الموجز
انتخابات 1912 على مقاعد مجلس المبعوثان في ولاية سورية العثمانية، هي محطة فارقة في العلاقة بين "حزب الحرية والائتلاف" الذي كان يضم العروبيين السوريين، وجمعية الاتحاد والترقي القابضة على مفاصل السلطة. فقد كان الاتحاديون يعوّلون كثيرًا على الفوز في هذا الاستحقاق الدستوري، لإحكام قبضتهم على المؤسسة البرلمانية، بعد أن سيطروا على الجيش والحكومة. وحين تبيّن لهم أن شعبيتهم في الولايات غير التركية لا تعادل شعبية الائتلافيين، لجأوا إلى تزوير الانتخابات، الأمر الذي كانت له انعكاسات عميقة على مستقبل السلطنة ومصائرها.
كشفت هذه الانتخابات عن طبيعة التحالفات الاجتماعية والسياسية في دمشق والولايات السورية، وعن آليات العمل السياسي في أواخر العهد العثماني. كما كان لنتائجها أثر بالغ في تصعيد الصراع بين الطرفين، وفي إعادة تشكيل الحياة السياسية العثمانية، وصولًا إلى انقلاب 1913 وترسيخ الحكم الاتحادي.
الاتحاديون وسورية
تمكّنت "جمعية الاتحاد والترقي" من مدّ نفوذها إلى الولايات العربية منذ انقلابها على السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) في عام 1908، مستندة إلى دعاية الحرية والخلاص من الاستبداد الحميدي. غير أن النخب السياسية والاقتصادية في الولايات العربية، وخاصةً النخب السورية منها، استشعرت الخطر الاتحادي، الساعي إلى بناء دولة مركزية ذات هوية تركية، يتبوأ فيها الأتراك موقع القيادة، منطلقين من مبدأ "حق الفتح"[1]، فانضوت تحت "حزب الحرية والائتلاف" المعارض لسياسات الاتحاد والترقي الاستئثارية، مما أكسبها عداء الاتحاديين الساعين لحكم السلطنة حكمًا حزبيًا مطلقًا.
شبكة النفوذ الجديدة
تعرّضت النخب التقليدية في ولاية سورية لهزّة عنيفة إثر انقلاب عام 1908، ومن ثم خلع السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909، إذ عملت "جمعية الإتحاد والترقي" على إقصاء المقربين من السلطان المخلوع بذريعة تصفية "أركانَ النظام الاستبدادي"، وخصوصًا المحسوبين على أحمد عزت باشا العابد (1852-1924)، والشيخ أبو الهدى الصيادي (1849-1909). ومع ذلك، تمكّن بعض الوجهاء الدمشقيين النافذين لاحقًا من ترميم علاقاتهم مع الاتحاديين، وكان على رأسهم محمد فوزي باشا العظم (1858-1919)، وعبد الرحمن باشا اليوسف (1871-1920)، فنشأت بذلك شبكة جديدة من علاقات النفوذ والمصالح تألفت من ثلاث حلقات متداخلة، شكّل الباشا العظم حجر الزاوية فيها، لتحلّ محل شبكة نفوذ أحمد عزت باشا العابد.
الحلقة الاقتصادية
تكوّنت الحلقة الاقتصادية في مستواها الأول من ملّاك وتجّار بارزين. يمكن ملاحظة تأثير بعضهم من خلال مساهماتهم في عمليات إنشاء سكة الحجاز الحديدية التي تولّى الباشا العظم مسؤوليتها، ولاحقًا في مشروع معمل الزجاج بدمشق الذي أنشئ برئاسته ورعايته. ولعلّ أبرز هؤلاء الملّاك حسن باشا وطالب باشا الحلبوني[2]، إلى جانب جناح واسع من آل العظم وجناح من آل القضماني، شركاء الباشا في أراضي حوران[3]. يضاف إلى هذه الحلقة الملّاك والتجّار المحلّيون؛ أصحاب النفوذ في الحارات الداخلية، ومنهم آل الحلبي في حيّ القيمرية، وآل المهايني في حي الميدان، المعروفون بعلاقتهم بـ "قبضايات الحارات".
الحلقة المشيخية
شكّلت الحلقة الثانية؛ هي الحلقة المشيخية، نسيجًا متنوعًا يتدرّج من كبار الفقهاء من العائلات الشهيرة، إلى مشايخ الحارات. وكان من أبرز وجوهها: الشيخ سليم الكزبري (توفي عام 1913) متزعمًا جناحًا من آل الكزبري، وتوفيق منيني، وعبد الحميد العطار[4]. وقد تقاطعت الحلقة الاقتصادية مع الحلقة المشيخية عبر الملّاك والتجّار المحلّيين من المستوى الثاني، إذ إن العديد من المشايخ كانوا من طبقة التجار/ الملّاك، وكان الشيخ سليم قصاب حسن (1853-1916) هو صلة الوصل الأبرز بين الحلقتين، وكذلك بين الحلقات وبين الباشا العظم. فقد ارتبط ثراء الشيخ سليم بعلاقته بالباشا العظم الذي مدّه بدعم كبير للبدء بتجارة الأقمشة في سوق الحميدية، ثمّ أصبح لاحقًا شريكه في معمل الزجاج.
الحلقة البيروقراطية
ضمّت الحلقة الثالثة؛ طبقتين رئيستين: طبقة البيروقراطية التقليدية التي انخرط أفرادها ضمن سلك الدولة الرسمي في سنّ مبكرة وترقّوا في المناصب تدريجيًا؛ وطبقة الدارسين الذين تلقوا تعليمًا متخصصًا في أصول الإدارة والحقوق في المدارس والكليات العليا. وكان أمين الطرزي (1856-1922) الذي عُزل عن منصب متصرفية نابلس لارتباطه بالنظام الحميدي، أبرز أمثلة طبقة البيروقراطية التقليدية، فيما كان عطا الأيوبي (1874-1951) الذي تسلّم عدة مناصب إدارية رفيعة في المدن العثمانية، مثالًا عن طبقة الدارسين، إضافة إلى مجموعة من أقربائه. وقد تقاطعت الحلقتان المشيخية والبيروقراطية في عدد من الشخصيات، مثل الشيوخ محمد المجتهد، وكمال المهايني، وأحمد الحسيبي، الذين جمعوا بين المشيخية وتسلّم مناصب إدارية. كما تقاطعت الحلقة الاقتصادية مع الحلقة البيروقراطية فيما يُعرف بصنف "الملّاك البيروقراطيين"، مثل عبد الرحمن باشا اليوسف، وأحمد أجليقين، وسامي باشا مردم بك، ووجهاء من آل القضماني[5].
إبعاد الوالي الضعيف
ناظم باشا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رغم أن والي سورية في ذلك الوقت، غالب بك، كان اتحاديًا مخلصًا، فإنه كان "ضعيف الإرادة خائر العزيمة"[6]، وكانت الانتخابات المقبلة بحاجة إلى شخصية تتمتع بالدهاء والقوة والخبرة، ولذا لم يكن ثمة خيار أفضل من ناظم باشا (1854-1927) الذي ولي سورية مرتين قبل ذلك، وبناءً عليه، صدر قرار تعيينه واليًا في 3 شباط/ فبراير 1912[7]، وعمل فور وصوله على تسخير أجهزة الدولة للتكامل تمامًا مع حلقات النفوذ في دمشق، وفق ديناميكية منظّمة للوصول إلى أهداف التحالفات السياسية آنذاك. كما حرص على مدّ نفوذ هذا التحالف إلى حمص، معقل النائب عبد الحميد الزهراوي (1855-1916)، وذلك من طريق صديقه عبد الحميد باشا الدروبي (1848-1918) الذي تفرّد بالزعامة في حمص بعد وفاة مصطفى باشا الحسيني (1827-1903)، والمفتي خالد الأتاسي (1837-1908)، وقد تمكّن الدروبي قبيل الانتخابات، بمساندة الوالي على الأرجح، من الوصول إلى رئاسة بلدية حمص[8].
خطة ناظم باشا
كان البند الأول في خطة الاتحاديين هو إسكات الزهراوي، الصوت العربي الأقوى في البرلمان، من خلال استمالته أو إسقاطه. وقد حاول الاتحاديون استمالته، ولكنهم فشلوا في ذلك[9]، فلجأوا إلى إسقاطه واستبداله بـ هاشم زين العابدين (1882-1917)، الحمصي الذي نشأ في اسطنبول وأمسى قوميًّا تركيًّا، وهو نجل شيخ الطريقة البدوية في اسطنبول سعيد زين العابدين (1853-1916)، المتزوّج من ابنة الباشا الدروبي. أما حماة، مركز اللواء، فقد عمل الحزب فيها على استمالة النائب خالد البرازي والضغط عليه في الوقت ذاته، من خلال الدفع بمرشح اتحادي قوي هو رئيس البلدية عبد القادر الكيلاني. ولربما أدى العامل العائلي دورًا في إقناع البرازي الكردي بالانضمام إلى الاتحاديين في نهاية المطاف، ولاسيما إذا عرفنا أن جدة عبد الرحمن باشا اليوسف، الكردي أيضًا، كانت من آل البرازي. وكان على الاتحاديين تأمين الجنوب السوري المنكوب مؤخرًا إثر حملة سامي الفاروقي، من خلال انتخاب نوّاب موالين، وكذلك الحرص على محاولة تمثيل الدروز في البرلمان.
مشكلة دروز حوران
برزت مشكلة تمثيل الدروز في البرلمان مع حقيقة أن حصة لواء حوران كانت نائبًا واحدًا فقط، ولذلك حلّ ناظم باشا هذه المشكلة سريعًا عبر القيام بإحصاء نفوس جديد لولاية سورية، أفضى إلى وجوب انتخاب نائب إضافي عن لواء حوران[10]. ومع إحجام دروز حوران عن الترشّح، كان الخيار الأمثل والأسلم هو "انتداب" نائب درزي من لبنان. وقد رفض ناظم باشا فكرة اختيار شكيب أرسلان، رغم استماتة الأخير[11]، بل قرّر الاعتماد على رشيد طليع الذي يعرفه جيّدًا[12]، والذي قدّم خدمات للدولة أثناء حملة الفاروقي بصفته قائم مقام قضاء "عاهرة"، ونال على إثرها النيشان المجيدي[13].
مشكلة لواء الكرك
المشكلة الثانية في الجنوب كانت تمثيل لواء الكرك، فقد ادّعى النائب شكري العسلي أن الوالي السابق غالب بك هو من دبّر مؤامرة إبعاد نائب الكرك توفيق المجالي، وفتح أوراق مسألة عصيان الكرك[14]، وهذه الفرضية أصبحت أكثر منطقية بعد أن عاد المجالي إلى المجلس النيابي عام 1914. وكان ناظم باشا ينوي تأمين اللواء بمرشح دمشقي هو عطا الأيوبي، لمواجهة المرشح المعارض، الدمشقي أيضًا، عبد الوهاب الإنكليزي (1878-1916)، الذي قرّر الترشح عن الكرك تجنبًا لشقّ الصف في دمشق.
تأمين اللجان التفتيشية
بالعودة إلى دمشق، تقرّر اختيار أمين الطرزي ممثلًا عن حلقة البيروقراطيين، والشيخ عبد المحسن الأسطواني عن حلقة العلماء، إضافةً إلى العظم واليوسف. وكانت خطة ناظم باشا تتضمن تأمين اللجان التفتيشية، ثم استخدام أجهزة الدولة في الحملة الانتخابية، مع الحرص على إبعاد المرشحين الخطرين بالتنسيق مع السلطة المركزية. وبطبيعة الحال، كانت لدى ناظم باشا خطة بديلة في حال فشلت خطته هذه.
الحملة الانتخابية
وجد الاتحاديون أنفسهم في مواجهة جبهة لا يستهان بها، ضمّت النواب السابقين في المجلس، وموظفين في سلك الدولة، على رأسهم عبد الوهاب الإنكليزي، وعددًا من الشباب المثقف مثل رفيق العظم (1865-1925)، وعبد الرحمن الشهبندر (1879-1940)، وعبد الكريم الخليل (1884-1915)، الذي ترأس المنتدى الأدبي في العاصمة. ومجموعة من الصحافيين مثل محمد كرد علي (1876-1953)، ومحي الدين شمدين، ووجيه الكيلاني، وعلي الغبرة، إضافة إلى محامين بارزين، في مقدمتهم شكري الجندي (1884-1964)، وفارس الخوري (1877-1962).
كان المحور الأساسي لحملة الائتلافيين الانتخابية تتمحور في زيارة النائب الائتلافي لطفي فكري بك إلى سورية، في جولة بدأت يوم 9 شباط/ فبراير، واستمرّت 9 أيام برفقة الزهراوي والعسلي ونائب بيروت كامل خليل الأسعد (1870-1924)، وشارك كرد علي والشهبندر في بعض الجولات. وقد استقبل آل حيدر بزعامة سعيد باشا سليمان وآل الرفاعي، لطفي بك في بعلبك واحتفوا به[15]. أما في حمص فقد خطب في الجموع عند محطة القطار، وتوسعت الجبهة ضد الاتحاديين بحضور محمد علي النملي مدير "المدرسة العلمية" بحمص ومرشح عكا ضد المرشح المدعوم اتحاديًا الشيخ أسعد الشقيري (1860-1940)، وحلّوا ضيوفًا على وصفي الأتاسي (1882-1932)، المدير الثاني للمدرسة العلمية[16].
في المقابل قامت حملة الاتحاديين على ركيزتين، الأولى موظفي الدولة؛ إذ افتتح الوالي السابق ناديًا للاتحاديين في بعلبك[17]، وأعاد مدعي عام الاستئناف شكري افتتاح نادي الاتحاد والترقي في المعلقة[18]، ثم توجّه لاحقًا إلى بعلبك، ونقّب عن إحدى الدعاوى القديمة المرفوعة على الوجهاء، وهدّدهم بها إن لم يتعهّدوا بنجاح الاتحاديين غرب دمشق[19]. وفي الفترة ذاتها التي حاز فيها الوجيه الدمشقي خليل العبسي على امتياز استثمار مناجم الحمر في حاصبيا لمدة أربعين سنة[20]، توجّه مقدّم قوات الضابطية في سورية ومعه يوزباشي (نقيب) إلى حاصبيا بحجة التحقيق في اعتداء على كنيسة الكاثوليك، فنشر الدعاية الاتحادية وهدّد الموظفين، ثم توجه منها إلى راشيا للغرض ذاته، وعاد دون تحقيق فعلي في الحادثة[21]. وفي الوقت ذاته، كان الباشا العظم يبثّ في مجالسه العامة دعاية مضادة يريد بها تثبيط معنويات خصومه، مفادها أن ناظم باشا ما قدم إلى سورية إلا لضمان فوز الاتحاديين بالانتخابات[22].
أما الركيزة الثانية لحملة الاتحاديين كانت زيارة الشريف جعفر باشا ابن عم الحسين بن علي شريف مكة، والذي استُقبل أواخر شباط بمراسم عسكرية رسمية، وجال في عدة مدن سورية برفقة الوفد الاتحادي، وذلك لمواجهة أي دعاية عروبية في المنطقة باسم الشريف وما يمثله نسبه من قيمة معنوية لدى المسلمين. وبعدها زار عبد الرحمن اليوسف حمص برفقة عبد الحميد الدروبي، وتبرّع لمدرسة "الاتحاد الوطني" براتب سنوي[23].
بيادق ناظم باشا
كان توجّه ناظم باشا إلى تأخير الانتخابات البلدية ومجلس الإدارة إلى حين الانتهاء من الانتخابات النيابية. وقد سرت أنباء عن تهديد الأعضاء بعدم تجديد الانتخاب في حال فشل الاتحاديين بدمشق[24]. ومن جهة أخرى، ولعلمه بتركيبة المجتمع الدمشقي، هادن الوالي النخبة المحافظة في دمشق من خلال تعيين أبو الخير عابدين مفتيًا لولاية سورية بعد أن كان المنصب شاغرًا[25]. كما سعى لتخصيص "راتب شهري" لكل من المشايخ سليم الكزبري وتوفيق منيني وعبد الحميد العطار[26].
تعيين المفتشين
تمكّن الحلف الاتحادي بدمشق في أول تحرّكاته من تعيين أعضاء هيئة الانتخابات التفتيشية بما يناسبه، فضمّت أعضاء من مجلس الإدارة ومجلس البلدية وبعض الأهالي، بل وبعض المرشحين أيضًا، وجلّهم من عصبة الباشا العظم: سليم قصاب حسن، ويحيى الصواف، وكمال القضماني، وكمال الحلبي، والشيخ سليم الكزبري، وعبد الله المهايني، ومحمد المجتهد، وشريف الكيلاني، وعبد المحسن الأسطواني، وتوفيق شامية، وعزت الشاوي[27]. وكانت الخطوة التالية في دمشق هي ضمان السيطرة على المسؤولين عن صناديق الانتخابات، فحصل ذلك عن طريق التعيين، وكانوا ذاتهم أعضاء الهيئة التفتيشية. فتسلّم عبد الله المهايني صندوق الميدان الفوقاني، ومحمد المجتهد صندوق الميدان التحتاني، والشيخ كمال الحلبي صندوق القيمرية، وسليم الكزبري صندوق الشاغور، سليم قصاب حسن صندوق سوق ساروجة، ويحيى لنيادو صندوق حارة اليهود، في حين تولى عزت الشاوي وتوفيق شامية صندوق باب توما، كلٌّ عن طائفته. وفي النواحي تسلّم شكري الحسيبي صندوق عربين، وكمال المهايني صندوق كفربطنا، وخليل أبو حمد صندوق الهامة، ويحيى الصواف صندوق جرمانا، وكمال القضماني صندوق داريا [28].
الإملاء على المصوتين
ونظرًا لاعتماد العمل بنظام الانتخاب غير المباشر، الذي يجري على مرحلتين، كانت أولوية الاتحاديين في دمشق تأمين فوز المنتخبين الثانويين. ففي القيمرية جمعت الهيئة قسمًا من الناخبين الأولين، وأخذت منهم أسماءً وفق رغبتها، ثم وضعت المكاتيب على المقعد من دون وضعها ضمن الصندوق[29]، في حين أقنع الشيخان عيد وكمال الحلبي قسم آخر من الناخبين بمجموعة من المنتخبين الثانويين بقولهم: "هل نجد أحسن من حضرة فلان؟"[30]. وحُفظت الصناديق في دار الشيخ كمال. وقد شاعت أنباء استعانة الاتحاديين بالقبضايات في الحارات[31].
إبعاد المرشحين بالنقل الوظيفي
ولم يفت ناظم باشا بالتنسيق مع السلطة المركزية، إبعاد بعض المرشحين إلى مناطق نائية بحجة النقل الوظيفي، إذ نقل مرشح حمص هاشم الأتاسي (1873-1960) إلى يافا، وعبد الوهاب الإنكليزي إلى رأس العين[32]، ومرشح حوران رفعت الحوراني إلى أحد أقضية ديار بكر. كما أحال كامل الصلح رئيس استئناف دمشق إلى التقاعد، وأبعد إسحق البديري رئيس دائرة الجزاء بدمشق إلى أضنة، مما دفع عددًا من رجال الإدارة العرب إلى تقديم استقالة جماعية وعلى رأسهم الإنكليزي ووصفي الأتاسي[33].
الخطة البديلة
مع كل الإجراءات الاحترازية التي اتخذها ناظم باشا لضمان فوز الاتحاديين، كان الشارع السوري يميل إلى الائتلافيين، فما كان منه إلا التحرك وفق الخطة البديلة لتأمين الانتخابات في المراكز الكبرى. وتزامن ذلك مع إصدار الدولة قانون منع التظاهر والتجمّع في الساحات العامة، والتضييق على الجرائد الجديدة بفرض مبلغ تأمين ضخم عليها[34].
بدأ ناظم باشا تحركاته على أكثر من جبهة، ففي دوما عزل القاضي وعيّن مكانه صادق العجلاني[35]، وتأكد من وقوف رئيس البلدية فيها إلى جانبه[36]، وكلّ ذلك برعاية القائم مقام أسعد بك. وفي الزبداني جرى الانتخاب بالإجبار بعد أن حُجز المنتخِبون في غرفة ومنعوا من الدخول والخروج، وذلك بتدبير مأمور النفوس يوسف، والوجيه قاسم التل الذي وُعد بمنصب رئاسة البلدية[37]، وبعد تأمين الانتخابات فيها عُيّن رفعت الأيوبي قائم مقام عليها[38]. وفي حاصبيا ضمِن القائم مقام روحي الإدلبي نجاح الاتحاديين، فنُقل إلى دوما ترفيعًا. غير أن محامي دمشق ومجموعة من الصحافيين تمكّنوا من الحصول على برقية سرية لناظم باشا تثبت ضلوعه في فساد الانتخابات هناك[39].
وبصدور نتائج الانتخابات في دمشق وحوران يومي 10-11 نيسان/أبريل، معلنةً الفوز الكاسح لجميع المرشحين الاتحاديين، سمح ناظم باشا بإعلان نتائج الانتخابات البلدية التي فاز برئاستها عطا باشا البكري الأقرب للائتلافيين، فيما بدا أنه إعادة توازن للقوى السياسية في دمشق. في حين عيّن سامي مردم بك ونسيب الحمزاوي في مجلس الإدارة، وعُيّن الشيخ عبد الحميد العطار وسليم قصاب حسن وكمال القضماني وأحمد أجليقين في لجنة الأوقاف، وأحمد القضماني وبرو المالكي ومحمد المجتهد في لجنة المعارف[40].
أما الانتخابات في حمص وحماة، فقد أجّلها ناظم باشا قدر الإمكان، بمساعي رئيس الهيئة التفتيشية ورئيس بلدية حماة، عبد القادر الكيلاني، وذلك إلى حين الانتهاء من دمشق. وقد استُدعيَ متصرف حماة رؤوف الأيوبي إلى دمشق، ثم عاد إلى حماة أواخر آذار/ مارس "مزوّدًا بالتعاليم اللازمة لأجل مسألة الانتخابات"[41]. وفي ذلك الوقت، نقل قائم مقام دوما أسعد بك فعيّنه في حمص ترفيعًا، بعد تأخير الانتخابات أكثر من شهر، ليساند الباشا الدروبي في ضمان فوز ساحق لمرشح الاتحاديين هاشم زين العابدين، في حين لم ينل الزهراوي من مدينته إلا صوتين فقط.
ما بعد الانتخابات
بعد انتهاء الانتخابات بفوز كاسح للاتحاديين، وخاصةً في المنطقة السورية، توجّه المعارضون نحو الضغط الشامل على الدولة ومفاصلها، وكان ذلك بالتزامن مع تأسيس تشكيل عسكري موالٍ للائتلافيين داخل الجيش في أيار/ مايو 1912 عُرف باسم "خلاصكار ظابطان" أي "الضبّاط المُخلّصون". وقد أرسل هذا التشكيل مذكرة تحذيرية إلى مجلس الشورى العسكري لحلّ حكومة سعيد باشا الاتحادية، وهو ما حدث بالفعل، إذ تشكّلت الحكومة التالية برئاسة الغازي أحمد مختار باشا في 22 تموز/ يوليو 1912 وضمّت شخصيات كبيرة بينها ثلاثة صدور عظام سابقين، فسمّيت بـ"الحكومة الكبرى"، واعتبرت حكومة محايدة. وهنا كانت فرصة الائتلافيين لزيادة الضغط السياسي مستعينين بالمثقفين والصحافيين والمحامين داخل سورية، فرُفعت عشرات العرائض طعنت في الانتخابات النيابية والتزوير الذي حصل بها والشخصيات المشاركة في ذلك. وبثبوت التزوير، حلّ الصدر الأعظم مختار باشا مجلس المبعوثان في 5 آب/ أغسطس، وأعلن الأحكام العرفية. ولكن اندلاع حرب البلقان وتضعضع الجيوش العثمانية في المعارك الأولى أجبر مختار باشا على الاستقالة، وتشكّلت الحكومة الجديدة برئاسة كامل باشا الأقرب إلى الائتلافيين. إلا أنّ الاتحاديين اتخذوا من الهزائم العسكرية في البلقان ذريعة للعودة إلى السلطة، فرفعوا وتيرة دعايتهم الحزبية داخل الجيش وحرصوا على استقطاب أغلب الضباط غير المنتمين إلى "المخلّصين" الائتلافيين. وبعد اكتمال الخطة نفذوا انقلابهم المعروف باسم "انقلاب الباب العالي" في 23 كانون الثاني/ يناير 1913، وقتلوا ناظر الحربية ناظم باشا، وأجبروا كامل باشا على الاستقالة، وفتح الطريق بذلك لسنوات من الحكم المطلق لحزب الاتحاد والترقي.
كانت معركة انتخابات 1912 الاختبار الأول للعروبيين السوريين، فمن ناحية دفعتهم إلى تطوير أفكارهم في مواجهة النزعة الاستئثارية لدى الاتحاديين، إذ تبنّت نخبهم فكرة اللامركزية، التي دفع أغلبهم حياته ثمنًا لها في العامين 1915 و1916. ومن ناحية أخرى، أظهرت هذه المعركة التمايزات الفكرية والبرامجية داخل النخبة العروبية ذاتها، خاصةً أن ملامح التحالفات التي تشكّلت أثناء هذه الانتخابات ظلّت هي نفسها في العهد الفيصلي وبدايات عهد الانتداب الفرنسي.
بعض الفائزين العرب في انتخابات مجلس المبعوثان عام 1912 من دمشق وحلب والقدس وعكا. المصدر: رسملي كتاب، نوميرو 22، (الآستانة، رسملي كتاب مطبعه سى، 10 تموز 1326/ يوليه 1912).
بعض الفائزين العرب في انتخابات مجلس المبعوثان عام 1912 من دمشق وحلب والقدس وعكا. المصدر: رسملي كتاب، نوميرو 22، (الآستانة، رسملي كتاب مطبعه سى، 10 تموز 1326/ يوليه 1912).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
المراجع
العربية
"إلى حضرة الوالي". المقتبس. العدد 938. 25/3/1912.
"انتخاب الزبداني". المقتبس. العدد 941. 28/3/1912.
"بلدية حمص ومحكمتها"، المقتبس، العدد 922، 6/3/1912.
الحراكي، عبد الحميد. "الاعتراف بالفضل والكرم اليوسفي". حمص. السنة الثالثة. العدد 21. 6/4/1912.
"الحكومة تهزأ بالشعب". المقتبس. العدد 916. 28/2/1912.
"حيلة اتحادية لا تنجح". المقتبس. العدد 935. 21/3/1912.
"خرق للقانون". المقتبس. العدد 935. 21/3/1912.
دروزة، محمد عزت. مختارات قومية. تحرير ناجي علوش. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.
"شبان العرب المستقيلون من الخدمة". المقتبس. العدد 934. 20/3/1912.
"شعبة الانتخاب في ثمن القيمرية". المقتبس. العدد 936. 23/3/1912.
"صناديق الانتخاب". المقتبس. العدد 921. 5/3/1912.
"عزل وتعيين". المقتبس. العدد 923. 7/3/1912.
العسلي، شكري. "تعالوا نندب الحرية". المقتبس. العدد 931. 17/3/1912.
________. "توفيق بك المجالي". المقتبس. العدد 911. 22/2/ 1912.
قتيبة. "أنباء من حماة". المقتبس. العدد 942. 30/3/1912.
كرد علي، أحمد. "إشاعتان عن الوالي". المقتبس. العدد 936. 23/3/1912.
________. "مناورة إتحادية". المقتبس. العدد 934. 20/3/1912.
المخلص ع.ص. "لطفي فكري بك في محطة حمص". الحقيقة. العدد 420. 19/2/1912.
مراسل المفيد. "البطاقات السرية". المفيد. العدد 906. 12/2/1912.
مراسل المقتبس. "لطفي فكري بك في بعلبك". المقتبس. العدد 905. 15/2/1912.
مراسل دمشق، "إشاعة تأجيل الانتخابات"، المفيد، العدد 906، 12/2/ 1912.
مراسل دمشق، "نفوس ألوية سوريا"، المفيد، العدد 906، 12/2/ 1912.
"مكافآت الانتخاب". المقتبس. العدد 954. 13/4/1912.
"مناجم الحمر في حاصبيا". المقتبس. العدد 937. 24/3/1912.
"منشور الفتيا". المقتبس. العدد 915. 27/2/1912.
"نادٍ للاتحاد". المقتبس. العدد 899. 8/2/1912.
"نصيحة للموظفين". المقتبس. العدد 930. 16/3/1912.
هي بن بي، "حرب الانتخابات في حماة"، الحقيقة، العدد 436، 18/4/ 1912.
"الهيئة التفتيشية". المقتبس. 3/2/1912.
العثمانية
COA, İ.DH.1493/ 3.
COA, DH.SYS.83-2/2-23.7.
COA, DH.MTV.36/ 97.
COA, DH.İD.14/ 28.
COA, İ.TAL.470/ 33.
COA, DH.MUİ.156/ 7.
COA, DH.MUİ.17/ 33.
COA, A.DVN.MKL.53/1.
COA, DH.H.35/59.
COA, DH.İD.14/ 28.
COA, ŞD,2315/18.
COA, İ.DH.1491/ 47.
[1] محمد عزت دروزة، مختارات قومية، تحرير ناجي علوش (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص 481.
[2] COA, A.DVN.MKL.53/1.
[3] COA, DH.H.35/59.
[4] COA, DH.İD.14/ 28.
[5] COA, ŞD,2315/18.
[6] مراسل دمشق، "إشاعة تأجيل الانتخابات"، المفيد، العدد 906، 12/2/ 1912، ص 3.
[7] COA, İ.DH.1491/ 47.
[8]"بلدية حمص ومحكمتها"، المقتبس، العدد 922، 6/3/1912، ص 3.
[9] هي بن بي، "حرب الانتخابات في حماة"، الحقيقة، العدد 436، 18/4/ 1912، ص3.
[10] مراسل دمشق، "نفوس ألوية سوريا"، المفيد، العدد 906، 12/2/ 1912، ص 3.
[11] COA, DH.MUİ.156/ 7.
[12] COA, DH.MUİ.17/ 33.
[13] COA, İ.TAL.470/ 33.
[14] شكري العسلي، "توفيق بك المجالي"، المقتبس، العدد 911، 22/2/ 1912، ص 1.
[15] مراسل المقتبس، "لطفي فكري بك في بعلبك"، المقتبس، العدد 905، 15/2/1912، ص 2.
[16] المخلص ع.ص، "لطفي فكري بك في محطة حمص"، الحقيقة، العدد 420، 19/2/1912، ص 2 -3.
[17] "نادٍ للاتحاد"، المقتبس، العدد 899، 8/2/1912، ص 1.
[18] "الحكومة تهزأ بالشعب"، المقتبس، العدد 916، 28/2/ 1912، ص 3.
[19] "إلى حضرة الوالي"، المقتبس، العدد 938، 25 /3/1912، ص 2.
[20] "مناجم الحمر في حاصبيا"، المقتبس، العدد 937، 24 /3/1912، ص 2.
[21] "نصيحة للموظفين"، المقتبس، العدد 930، 16/3/1912، ص 3.
[22] أحمد كرد علي، "إشاعتان عن الوالي"، المقتبس، العدد 936، 23/3/1912، ص 3.
[23] عبد الحميد الحراكي، "الاعتراف بالفضل والكرم اليوسفي"، حمص، السنة الثالثة، العدد 21، 6/4/1912، ص 329.
[24] "حيلة اتحادية لا تنجح"، المقتبس، العدد 935، 21/3/1912، ص 2.
[25] "منشور الفتيا"، المقتبس، العدد 915، 27/2/1912، ص 3.
[26] COA, DH.İD.14/ 28.
[27] "الهيئة التفتيشية"، المقتبس، 3/2/1912، ص 3.
[28] "صناديق الانتخاب"، المقتبس، العدد 921، 5/3/1912، ص 3.
[29] "خرق للقانون"، المقتبس، العدد 935، 21/3/1912، ص 3.
[30] "شعبة الانتخاب في ثمن القيمرية"، المقتبس، العدد 936، 23/3/1912، ص1.
[31] مراسل المفيد، "البطاقات السرية"، المفيد، العدد 906، 12/2/1912، ص 3.
[32] أحمد كرد علي، "مناورة إتحادية"، المقتبس، العدد 934، 20/3/1912، ص 2.
[33] "شبان العرب المستقيلون من الخدمة"، المقتبس، العدد 934، 20/3/1912، ص 2.
[34] شكري العسلي، "تعالوا نندب الحرية"، المقتبس، العدد 931، 17/3/1912، ص 2.
[35] "عزل وتعيين"، المقتبس، العدد 923، 7/3/1912، ص 3.
[36] COA, DH.MTV.36/ 97.
[37] "انتخاب الزبداني"، المقتبس، العدد 941، 28/3/1912، ص 3.
[38] COA, İ.DH.1493/ 3.
[39] COA, DH.SYS.83-2/2-23.7.
[40] "مكافآت الانتخاب"، المقتبس، العدد 954، 13/4/1912، ص 3.
[41] قتيبة، "أنباء من حماة"، المقتبس، العدد 942، 30/3/1912، ص 1.