فن القول كتاب من تأليف أمين الخولي (1895-1966) نشر عام 1947، وهو في الأصل مصطلحٌ مترجم عن المصطلح الإيطالي
Arta de Dire الذي استعمله الخولي عنوانًا لكتابه الهادف إلى تجديد البلاغة العربية. وقد اقترح الخولي إحلال تسمية "فن القول" محل
البلاغة، للإشارة إلى فن إنتاج الكلام الجميل ودراسته وتدريسه. يمزج تصور الخولي لـ"فن القول" بين البلاغة العربية التراثية ودراسات البلاغة والأسلوب الغربيين، ويتأسس من خلال عمليتين معرفيتين هما: "التخلية"، أي التخلص من بعض أفكار التراث البلاغي العربي ومباحثه وتوجهاته غير المفيدة أو المثمرة؛ و"التحلية"، أي إضافة مباحث أو أفكار عصرية مأخوذة من المعرفة الغربية. ومع ذلك، تُشكل البلاغة العربية القديمة عنده عصب هذا الفن. درَّس أمين الخولي أفكاره في
فن القول في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، وفي معهد الدراسات التربوية في القاهرة عدة سنوات في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته. لم يُكتَب لتدريس "فن القول" الاستمرار، بسبب نزعته الرومانسية القومية والتحولات السياسية، ومع ذلك، حظي باهتمام متواصل من مؤرخي البلاغة العربية بوصفه محطة مهمة من محطات تجديدها.
تعريفه
يعدّ
فن القول للشيخ أمين الخولي أحد المؤلفات الرائدة في مجال تجديد درس البلاغة والارتقاء باللغة العربية وبأساليب تدريسها، وقد كان جزءًا من حركة التجديد الأدبية والثقافية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين. وقد ظهر الكتاب لأول مرة بوصفه أعمالًا كاملة مبنية على سلسلة محاضرات ألقاها الخولي في معهد الدراسات التربوية وفي جامعة فؤاد الأول، وعلى كثير من الدراسات التي قدّمها في مبحث البلاغة. قدَّمَ للكتاب
صلاح فضل (1938-2022)، أحد تلامذة الخولي، وهو من وصف جهد معلمه في
فن القول بقوله: "انطلقت به همة شيخ الأمناء بجسارة عارمة، وهو يتوسم عصرًا قريبًا تتجدد به البلاغة العربية وهي تحول وجهها للحياة المعاصرة لتأخذ بأسباب التطور والنماء"[1].
استهل الخولي كتابه بالحديث عن أهمية التجديد في البلاغة، وعن تكون الفكرة عنده خلال الأعوام التي درّس فيها مساقات اللغة العربية وعلم البلاغة في مدرسة القضاء الشرعي، ثم في كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول، وكيف تركت فيه مشاهداته لطلبة الحقوق وتدريبهم على القدرة الكلامية في مجال القضاء والمحاماة أثرًا إيجابيًّا، إذ تأكدت له الحاجة الماسة إلى "الخروج عن المألوف في درس البلاغة"، ومنع "الاعتماد على كتبها"[2]. كان الخولي يبشر بفكرة التجديد البلاغي في محاضراته، ونظر إلى القديم في الدراسة الأدبية، ووازن بين عمل الغربيين وعمل العرب في هذا المجال، وألّف رسائل مفردة في الدرس البلاغي تربطه بالعلوم الأخرى وبتاريخ مصر، وقد نُشِرت له مقالات قبل صدور كتابه، مثل "مصر في تاريخ البلاغة" عام 1934، و"البلاغة وعلم النفس" عام 1939، واضعًا كما يصف: "المعالم الكبرى لما انتهيت له من الرأي في التغيير"[3]. ويشير ضمنيًّا إلى أن منهجه قائم على الدرس المتأني قائلًا: "أمسّ مسائل البلاغة مسًا رفيقًا جريئًا معًا، أقابل فيها القديم بالجديد، فأنقد القديم وأنفي غثه، وأضم سمينه لصالح الجديد... فألفت منها نسقًا كاملًا، يرجى أن يكون دستور البلاغة في درسها، ومضيت أتناول أقسامه بالدرس، قسمًا قسمًا"[4].
قسّم الخولي كتابه بعد ذلك إلى ستة أقسام سماها كتبًا، تحدث في الكتاب الأول عن الصورة الإفرادية والتركيبية للبلاغة عن القدماء والمحدثين، ودار الكتاب الثاني حول أبحاث البلاغة عند القدماء، وحصرها في ثلاثة أقسام رئيسة، هي: المعاني، والبيان، والبديع، في حين قامت أبحاث المحدثين على ثلاث مراحل، هي: الإيجاد، والترتيب، والتعبير. وتطرق في الكتاب الثالث إلى منهج الدرس البلاغي القائم على المدرسة الأدبية والمدرسة الكلامية، على أن المدرسة البلاغية الحديثة قامت على المنهج الأدبي فقط. وتناول في الكتاب الرابع الصراع بين الفصحى والعامية ومنزلة اللغة الاجتماعية، ليعود في الكتاب الخامس للحديث عن البلاغة وغايتها قديمًا وحديثًا، ويفرد الكتاب السادس لفن القول وما سمّاه بـ"بلاغة اليوم"[5].
تحدث الخولي في كتابه عن غرضين من هذا التجديد في دراسة البلاغة: الغرض القريب وهو "تسهيل دراسة المواد الأدبية وتقليل ما يُبذَل فيها من جهد ووقت"[6]، والغرض البعيد وهو "أن تكون هذه الدراسات الأدبية مادة من مواد النهوض الاجتماعي، تتصل بمشاعر الأمة وترضي كرامتها الشخصية، وتساير حاجتها الفنية المتجددة"[7]. ويسهب الخولي بقوله إن الغرضين من المفترض أن يسهما في الزمنين القريب والبعيد في جعل اللغة الفصحى "لغة الحياة في ألوانها المختلفة، وأداة التفاهم المرضية في البيت والمعمل والجامعة والمسرح والسوق وما إلى ذلك، فلا يعيش الناس بلغة ويتعلمون بلغة أخرى، ولا يفكر الناس بلغة ويدونون أفكارهم بغيرها"[8]. إن هذا التغيير من وجهة نظر الخولي التحديثية، لن يتحقق "إلا بتغيير قد يمس - ولا بد أن يمس - الأصول... فيغيّرها، وينفي فيها ويثبت، ويخالف مقررات كبرى - وخصوصًا في البلاغة المتفلسفة - ويضيف إضافات جديدة، حتى نَصِل البلاغة بالحياة"[9].
مضمونه
يشير الخولي في كتابه إلى أن مصطلح "فن القول" يُطلق في الغرب على حقل معرفي يدرس الأسلوب ويُعلّم الكتابة الفنية[10]. ويهدف تدريس فن القول إلى "الوصول إلى قوة الأسلوب، وإدراك جمال القول"[11]، ويتناول عمليتين أساسيتين؛ الأولى: إنتاج القول الجميل، والأخرى: تذوقه وتحليله وتقييمه. ووفق ما يرى الخولي، فإن مفهوم "فن القول" يُبنى على تصور شامل للفنون البشرية، وكيفية اكتسابها وتذوقها، فـ"فن القول" - وفق هذا التصور - هو فن الكلمة التي يحتاج البشر إليها بشكل ماسّ مثل غيرها من الفنون الأخرى، مثل
التصوير والنحت والعمارة والموسيقى، والأدب. إن الأدب هو فن الكلمة كما يسميه الخولي، الذي يعده أسمى الفنون البشرية[12]. وبهذا، يبين الخولي إصراره على دراسة ما أسماه فن القول، ويبين الحاجة الإنسانية والجمالية إلى ذلك.
لكي يؤسس أمين الخولي تصوره لـ"فن القول"، قارن بين دراسة البلاغة العربية وتدريسها عربيًّا وغربيًّا، ويبدو تفضيله لطريقة الغربيين في تدريس
فن القول جليًا منذ السطور الأولى لكتابه، فهو يفتتحه بقوله: "فن القول: كلمتان خفيفتان على اللسان، فعولان في الوجدان، تَمْثُلان أمامي شاخصتين كأنهما العَلَم الذي يركزه الرائد حيث ينتهي به الارتياد، يُثبتُ به الوصول، ويبسط به سلطان أمته"[13]. يعقد الخولي في هذا التفضيل مقارنة - في الصورة العامة لفن القول ودوائر البحث فيه ومنهج دراسته وغايته - بين البلاغة العربية والبلاغة الغربية، وفي إثر المقارنة بين التراث البلاغي العربي وفن القول الغربي، يدعو الخولي إلى إحلال "فن القول" محل مصطلح البلاغة العربية، ويقترح أن تُعرَّف البلاغة بأنها "فن القول"[14]. وعلى ذلك، تستأثر مراجعة التراث البلاغي العربي بالحصة الكبرى من المقارنة، فتناول الخولي لـ"فن القول" الغربي شديد الإيجاز والتعميم، ولا يبني صورة دقيقة لحقل معرفي منسجم، أو ممارسة إبداعية خاصة. ولا يحيل الخولي إلى كتب متخصصة في فن القول الغربي، بل يكتفي – غالبًا - بالإحالة إلى أفكار منقولة عن كتب تعليمية من مقررات المدارس.
العمليات المؤسِّسة له
يرى الخولي أن اكتساب فن القول يكون عبر سلسلة عمليات من التخلية والتحلية. ويعني بالتخلية تخليص التراث البلاغي العربي مما يراه شيئًا من "مظاهر الجمود، وظواهر الجفاف، وأسباب الذبول"[15]، ويعني بالتحلية إضافة تصورات أو معارف ضرورية لإمداد البلاغة "بأسباب الحسن، ووسائل التأثير"[16]. ثم يقترح الخولي في ما يتعلق بصورة البلاغة إجراءات تخلية تشمل تغيير توجهات المصريين والعرب في ذلك الوقت نحو الفنون، ورتق الفجوة بينهم وبين الفنون الجميلة، ومعالجة أسباب البعد، وضبط العلاقة بين الفن والعلم. وتشمل إجراءات التخلية – في ما يتعلق بدائرة البحث في البلاغة - دمج باب الفصاحة في متن الدرس أو المجال البلاغي، وعدم قصر علم المعاني على الخبر والإنشاء، وتجاوز النظرة إلى البديع بوصفه زينة وزخرفًا إلى جوهر البحث في أثره في العبارة. كذلك، تكمن التخلية في إلغاء التقسيم الثلاثي الشائع للبلاغة:
علم المعاني {{علم المعاني: أحد فروع علم البلاغة الثلاثة إضافة للبيان والبديع. وهو علم يُعنى باختيار الألفاظ المناسبة للسياق ومطابقته لمقتضى الحال.}}، وعلم البيان {{علم البيان: أحد فروع علم البلاغة الثلاثة إضافة لعلم المعاني والبديع، ويُعنى بدراسة آلية إيصال المعنى الواحد بطرق متعددة.}}، وعلم البديع {{علم البديع: أحد أفرع علم البلاغة الثلاثة إضافة لعلمي المعاني والبيان. أول من وضعه هو الخليفة العباسي عبد الله بن المعتز في كتابه
البديع، ويهدف هذا العلم إلى البحث في طرق تحسين الكلام وتزيينه، ويُعنى بالمحسنات اللفظية والمعنوية التي تجمل الكلام.}}، لأن هذا التقسيم الشائع غير كافٍ، ولا يمكن الزيادة عليه، وهذا سيمكننا من النظر إلى البلاغة بوصفها فنًا لا علمًا فقط[17]. ويرى الخولي أن عمليات التخلية تشمل إزالة التداخل بين دراسة مواد الثقافة العربية، وعدم الخلط بين البلاغة وغيرها من العلوم اللغوية، وإزالة الاضطراب الناجم عن عدم اتباع طريقة القدماء في استخدامهم المنهج البلاغي الملائم، وإقحام مباحث معينة مثل مبحث الصدق والكذب وواو الحال وغيرها.
وفي ما يخص غاية البلاغة، يرى الخولي أن التخلية تكون بالتحرر مما سمّاه "الرجعية الفنية"، وتعني إيثار القديم والتقليل من قدر الحديث، ودعا إلى التخلي عن "آثار الدراسة القديمة ضيقة الأفق"[18]، ويعني بذلك ألا يقتصر الالتزام على بعض القيم والتصورات الجمالية التراثية والأحكام النقدية، وأن يضيف عملية تخلية أخرى تخص فك الارتباط بين البلاغة والأغراض الدينية، فلا "نلزم دراستنا للبلاغة الطابع الديني، الذي لزمها يوم كانت غايتها معرفة إعجاز القرآن"[19].
أما التحلية، فيقترح الخولي أن تتحقق عن طريق البناء على تراث البلاغة الأدبية العربية، وإعادة تعريف البلاغة لتكون فنًا للقول الجميل، والإفادة من علم الجمال الغربي. ويقترح أيضًا توسعة دائرة البحث في البلاغة لتتجاوز الجملة إلى النص الكامل؛ والاهتمام بالمعاني الأدبية؛ وتبني التصور الغربي في دراستها الذي يميز بين خمس عمليات، هي: الابتكار، والترتيب، والأسلوب، والتذكر، والإلقاء؛ وبحث الفنون (الأنواع) الأدبية؛ ودراسة الأساليب. أما في ما يخص المنهج، يذهب الخولي إلى أن التحلية تتحقق بتمثل المنهج الفني تمثلًا واضحًا، والاعتماد على الذوق، وبدء الدرس البلاغي بمقدمة نفسية. ويقترح كذلك عمليات تحلية تخص غاية البلاغة، لتشمل الثقة في الثقافة العلمية والفنية للعصر الحديث، وتزود الثقافة الأدبية بدراسات فنية معاصرة تخص سائر الفنون.
تدريسه
أوضح الخولي المجال التعليمي لفن القول، إذ تتجلى الصبغة التعليمية في صفحات الكتاب، وليس هذا غريبًا بالنظر إلى أن الكتاب مُعدّ لتدريس البلاغة في مؤسسة تربوية، غايتها تعزيز قدرات المدرسين، هي "معهد الدراسات العليا للمعلمين" في القاهرة.
يشمل تصور الخولي لتدريس
فن القول موضوعات فن القول، والتركيز على مبادئه ومقدماته وصور التعبير فيه، وتشمل المبادئ تعريف "فن القول" وغاياته وعلاقاته بالمعارف الأخرى، أما المقدمات فهي ثلاث: مقدمة فنية تُعرِّف بالفن وأنواعه، وأخرى نفسية تُعرِّف بالقوى الإنسانية وصلتها بالفن، ومقدمة تتناول الحياة الوجدانية للأفراد والأمم. أما المباحث فقسّمها الخولي بحسب الوحدات اللغوية، وقد اختص أولها بالكلمة، وهو يُعنى بالخصائص الصوتية للكلمة، وبعلاقة الصوت بالمعنى، ومعنى الكلمة داخل الجملة من زاوية الوضع اللغوي والاستعمال في المجتمع. أما المبحث الثاني، فيختص بالنظم أو تأليف الجمل، وتُقدَّم فيه أساليب التقديم والتأخير والحذف والتأكيد والقصر والإيجاز. أما صور التعبير، فيميز الخولي فيها بين ما يسميه صور التعبير الواضحة مثل
التشبيه {{التشبيه: مقاربة أمرين بصفة واحدة أو أكثر بأداة تشبيه، ووصف الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو جهات كثيرة. وأركانه هي المشبه والمشبه به ووجه الشبه وأداة التشبيه. وله أنواع ستة: هي التشبيه التام، والمؤكد، والمجمل، المرسل، والبليغ والمفصل.}} والاستعارة {{الاستعارة: مصطلح ينتمي لعلم البيان في علم البلاغة قائم على استعارة اللفظ واستخدامه لغير ما وضع له بهدف إثراء الفكرة والتوسع بها، وهي أقرب إلى التشبيه الذي حذف أحد أركانه. مثال ذلك تشبيه المنية بالوحش الذي يمتلك أظافر في شطر البيت "وإذا المنية أنشبت أطفارها".}} والكناية {{الكناية: استخدام تعبير لإعطاء معنى غير المعنى الظاهر والحقيقي له. تصنف ضمن أساليب البيان في علم البلاغة.}} والقلب {{القلب: أسلوب من أساليب البلاغة. وهو تقديم بعض حروف الكلمة على بعضها، أو جعل جزء من الكلام مكان آخر والآخر مكانه. وهو نوعين إما قلب لفظي أو قلب معنوي.}} وأسلوب الحكيم {{أسلوب الحكيم: أسلوب بلاغي يشير إلى تلقي المخاطب بغير ما يتوقع، ويرد عليه بخلاف ما يراد به الكلام أو السؤال تنبيها على أنه الأولى بالقصد إليه.}} والمبالغة {{المبالغة: تفخيم المعنى وتهويله لتمكينه وتوكيده في نفس المتلقي. وتقسم المبالغة إلى مبالغة تبليع: وهُو أنْ يكونَ الوصْفُ المُدَّعى مُمْكنًا عقْلًا وعادَةً، والإغراق: وهو أنْ يكونَ الوصْفُ المُدَّعَى مُمْكنًا عقْلًا، لكنه غيرُ مُمكِنٍ عادَةً بأنْ يُجَوِّزَ العقْلُ حُدوثَه، لكنه لم يَحدُثْ مِثلُه مِن قبلُ، والغلو: وهو امْتناعُ الوصْفِ المُدَّعى عقْلًا وعادَةً. وهو غيرُ مَقْبولٍ.}} وصور التعبير المظلَّلة مثل
الرمز {{الرمز: أسلوب فني أقرب إلى الكناية الخفية. وقد يكون كلمة أو عبارة أو شيء أو شخص وغيرها يستخدم على أنه دلالة لإيصال المعنى وتكثيف الصورة الفنية. وهو إما رمز ظاهر ومباشر أو باطن مثل استخدام المطر رمزًا للخير.}} والإيماء {{الإيماء: قول أو حركة توحي للعقل بشيء لا يصرح به، ويعتمد على أسلوب التلميح للدلالة على ذلك الشيء أو التضمين لذلك في فحوى الكلام باستخدام مثل سائر أو قصة.}} والإلغاز {{الإلغاز: أسلوب يأتي في المتكلم بعدة ألفاظ مشتركة من غير ذكر الموصوف، ويستخدم عبارات تدل في باطنها عليه وفي ظاهرها على غيره.}} والتورية والاستخدام. ويضيف الخولي مبحثًا يخصّ القطعة الأدبية، ويشتمل على معارف تخص عناصر العمل الأدبي، ومباحث المعاني الأدبية، والفنون الأدبية المختلفة. ويختص المبحث الأخير في خطة فن القول بالأساليب الفنية في الأدب والفنون.
لا يقدّم الخولي معلومات مفصلة عن طرق تدريس "فن القول"، ولا أدوات تقييم أداء الدارسين فيه، ولكنه يُفرد حيزًا واسعًا للحديث عن أهداف تدريسه ومخرجاته، فهو يُدرك فن القول بوصفه أداة من أدوات بناء الشخصية الفردية، وتحقيق النهضة المجتمعية. وليس غريبًا أن يُصدَّر الكتاب بشعارات
جماعة الأمناء وأهدافها، فقد اختار تلامذة الخولي مبادئ وأهدافًا تتخذ من البلاغة أرضية لبناء الشخصية الفردية والجمعية، وتحقق النهضة القومية المصرية. وتكشف أهداف جماعة الأمناء التي صدَّر بها الخولي كتابه عن إيمان جازم بأهمية فن القول للحياة. وللتعبير عن أهمية هذه الصلة بين البلاغة والحياة، خصَّ الخولي الهدف الرابع من أهداف جماعة الأمناء بصفحة كاملة في صدارة كتابه، بعد أن أورده مع بقية الأهداف في صفحة سابقة. يقول الخولي: "من أهداف الأمناء: أن يكون درس الأدب وتاريخه على منهج تصححه الخبرة بالحياة والنفس والجماعة، ويمثل التقدم الإنساني والرقي العقلي. وهذا الكتاب محاولة لتصحيح منهج درسنا للبلاغة التي هي قوام الحياة الأدبية الصانعة والناقدة"[20].
فن القول بين التأثير والتأثر
تأثر تصور أمين الخولي لفن القول بالمد الرومانسي السائد في زمنه، فقد دافع عن الطابع الوجداني لفن القول، وانتقد النزوع الكلامي والفلسفي في الإبداع والنقد معًا، وتأثر أيضًا بالمدِّ القومي السائد في زمن تأليف الكتاب، ودعا إلى بلاغة مصرية ترتبط بالحياة المصرية، وتستجيب للخصوصيات المصرية، وتعكس هوية مصر والمصريين، وألح على ضرورة الربط بين تجديد البلاغة ونهضة المجتمع، وهو يقطع بأن "غاية البلاغة في الأمة، تتصل بغاية تلك الأمة في حياتها، وتتجه نحو هدف تلك الجماعة في وجودها"[21].
قبل نشر
فنالقول بأكثر من ربع قرن، كان
علي أحمد ضيف (1880-1945)، المؤلف والكاتب المصري في كتابَيه:
مقدمة لدراسة بلاغة العرب، وبلاغة العرب في الأندلس[22]، قد سبق إلى استكشاف الطابع الوجداني للبلاغة وعلاقتها بالقومية، ودعا إلى بلاغة نهضوية تحقق طموح المجتمع في التقدم والرقي، وإلى دراسة البلاغة الشعبية والاهتمام بالبلاغة النفسية. ولم يشر أمين الخولي إلى أيٍّ من أعمال ضيف البلاغية، على أن ضيف كان السابق إلى الأفكار الأساسية التي أقام عليها أمين الخولي مشروعه في تجديد البلاغة؛ فبعض أفكار الخولي مثل الحاجة إلى بلاغة شعبية والعلاقة بين البلاغة والنهضة والمجتمع ومفهوم البلاغة النفسية، ليست إلا إعادة صياغة لأفكار ضيف[23].
قدّم الخولي تصورًا لفن القول (البلاغة) بأنه ممارسة إبداعية وبحثية ذات طابع وجداني قومي نهضوي، وهذا التصور أعطى دعواه خصوصية واضحة مقارنة بالتصورات الغربية التي عرضها لفن القول، ولكنه قيَّد إمكانات انتشارها وتأثيرها في الآن نفسه، فالمنظور الرومانسي للإبداع والبحث سرعان ما انحسر بعد سنوات قليلة من نشر كتاب
فن القول، وانتُقد بشدة من الباحثين المتأثرين بتصورات اجتماعية للأدب والنقد والبلاغة من ناحية، وباحثي البلاغة المعنيين بدراسة الحجاج والأبعاد الفلسفية للبلاغة من ناحية ثانية، وباحثي الأسلوبية المتأثرين بالمقاربات الغربية من ناحية ثالثة. وقد أثَّر تصوره لتمصير البلاغة في تقييد انتشار أفكاره خارج مصر، وسادت نظرة عامة مفادها أن فن القول مشروع محلي مصري، فلم يحظَ بانتشار كبير خارجها. وبالمثل، فإن ربط مشروع فن القول بحركة الإصلاح والقومية المصرية التي بلغت ذرى نشاطها في أربعينيات القرن العشرين، تأثر بتراجع أدبيات النهضة لصالح أدبيات الثورة والقومية العربية بعد حركة الضباط الأحرار عام 1952.
علاوة على ذلك، أدَّى مزيج من الأزمات المعرفية والسياسية إلى الإطاحة بالشيخ أمين الخولي من الجامعة المصرية، ومن معهد الدراسات العليا للمعلمين، بعد أقل من ست سنوات من نشر كتابه، فتوقف تدريسه في المؤسستين التعليميتين الأكثر تأثيرًا في مجالهما في مصر في ذلك الوقت[24]. كما تسببت حركة الضباط الأحرار وإشغال الدولة بالسياسة إلى عدم مواصلة تلامذة الخولي في تدريس "فن القول" الذي ينخرط على نحو جذري في قضايا المجتمع وتحديات الحياة، ويسعى إلى إحداث تغييرات اجتماعية، وآثروا العودة إلى تدريس بلاغة يوسف بن أبي بكر السكاكي (ت. 1229)، التي تُقدَّم بوصفها معرفة غير مسيَّسة، منقطعة الصلة عن الواقع والحياة[25].
حظيت أفكار الخولي عن "فن القول" بعناية الباحثين اللاحقين، وسعى الجيل الأول من تلامذة الخولي إلى وضع طريقته في التحليل البلاغي موضع التطبيق، فأفاد شكري محمد عياد (1921-1999) ومحمد أحمد خلف الله (1916-1998) وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) (1913-1998) من منهجه البلاغي (الأدبي) في دراسة بلاغة القرآن الكريم[26]، واستلهم
مصطفى ناصف (1921-2008) أفكار الخولي أيضًا في تحليل النصوص الأدبية، وفي تصوراته للعلاقة بين البلاغة والحياة[27]. علاوة على ذلك، اهتم مؤرخو البلاغة العربية بمشروع
فن القول، فربط صلاح فضل بين الأفكار المؤسسة لفن القول عند الخولي والتصورات النقدية والبلاغية واللسانية الشائعة في أواخر القرن العشرين[28]. واهتم عبد الحكيم راضي بفحص عمليات التحلية والتخلية التي ابتكرها الخولي لبناء تصوره لفن القول[29]، وفحص عماد عبد اللطيف الأسس التي يستند إليها مشروع
فن القول، والعوامل المؤثرة فيه، ومآلاته[30]. وعلى أن مشروع فن القول أثّر تأثيرًا محدودًا في تدريس البلاغة في العالم العربي، فقد عُني الباحثون بالتأريخ له، وعادة ما يُشار إلى فن القول بوصفه مشروع التجديد البلاغي الأكثر شهرة في النصف الأول من القرن العشرين.
المراجع
خلف الله، محمد أحمد.
الفن القصصي في القرآن الكريم. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1950-1951.
الخولي، أمين.
فنالقول. تقديم صلاح فضل. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1996.
راضي، عبد الحكيم. "التراث بين ثباته في ذاته وتحول النظر إليه: قراءة في محاولتين لإعادة فهم البلاغة العربيّة". ورقة مقدّمة في مؤتمر أسئلة النقد وإشكاليات الواقع.
الهيئة العامة لقصور الثقافة. القاهرة. 5/ 2003.
صغير، فاطمة. "بواكير التجديد في البلاغة العربية: فن القول لأمين الخولي أنموذجًا".
مجلة علوم اللغة العربية وآدابها. مج 12، العدد 2 (2020). ص 1694-1712.
ضيف، أحمد.
مقدمة لدراسة بلاغة العرب. القاهرة: مطبعة السفور، 1921.
________. بلاغة العرب في الأندلس. القاهرة: مطبعة مصر، 1924.
عبد الرحمن، عائشة.
التفسير البياني للقرآن الكريم. القاهرة: دار المعارف، 1962.
عبد اللطيف، عماد.
البلاغة العربية الجديدة:مسارات ومقاربات. عمّان: دار كنوز المعرفة، 2021.
عياد، شكري.
من وصف القرآن: يوم الدين والحساب. ط 3. القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 2012.
ناصف، مصطفى. اللغة والبلاغة والميلاد الجديد. الكويت: دار سعاد الصباح، 1992.
[1] أمين الخولي،
فنالقول، تقديم صلاح فضل (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1996)، ص 5.
[2] المرجع نفسه، ص 22.
4 المرجع نفسه، ص 23.
[3] المرجع نفسه.
[4] فاطمة صغير، "بواكير التجديد في البلاغة العربية: فن القول لأمين الخولي أنموذجًا"،
مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، مج 12، العدد 2 (2020)، ص 1694-1712.
[5] الخولي، ص 63.
[6] المرجع نفسه.
[7] المرجع نفسه.
[8] المرجع نفسه، ص 64.
[9] المرجع نفسه، ص 87.
[10] المرجع نفسه.
[11] المرجع نفسه، ص 87.
[12] المرجع نفسه، ص 21.
[13] المرجع نفسه، ص 231.
[14] المرجع نفسه، ص 227.
[15] المرجع نفسه.
[16] المرجع نفسه، ص 239.
[17] المرجع نفسه، ص 266.
[18] المرجع نفسه، ص 267.
[19] المرجع نفسه، ص 17.
[20] المرجع نفسه، ص 154.
[21] يُنظر: أحمد ضيف،
مقدمة لدراسة بلاغة العرب (القاهرة: مطبعة السفور، 1921)؛ أحمد ضيف،
بلاغة العرب في الأندلس (القاهرة: مطبعة مصر، 1924).
[22] عماد عبد اللطيف،
البلاغةالعربيةالجديدة:مسارات ومقاربات (عمّان: دار كنوز المعرفة، 2021)، ص 179-182. ناقش عبد اللطيف الأفكار التي يُحتمل أنّ الخولي أخذها من ضيف، وقدم تفسيرًا لتجاهل الخولي الإشارة إلى مصدرها في البلاغة العربية الجديدة.
25 المرجع نفسه، ص 187-188.
[23] المرجع نفسه، ص 191-192.
[24] شكري عياد، من وصف القرآن: يوم الدين والحساب، ط 3 (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 2012)؛ محمد أحمد خلف الله،
الفن القصصي في القرآن الكريم (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1950-1951)؛ عائشة عبد الرحمن،
التفسير البياني للقرآن الكريم (القاهرة: دار المعارف، 1962).
[25] مصطفى ناصف،
اللغة والبلاغة والميلاد الجديد (الكويت: دار سعاد الصباح، 1992).
[26] الخولي، ص 5-13.
[27]عبد الحكيم راضي، "التراث بين ثباته في ذاته وتحول النظر إليه: قراءة في محاولتين لإعادة فهم البلاغة العربيّة"، ورقة مقدمة في مؤتمر أسئلة النقد وإشكاليات الواقع،
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 5/ 2003.
[28] عبد اللطيف، ص 155-208.