصر حسًا عربيًّا لشكسبير، وزيادة في وعي القارئ العربي بالشاعر الإنكليزي في ذلك الوقت.

وفي عام 1916، احتفلت بعض الجامعات المصرية بذكرى مرور 300 عام على وفاة الشاعر الإنكليزي، وقُدِّم للاحتفال في إحدى الجامعات بالقول: "إن احتفال الجامعات المصرية بذكرى شكسبير، من شأنه أن يشجع المصريين أنفسهم على تقديم خدمات جليلة لبلادهم، مثل الخدمات التي قدمها شكسبير لإنكلترا"[46]. وقد نظم الشاعر المصري حافظ إبراهيم (1872-1932) قصيدة عن شكسبير آنذاك، كان مطلعها:

يُحَيِّيكَ فِي أَرْضِ الكِنَانَةِ شَاعِرٌ شَغُوفٌ بِقَوْلِ العَبْقَرِيّينَ مُغْرَمُ

وَيُطْرِبُهُ فِي يَوْمِ ذِكْرَاكَ أَنْ مَشَتْ إِلَيْكَ مُلُوكُ القَوْلِ عُرْبٌ وَأَعْجَمُ[47]

وذلك بعد اختياره ممثلًا للشعراء العرب من لجنة بريطانية، لكتابة قصائد شعرية ونشرها في مجلد واحد باللغة الإنكليزية، تخليدًا لذكرى وفاة الشاعر الإنكليزي.

إن أكثر مسرحيات شكسبير تطويعًا واقتباسًا في الوطن العربي هي مسرحية هاملت. وقد وصل عدد التطويعات إلى أكثر من تسع عشرة مسرحية، من بينها: مسرحية أوفيليا لم تمت للمغربي نبيل لحلو عام (1968)، وهاملت يستيقظ متأخرًا للسوري ممدوح عدوان (1941-2004) عام (1976)، وانسوا هاملت للعراقي جواد الأسدي (1947-) عام (1994)، وقمة هاملت للكويتي سليمان البسام عام (2002)، وعلى خطى هاملت للمخرج الفلسطيني كامل الباشا عام (2010)، وفي انتظار هاملت للسعودي حيدر عبد الله الشاطري عام (2010)، ووداعًا هاملت للمخرج المصري محمد فاروق عام (2012)، وهاملت بعد حين للمخرج الأردني زيد خليل مصطفى عام (2020)[48]. إن وجود هاملت في الوطن العربي يحمل رسائل سياسية، فقد استخدم العرب هاملت للتعليق على ظروفهم السياسية وصراعهم السياسي مع المستعمر والاحتلال الإسرائيلي، وعَدّوا هاملت رمزًا للسياسي العربي المتردد المثقل بحلم التحرر. والأمثلة على حضور شكسبير في الوطن العربي كثيرة، إذ يُعدّ السياق العربي أحد أهم السياقات التي برهنت على عالمية الشاعر الإنكليزي.

المراجع

العربية

إسماعيل، سيد علي. مسيرة المسرح في مصر 1900-1935: فرق المسرح الغنائي. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2021.

حفناوي، رشيد. الترجمة الأدبية الخطاب المهاجر ومخاطبة الآخر. عمّان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2018.

سلوم، داوود. من آفاق الأدب المقارن. مصر: عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، 1999.

سمير، حكمت أحمد. المسرح العربي المعاصر. عمّان: الجنادرية، 2015.

العزيز، إبراهيم علي (محرر). تراث طه حسين: المقالات الصحفية من 1908-1967، الإسلاميات والنقد الأدبي. مصر: مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، 2002.

عوض، رمسيس. شكسبير في مصر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.

الأجنبية

Abushalha, Ziad Mohammad. “The Reworking of Shakespeare’s Hamlet in the Arab Political Theatre After 1970: A Comparative Study Between Arab Hamlets in Post-Nasserism.” PhD. Dissertation University of Szeged. Szeged. 2022. at: https://doktori.bibl.u-szeged.hu/id/eprint/11222/1/Ziad_Abushalha_Dissertation.pdf

Allison, Alexander et al. (eds.). The Norton Anthology of Poetry. 3rd ed. New York/ London: W. W. Norton & Company, 1983.

Aristotle. Poetics. S. H. Butcher (trans.). New York: Hill and Wang, 1961.

Ashcroft, Bill, Gareth Griffiths & Helen Tiffin. The Empire Writes Back: Theory and Practice in Post-Colonial Literatures. 2nd ed. London/ New York: Routledge, 2002.

Baker, Mona (ed.). Routledge Encyclopedia of Translation Studies. London/ New York: Routledge, 2000.

Bloom, Harold. Shakespeare: The Invention of Human. New York: Riverhead Books, 1998.

Desmet, Christy & Robert Sawyer. Shakespeare and Appropriation. London: Taylor & Francis, 2013.

Edmondson, Paul & Stanley Wells. The Shakespeare Circle: An Alternative Biography. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.

Ellis, John. “The Literary Adaptation.” Screen. vol. 23, no. 1 (1982). pp. 3-5.

Elsom, John. Is Shakespeare Still Our Contemporary? London: Taylor & Francis, 2004.

Fischlin, Daniel & Mark Fortier (eds.). Adaptations of Shakespeare: An Anthology of Plays from the 17th Century to the Present. London: Routledge, 2000.

Foakes, R. A. Hamlet Versus Lear: Cultural Politics and Shakespeare's Art. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.

Griffin, Miriam (ed.). A Companion to Julius Caesa. West Sussex: Wiley-Blackwell, 2009.

Honan, Park. Shakespeare: A Life. New York: Oxford University​ Press, 1998.

Huang, Alexander Cheng-Yuan. Chinese Shakespeares: Two Centuries of Cultural Exchange. New York: Columbia University Press, 2009.

Hutcheon, Linda. Theory of Adaptation. 2nd ed. London/ New York: Routledge, 2013.

Leishman, J. B. ‪Themes and Variations in Shakespeare's Sonnets. ‪London: Taylor & Francis, 2013.

Loomba, Ania & Martin Orkin. Post-Colonial Shakespeares. London: Routledge, 2011.

Lowenthal, David. Shakespeare’s Thought: Unobserved Details and Unsuspected Depths in Eleven Plays. London/ New York: Lexington Books‏, 2017.

McConnell, Louise. Dictionary of Shakespeare. Chicago: Fitzroy Dearborn, 2000.

McInnis, David. Shakespeare and Lost Plays: Reimagining Drama in Early Modern England. Cambridge: Cambridge University Press, 2021.

Mowat, Barbara A. & Paul Werstine (eds.). Hamlet. New York: Washington Square Press, 1992.

Prendergast, Thomas. Poetical Dust: Poets’ corner and the making of Britain. Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, Inc., 2015.

Rogers, Pat (ed.). The Major Works. Oxford: Oxford University Press, 2006.

Shaheen, Naseeb. ‪Biblical References in Shakespeare's Plays. United Kingdom: ‪University of Delaware Press, 2011.

Smith, Emma. The Cambridge Companion to Shakespeare's First Folios. Cambridge: Cambridge University Press, 2016.

Stewart, Stanley‏. ‪Shakespeare and Philosophy. New York: ‪Taylor & Francis, 2010.

Taylor, A. B. Shakespeare's Ovid: The Metamorphoses in the Plays and Poems.Cambridge: Cambridge University Press, 2000.

Vickers, Brian. Shakespeare. Co-author: A Historical Study of Five Collaborative Plays. Oxford: Oxford University Press, 2004.

Wagner, John A. Documents of Shakespeare’s England. London/ New York: Bloomsbury Publishing Press, 2019.

Wells, Stanley. Shakespeare: For All Time. Oxford: Oxford University Press, 2003.

Woodacre, Elena et al. The Routledge History of Monarchy. London: Routledge, Taylor & Francis Group, 2021.

[1] ليس مؤكَّدًا مَن هو أول مَن أطلق عليه هذا اللقب، لكن يرى البعض أن الممثل الإنكليزي ديفيد غارك هو أول من لقّبه بهذا اللقب عام 1769.

[2] Paul Edmondson & Stanley Wells, The Shakespeare Circle: An Alternative Biography (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 40.

[3] Thomas Prendergast, Poetical Dust: Poets’ Corner and the Making of Britain (Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, Inc., 2015), p. 90.

[4] Ben Jonson, “To the Memory of My Beloved, the Author Mr. William Shakespeare,” in: Alexander Allison et al. (eds.), The Norton Anthology of Poetry, 3rd ed. (New York/ London: W. W. Norton & Company, 1983), p. 239.

[5] Brian Vickers, Shakespeare, Co-author: A Historical Study of Five Collaborative Plays (Oxford: Oxford University Press, 2004), p. VII.

[6] Emma Smith, The Cambridge Companion to Shakespeare's First Folios (Cambridge: Cambridge University Press, 2016), p. 18.

[7] David McInnis, Shakespeare and Lost Plays: Reimagining Drama in Early Modern England (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), p. 1.

[8] Louise McConnell, Dictionary of Shakespeare (Chicago: Fitzroy Dearborn, 2000), p. 127.

[9] حروب الورود أو الوردتين (بالإنكليزية: Wars of Roses): هي حروب أهلية حدثت بين الداعمين لمجلس لانكستر، والداعمين لمجلس يورك، بين عامَي 1455 و1587، على من يتولى الحكم في إنكلترا. ونتج من هذه الحروب انتهاء حكم اللانكستريين، وبداية حكم العائلة التودرية (Tudor family) القادمة من شمال ويلز، ومن أهم أعضائها: الملكة ماري الأولى، والملكة إليزابيث الأولى.

[10] Aristotle, Poetics, S. H. Butcher (trans.) (New York: Hill and Wang, 1961), p. 51.

[11] John A. Wagner, Documents of Shakespeare’s England (London/ New York: Bloomsbury Publishing Press, 2019), p. 120.

[12]J. B‏. Leishman‏,‪ ‪Themes and Variations in Shakespeare's Sonnets‏ (‪London: Taylor & Francis, 2013), p. 245.

[13] A. B. Taylor, Shakespeare's Ovid: The Metamorphoses in the Plays and Poems (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), p. 182.

[14] Naseeb Shaheen, Biblical References in Shakespeare's Plays (United Kingdom: ‪University of Delaware Press, 2011), pp. 3-4.

[15] يقارن تشارلز حبه هنا لجوان الخادمة وكيف ألهمته كما ألهم الملاك جبرائيل النبي محمدًا.

[16] Elena Woodacre et al., The Routledge History of Monarchy (London: Routledge, Taylor & Francis Group, 2021), p. 12.

[17] Ibid., p. 474.

[18] Ibid., p. 12.

[19]‪ Park‏ Honan, ‪Shakespeare: A Life (New York: Oxford​ University Press, 1998), p. 405.

[20] David Lowenthal, Shakespeare’s Thought: Unobserved Details and Unsuspected Depths in Eleven Plays (London/ New York: Lexington Books, 2017), p. 9.

[21] Ibid.

[22]John Elsom, Is Shakespeare Still Our Contemporary? (London: Taylor & Francis, 2004), p. 1.

[23] Harold Bloom, Shakespeare: The Invention of Human (New York: Riverhead Books, 1998), p. 1.

[24] Ibid.

[25] Stanley Wells, Shakespeare: For All Time (Oxford: Oxford University Press, 2003), p. 205.

[26] Christy Desmet & Robert Sawyer, Shakespeare and Appropriation (London: Taylor & Francis, 2013), p. 68.

[27] Miriam Griffin (ed.), A Companion to Julius Caesar (‪West Sussex: Wiley-Blackwell, 2009).

[28] Mona Baker (ed.), Routledge Encyclopedia of Translation Studie (London/ New York: Routledge, 2000), p. 423.

[29]Alexander Cheng-Yuan Huang, Chinese Shakespeares: Two Centuries of Cultural Exchange (New York: Columbi​a University Press, 2009), p. 257.

[30] Ania Loomba & Martin Orkin, Post-Colonial Shakespeares (London: Routledge, 2011), p. 2.

[31] Ibid., p. 3.

[32] يُنظر:

Bill Ashcroft, Gareth Griffiths & Helen Tiffin, The Empire Writes Back: Theory and Practice in Post-Colonial Literatures, 2nd ed. (London/ New York: Routledge, 2002).

[33] Linda Hutcheon, Theory of Adaptation, 2nd ed. (London/ New York: Routledge, 2013), p. 7.

[34] Daniel Fischlin & Mark Fortier (eds.), Adaptations of Shakespeare: An Anthology of Plays from the 17th Century to the Present (London: Routledge, 2000), p. 4.

[35] John Ellis, “The Literary Adaptation,” Screen, vol. 23, no. 1 (1982).

[36] Stanley Stewart, ‪Shakespeare and Philosophy (New York: ‪Taylor & Francis, 2010), p. 5.

[37] Alexander Pope, “Preface to Shakespeare,” in: Pat Rogers (ed.), The Major Works (Oxford: Oxford University Press, 2006), pp. 183-184.

[38] Smith, p. 16.

[39] R. A. Foakes, Hamlet Versus Lear: Cultural Politics and Shakespeare's Art (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 20.

[40] Barbara A. Mowat & Paul Werstine (eds.), Hamlet (New York: Washington Square Press, 1992), p. 310.

[41] سيد علي إسماعيل، مسيرة المسرح في مصر 1900-1935: فرق المسرح الغنائي (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2021)، ص 34.

[42] حكمت أحمد سمير، المسرح العربي المعاصر (عمّان: الجنادرية، 2015)، ص 54.

[43] داوود سلوم، من آفاق الأدب المقارن (القاهرة: عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، 1999)، ص 131.

[44] رشيد حفناوي، الترجمة الأدبية الخطاب المهاجر ومخاطبة الآخر (عمّان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2018)، ص 200-204.

[45] إبراهيم علي العزيز (محرر)، تراث طه حسين: المقالات الصحفية من 1908-1967، الإسلاميات والنقد الأدبي (مصر: مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، 2002)، ص 39.

[46] رمسيس عوض، شكسبير في مصر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)، ص 7.

[47] المرجع نفسه، ص 8.

[48] Ziad Mohammad Abushalha, “The Reworking of Shakespeare’s Hamlet in the Arab Political Theatre After 1970: A Comparative Study Between Arab Hamlets in Post-Nasserism,” PhD. Dissertation, University of Szeged, Szeged, 2022, accessed on 6/9/2025, at: https://doktori.bibl.u-szeged.hu/id/eprint/11222/1/Ziad_Abushalha_Dissertation.pdf


المحتويات

الهوامش