الموجز
تاج التراجم في تفسير القرآن للأعاجم كتابُ تفسيرٍ فارسي للقرآن الكريم، كتبه الفقيه الأصولي المتكلم أبو المظفر شاهفور بن طاهر الإسفراييني في عصر ازدهار المدارس النظامية.
يُعدّ هذا التفسير من أقدم التفاسير الفارسية الكاملة للقرآن، وعالج الإسفراييني فيه مسائل الفقه على المذهب الشافعي، وفي مسائل العقيدة على المذهب الأشعري. يتكون الكتاب من مقدمة تتناول فضل ترجمة القرآن ووجوبها عند الحاجة، وفضل القرآن وأهله. أما منهجه في التفسير، فيقوم على ترجمة معاني الآيات إلى الفارسية، ثم إتباع الترجمة بشرحٍ وتفسيرٍ لمعانيها.
التعريف بالمؤلف
هو أبو المظفر شاهفور بن طاهر بن محمد الإسفراييني الطوسي الشافعي المتوفى عام 471هـ/ 1078م. عُرف بوصفه فقيهًا أصوليًّا مفسرًا، ولا تذكر المصادر التي عنيت بترجمته تاريخ ميلاده، إلا أنها تذكر نشأته في نيسابور، ودراسته فيها، وسفره لطلب العلم. وكان للإسفراييني علاقة مصاهرة بعبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت. 429ه/ 1037م).
غلاف كتاب التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
عاش الإسفراييني في مرحلة قيام المدارس النظامية وازدهارها على يد الوزير نظام الملك الطوسي (ت. 485ه/ 1092م) الذي أسس تلك المدارس في عدد من حواضر العلم والحضارة آنذاك؛ لإحياء الفكر السُنيّ في مواجهة الفكر الشيعي بمذهبيه الإسماعيلي والاثنا عشري، في الدولة الفاطمية وحلفائها، فتحولت تلك المدارس بعد عدة سنين إلى جامعات وصروح علمية تُعنى بمختلف مجالات العلم[1].
وكانت نيسابور، موطن الإسفراييني، أول مدينة أُسست فيها المدرسة النظامية، وفيها حظي برعاية الوزير نظام الملك؛ فقد "ارتبطه [...] بطوس فأقام بها سنين، ودرس بها سنين، ودرس بها في العلوم، وأفاد الكثير واستفاد الناس منه"[2]، وفي أثناء ذلك ألّف كتبه، وصنف تفسيره الكبير المعروف بـتاج التراجم في تفسير القرآن للأعاجم على منهج أهل السنة، كما صنف في أصول الدين كتابه التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، وكتاب الأوسط، وغير ذلك من المصنفات. توفي الإسفراييني في طوس عام 471هـ/ 1078م.
التعريف بالكتاب
يُعدّ كتاب تاج التراجم أقدم تفسير كامل للقرآن الكريم باللغة الفارسية، وقد طُبع محققًا في إيران عام 1995، وتوجد نسخ مخطوطة من الكتاب في العديد من المكتبات في إيران وباكستان وتركيا، وغيرها من الدول[3].
يبدأ الإسفراييني كتابه بمقدمة يتطرق فيها إلى بعض مسائل العقيدة، ثم يتكلم عن اجتهاده في تأليف تفسير للقرآن الكريم باللغة الفارسية على منهج أهل السنة والجماعة، يتجنب فيه التأويلات المؤدية إلى التشبيه والتعطيل. ويقسم المؤلف مقدمته إلى أربعة فصول على النحو الآتي:
- فصل في بيان فضيلة ترجمة القرآن الكريم إلى لغات أخرى، ووجوب ذلك عند الحاجة.
- فصل في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في أصول الديانة.
- فصل في بيان أسماء الله سبحانه وتعالى.
- فصل في ترجمة بعض الروايات الواردة في بيان فضل القرآن وأهله[4].
ويرى الإسفراييني وجوب ترجمة القرآن الكريم إلى غير العربية في بعض الحالات، إذ يقول: "وقد رأوا وجوبها في بعض الحالات، فقد قال كثير من علماء أهل السنة والجماعة: ’إن من لا يستطيع قراءة فاتحة الكتاب وتعلمها عليه ترجمة الفاتحة ليصلي بها لأن قراءة الترجمة أولى من التسبيح‘ [...] وكذلك لو دعا إمام المسلمين طائفة من الكفار إلى الإسلام وطلب هؤلاء عرض القرآن عليهم وتوفير تفسيره لهم [...] فتجب ترجمته وإرسالها إليهم"[5].
وكان يردّ على مانعي ترجمة القرآن الكريم، فهو يرى أن اتفاق المسلمين على "جواز كتابة ما يجوز النطق به" دليل على كتابة ترجمة له، وأن ترجمته إلى غير العربية فرض كفاية قد تتحول إلى فرض عين في بعض الحالات، إلا أنه يعتقد أن ترجمة القرآن ليست بقرآن، ويَعدُّ ذلك غلوًّا؛ لأن "نظم القرآن معجز ونظم الترجمة ليس بمعجز، ولو كانت ترجمة القرآن قرآنًا لكان يجب أن تكون ترجمة الشعر شعرًا [...] وبما أن هذا محال فذلك أولى أن يكون محالًا"[6].
طريقة الإسفراييني في التفسير
يقدم الإسفراييني نبذة عن السور من حيث هي مكية أو مدنية قبل بدئه في التفسير، ويحدد وقت نزولها، ويذكر بعض الروايات الواردة في فضائل السورة - إن وجدت - إما نصًا بالعربية أو مترجمة إلى الفارسية.
والطريقة التي سار عليها في تفسيره هي ترجمة معاني آية أو عدة آيات إلى الفارسية أولًا، ويكتب ترجمة معاني هذه الآيات تحت الآية، ثم يبدأ في التفسير بالفارسية، وهو ما قد يستغرق عدة صفحات، وقد يكون موجزًا لا يتجاوز سطرًا أو عدة أسطر حسب ما يقتضي المقام، وقد يكتفي في بعض المواضع بترجمة الآيات إلى الفارسية دون تفسير أو شرح[7].
منهج الإسفراييني في التفسير
اعتنى الإسفراييني بالمأثور في تفسيره؛ أي تفسير القرآن بالقرآن والسنة والآثار المروية عن الصحابة؛ فلا يكاد يفسر آية دون أن يستعين في بيان المراد منها بآيات من القرآن وبعض الأحاديث والآثار[8].
وكان يهتم بقضايا العقيدة في تفسيره؛ فهو من كبار متكلمي الأشاعرة، وله كتابان في العقيدة والفِرق، إضافة إلى مواجهته للفكر الباطني والشيعي وغيرهما بداية قيام الدولة السلجوقية (1037-1194) وقد سلك في تفسيره مسلك الأشاعرة في تناوله لقضايا العقيدة، وقد مرّت - سابقًا - الإشارة إلى إفراده فصلًا في مقدمة تفسيره لمسائل العقيدة، وكان يعتني بالرد على الفِرق من خلال تفسيره، وهذا الموقف منه كان مثار إعجاب القاضي أبي بكر بن العربي (ت. 543هـ/ 1148م) الذي قال في معرض حديثه عن الفِرق مثنيًا عليه: "فهؤلاء اثنتان وسبعون فرقة كلهم على بدعة، أوضَحهم وعدَّدهم بمقالاتهم الشيخ الإمام أبو المظفر شاهفور [...] ليميز أهل السنة من أهل البدعة لكثرتهم"[9].
واهتم الإسفراييني في تفسيره بالمسائل الفقهية أيضًا، وإن كان اهتمامه بها أقل من قضايا العقيدة والفرق. ولأنه يتبع المذهب الشافعي في الفقه، فهو يكتفي بذكر الحكم الفقهي وفق مذهب الإمام الشافعي في تفسيره لآيات الأحكام دون بيان آراء المذاهب الفقهية الأخرى، إضافة إلى أنه يتجنب الخوض في تفاصيل المسائل الفقهية والخلافات حولها[10].
وللإسفراييني عناية بمباحث علوم القرآن وأصول التفسير في كتابه تاج التراجم؛ لذا فقد اهتم بذكر أسباب النزول، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، وذكر أسباب اختلاف المفسرين[11].
المراجع
الإسفراييني، أبو المظفر شاهفور بن طاهر. "تاج التراجم في تفسير القرآن للأعاجم". نسخة مرقومة (525) محفوظة في مكتبة كنج بخش في إسلام آباد في باكستان.
الداودي، شمس الدين محمد بن علي بن أحمد. طبقات المفسرين. تحقيق علي محمد عمر. ط 2. القاهرة: مكتبة وهبة، 1994.
عمر، فضل الهادي وزين محمد. "التفاسير باللغة الفارسية واتجاهاتها". أطروحة دكتوراه. كلية أصول الدين. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. الرياض. 1420هـ [2000م].
كسايى، نور الله. مدارس نظاميه وتاثيرات علمى واجتماعى آن. طهران: انتشلرات امير كبير، 1363ه [1944م].
[1] يُنظر: نور الله كسايى، مدارس نظاميه وتاثيرات علمى واجتماعى آن (طهران: انتشلرات امير كبير، 1363ه [1944م])، ص 69-70.
[2] شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي، طبقات المفسرين، تحقيق علي محمد عمر، ج 1، ط 2 (القاهرة: مكتبة وهبة، 1994)، ص 212.
[3] فضل الهادي وزين محمد عمر، "التفاسير باللغة الفارسية واتجاهاتها"، أطروحة دكتوراه، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1420هـ [2000م]، ص 81.
[4] يُنظر: أبو المظفر شاهفور بن طاهر الإسفراييني، "تاج التراجم في تفسير القرآن للأعاجم"، نسخة مرقومة (525) ومحفوظة في مكتبة كنج بخش في إسلام آباد في باكستان، الورقة 2.
[5] المرجع نفسه، الورقة 3.
[6] المرجع نفسه، الورقة 4. يُنظر: المرجع نفسه، الأوراق 11، 22، 161، 221.
[7] يُنظر: المرجع نفسه، الأوراق 49-51، 86-87، 202-203، 25-26، 537.
[8] عمر، ص 153-154.
[9] يُنظر: المرجع نفسه، ص 157-159.
[10] يُنظر: المرجع نفسه، ص 165-166.
[11] يُنظر: المرجع نفسه، ص 166-168.