تسجيل الدخول

توفيق بشارة كنعان


​​​​​​​

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.




الاسم

توفيق بشارة كنعان

​المجال
​العلوم الطبية والإثنوغرافيا

​تاريخ الميلاد
24 أيلول/ سبتمبر 1882

​مكان الميلاد
​بيت جالا، فلسطين

​تاريخ الوفاة
​1964

​مكان الوفاة
​جبل الطور، القدس، فلسطين
الدور العام


طبيب وأكاديمي وباحث

الأوسمة

وسام الهلال الأحمر 

وسام الصليب الحديدي

وسام صليب القبر المقدس

وسام الشريط الأحمر

وسام صليب الاستحقاق الاتحادي



توفيق بشارة كنعان (1882-1964) طبيب فلسطيني، كان من طليعة الأطباء الذين تلقوا تعليمًا طبيًّا معاصرًا، ​تخرج عام 1905 في الكلية البروتستانتية السورية (الجامعة الأميركية في بيروت لاحقًا)، ويُعَدّ باحثًا وناشطًا في شؤون متنوعة، ومسهمًا بشكل مباشر في تطوير البنية التحتية الطبية في القدس خصوصًا، وفلسطين وبلاد الشام عمومًا. أسهمت بحوثه في تطوير علاج لمرض الجذام، ووفّرت مرجعًا متميزًا في العلوم المجهرية، علاوة على طب المناطق الحارة. لم يكن كنعان طبيبًا فقط، بل أسهم في عدة مجالات مرتبطة بالهوية الفلسطينية، وعلى رأسها التراث الشعبي والمعتقدات التقليدية.

وقد وفّرت كتاباته وأعماله أرشيفًا ضخمًا من التراث الشعبي الفلسطيني، علاوة على إسهاماته في مجالات أخرى، مثل الزراعة والآثار ودراسات المجتمع الفلسطيني. وقد أسهم أيضًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وقدَّم عبر كتاباته مرافعة ثقافية وتاريخية لقضيته، ونال كثيرًا من الأوسمة تقديرًا لإسهاماته الطبية والعلمية، سواء في فلسطين أم في خارجها.​


نشأته وتكوينه

وُلِد توفيق بشارة كنعان في بيت جالا {{بيت جالا: بلدة فلسطينية تقع شمال غرب بيت لحم، وتتبع محافظة بيت لحم. معروفة بتاريخها الثقافي الديني العريق، ومن أبرز شخصياتها: توفيق كنعان، وطوني قطان، وسعد الدين شاهين.}} في فلسطين، في 24 أيلول/ سبتمبر عام 1882، ويُعَدّ ثاني الأبناء لبشارة كنعان وكاترينا خير الله، بعد شقيقته ليديا.

والده بشارة لبناني الأصل، عمل في البداية مدرّسًا في مدرسة شنلّر {{مدرسة شنلّر: (Schneller School) مدرسة تأسست في القدس في نهايات القرن التاسع عشر، على يد ثيودور شنيلر (كالميتم السوري)، ثم تطوّرت إلى مدرسة شنلر في القدس، ثم مدرسة شنلر في الأردن.}} في القدس، ثم أصبح مديرًا لها. وفي عام 1891، رُسِّم قسيسًا، وأسّس أول كنيسة لوثرية في بيت جالا، وكان أول راعٍ لها.

أما والدته كاترينا خير الله، فهي لبنانية ترعرعت في ميتم تابع لدار شمّاسات كايزرفيرت {{دار شمّاسات كايزرفيرت: (The Kaiserswerth Deaconess House) مؤسسة تعليمية دينية نسائية مسيحية، تأسست عام 1851 على يد القس ثيودور فليندر، وما تزال مستمرة إلى اليوم، تُدرّب الفتيات وتُعلّمهن في القدس.}} في بيروت، حيث تدربت على العمل بوصفها شمّاسة {{شمّاسة: امرأة تؤدي خدمة كنسية أو رعوية، ولا سيما في الكنائس البروتستانتية، وقد تشمل مهماتها التمريض والتعليم ورعاية المحتاجين.}}​، ثم انتقلت إلى العمل ممرضة في المستشفى الألماني في القدس، حيث التقت بوالده بشارة.

رُزِق بشارة وكاترينا بستة أبناء؛ أربعة ذكور وابنتين، ونشأت العائلة في بيئة تُثمّن التعليم والثقافة، وتهتم بالتواصل مع مصادر المعرفة الحديثة. وقد تأثر توفيق بوالده بشارة، الذي كان مهتمًا بالجوانب الاجتماعية، ما دفعه إلى الإسهام في تأسيس جمعية الشبان المسيحيين بالقدس {{جمعية الشبان المسيحيين بالقدس: (The Young Men's Christian Association, YMCA) منظمة شبابية مسيحية، تابعة لجمعية الشبان المسيحيين الدولية. تأسست عام 1933، وتهدف إلى تطوير الشباب وتنمية مهاراتهم الاجتماعية والدينية.}}، وكان مولعًا بالتجوال في أرجاء فلسطين، وغالبًا ما كان يصطحب ابنه توفيق في رحلاته الطويلة والقصيرة منذ شروق الشمس، ليتعرّف على الناس ويستمتع بجمال الطبيعة.

تعليمه

تلقى توفيق كنعان تعليمه الابتدائي في بلدته بيت جالا، ثم أكمل تعليمه الثانوي في مدرسة شنلّر الألمانية في القدس. وفي عام 1899، التحق بالكلية البروتستانتية السورية {{الكلية البروتستانتية السورية: مؤسسة تعليمية جامعية تأسست لخدمة المجتمع المسيحي البروتستانتي في سورية وفلسطين عام 1866، ثم تحوّلت عام 1922 إلى الجامعة الأميركية ببيروت.}} لدراسة الطب، غير أن وفاة والده في إثر التهاب صدري، أجبرته على إعطاء دروس خصوصية لتغطية نفقات معيشته ودراسته، حتى تخرج عام 1905 بامتياز مع مرتبة الشرف، وكان حينئذٍ أصغر خرّيجي الكلية حتى حينه، وأحد أوائل الأطباء الفلسطينيين في العصر الحديث.

كُلِّف كنعان بإلقاء خطاب التخرج، فألقى كلمة نشرتها مجلة المقتطف الشامية المصرية {{مجلة المقتطف الشامية المصرية: مجلة أدبية وثقافية، صدرت في أواخر القرن التاسع عشر في مصر، تهتم بالشؤون العربية والشامية خصوصًا.}}، تحت عنوان: "المعالجة الحديثة"، تناول فيها أبرز التطورات العلمية في الطب آنذاك، مثل استخدام الأشعة السينية والأمصال وغير ذلك.​

بين عامَي 1912 و1914، سافر كنعان إلى هامبورغ، لمتابعة دراسته في مجالات الفحص الميكروسكوبي وعلم الجراثيم، وأمراض المناطق الحارة، إذ تلقى تعليمه على يد عدد من أبرز الأساتذة الألمان، من بينهم: مولينس (Mullens)، وروجه (Ruge)، وهانس موخ (Hans Mueh)، وهنتيمولر (بالألمانية: Hintemüller). كذلك تخصّص في دراسة مرض السل، تحت إشراف الطبيب الألماني الشهير هانس موخ. وبعد إتمام دراسته، عاد إلى القدس لم​واصلة مسيرته الطبية. وفي عام 1932، صدر في ألمانيا كتاب بعنوان مشاهير أطباء المناطق الحرارة بالكلمات والصور (Hervorragende tropenärzte in wort und bild)، ألفه غوتليب أولب {{غوتليب أولب: (Gottlieb Olpp، 1870-1950)، مؤرخ وعالم اجتماع ألماني، أسهم في دراسة المجتمعات الشرق أوسطية.}} تضمّن إشادة بكنعان، وسيرة موجزة عن حياته المهنية والعلمية.[1]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​زواجه وعائلته

تزوج كنعان عام 1912 الآنسة الألمانية مارغوت أيلندر {{مارغوت أيلندر: (Margot Eilender، 1886-1978) عالمة وباحثة ألمانية، معروفة بدراساتها عن الشرق الأوسط وتاريخ الفلسطينيين.}} وهي ابنة تاجر ألماني. ورُزِق الزوجان بأربعة أبناء، هم: يَسْمى، وثيو، وندى، وليلى. لاحقًا، كتبت يَسْمى سيرةً لوالدها باللغة الإنكليزية، نُشِرت في عام 1981.

في عام 1948، تعرّض منزل كنعان لقصف مباشر بقذائف الهاون، ما أدى إلى تدميره كليًّا، واضطرت العائلة إلى مغادرته بعد أن أقامت فيه 35 عامًا. لجأت الأسرة بعد ذلك إلى دير تابع لبطريركية الروم الأرثوذكس في شرق القدس، حيث مكثوا هناك مدة عامين ونصف. خلال تلك المدة، أقدمت العصابات الصهيونية {{العصابات الصهيونية: مجموعات مسلحة صهيونية نشطت في فلسطين قبل إنشاء دولة إسرائيل، بهدف تأمين السيطرة على الأرض.}} على نهب محتويات المنزل وحرقه، ما أدى إلى خسارة كنعان عددًا كبيرًا من المخطوطات والكتب، من بينها ثلاث دراسات كانت معدّة للنشر.[2]

حياته العملية

بعد تخرجه، بدأ كنعان عمله مساعدًا لمدير مستشفى الشماسات الألماني والمستشفى الإنكليزي في القدس، وفي عام 1910، التحق بإدارة مستشفى "شعاريه صادق" اليهودي الألماني، وتولى كذلك مسؤولية إحدى العيادات التابعة لبلدية القدس. وفي عام 1913، عُيِّن مديرًا لفرع مكافحة الملاريا في القدس، التابع لمنظمة مويهلن للصحة العامة {{مويهلن للصحة العامة: (Muehlen General Health Organization)، مركز طب وخدمات صحية، تأسس لتقديم الرعاية الطبية في المناطق الفلسطينية.}} وقد أشرف على أعمال الفحص المجهري والبحث الطبي. وفي العام نفسه، افتتح كنعان عيادة طبية خاصة في منزله بحي المصرارة، فكانت العيادة العربية الوحيدة في القدس في ذلك الوقت.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في أواخر عام 1914، التحق كنعان بالجيش العثماني بوصفه طبيبًا في الناصرة، ثم تولى رئاسة المختبرات الطبية في جبهة سيناء، وبعد ذلك في حلب ودمشق وعمّان، حيث خدم في ظروف صعبة، وأُصيب خلال عمله بالكوليرا والتيفوئيد. كذلك عمل مدة شهرين في مختبرات الجيش البريطاني[3].

بعد انتهاء الحرب عام 1918، أصبح كنعان مديرًا لمستشفى هانسن الخاص بمرضى البرص (الجذام، Leprosy) في القدس، واستمر في منصبه حتى عام 1948. وفي عام 1924، عُيِّن رئيسًا لقسم الأمراض الباطنية في المستشفى الألماني بعد إعادة افتتاحه، وظل يعمل فيه حتى عام 1940. وإلى جانب عمله في المستشفى الألماني، عمل طبيبًا لكثير من المؤسسات الخيرية والمدارس والأديرة.

وفي عام 1944، أسهم كنعان في تأسيس الجمعية الطبية العربية الفلسطينية وتولّى رئاستها، وكان أيضًا عضوًا في هيئة تحرير مجلتها: مجلة الجمعية الطبية العربية لفلسطين، التي صدرت باللغتين العربية والإنكليزية مدة سبعة أعوام.

وفي عام 1949، عُيِّن رئيسًا للدائرة الصحية للاتحاد اللوثري العالمي في الأردن، وتمكَّن من إنشاء عدد من العيادات التابعة للاتحاد، في القدس وبيت جالا والخليل والطيبة والعيزرية.

وفي عام 1950، وبالتعاون مع وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والاتحاد اللوثري، أسَّس مستشفى أوغستا ڤيكتوريا (المَطلع) في جبل الطور بالقدس، وتولى إدارته حتى تقاعده في عام 1955.​

البحث العلمي والتأليف

أتقن كنعان خمس لغات، هي: العربية، والألمانية، والإنكليزية، والفرنسية، والتركية. وكان ناشطًا في مجالات التأليف والكتابة والتحرير، فنشر منذ عام 1905 أكثر من مئة مقالة علمية، في مجلات ودوريات طبية مرموقة باللغتين الألمانية والإنكليزية، وشارك ضمن فرق بحثية وطبية مختلفة في أنحاء متعددة من فلسطين.

وأسهم كنعان في الأبحاث التي أدت إلى تطوير علاجات لمرض الجذام، غير أن اهتمامه لم يقتصر على الطب المخبري والأبحاث الجرثومية فقط، بل امتد فشمل قضايا تتعلق بهويته الفلسطينية، فقد كتب ونشر كثيرًا من الدراسات التي تناولت جوانب من حياة الفلاحين في فلسطين، مسلطًا الضوء على التراث الشعبي (الفلكلور) والمعتقدات الغيبية، والطب الشعبي والعادات الزراعية، والجن والشياطين، وغيرها من المظاهر الثقافية التي كانت سائدة آنذاك.[4]

 مجال الأبحاث الطبية

كان المنشور الأول لكنعان مقالة طبية بعنوان "المعالجة الحديثة"، نُشِرت في مجلة المقتطف عام 1905، تلتها مقالة أخرى بعنوان "الموت أم الحياة"، صدرت بشكل مستقل في القدس[5]؛ ثم تبع ذلك أول عمل بحثي مطول له خارج الإطار الطبي، بعنوان "الزراعة في فلسطين"، نُشِر عام 1909 في المجلة الجغرافية الألمانية غلوبس (Globus​)، إذ ناقش فيه تدهور الزراعة في فلسطين آنذاك، موجّهًا نداءً إلى المجتمع الفلسطيني لإحياء الأراضي واستصلاحها. وتُعدّ هذه الدراسة أول منشور لكنعان بصفته باحثًا في الدراسات الشرقية، إلى جانب أنه طبيب.

في عام 1911، نشر كنعان أولى مقالاته الطبية الأساسية بعنوان "مرض التهاب السحايا في القدس"، "Cerebrospinal-Meningitis in Jerusalem"، في مجلة الكليّة، التابعة للكلية الإنجيلية السورية، وقد استعرض فيها نتائج تحاليله الميكروسكوبية في علم الجراثيم، بالتعاون مع الطبيب موشيه فالاخ (Moshe Wallach، 1866-1957)، مدير مستشفى شعاريه تسيدك (Shaare Zedek)[6].

لاحقًا، واصل كنعان إنتاجه العلمي بنشر كثير من الأبحاث الطبية في مجلات علمية مرموقة، تناولت موضوعات متعددة، مثل: الجذام في فلسطين، والتهاب السحايا (Meningitis)، والسل (Tuberculosis)، والليشمانيا (Leishmania)، وغيرها[7]. ورغم تخصصه في طب المناطق الحارة، فإن أبحاثه اتسمت بتنوع منهجي، إذ شملت دراسات ميكروسكوبية دقيقة، وأبحاثًا وبائية مقطعية، مثل دراسته: "الدمل الشرقي: دراسة وبائية في فلسطين"[8]؛ ودراسات طبوغرافية وبائية مثل: "دراسات طبوغرافية في اللشمانيا في فلسطين"[9].

التراث الشعبي الفلسطيني

علاوة على عمله الطبي، اهتم كنعان بعدة مجالات مرتبطة بالهوية الفلسطينية والتراث، وعلى رأسها الفلكلور والثقافة الشعبية، والمعتقدات التقليدية لدى الفلاحين، ولا سيما فيما يتعلق بالطب والعلاج الشعبي.

وقد بدأ إنتاجه العلمي في هذا الميدان عام 1913، حين نشرت مجلة جمعية فلسطين الألمانية (Zeitschrift des Deutschen Palästina-Vereins) مقالة له بعنوان: "التقويم عند الفلاحين الفلسطينيين"، تناول فيه العادات الزراعية المرتبطة بالأمطار والنباتات والحصاد، كما يستخدمها الفلاحون الفلسطينيون. وتبع ذلك إصداره لكتابه: الخرافات والطب الشعبي في أرض الكتاب المقدس (Aberglaube und Volksmedizin im Lande der Bibel)[10] (الصورتان 2).

وبعد عام 1914، ازداد إنتاج كنعان في مجال التراث الشعبي الفلسطيني، فنشر عددًا من المقالات في مجلةجمعية فلسطين الشرقية (Journal of Palestine Oriental Society (JPOS))، حيث شغل منصب عضو ثم أمين سر للجمعية، قبل أن يترأسها عام 1927. علاوة على ذلك، كان عضوًا في المدارس الأميركية للأبحاث الشرقية (The American Schools of Oriental Research)، وشارك بالكتابة في مجلتها.



في تلك المرحلة، تعمق اهتمام كنعان بالتراث الشعبي المرتبط بالمعتقدات الغيبية، فكرّس عددًا من مقالاته لدراسة المعتقدات العلاجية المتوارثة بين الفلاحين الفلسطينيين، وسكان المدن على حد سواء، وقد تناول في هذه الدراسات كثيرًا من مظاهر الخرافة الشعبية، مثل طاسة الرجفة (Tasit er Radjfe، وعاء يُستخدم لعلاج الأطفال من حالات الخوف أو الفزع وما تسببه من اضطرابات نفسية)[11]. وخصّ الأطفال كذلك بدراسة موسعة بعنوان: "الطفل في خرافات العرب الفلسطينيين"، "The Child in Palestinian Arab Superstition"[12] استعرض فيها حضور الطفل في الخرافات الشعبية، وتأثره بالأرواح والشياطين والحسد وغيرها من المعتقدات.

وتوّج كنعان هذه الجهود بإصدار كتابه المهم: الأولياء المسلمون والمقامات في فلسطين (Mohammedan Saints and Sanctuaries in Palestine)[13] (الصورة 4)، الذي زار في أثناء إعداده 23 مقامًا، وجمع معلومات دقيقة عن 348 مقامًا آخر، وقد شارك في حلقات ذكر وفعاليات دينية مرتبطة بموضوع الكتاب، ما أتاح له توثيقًا حيًّا لتلك الممارسات. في هذا العمل، يعرض كنعان ما جمعه من أماكن وآثار تُنسَب إلى من يعتقد الفلاحون أنهم أولياء يمتلكون قدرات خارقة، وتُطلَب بركاتهم للتداوي أو جلب النفع. ويسعى كنعان في كتابه إلى ربط هذه المعتقدات بجذورها الثقافية والتاريخية الممتدة، بعدِّها إرثًا فكريًّا عريقًا تطوّر شكله بتغيّر الأديان والعقائد، لكنه ظل ثابتًا في جوهره داخل الوجدان الشعبي.



وعلى الجانب الآخر، أولى كنعان اهتمامًا بالغًا لدراسات عن الشياطين والجن وأثرهما في الثقافة الشعبية، ونشر عدة دراسات في هذا المجال خلال عشرينيات القرن العشرين، منها عناوين مثل: "دراسة للشياطين في الفولكلور الفلسطيني"، "Palestinian Demonography"[14]، و"الشياطين بصفتها عاملًا مسببًا في الطب الشعبي"، "Demons as an Aetiological Factor in Popular Medicine"[15]، و"الينابيع المسكونة وشياطين الماء في فلسطين"، "Haunted Springs and Water Demons in Palestine"[16]، و"فك رموز التعاويذ العربية"، "The Decipherment of Arabic Talismans"[17]، وغيرها. تُوّجت بصدور كتابه: الإيمان بالشياطين في أرض الكتاب المقدس (Dämonenglaube im Lande der Bibel) [18]. وفي هذه الدراسات، سعى كنعان إلى تتبع جذور المعتقدات السائدة عن الجن والشياطين بين الفلاحين وسائر طبقات المجتمع الفلسطيني، رابطًا إياها بالحضارات والأديان المتعاقبة التي مرت على هذه المنطقة.

كذلك تناول كنعان الأدوار التي تنسبها الثقافة الشعبية إلى هذه الكائنات الغيبية، فيما يتعلق بالمرض وانتشاره وسبل علاجه، إذ اعتقد كثير من الفلاحين أن الأمراض انعكاسات لسيطرة أرواح شريرة أو قوى خفيّة. وضمن هذا السياق، جمع كنعان أكثر من 1400 تميمة وحجاب تُستخدَم في الطب الشعبي، وقد حصل عليها خلال جولاته في أنحاء فلسطين، إما بالشراء وإما بوصفها عربون امتنان من الفلاحين مقابل خدماته الطبية، التي أكسبته احترامًا ومكانة متميزة في مجتمعاتهم. وقد أهدت عائلته لاحقًا هذه المجموعة القيّمة إلى جامعة بيرزيت.

ونظرًا لاهتمام كنعان العميق بثقافة الفلاحين، فقد ارتبط إنتاجه العلمي بالعادات الزراعية والتراث المرتبط بالأرض، وهو مجال بدأ الكتابة فيه منذ عام 1909، وقد تطرق في عدد من أبحاثه إلى العلاقة الرمزية بين الفلاح والأرض والنباتات، موضحًا كيف تجلّت هذه العلاقة في الخرافات الشعبية، كما في دراسته: "معرفة النباتات في الخرافات الفلسطينية"، "Plant-lore in Palestinian Superstition"، التي نُشِرت في مجلة جمعية فلسطين الشرقية[19]؛ وأخرى تحت عنوان: "الماء و’ماء الحياة‘ في الخرافات الفلسطينية" "Water and ‘The Water of Life' in Palestinian Superstition"، التي نُشِرت أيضًا في المجلّة ذاتها عام 1929[20].

خلال سنوات دراسته الطويلة، كوَّن كنعان أرشيفًا ضخمًا عن التراث الشعبي الفلسطيني، والمعتقدات التي سادت بين مختلف فئات السكان، ورغم أن تركيزه الأساسي كان على حياة الفلاحين، فإن سكان المدن والبدو كانوا أيضًا حاضرين في دراساته، وقد ساعده في ذلك انخراطه في عدد من البعثات الأثرية الأوروبية، التي وفرت له فرصًا للتنقل والاحتكاك المباشر مع الناس، وجمع رواياتهم الشفوية. ومن أبرز مشاركاته في هذا السياق، انضمامه إلى بعثة أثرية في البتراء عام 1929، برئاسة جورج هورسفيلد (George Horsfield، 1882-1956)، مدير دائرة الآثار في شرق الأردن آنذاك، وقد أتاحت له هذه الرحلة الاطلاع على مصادر غنية باللغات الإنكليزية والألمانية والفرنسية، مع جمع معلومات من السكان البدو هناك. وقد نشر نتائج هذه التجربة في بحث بعنوان: "دراسات في الطبوغرافيا والفولكلور في البتراء"، "Studies in the Topography and Folklore of Petra"، في مجلة جمعية فلسطين الشرقية عام [21]1929.

ولم يقتصر اهتمام كنعان الفلكلوري على هذه الموضوعات فقط، بل شملت أبحاثه جوانب متعددة من الثقافة الشعبية الفلسطينية، منها: العمارة الريفية والحضرية، وبنية القبائل البدوية، وعدد من المعتقدات المرتبطة بالضوء والظلام والخبز، وغيرها من الرموز اليومية التي تحمل دلالات عميقة في الوعي الجمعي.​

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​الجوانب الاجتماعية

رغم انشغاله الكبير في العملَيْن الطبي والعلمي، لم يكن كنعان بعيدًا عن نبض المجتمع الفلسطيني، بل كان فاعلًا فيه، ومشاركًا في قضاياه بشكل مباشر، فقد تولى رئاسة جمعية الشبان المسيحية (YMCA) في القدس لثلاث دورات متتالية، واستمر ارتباطه بها بعد تقاعده بصفته رئيسًا فخريًّا. وإلى جانب نشاطه المجتمعي، أصدر عام 1931 في القدس كتابًا صغيرًا بعنوان: القوانين غير المكتوبة التي تؤثر في النساء العربيات في فلسطين (Unwritten Laws Affecting Arab Women inPalestine[22].



يتألف الكتاب من 32 صفحة، وقد ناقش ​فيه الأعراف والتقاليد التي تحكم حياة المرأة الفلسطينية، وقسّم هذه القوانين إلى فئتين: واحدة تسلب المرأة بعض حقوقها ومكانتها الاجتماعية؛ وأخرى تحميها وتصون ممتلكاتها وحياتها. وفي ختام دراسته، خلص إلى أن المرأة الفلسطينية رغم التحديات، تتمتع بمكانة مهمة في المجتمع، تكفل لها عددًا من الامتيازات التي يصونها العُرف المحلي.

كان كنعان وطنيًا مرتبطًا بقضايا الفلسطينيين وتحدياتهم، وناشطًا في الحركة الوطنية إبان النكبة وما سبقها من نضال ضد الاستعمار البريطاني، إذ نشر عام 1936 كتابَيْن باللغة الإنكليزية، هما: القضية العربية الفلسطينية (The Palestine Arab Cause)، والصراع في أرض السلام (Conflict in the Land of Peace). لم يُوجّه كنعان هذين الكتابَيْن إلى القارئ العربي، بل سعى من خلالهما إلى إيصال صوت الفلسطينيين إلى القارئ الغربي، وتقديم وجهة نظر محلية تخالف الرواية الرسمية البريطانية.


أدّى كنعان أيضًا دورًا مهمًا في المجال الطبي الوطني، ولا سيما من خلال الجمعية الطبية العربية لفلسطين، التي واصلت عملها في ظل الظروف السياسية الصعبة، ودرَّبت الكوادر المحلية على تقديم الرعاية الصحية في المدن والقرى، وسعت للتعاون مع مؤسسات دولية وإنسانية لتأمين الدعم اللازم[23]. ولم تكن نشاطات كنعان السياسية خالية من المخاطر، ففي عام 1939، اعتُقل هو وزوجته وشقيقته بتهمة الترويج للدعاية الألمانية، وسُجِن في سجن عكا مدة تسعة أسابيع قبل أن يُفرَج عنه. وفي عام 1948، شارك في تأسيس لجنة الإسعاف العليا، التابعة للجمعية الطبية العربية لفلسطين، التي تولّت مسؤولية استلام المساعدات وتوزيعها بالتنسيق مع الهيئة العربية العليا، في خضم النكبة وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشية في البلاد.

التقدير والأوسمة

حظي كنعان بتقدير واحترام كبيرَيْن من المجتمعَيْن الفلسطيني والأوروبي، وكان يُعدّ من أبرز الأطباء الذين قدّموا خدماتهم الطبية لعدد من الشخصيات الفلسطينية والعربية البارزة، من بينها: موسى كاظم الحسيني (1853-1934)، والشريف الحسين بن علي (1853-1931) الذي عاينه كنعان في عمّان إلى جانب عدد من الأطباء عام 1931[24]. نال كنعان عدة أوسمة تقديرًا لإسهاماته الطبية والعلمية، سواء في فلسطين أم في خارجها، وكان من أبرزها:

  1. وسام الهلال الأحمر (في أثناء الحرب العالمية الأولى).
  2. وسام الصليب الحديدي (في أثناء الحرب العالمية الأولى).
  3. وسام صليب القبر المقدس.
  4. وسام الشريط الأحمر، وقلّده إياه بطريرك الروم الأرثوذكس عام 1951.
  5. وسام صليب الاستحقاق الاتحادي من جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1951.

وفاته

تُوفّي كنعان عام 1964 عن عمر يناهز 84 عامًا، في جبل الطور بالقدس، بعد حياة حافلة وثرية بالإنجازات، ودُفِن في المقبرة اللوثرية في بيت لحم.

المراجع

العربية

العسلي، كامل جميل. مقدمة في تاريخ الطب في القدس: منذ أقدم الأزمنة حتى سنة 1918م. عمّان: عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية، 1994.

عوض، ريتا. "توفيق كنعان - أكاديميّون ومؤرّخون (1882-1964)". الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. في: https://acr.ps/1L9BPQg

كنعان، توفيق بشارة. "المعالجة الحديثة". المقتطف. مج 30، الجزء 5 (1 تشرين الأول/ أكتوبر 1905-2 شعبان 1323).

________. "طاسة الرجفة". مجلة جمعية فلسطين الشرقية. المجلد 3 (1923). ص 122-131.

________. "الطفل في خرافات العرب الفلسطينيين". مجلة جمعية فلسطين الشرقية. مج 7، العدد 4 (1927). ص 159-186.

الناشف، خالد. "توفيق كنعان: تقويم جديد". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 50 (ربيع 2002).

هيئة الموسوعة الفلسطينية. الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني: الدراسات الخاصة. بيروت: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1990.

الأجنبية

Batarseh, A. “Centering Place in Tawfiq Canaan’s Literary Cartography.” Journal of Palestine Studies. vol. 52, no. 3 (2023). pp. 7-22.

Canaan, Tewfik. “Cerebrospinal-Meningitis in Jerusalem.” al-Kulliyah. vol. 2 (1911). pp. 206-215.

________. “Demons as an Aetiological Factor in Popular Medicine.” al-Kulliyah. vol. 3, no. 5 (March 1912). pp. 150-154. [part 1].

________. “Demons as an Aetiological Factor in Popular Medicine.” al-Kulliyah. vol. 3, no. 6 (April 1912). pp. 183-190. [part 2].

________. Aberglaube und Volksmedizin im Lande der Bibel. Hamburg: Abhhandlungen des Hamburgischen Kolonial Institut, 1914.

________. “Haunted Springs and Water Demons in Palestine.” The Journal of the Palestine Oriental Society. vol. 1 (1920-1921). pp. 153-170.

________. “Palestinian Demonography.” The Parents' Review. vol. 37 (1926). pp. 718-723.

________. Mohammedan Saints and Sanctuaries in Palestine. Luzac’s Oriental Religions Series vol. V. London: Luzac & Co., 1927.

________. “Plant-lore in Palestinian Superstition.” The Journal of the Palestine Oriental Society. vol. 8 (1928). pp. 129-168.

________. “The Oriental Boil: An Epidemiological Study in Palestine.” Transactions of the Royal Society of Tropical Medicine and Hygiene. vol. 23, no. 1 (1929). pp. 89-94.

________. “Water and ‘The Water of Life' in Palestinian Superstition.” The Journal of the Palestine Oriental Society. vol. 9 (1929). pp. 57-69.

________. Dämonenglaube im Lande der Bibel. Leipzig: Hinrichs, 1929.

________. “Studies in the Topography and Folklore of Petra.” The Journal of the Palestine Oriental Society. vol. 9 (1929). pp. 136-218.

________. Unwritten Laws Affecting Arab Women in Palestine. Jerusalem: Printing and Stationary Office, 1931.

________. “The Decipherment of Arabic Talismans.” Berytus Archaeological Studies. vol. 4 (1937). pp. 69-110. [part 1].

________. “The Decipherment of Arabic Talismans.” Berytus Archaeological Studies. vol. 5 (1938). pp. 141-151. [part 2].

________. “Topographical Studies in Leishmaniasis in Palestine.” Journal Palestine Arab Medical Association. vol. 1, no. 1 (1945). pp. 4-12.

Nashef, Khaled. “Tawfik Canaan: His Life and Work.” Jerusalem Quarterly. no. 16 (2002).

Rabenau, Konrad V. “Die Schriften von Dr. Med. Taufik Canaan.” Zeitschrift Des Deutschen Palästina-Vereins. vol. 79, no. 1 (1963). pp. 1-7.

Schwake, Norbert. “Dr Tawfiq Canaan’s Photographic Album: The Great War in Palestine.” Jerusalem Quarterly. no. 56-57 (2014).

Tannous, Izzat. The Palestinians: A Detailed Documented Eyewitness History of Palestine under British Mandate. New York: I.G.T. Company, 1988.​

[1] هيئة الموسوعة الفلسطينية، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني: الدراسات الخاصة، الجزء الرابع، دراسات الحضارة (بيروت: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1990).

[2] Khaled Nashef, “Tawfik Canaan: His Life and Work,” Jerusalem Quarterly, issue 16 (2002);

ريتا عوض، "توفيق كنعان - أكاديميّون ومؤرّخون (1882-1964)"، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، شوهد في 23/3/2025، في: https://acr.ps/1L9BPQg

[3] Norbert Schwake, “Dr Tawfiq Canaan’s Photographic Album: The Great War in Palestine,” Jerusalem Quarterly, no. 56-57 (2014).

[4] A. Batarseh, “Centering Place in Tawfiq Canaan’s Literary Cartography,” Journal of Palestine Studies 52, no. 3 (2023), pp. 7-22.

[5] كامل جميل العسلي، مقدمة في تاريخ الطب في القدس: منذ أقدم الأزمنة حتى سنة 1918م (عمّان: عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية، 1994)، ص 253-265.

[6] خالد الناشف، "توفيق كنعان: تقويم جديد"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 50 (ربيع 2002)، ص 69-91؛

Tewfik Canaan, “Cerebrospinal-Meningitis in Jerusalem,” al-Kulliyah, vol. 2 (1911), pp. 206-215.

[7] Konrad V. Rabenau, “Die Schriften von Dr. Med. Taufik Canaan,” Zeitschrift Des Deutschen Palästina-Vereins, vol. 79, no. 1 (1963), pp. 1-7.

[8] T. Canaan, “The Oriental Boil: An Epidemiological Study in Palestine,” Transactions of the Royal Society of Tropical Medicine and Hygiene, vol. 23, no. 1 (1929), pp. 89-94.

[9] T. Canaan, “Topographical Studies in Leishmaniasis in Palestine,” Journal Palestine Arab Medical Association, vol. 1, no. 1 (1945), pp. 4-12.

[10] T. Canaan, Aberglaube und Volksmedizin im Lande der Bibel, vol. 20 (Hamburg: Abhhandlungen des Hamburgischen Kolonial Institut, 1914).

[11] توفيق كنعان، "طاسة الرجفة"، مجلة جمعية فلسطين الشرقية، المجلد 3 (1923)، ص 122-131.

[12] توفيق كنعان، "الطفل في خرافات العرب الفلسطينيين"، مجلة جمعية فلسطين الشرقية، مج 7، العدد 4 (1927)، ص 159-186.

[13] Tewfik Canaan, Mohammedan Saints and Sanctuaries in Palestine, Luzac’s Oriental Religions Series vol. V (London: Luzac & Co., 1927).

[14] Tewfik Canaan, “Palestinian Demonography,” The Parents' Review, vol. 37 (1926), pp. 718-723.

[15] Tewfik Canaan, “Demons as an Aetiological Factor in Popular Medicine,” al-Kulliyah, vol. 3, no. 5 (March 1912), pp. 150-154 [part 1]; Tewfik Canaan, “Demons as an Aetiological Factor in Popular Medicine,” al-Kulliyah, vol. 3, no. 6 (April 1912), pp. 183-190. [part 2].

[16] Tewfik Canaan, “Haunted Springs and Water Demons in Palestine,” The Journal of the Palestine Oriental Society, vol. 1 (1920-1921), pp. 153-170.

[17] Tewfik Canaan, “The Decipherment of Arabic Talismans,” Berytus Archaeological Studies, vol. 4 (1937), pp. 69-110 [part 1]; Tewfik Canaan, “The Decipherment of Arabic Talismans,” Berytus Archaeological Studies, vol. 5 (1938), pp. 141-151. [part 2].

[18] Taufik Canaan, Dämonenglaube im Lande der Bibel (Leipzig: Hinrichs, 1929).

[19] Tewfik Canaan, “Plant-lore in Palestinian Superstition,” The Journal of the Palestine Oriental Society, vol. 8 (1928), pp. 129-168.

[20] Tewfik Canaan, “Water and ‘The Water of Life' in Palestinian Superstition,” The Journal of the Palestine Oriental Society, vol. 9 (1929), pp. 57-69.

[21] Tewfik Canaan, “Studies in the Topography and Folklore of Petra,” The Journal of the Palestine Oriental Society, vol. 9 (1929), pp. 136-218.

[22] Tewfik Canaan, Unwritten Laws Affecting Arab Women in Palestine (Jerusalem: Printing and Stationary Office, 1931).

[23] الناشف.

[24] Izzat Tannous, The Palestinians: A Detailed Documented Eyewitness History of Palestine under British Mandate (New York: I.G.T. Company, 1988).




المحتويات

الهوامش