جماعة الأصدقاء الثلاثة، جماعة فنية أسسها في قطر عام 1977 ثلاثةٌ من الفنانين المنتمين إلى الجيل الثاني للحركة الفنية في البلاد، وهم
يوسف أحمد الحميد (1955-)، ومحمد علي عبد الله (1956-)، وحسن الملا (1951-). وقدّم الثلاثة أول معارضهم في عام التأسيس ذاته، وعبّر الفنانون الثلاثة عن رؤيتهم في كُتيّب المعرض، التي عكست توجهًا اجتماعيًا، معنيًّا بتوسيع رقعة الاهتمام بالفن والخروج به إلى الجمهور العام، فكان أن أقاموا معارضهم في الهواء الطلق ليكون في مواجهة المارة على نحو يحدث التفاعل العفوي مع لوحاتهم. عقب المعرض الأول، استمرت الجماعة في عقد معارض تحمل اسمها في أعوام 1978 و1981 و1982، وبالطريقة نفسها، بل زادت على ذلك بأن طافت به أنحاءَ مختلفة من البلاد، لتعرض اللوحات في أماكن مختلفة، مثل الخور والوكرة والشمال وأم سعيد، كذلك استُقبل المعرض في نادي النجاح والنادي العربي، وفي سوق واقف، وعلى كورنيش الدوحة، فضلًا عن السور الخارجي لمتحف قطر الوطني، وأمام بنك قطر. وقد ألهمت مبادرةُ المعارض المفتوحة في الهواء الطلق والمعارض الجوّالة العديدَ من الفنانين، الأمر الذي أثّر في كثير من الحركات الفنيّة المعاصرة واللاحقة، ودفعهم إلى تكرارها.
مؤسسوها
بعد نيل قطر استقلالها في عام 1971، بادر أميرها الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في العام التالي إلى تعديل دستور البلاد، بما تضمن إنشاء وزارتين جديدتين، هما وزارة الشؤون البلدية ووزارة الإعلام. وقد عُهِد للأخيرة بتعزيز الثقافة والفنون في البلاد، فوجَّهت الوزارة عنايتها لبناء كوادر قادرة على ذلك، وابتعثت كثيرًا من أصحاب المواهب للدراسة والتدريب في الخارج، لا سيما إلى البلاد العربية التي لها سبق في تدريس الفنون. وضمَّت واحدةٌ من البعثات المبكرة اثنين من مؤسسي جماعة "الأصدقاء الثلاثة". فتوجه الفنان يوسف أحمد للدراسة في كلية التربية الفنية بجامعة حلوان في مصر، وتخرّج منها في 1976. وقد برزت موهبته الفنية مبكرًا خلال دراسته قبل الجامعية بصورة لفتت الانتباه إليها. وفي الفترة بين عامي 1979-1982 سعى أحمد إلى صقل معارفه الفنية بالحصول على الماجستير في الفنون الجميلة من كلية ميلز (Mills College) في أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية[1].
أما زميله حسن الملا فقد ظهرت موهبته خلال دراسته في دار المعلمين في الفترة الممتدة بين عامي 1968 و1969، وخلال عمله بتدريس الرسم في المدارس الابتدائية بالدوحة. فابتعثته وزارة التعليم القطرية لدراسة الفنون في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد في عام 1972، وبعد تخرجه منها في عام 1976 التحق بوزارة الإعلام لينضم إلى زميلَيه في تأسيس الجماعة[2].
أما ثالثهم محمد علي، فلم يحظ بفرصة دراسة الفن في الخارج إلا متأخرًا، إذ ابتُعِث إلى المملكة المتحدة في عام 1981، ودرس هناك فن الجرافيك، ثم اتّجه عقب ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليتحصّل على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة توليدو بولاية أوهايو في عام 1985[3].
تأسيسها ورؤيتها
المصدر: حسن الملا، الفنان التشكيلي القطري حسن الملا: ذاكرة الإنسان والمكان (الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2004).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تولّدت فكرة تأسيس الجماعة عندما اجتمع الفنانون الثلاثة وتطرّقوا إلى فكرة عمل معرض فنّي يُقام في الهواء الطلق، وينطلق إلى عدة مدن قطرية وذلك لنشر الفن التشكيلي محلّيًا (الصورة 2)[4]. ثم قرروا تبعًا لهذا الذهاب إلى مدينة الخور، ورسم الميناء، والسفن الراسية، والناس، والبيوت القديمة، وروضة القطارة، والشجرة الكبيرة، ثم عرض هذه اللوحات المرسومة للناس في نفس أماكن رسمها[5].
المصدر : الراية، 1982/09/04.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يحكي حسن الملا عن هذا التأسيس قائلًا: "عملت بوزارة التعليم بإدارة الوسائل التعليمية، ثم انتقلت إلى إدارة الثقافة بوزارة الإعلام، حيث اجتمع ثلاث من الفنانين التشكيليين، وتم الاتفاق بين الثلاثة، وهم يوسف أحمد ومحمد علي وحسن الملا على تكوين جماعة الأصدقاء الثلاثة، التي تهدف إلى تحريك الساحة المحلية بإقامة المعارض الفنية في الأماكن العامة والأسواق والقرى المختلفة"[6].
لخص الأصدقاء الثلاثة، في كتّيب معرضهم الأول الرؤية الطليعية لجماعتهم قائلين: "تعوّدنا أن نقيم معارضنا للفنون التشكيلية في قاعات عرض تحت رسميات جامدة، ولكننا وجدنا أن قاعات العـــرض ليسـت في متناول الجميع، حيث إن حياتنا اليومية تعقدت، فلذلك رأينا أن نكسر حدة الهوّة بين الفنان والجمهور"[7]. الأمر الذي ألجأهم إلى الذهاب إلى الجمهور، بدلًا من انتظار مجيء الجمهور إليهم، فقادهم ذلك إلى عرض لوحاتهم في الهواء الطلق، وفي أسلوب يسهل به مخاطبة عموم جمهور الشارع "مراعين تلك المواضيع التي تشغل بال الجمهور وطبيعتها في أسلوب واقعي بسيط، يستطيع الرائي أن يتفهمه"، ليكونوا قريبين إلى أقصى درجة من الجمهور، وكانت سمة العرض في الهواء الطلق خارج القاعات، هي السمة الرائدة التي طبعت طابع جماعتهم الفنّية في تاريخ ريادة الفنون التشكيلية في قطر والخليج العربي، وتمشّت مع مجيء عقد السبعينيات الذي تميّز بالصخب الفني والخصوبة الإبداعية والتقليعات العالمية[8].
المصدر : حسن الملا، الفنان التشكيلي القطري حسن الملا:ذاكرة الإنسان والمكان (الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2004)، ص 11.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
خصائصها الفنية
حملت الأعمال التي قدمتها جماعة الأصدقاء الثلاثة ملمحين مميزين: أولهما، اعتماد الأساليب الواقعية والتعبيرية الميالة إلى الطابع الفطري البسيط، التي تحفل بالمفردات المعبرة عن عمران المدينة، ومشاهد الطبيعة الصامتة، وكذلك المناظر الحية للأسواق والملتقيات. أما الملمح الثاني الذي جمع بين إبداعات الأصدقاء الثلاثة، فهو التركيز على إبراز الهويّة المحلية والعربية لثقافاتهم وتقاليدهم[9].
كان الإلحاح على المحلية يؤكد الثقافة الوطنية الصاعدة بعد الاستقلال، التي تستوعب ثنائية المحلي والعالمي التي كانت تكتنف جدالات الفن. يصف يوسف أحمد نفسه بأنه مجرد فنان محلّي حظي بميزة دراسة الفنّ في الخارج[10]، فيما يؤكد أن على الفنان العربي أن لا يغضّ الطرف عن الارتباط بقوى التأثير والتفاعل التي تحفل بها البيئة الشعبية من حوله، وأن يدعم فنّه تراث وتقاليد الأسلاف ومظاهر الحضارة التي نبت منها[11]. وتبرز هذه الرؤية في أعمال أحمد، خاصةً في لوحته "خياط شعبي، 1973". وللسبب المتعلق بالهوية المحلية ذاته، أشارت وزارة الثقافة القطرية في تكريمها للفنان حسن الملا إلى عنايته بجمال الثقافة المحلية، التي اختزنها من ذكريات "الطفولة الأولى التي عاشها بين البيوت القديمة ومراكب الصيد"[12]. عبرت هذه الروح الشعبية الواقعية عن "البيئة القطرية والغوص و[صيادي] السمك وأزقة الدوحة" بحسب ما يصف الملا[13]، ويظهر من لوحاته، مثل: "صياد السمك، 1974" (الصورة 3)، و"أم النجنق، 1976". فيما وجه ثالث الأصدقاء، محمد علي، اهتمامه إلى جانب مهم من التراث القطري، وهو العمارة التقليدية من المنازل والأسواق، وكذا القلاع التاريخية، التي حفلت بها لوحاته، ومنها: "الفريج"، و"امرأة خليجية"[14]، و"وجبة إفطار"[15]، التي عبرّت عن تفاصيل الحياة التراثية.
المراجع
الترك، هناء صالح. "بداياتي الفنية مع الوسائل التعليمية".
الراية. 19/9/2025. في:
https://acr.ps/1L9BPjO
تواتي، سامية. "أحمد يوسف".
موسوعة متحف للفن الحديث والعالم العربي. في: https://acr.ps/1L9BOYZ
"’الثقافة‘ توثق مسيرة الفنان حسن الملا". وزارة الثقافة القطرية. 14/3/2022. في:
https://acr.ps/1L9BPCK
الحامدي، عبد الله. "محمد علي عبد الله... المتوقف على حافة التمرد". الراية.
26/5/2008. في:
https://acr.ps/1L9BOY3
داغر، شربل. "نشأة الفَنّ التشكيلي في قطر".
الدوحة. 10/11/2022. في:
https://acr.ps/1L9BPOb
"عن صالات العرض".
متحف. في:
https://acr.ps/1L9BPrS
"محلّات.. المكان مُستعادًا بلغة اللون". الجَسرة، 9/1/2022. في:
https://acr.ps/1L9BPFt
الملا، حسن.
الفنان التشكيلي القطري حسن الملا: ذاكرة الإنسان والمكان. الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2004.
________ وعبد الله الحامدي.
الفن التشكيلي في دولة قطر: ستون عامًا من الإبداع 1960-2020. الدوحة: دار كتارا للنشر، 2020.
المهندي، محمد علي. "حسن الملا يبوح بذكرياته ل ’الشرق‘: كنا نرسم على الجدران... وفنانو اليوم محظوظون".
الشرق.
2/3/2017. في:
https://acr.ps/1L9BPEZ
[1] حسن الملا،
الفنان التشكيلي القطري حسن الملا: ذاكرة الإنسان والمكان (الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2004).
[2] المرجع نفسه.
[3] شربل داغر، "نشأة الفَنّ التشكيلي في قطر"،
الدوحة، 10/11/2022، شوهد في 19/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPOb
[4] محمد علي المهندي، "حسن الملا يبوح بذكرياته ل ’الشرق‘: كنا نرسم على الجدران... وفنانو اليوم محظوظون"،
الشرق،
2/3/2017، شوهد 19/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPEZ
[5] هناء صالح الترك، "بداياتي الفنية مع الوسائل التعليمية"،
الراية، 19/9/2025، شوهد في 19/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPjO
[6] الملا، ص 5.
[7] حسن الملا وعبد الله الحامدي،
الفن التشكيلي في دولة قطر: ستون عامًا من الإبداع 1960-2020 (الدوحة: دار كتارا للنشر، 2020)، ص 247.
[8] المرجع نفسه، ص 246.
[9] للمزيد حول الأسلوب الفني للفنانين الثلاثة، يُنظر: عبد الله الحامدي، "محمد علي عبد الله... المتوقف على حافة التمرد"، الراية،
26/5/2008، شوهد في 27/11/2025، في:
https://acr.ps/1L9BOY3
[10] "محلّات.. المكان مُستعادًا بلغة اللون"،
الجَسرة، 9/1/2022، شوهد في 19/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPFt
[11] سامية تواتي، "أحمد يوسف"،
موسوعة متحف للفن الحديث والعالم العربي، شوهد في 19/10/2025، في: : https://acr.ps/1L9BOYZ
[12] "’الثقافة‘ توثق مسيرة الفنان حسن الملا"، وزارة الثقافة القطرية، 14/3/2022، شوهد في 19/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPCK
[13] المهندي، مرجع سابق.
[14] الحامدي، مرجع سابق.
[15] "عن صالات العرض"،
متحف، شوهد في 19/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPrS