الحراك الاجتماعي من المفاهيم المحورية في علم الاجتماع، يساعد على فهم ديناميات التغيُّر في المجتمعات الحديثة، وهو يشير إلى انتقال الأفراد أو الجماعات داخل البنية الطبقية، صعودًا أو نزولًا، بما يعكس مدى انفتاح المجتمع وتكافؤ الفرص فيه. ويُعَد هذا المفهوم حديثًا نسبيًا، إذ ارتبط بظهور المجتمعات الصناعية التي سمحت بتجاوز الوراثة الطبقية السائدة في المجتمعات التقليدية والإقطاعية.
تاريخيًا، أسهم عدد من المفكرين في بلورة المفهوم، فقد أسَّس بيتريم سوروكين (Pitirim Sorokin، 1889-1968) لدراسة الحراك بشكل علمي في كتابه الحراك الاجتماعي والثقافي (Social and cultural Mobility)، مميزًا بين الحراكَيْن الأفقي والرأسي، والحراك داخل الجيل الواحد وبين الأجيال والحراك الفردي والحراك الجماعي. أما ماكس فيبر (Max Weber، 1864-1920)، فأشار إلى التراتب الاجتماعي متعدد الأبعاد (طبقة، مكانة، حزب)، مبينًا أن الحراك لا يقتصر على الاقتصاد، بل يشمل المكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي. بينما رأى كارل ماركس (Karl Marx، 1818-1883) أن الحراك نتاج للصراع الطبقي والبنى الاقتصادية، عادًّا التحولات البنيوية أكثر أهميةً من الحراك الفردي. وقد أعاد بيير بورديو (Pierre Bourdieu، 1930-2002) تعريف الظاهرة من خلال مفاهيم رأس المال بمختلف أنواعه ومجالاته والهابتوس، ووضح كيف تُسهم البنى الثقافية والاجتماعية في إعادة إنتاج الطبقات. أما ريمون بودون، ففسَّر استمرار اللامساواة من خلال قرارات الأفراد "العقلانية" المختلفة، حسب خلفياتهم الاجتماعية. وقد قدَّم جون غولدثورب (John Goldthorpe، 1935-) أدوات كمية لقياس الحراك النسبي والمطلق، وطرح إريك أولين رايت (Erik Olin Wright، 1947-2019) فكرة "المواقع الطبقية المتناقضة"، التي تجمع خصائص طبقات مختلفة.
يتطوَّر الحراك الاجتماعي تبعًا للتحولات التاريخية والاقتصادية، فقد مثّلت الثورة الصناعية نقطة انطلاق للحراك الصاعد بفضل التعليم والعمل الصناعي، بينما عمَّقت العولمة في العصر الحديث التفاوتات الطبقية رغم توسيعها للفرص عبر الحدود. ويُصنّف علماء الاجتماع الحراك إلى أنواع: رأسي (صعودي أو هبوطي)، وأفقي بين الأجيال وداخل الجيل، علاوة على المطلق والنسبي، والذاتي مقابل الموضوعي، الذي يعكس الفارق بين الإدراك الشخصي والواقع الاجتماعي الفعلي.
وتُحدَّد مستويات الحراك بثلاث مجموعات من العوامل: الفردية (التعليم، والمهنة، والقدرات)؛ والهيكلية (الطبقة، والسياسات، والهجرة)؛ والثقافية (القِيَم، ودور الأسرة). كذلك يُشكِّل قياس الحراك تحديًا منهجيًا بسبب صعوبة جمع بيانات دقيقة، واختلاف معايير الطبقات بين المجتمعات.
أما في العالم العربي، فيبرز التعليم بوصفه محركًا رئيسًا للحراك، رغم ضعف جودته ومحدودية سوق العمل. وتؤثر التحوُّلات السياسية والاقتصادية كذلك، مثل الطفرات النفطية أو الأزمات، في أنماط الحراك. وتواجه المجتمعات العربية تحديات أبرزها البطالة، واللامساواة، وهشاشة الطبقة الوسطى، وتراجع الحراك الصاعد نتيجة تآكل فرص الصعود الاجتماعي.
المفهوم وتطوره التاريخي
المفهوم
ماكس فيبر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُعرف الحراك الاجتماعي بأنه حركة الأفراد أو الجماعات داخل نظام الطبقات الاجتماعية في مجتمع ما[1]، وقد تعني هذه الحركة خرق الحدود الطبقية، وتكون صعودًا أو هبوطًا في السُّلّم الاجتماعي، أو انتقالًا بين مواقع ذات مكانة متساوية. ومن المهم التمييز بين الحراك الاجتماعي والحراك المجالي الذي يشير إلى الهجرة أو التنقل المكاني للأفراد، فمع أن الحراك المجالي قد يؤدي إلى حراك اجتماعي (كأن ينتقل الفرد إلى منطقة تُوفّر له فرصًا أفضل)، فإنهما مفهومان متمايزان[2]. يتطلب الحراك الاجتماعي وجود بنية طبقية في المجتمع تسمح بهذا الانتقال، ما يجعله ظاهرة حديثة نسبيًا، مرتبطة بالمجتمعات التي تتميز بالدينامية والانفتاح، على عكس المجتمعات الإقطاعية التقليدية التي تتسم نسبيا بالجمود الطبقي[3].
يرتبط مفهوم الحراك الاجتماعي بانتقال الأفراد عبر المواقع المهنية، وحسب ريمون بودون (Raymond Boudon، 1934-2013)، تُخَص احتمالات الالتحاق بمختلف المستويات المهنية حسب الأصول الاجتماعية للأفراد[4]، ويُقصَد بذلك تحديد الحراك الاجتماعي داخل الجيل عند المقارنة بين مهنة الأبناء ومهنة الأبوَيْن، وإبراز ما إذا كانت مهنة الأبناء أعلى من مهنة الأبوَيْن أو مساوية لها، وفي هذه الحالة ثمة حراك صاعد، مع الأخذ في الحسبان تغيُّرات المهن حسب الأجيال.
رواد المفهوم
ريمون بودون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُعَد مفهوم الحراك الاجتماعي من المفاهيم المركزية في علم الاجتماع، وقد أسهم عدد من المفكرين الكبار في بلورته نظريًا ومنهجيًا. فيما يأتي أبرز هؤلاء الرُّوّاد:
- بيتريم سوروكين ومأسسة دراسة الحراك الاجتماعي: يُعَد عالم الاجتماع الروسي الأميركي بيتريم سوروكين أحد أبرز الرُّوّاد الذين صاغوا مفهوم الحراك الاجتماعي بشكل منهجي، في كتابه الحراك الاجتماعي والثقافي (Social and cultural Mobility)، حيث قدَّم تحليلًا شاملًا لأنماط الحراك،[5] ومُحدّداته وآثاره في الفرد والمجتمع. وقد ميَّز بين الحراكَيْن الأفقي والرأسي، والحراك الصاعد والحراك النازل، والحراك داخل الجيل وبين الأجيال، والحراك الفردي والحراك الجماعي، وهي تصنيفات لا تزال تُستخدم على نطاق واسع في الدراسات المعاصرة وقد وضع كذلك الأسس النظرية (كالمحددات البنيوية) التي مكَّنَت من دراسة الحراك الاجتماعي بوصفه مفهومًا قابلًا للقياس والتحليل العلمي، مؤكدًا أن الحراك ظاهرة عالمية، وإن اختلفت درجاته وأنماطه بين المجتمعات وعبر الفترات الزمنية المختلفة[6].
- ماكس فيبر والتراتب الاجتماعي متعدد الأبعاد: قدَّم فيبر تصوُّرًا أكثر تعقيدًا للتراتبية الاجتماعية، فقد فرَّق بين[7]:
- الطبقة (Class): بناءً على الموارد الاقتصادية.
- المكانة (Status): بناءً على السمعة ونمط الحياة.
- الحزب (Party): بناءً على النفوذ السياسي.
يتيح تمييزُ فيبر بين الطبقات وجماعات المكانة والأحزاب، تفسيرَ توزيع السلطة داخل المجتمع، وقد بيَّن أن العلاقات بينها ليست علاقات صراع وتناحر دائمًا، بل توجد أشكال من الترابط بين طبقات الامتلاك قد تسمح بحركية معينة (الطبقة العليا المالكة للرأسمال والطبقة الدنيا المالكة لقوة العمل)[8].
أما جماعات المكانة، فهي تلك التي تتميَّز بحظوظ الاستفادة من الشرف الاجتماعي، أو الهيبة والامتياز المرتبطَيْن بالمهنة أو الانتماء.. أما فيما يتعلق بالحزب، فهو تلك الجماعات ذات الأهداف أو المصالح الطبقية، التي تستخدم الوسائل كلها لبلوغ السلطة. وتُعَد مختلف علاقات الأفراد بالأحزاب أحد أشكال التراتب الاجتماعي[9].
- كارل ماركس والحراك البنيوي والصراع الطبقي: رأى ماركس أن الحراك الاجتماعي مرتبط بالصراع بين الطبقات، وأن التغيرات البنيوية في أنماط الإنتاج (مثل التصنيع والتكنولوجيا في قوة الإنتاج) تؤدي إلى حراك جماعي. ولم يُركِّز ماركس على الحراك الفردي (فهو يرى أن صعود أفراد أكفاء من الطبقة الدنيا إلى الطبقة العليا فيه دعم لقوتها القمعية)[10]، بل على التحوُّلات الهيكلية التي تعيد تشكيل المجتمع[11].
- فيلفريدو باريتو (Vilfredo Pareto، 1848-1923): يربط باريتو، منظّر تداول النخب، بين الحراك الاجتماعي والتغيّر الاجتماعي من خلال فكرة أن المجتمعات تتطور عبر دورات تتجدّد خلالها النخب القائدة والحاكمة: فعندما تصبح إحدى النخب فاسدة أو غير فعالة تظهر نخب جديدة، غالباً من الطبقات الدنيا، بفضل الكفاءات والقدرات والابتكار، مما يخلق حراكاً عموديا ضرورياً للبقاء وللديناميكية الاجتماعية، ومن أبرز المفاهيم التي استخدمها باريتو مفهوم نظرية النخب ومفهوم تداول النخب والحراك العمودي والدينامية الاجتماعية والمجتمع المنفتح وهو مجتمع ذو حركية تسمح بتجدد النخب وبصعود ذوي الجدارة والكفاءة، ومصدر التجديد في نظره هو الحركية الاجتماعية الصاعدة التي تمثل محرك التغير الاجتماعي عندما تصعد عناصر نخبوية جديدة من بين الطبقات الدنيا.[12]
- بيير بورديو ورأس المال والهابتوس (Habitus): أعاد بورديو تعريف الحراك من خلال مفهوم الحقل الاجتماعي (Social Field)، حيث يتحرّك الأفراد وفقًا لأشكال متعددة من رأس المال[13]:
- رأس المال الاقتصادي: الموارد المالية.
- رأس المال الثقافي: التعليم واللغة والذائقة.
- رأس المال الاجتماعي: الشبكات والعلاقات.
- رأس المال الرمزي: الجاه والاعتراف.
طرح أيضًا مفهوم الهابتوس، وهو نظام من الاستعدادات المُكتسَبة التي تُوجِّه أفعال الأفراد وتصوُّراتهم، بناءً على موقعهم في البنية الاجتماعية. ويعمل الهابتوس كذلك على إعادة إنتاج البنى الطبقية، إذ يُوجِّه الأفراد من الطبقات الدنيا نحو طموحات ومسارات تتوافق مع وضعهم الأصلي، ما يحدّ من حراكهم الصاعد، كما يمكن أن يحصل خلاف هذا مع أفراد من الطبقات العليا [14].
- ريمون بودون والمنهجية الفردية: قدَّم بودون نموذجًا تحليليًا مهمًا في كتابه لامساواة الفرص (L'inégalité des chances)، يُفسِّر فيه كيف أن القرارات العقلانية التي يتخذها الأفراد على المستوى الجزئي تؤدي إلى استمرار اللامساواة على المستوى الكلي. وهو يرى أن الأفراد من طبقات اجتماعية مختلفة يُجرون حسابات مختلفة للتكلفة والفائدة والمخاطرة عند اتخاذ قرارات تعليمية، فالطالب من أسرة متواضعة قد يرى أن تكلفة متابعة التعليم العالي ومخاطره تفوق الفوائد المحتملة، بينما يرى الطالب من أسرة ميسورة أن الإخفاق في الحصول على تعليم عالٍ يُمثِّل تراجعًا كبيرًا، ما يدفعه إلى مواصلة التعليم، حتى لو كانت نتائجه متواضعة[15]. بهذا، فإن مجموع الخيارات الفردية "العقلانية" يؤدي إلى إعادة إنتاج البنية الاجتماعية.
- جون غولدثورب والقياس الكمي للحراك: مثله مثل سوروكين، طوَّر غولدثورب أدوات كمية لدراسة الحراك، مثل جداول الحراك والنماذج اللوغاريتمية للتفريق بين[16]:
- الحراك المطلق: التغيُّر العام في البنية الاجتماعية.
- الحراك النسبي: مقارنة وضعية الفرد بأوضاع غيره من أفراد المجتمع.
- إريك أولين رايت والمواقع الطبقية المتناقضة: قدَّم رايت مفهوم المواقع الطبقية المتناقضة، مشيرًا إلى أن بعض الأفراد يشغلون مواقعَ تجمع بين خصائص طبقات مختلفة (مثل المديرين الذين يسيطرون على العمل لكنهم لا يملكون رأس المال)[17].
تطوره التاريخي
تطوَّر الحراك الاجتماعي بتطور المجتمعات نفسها، فغالبًا ما كانت هناك بعض أشكال الحراك -وإن كانت محدودة- التي ترتبط بالتغيُّرات السياسية الكبرى أو الفتوحات العسكرية[18]. وقد شكَّلت الثورة الصناعية في القرنَيْن الثامن عشر والتاسع عشر نقطة تحوُّل في أنماط الحراك الاجتماعي، إذ أدَّت إلى ظهور طبقات اجتماعية جديدة، مع توسُّع المدن وتزايد فرص العمل في المصانع والقطاعات الصناعية، ما أجبر أعدادًا أكبر من الأفراد على الانتقال من الريف إلى المدن، والتحوُّل من المهن الزراعية إلى الصناعية، ومن ثم تحقيق حراك اقتصادي ومهني لفائدة البروليتاريا الرثّة في المدن، ثم لفائدة الطبقة العاملة لاحقا[19]. وقد أسهمت التغيُّرات الاقتصادية والاجتماعية المترتّبة على الثورة الصناعية كذلك، في تزايد أهمية وظيفة التعليم بوصفه أداة رئيسة للحراك الصاعد، إذ أصبح الحصول على التعليم الجيد يفتح أبوابًا لمهن ذات مكانة أعلى ودخل أفضل[20].
وفي القرن العشرين، ومع تطوُّر الدول الحديثة وظهور أنظمة التعليم الشاملة، ازداد الاهتمام بدراسة الحراك الاجتماعي، بوصفه ظاهرة تعكس مدى العدالة وتكافؤ الفرص في المجتمعات[21]. وقد أظهرت الدراسات أن الحراك الاجتماعي ليس مجرد حركة فردية، بل هو نتاج تفاعل مُعقَّد بين العوامل الفردية (مثل التعليم والمهارة) والعوامل الهيكلية (مثل السياسات الحكومية، والفرص الاقتصادية، والبنية الطبقية للمجتمع)[22]. وبالنسبة إلى فيلفريدو باريتو ليس الحراك مجرد ظاهرة فردية، بل هو الآلية التي تضمن التجديد الدوري للنخب، وهو ما يضمن بدوره بقاء الأنظمة الاجتماعية من خلال السماح بصعود الأشخاص الأكفأ إلى طبقة النخبة بغض النظر عن أصولهم الاجتماعية.[23]
أما في الوقت المعاصر، ومع تسارع وتيرة العولمة والتغيُّرات التكنولوجية، أصبحت أنماط الحراك الاجتماعي أكثر تعقيدًا، فبينما فتحت العولمة آفاقًا جديدة للحراك عبر الحدود (الهجرة الدولية)[24]، فقد أدَّت أيضًا إلى تحديات جديدة، مثل تزايد عدم المساواة في بعض الدول، وتراجع الحراك الصاعد للطبقات الدنيا في دول أخرى[25].
هذا التطور المستمر في فهم الحراك الاجتماعي يعكس طبيعته الدينامية، وتأثره الدائم بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية[26].
أنواعه
يُصنِّف علماء الاجتماع الحراك الاجتماعي إلى عدة أنواع رئيسة، بناءً على اتجاه الحركة، ونطاقها الزمني، وطبيعة التغيُّر الحاصل، وتشمل:
- الحراك الرأسي (Vertical Mobility): يشير إلى حركة الصعود أو الهبوط للأفراد أو الجماعات ضمن السُّلّم الاجتماعي[27]، وهو النوع الأشيع عند الحديث عن الحراك الاجتماعي، وينقسم إلى[28]:
أ. الحراك الصاعد (Upward Mobility): يحدث عندما ينتقل الفرد أو المجموعة من مستوى فِئوي وطبقي أدنى إلى مستوى فِئوي وطبقي أعلى. على سبيل المثال، عندما يحصل شخص من خلفية متواضعة على تعليم عالٍ ويشغل منصبًا مرموقًا ومرتفع الدخل قياسًا بمهنة أبوَيْه، فإنه يكون قد حقَّق حراكًا اجتماعيًا صاعدًا. هذا النوع من الحراك غالبًا ما يرتبط بالفرص التعليمية، والمهارات المكتسبة، والتحوُّلات الاقتصادية التي تفتح آفاقًا جديدة.
ب. الحراك النازل (Downward Mobility): يحدث عندما يهبط الفرد أو المجموعة من مستوى طبقي أعلى إلى مستوى طبقي أدنى. ويمكن أن يَنتُج هذا النوع من الحراك من عوامل مثل الأزمات الاقتصادية أو فقدان الوظيفة، والتدهور الصحي، أو التغيُّرات السياسية التي تؤثر سلبًا في مكانة بعض الفئات. مثلًا، قد يفقد رجل أعمال ثروته ومكانته بسبب إفلاس شركته، ما يؤدي إلى انحداره في السُّلّم الاجتماعي.
- الحراك الأفقي (Horizontal Mobility): يتضمَّن انتقال الأفراد أو الجماعات بين أوضاع اجتماعية أو مهنية تقع في مستوى المكانة الاجتماعية نفسه، من دون حدوث تغيير جوهري في الوضع الطبقي. على سبيل المثال، إذا انتقل مهندس من شركة إلى أخرى بالمسمى الوظيفي والراتب نفسَيْهما، أو إذا غيَّر شخص مهنته من مُعلّم إلى محاسب بالمستوى التعليمي والدخل نفسَيْهما، فإن هذا يُعَد حراكًا أفقيًا. هذا النوع من الحراك يعكس التكيُّف مع الظروف المتغيرة، أو البحث عن فرص جديدة ضمن الشريحة الاجتماعية نفسها[29].
- الحراك بين الأجيال (Intergenerational Mobility): يُركّز هذا النوع من الحراك على التغيُّرات في الوضع الاجتماعي بين الأجيال المتعاقبة داخل الأسرة الواحدة، ويُقاس عادةً بمقارنة المكانة الاجتماعية للأبناء (من حيث التعليم والمهنة أو الدخل) بتلك التي كان عليها آباؤهم أو أجدادهم، فإذا حقَّق الأبناء مستوًى تعليميًا أو مهنيًا أعلى من آبائهم، فإنهم يكونون قد شهدوا حراكًا صاعدًا بين الأجيال. وعلى العكس، إذا كان وضع الأبناء أسوأ من آبائهم، فيُعَد ذلك حراكًا هابطًا بين الأجيال. ويُعَد الحراك بين الأجيال مؤشرًا مهمًا على مدى تكافؤ الفرص في المجتمع، وقدرته على توفير مسارات للتقدم الاجتماعي عبر الأجيال[30].
- الحراك داخل الجيل (Intragenerational Mobility): يتناول التغيُّرات في الوضع الاجتماعي، التي يمرُّ بها الفرد خلال حياته المهنية أو الشخصية. مثلًا، إذا بدأ شخص حياته المهنية في وظيفة بسيطة، ثم ترقَّى بالدبلوم أو المؤهلات التي يمتلكها تدريجيًا حتى أصبح مديرًا أو ممتلكًا لعمله الخاص، فإنه يكون قد حقَّق بذلك حراكًا صاعدًا داخل الجيل. وعلى النقيض، إذا تدهور وضع الفرد المهني أو الاقتصادي خلال حياته، فإن ذلك يُعَد حراكًا هابطًا داخل الجيل. هذا النوع من الحراك يعكس المسارات الفردية للتقدم أو التراجع، ويتأثر بعوامل مثل الخبرة، والتدريب المستمر، والظروف الاقتصادية العامة[31].
- الحراكان المطلق والنسبي (Absolute and Relative Mobility)[32]:
- الحراك المطلق (Absolute Mobility): يشير إلى التحسُّن العام في الظروف المعيشية أو الوضع الاجتماعي لمعظم أفراد المجتمع بمرور الوقت، نتيجة النمو الاقتصادي، والتقدُّم التكنولوجي، وتحسُّن الخدمات. مثلًا، إذا ارتفع متوسط الدخل في المجتمع عمومًا، وتحسَّنت مستويات التعليم والصحة للجميع، فإن هذا يعكس حراكًا مطلقًا. يعني ذلك أن الأفراد يعيشون حياة أفضل من الأجيال السابقة، حتى لو لم تتغير مكانتهم النسبية داخل المجتمع[33].
- الحراك النسبي (Relative Mobility): يقيس حركة الفرد مقارنة بأقرانه أو غيره من أفراد المجتمع. يُركِّز هذا النوع على مدى تغيُّر ترتيب الفرد في السُّلّم الاجتماعي مقارنة بالآخرين، وليس فقط تحسُّن وضعه العام. مثلًا، إذا كان شخص ما في أدنى 20 في المئة من توزيع الدخل في جيله، ثم انتقل إلى أعلى 20 في المئة، فهذا يُعَد حراكًا نسبيًا صاعدًا. الحراك النسبي هو المؤشر الأدق على تكافؤ الفرص، إذ يكشف ما إذا كانت الفرص متاحة للجميع للتقدُّم، بغض النظر عن خلفياتهم[34].
- الحراك الذاتي والحراك الموضوعي: من القضايا الرئيسة في دراسة الحراك، الفجوةُ بين المقاييس الموضوعية التي يستخدمها علماء الاجتماع (مثل مقارنة مهنة الأب والابن)، والتصورات الذاتية للأفراد عن مساراتهم، فإذا كان الحراك الموضوعي يقيس التغيُّرات الواقعية في الوضع السوسيو-اقتصادي للفرد في الزمان، قياسًا بوضع الأبوَيْن على مستوى المداخيل وطبقة الانتماء، فإن الحراك الذاتي معناه تصنيف الأفراد لذواتهم ومواقعهم، وإدراكهم للتغيُّرات المهنية التي تلحق بهم، فهم خاضعون لرغباتهم وتطلُّعاتهم ومرجعياتهم الخاصة. وهنا، يتعلق الأمر بالتعبيرات الخطابية التي تصف شروط العيش، وترمز إلى التصنيفات الذاتية التي يُحدد بها الفرد موقعه الاجتماعي ومساره وانتظاراته[35].
ويعود هذا التباين إلى أن الأفراد يستخدمون حزمةً أوسع من المعايير لتقييم حراكهم، تشمل:
- المسار المهني داخل الجيل: مقارنة وضعهم الحالي بوظائفهم السابقة.
- ظروف العمل: الأمان الوظيفي، والاستقلالية، وطبيعة المهمات.
- نمط الحياة: مستوى الدخل، والقدرة على التملُّك، وجودة السكن.
- مقارنات أسرية: وضعهم مقارنة بوضع الزوج/ الزوجة أو الإخوة.
لذا، فإن الحراك الذي يقيسه علماء الاجتماع ليس بالضرورة الحراكَ الذي يعيشه الأفراد ويشعرون به، ما يستدعي تكامل المقاربات الكمية والنوعية لفهم الظاهرة بعمق أكبر[36].
محدداته
يتأثر الحراك الاجتماعي بمجموعة معقدة من العوامل المتداخلة، التي يمكن تصنيفها إلى: عوامل فردية، وعوامل هيكلية ومجتمعية، وعوامل ثقافية. وهي عوامل تُسهم في تحليل أسباب تباين مستويات الحراك بين الأفراد والمجتمعات.
- العوامل الفردية: تتعلق العوامل الفردية بالخصائص والجهود الشخصية التي يبذلها الفرد لتحسين وضعه الاجتماعي، وتشمل:
- التعليم: يُعَد من أقوى مُحرّكات الحراك الاجتماعي الصاعد، فالحصول على درجات وشهادات تعليمية أعلى خاصة في التعليم الجامعي والتخصصي، يفتح الأبواب أمام فرص وظيفية أفضل، مع مداخيل أعلى ومكانة اجتماعية مرموقة، فالتعليم لا يُزوّد الأفراد بالمعرفة والمهارات فحسب، بل يمنحهم أيضًا رأس مال ثقافيًا، وشبكات اجتماعية تُسهم في تقدُّمهم. مع ذلك، فإن جودة التعليم وإمكانية الوصول إليه غالبًا ما تتأثران بالطبقة الاجتماعية الأصلية للفرد، ما يخلق تحديًا أمام تكافؤ الفرص[37].
- المهنة: يؤدي نوع المهنة التي يشغلها الفرد دورًا حاسمًا في تحديد مكانته الاجتماعية، فالتخصُّص المهني، وتوفُّر مجالات العمل في قطاعات معينة، يمكن أن يُسهما في الحراك المهني، ومن ثم الحراك الاجتماعي. فمثلًا، الانتقال من مهنة يدوية إلى مهنة تتطلب مهارات فكرية أو إدارية، يُعَد حراكًا مهنيًا صاعدًا[38].
- الذكاء والمواهب الفردية: على الرغم من صعوبة قياسها مباشرةً، فإن القدرات الفردية مثل الذكاء والموهبة والمثابرة والقدرة على التكيُّف، يمكن أن تُسهم في تحقيق حراك صاعد، ولا سيما في المجتمعات التي تُقدِّر الإنجاز الفردي[39].
- العوامل الهيكلية والمجتمعية: تتعلّق هذه العوامل بالبنية العامة للمجتمع والفرص المتاحة فيه، وهي تؤثر في مسارات الحراك بغض النظر عن الجهود الفردية، ومنها:
- الطبقة الاجتماعية وعدم المساواة في الثروة: تُعَد البنية الطبقية للمجتمع ومستوى عدم المساواة في توزيع الثروة والدخل من أهم المحددات الهيكلية للحراك الاجتماعي، ففي المجتمعات التي تعاني من فجوات طبقية واسعة ومستويات مساواة متدنية، يصبح الحراك الصاعد أصعب، ولا سيما بالنسبة إلى الأفراد من الطبقات الدنيا، فالأُسَر ذات الدخل المنخفض غالبًا ما تفتقر إلى الموارد اللازمة (مثل التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والشبكات الاجتماعية) لدعم أبنائها في تحقيق حراك صاعد[40].
- السياسات الاجتماعية والاقتصادية: تؤدي السياسات الحكومية دورًا محوريًا في تشكيل أنماط الحراك الاجتماعي، فسياسات التعليم، والرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، والإسكان وسوق العمل، يمكن أن تُعزّز فرص الحراك أو تُعيقها. مثلًا، الاستثمار في التعليم العام الجيد، وتوفير فرص العمل، ودعم الفئات المحرومة، عواملُ يمكن أن تسهم في زيادة الحراك الصاعد[41].
- الهجرة والتحوُّلات الديموغرافية: يمكن أن تكون الهجرة، سواء أكانت داخلية (من الريف إلى المدن) أم دولية، محركًا قويًا للحراك الاجتماعي، فغالبًا ما يبحث المهاجرون عن فرص اقتصادية وتعليمية أفضل، ما يمكن أن يؤدي إلى حراك صاعد لهم ولأجيالهم اللاحقة. كذلك فإن التحولات الديموغرافية، مثل التغيُّرات في مُعدّلات المواليد والوفيات، يمكن أن تؤثر في حجم الطبقات الاجتماعية، ومن ثم في فرص الحراك[42].
- التحوُّلات السياسية والاجتماعية الكبرى: يمكن للأحداث الكبرى مثل الثورات والحروب والأزمات الاقتصادية، والتغيُّرات في الأنظمة السياسية، أن تُحدِث تحوُّلات جذرية في البنية الاجتماعية، ما يفتح مسارات الحراك الاجتماعي أو يُغلقها، فبعض هذه التحوُّلات قد تؤدي إلى حراك صاعد سريع لفئات معينة، بينما قد تتسبَّب في حراك هابط لفئات أخرى[43].
هـ. دور المكانة والشبكات الاجتماعية ورأس المال الاجتماعي: تُعَد الشبكات الاجتماعية (الأفراد أو الهيئات أو التنظيمات التي تحكمها روابط اجتماعية) ورأس المال الاجتماعي (القيم والمعايير المشتركة) من العوامل المهمة التي تُعزّز إمكانات الحراك وتؤثر فيه[44].
- العوامل الثقافية: تؤثر القيم والمعتقدات الثقافية السائدة في المجتمع في ديناميات الأفراد والمجتمعات، وفي تصوّراتهم للحراك الاجتماعي، وفي مساراتهم، وتشمل:
أ. القيم والمعتقدات المجتمعية بشأن النجاح والإخفاق: تختلف المجتمعات في تقديرها للنجاح وتفسيرها للإخفاق، ففي بعض الثقافات، يُنظر إلى النجاح الفردي على أنه نتيجة للجهد والمثابرة (الجدارة)، ما يشجع على السعي نحو الحراك الصاعد؛ بينما في ثقافات أخرى، قد تُعزى المكانة الاجتماعية إلى عوامل خارجة عن إرادة الفرد، مثل القدر أو الانتماء العائلي، ما قد يحدُّ من طموحات الحراك[45].
ب. دور الأسرة في توفير الموارد والفرص: تؤدي الأسرة دورًا محوريًا في نقل رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي إلى الأبناء، فالأُسَر ذات الموارد الأكبر غالبًا ما تُوفر لأبنائها تعليمًا أفضل، وفرصًا للتدريب، وشبكات علاقات، ما يُعزز من فرص حراكهم الصاعد[46]. كذلك فإن أساليب التربية والتنشِئة الأسرية يمكن أن تؤثر في طموحات الأبناء، وقدرتهم على التكيُّف مع متطلبات الحراك[47].
تفاعُلُ هذه العوامل الفردية والهيكلية والثقافية، هو الذي يُحدد في النهاية مدى الحراك الاجتماعي الذي يمكن أن يحققه الأفراد والجماعات في أي مجتمع ونوعه.
قياسه
يُعَد قياس الحراك الاجتماعي مهمة معقدة تتطلب أدوات ومؤشرات دقيقة، نظرًا إلى تعدُّد متغيرات الظاهرة وأبعادها، وتداخل العوامل المؤثرة فيها. ويهدف القياس إلى تحديد مدى انفتاح المجتمعات وتكافؤ الفرص فيها، وفهم العوامل التي تسهم في تشكيل مسارات الأفراد والجماعات عبر السُّلّم الاجتماعي. ويعتمد الباحثون على مجموعة من المؤشرات والمتغيرات الرئيسة.
المؤشرات والمتغيرات المستخدمة في القياس
- الدخل والثروة: تُعَد مستويات الدخل والثروة من المؤشرات الأساسية لقياس الحراك الاقتصادي، فمقارنةُ دخل الأبناء بدخل آبائهم (للحراك بين الأجيال)، أو مقارنة دخل الفرد في مراحل مختلفة من حياته (للحراك داخل الجيل)، تُوفر صورة واضحة عن التغيُّرات في الوضع الاقتصادي. ومع ذلك، فإن الاعتماد على الدخل وحده قد لا يكون كافيًا، إذ إن الثروة (الأصول والممتلكات) تعكس تراكمًا رأسماليًا أكبر، وتُوفّر حماية ضد الصدمات الاقتصادية[48].
- المستوى التعليمي: يُعَد التعليم مؤشرًا قويًا للحراك الاجتماعي، نظرًا إلى دوره المحوري في تحديد الفرص المهنية والاقتصادية. يُقاس الحراك التعليمي بمقارنة المستوى التعليمي للأبناء بمستوى آبائهم، أو بمقارنة التغيُّر في المستوى التعليمي للفرد على مدار حياته، فالحصول على شهادات عليا أو تخصُّصات نادرة غالبًا ما يرتبط بحراك صاعد[49].
- الوضع المهني: تُعَد المهنة من المؤشرات الأكثر استخدامًا في دراسات الحراك الاجتماعي، فهي تعكس المكانة الاجتماعية، والدخل، ومستوى التعليم، والمهارات المطلوبة. تُصنَّف المهن عادةً إلى فئات (مثل المهن اليدوية، والمهن الفنية، والمهن الإدارية، والمهن الحرة) لتحديد مدى الانتقال بين هذه الفئات عبر الأجيال، أو داخل الجيل الواحد. وقد طوَّر علماء الاجتماع مقاييسَ معقدةً لتصنيف المهن بناءً على مكانتها الاجتماعية والاقتصادية[50].
التحديات المنهجية
يواجه قياس الحراك الاجتماعي عددًا من التحديات المنهجية التي يجب أخذها في الحسبان:
- صعوبة جمع البيانات الدقيقة والموثوقة: يتطلب قياس الحراك الاجتماعي بيانات شاملة وطويلة الأمد عن الأفراد والأسر، بما في ذلك معلومات عن الدخل والتعليم والمهنة، والخلفية الاجتماعية عبر الأجيال. ولئن كانت هذه البيانات قابلة للتوفير في البلدان المتقدّمة، فإنها غالبًا ما تكون غير متوفرة أو يصعب جمعها في الدول النامية[51].
- اختلاف تحديد معايير التصنيف الاجتماعي عبر الثقافات: لا يوجد تعريف عالمي مُوحَّد للطبقة الاجتماعية، إذ تختلف المعايير المستخدمة لتحديد الطبقات (مثل الدخل، والمهنة، والتعليم، والمكانة الاجتماعية أو الانتماء العائلي) من مجتمع إلى آخر، كما تختلف من مدرسة إلى أخرى من مدارس البحث الاجتماعي التي يلتزم بها الباحث أو الجهة الباحثة هذا الاختلاف يجعل المقارنات الدولية للحراك الاجتماعي صعبة ومُعقّدة[52].
- تعدُّد أبعاد الحراك: الحراك الاجتماعي ظاهرة متعددة الأبعاد، ولا يمكن اختزالها في متغيرات محدودة أو مؤشرات أحادية، فالفرد قد يُحقّق حراكًا صاعدًا في متغير واحد (مثل التعليم)، بينما يظل في المكانة نفسها في متغير آخر (مثل الدخل). هذا ما يتطلب استخدام مجموعة متنوعة من المؤشرات والتحليلات الشاملة[53].
- تأثير العوامل غير المادية: لا يقتصر الحراك الاجتماعي على الجوانب المادية (الدخل والمهنة)، بل يشمل أيضًا جوانبَ غير مادية، مثل رأس المال الاجتماعي وشبكات العلاقات والقيم ونمط الحياة. هذه الجوانب يصعب قياسها كميًا، ولكنها تؤدي دورًا مهمًا في تحديد المكانة الاجتماعية للفرد[54].
- التحيُّزات في جمع البيانات: قد تؤثر التحيُّزات في تصميم الاستبيانات أو في استجابات الأفراد في دقة البيانات المتعلقة بالحراك الاجتماعي، ما يتطلب تصميمًا دقيقًا للدراسات، وأساليبَ تحليل متقدمةً للتحقُّق من صحة النتائج[55].
على الرغم من هذه التحديات، فإن الجهود المبذولة في تطوير أساليب قياس الحراك الاجتماعي قد أسهمت في تعميق فهم هذه الظاهرة المعقدة، وتقديم رُؤًى قَيّمة لواضعي السياسات لتحسين فرص الحراك في المجتمعات المختلفة.
أنماطه واتجاهاته
تختلف أنماط الحراك الاجتماعي واتجاهاته بشكل كبير بين المجتمعات المختلفة وعبر الفترات الزمنية، متأثرة بعوامل اقتصادية وسياسية وثقافية، عالمية ومحلية.
الاتجاهات العالمية
شهدت كثير من الدول المتقدمة، ولا سيما في الغرب، تراجعًا في معدلات الحراك الاجتماعي الصاعد في العقود الأخيرة، على الرغم من النمو الاقتصادي العام[56]، ففي الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال، أظهرت دراسات حديثة أن فرص الحراك بين الأجيال قد تراجعت بشكل ملحوظ، وأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تَتّسع، ما يجعل من الصعب على الأفراد من الطبقات الدنيا تحقيق تقدُّم اجتماعي واقتصادي. يُعزى هذا التراجع إلى عدة عوامل، منها: تزايد عدم المساواة في الدخل والثروة، وتغيُّر طبيعة سوق العمل نحو وظائف تتطلب مهارات عالية أو وظائف ذات أجور منخفضة، وتراجع الاستثمار في التعليم العام والخدمات الاجتماعية[57].
أثَّرت العولمة والتغيُّرات التكنولوجية كذلك في أنماط الحراك، فبينما خلقت العولمة فرصًا جديدة للحراك عبر الحدود من خلال الهجرة الدولية، فقد أدَّت أيضًا إلى منافسة عالمية أثَّرت في أسواق العمل المحلية في بعض الدول. وقد أسهم التقدم التكنولوجي، ولا سيما الأتمتة والذكاء الاصطناعي، في تغيير متطلبات سوق العمل، ما يتطلب من الأفراد اكتساب مهارات جديدة باستمرار، للحفاظ على قدرتهم على الحراك[58].
في العالم العربي
عوامل الحراك في العالم العربي
للمجتمعات العربية، شأنها شأن مجتمعات أخرى إفريقية وآسيوية، خصوصيات تاريخية واجتماعية تؤثر في أنماط الحراك الاجتماعي فيها، فالبنى الاجتماعية التقليدية، ودور الأسرة والعشيرة، وتأثير العوامل الدينية والثقافية، كلها عواملُ تتفاعل مع التغيُّرات الاقتصادية والسياسية لتشكيل مسارات الحراك.
- تأثير التعليم: يُعَد التعليم في العالم العربي، كما هي الحال في كثير من المناطق الأخرى، محركًا رئيسًا للحراك الاجتماعي، فقد شهدت معظم الدول العربية توسُّعًا كبيرًا في التعليم خلال العقود الماضية، ما أتاح فرصًا غير مسبوقة لكثير من الأفراد لتحقيق حراك صاعد، من خلال الحصول على شهادات جامعية ووظائف حكومية. ومع ذلك، فإن جودة التعليم، وتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتزايد أعداد الخريجين العاطلين عن العمل، كلها تحديات تحُدُّ من فاعلية التعليم بوصفه محركًا للحراك في بعض الدول العربية[59].
- دور التغيُّرات السياسية والاقتصادية: شهدت المنطقة العربية تحوُّلات سياسية واقتصادية كبرى، مثل التحولات الاشتراكيةوالطفرات النفطية، وبرامج الإصلاح الاقتصادي، والاضطرابات السياسية من الحروب والاحتلالات والانتفاضات (مثل الربيع العربي)، وقد كان لها تأثير عميق في أنماط الحراك الاجتماعي. في بعض الفترات، أدَّت الطفرات الاقتصادية إلى فُرص حراك صاعد واسعة، بينما أدَّت الأزمات الاقتصادية والسياسية إلى تراجع الحراك وزيادة عدم المساواة[60]. وقد أظهرت بعض الدراسات أن الحراك الاجتماعي في كثير من الدول العربية شبه ثابت أو بطيء، وأن الفرص لا تزال تتأثر بشكل كبير بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية للفرد. وقد أكَّدت هذه الدراسات أن الشباب المتعلم الذي لم يجد فرص عمل لائقة، وأفراد الطبقة الوسطى الذين تآكلت مستويات معيشتهم، شكلوا القوة الدافعة الرئيسة للاحتجاجات. لقد كانت هذه التحرُّكات بمنزلة رد فعل على "ترييف" الطبقة الوسطى وتهميشها سياسيًا واقتصاديًا، إذ لم تعد الدولة قادرة على استيعاب طموحاتها[61].
- حجم الطبقة الوسطى ومستواها المعيشي: تشير الدراسات الكمية إلى أن الطبقة الوسطى في عينة من الدول العربية (الأردن، وتونس، ومصر، والمغرب، واليمن) تُشكّل غالبية السكان (نحو 79 في المئة في منتصف التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين)، ومع ذلك مستوى ثرائها محدود، فلا يختلف متوسط إنفاقها بشكل كبير عن المتوسط العام للمجتمع، ما يشير إلى هشاشتها الاقتصادية[62]. وقد شهدت الطبقة الوسطى العربية تحوُّلات عميقة، فبعد أن كانت المحرك الرئيس لمشروعات التنمية والاستقلال في مرحلة ما بعد الاستعمار، تعرَّضت لضغوط كبيرة بسبب سياسات الانفتاح الاقتصادي والتكيُّف الهيكلي منذ الثمانينيات. أدَّت هذه السياسات إلى تدهور دور الدولة في التوظيف والخدمات، وتزايد الفجوات الاجتماعية، ما وضع الطبقة الوسطى في حالة من الحراك الهابط أو الجمود الاجتماعي في كثير من البلدان[63].
تحديات الحراك في العالم العربي
تواجه المجتمعات العربية عددًا من التحديات التي تعيق الحراك الاجتماعي الإيجابي، منها:
- اللامساواة والبطالة: لا تزال الفجوات الكبيرة في الدخل والثروة والوصول إلى الخدمات الأساسية (مثل التعليم الجيد والرعاية الصحية)، تُشكِّل عائقًا أمام الحراك الصاعد، ولا سيما للفئات المهمشة. كذلك يحدّ ارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما بين الشباب والخريجين، من فرص الحراك المهني الاقتصادي، ويدفع كثيرًا من الأفراد إلى العمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم[64].
- الفساد والمحسوبية: تُؤثّر ظواهر الفساد والمحسوبية في تكافؤ الفرص، فيُمكن أن تَعتمد فرص العمل والتقدُّم على العلاقات الشخصية بدلًا من الجدارة والكفاءة، ما يعيق الحراك القائم على الإنجاز[65].
- صلابة البنيات التقليدية: في بعض المجتمعات، لا تزال البنى الاجتماعية التقليدية، مثل العشائرية والقبلية، تؤدي دورًا في تحديد المكانة الاجتماعية، ما قد يحدّ من الحراك القائم على الجدارة الفردية[66].
آثاره ونتائجه
لا يقتصر تأثير الحراك الاجتماعي على مجرد تغيير في المكانة الطبقية للفرد أو المجموعة، بل يمتد ليشمل آثارًا عميقة على المستويَيْن الفردي والمجتمعي. يمكن أن تكون هذه الآثار إيجابية أو سلبية، وتعتمد على طبيعة الحراك وظروفه:
على الفرد
- الرضا الوظيفي والصحة النفسية: غالبًا ما يرتبط الحراك الصاعد بزيادة الرضا الوظيفي، وتحسُّن الصحة النفسية، والشعور بالإنجاز والتقدير الذاتي، فالأفراد الذين يُحققون تقدُّمًا في حياتهم المهنية والاجتماعية يميلون إلى الشعور بمزيد من السعادة والاستقرار[67].
- الاندماج الاجتماعي: يمكن للحراك الصاعد أن يؤدي إلى اندماج الفرد في شبكات اجتماعية جديدة، واكتساب رأس مال اجتماعي جديد، ما يعزز الشعور بالانتماء والقبول في الطبقة الجديدة[68].
- التحديات النفسية والاجتماعية: على الرغم من الجوانب الإيجابية، فقد يواجه الأفراد الذين يمرون بحراك اجتماعي، ولا سيما الصاعد السريع، بعض التحديات، فقد يشعرون بالاغتراب عن بيئتهم الأصلية، أو يواجهون صعوبة في التكيُّف مع قِيَم الطبقة الجديدة ومعاييرها. كذلك فإن الحراك الهابط يمكن أن يؤدي إلى ضغوط نفسية كبيرة، وشعور بالإخفاق، وتدهور في الصحة النفسية[69].
على المجتمع
- الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية: يُعَد الحراك الاجتماعي الإيجابي مؤشرًا على مجتمع صحي دينامي، فالمجتمعات التي تُوفر فرصًا للحراك الصاعد تميل إلى أن تكون أكثر استقرارًا، حيث يشعر الأفراد بأن لديهم فرصة للتقدم بناءً على جهودهم. كذلك يسهم الحراك الصاعد في التنمية الاقتصادية، من خلال الاستفادة القصوى من المواهب والقدرات البشرية، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز الابتكار[70].
- تأثيره في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص: يعكس الحراك الاجتماعي مدى تحقُّق مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في المجتمع، فالمجتمعات التي تتميز بمعدلات حراك صاعد عاليةٍ غالبًا ما تكون أكثر عدالة، حيث لا تحدّ الخلفية الاجتماعية من إمكانات الفرد. وعلى العكس، فإن المجتمعات ذات الحراك المنخفض قد تعاني من تزايد التوترات الاجتماعية، مع الشعور بالظلم وتآكل الثقة في المؤسسات[71].
- الابتكار والتغيير الاجتماعي: يسهم الحراك الاجتماعي في تعزيز الابتكار والتغيير، فالأفراد الذين ينتقلون بين الطبقات يجلبون معهم وجهات نظر وخبرات متنوعة، ما يُغني المجتمع ويُحفّز على التفكير الإبداعي وحل المشكلات. كذلك يمكن أن يؤدي الحراك إلى تغيير في القيم والمعايير الاجتماعية، ما يسهم في تطوُّر المجتمع عمومًا[72].
المراجع
العربية
بدوي، أحمد موسى. تحولات الطبقة الوسطى في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013.
الطبقة الوسطى في الدول العربية. سلسلة جسر التنمية 103. الكويت: المعهد العربي للتخطيط، 2011.
الأجنبية
Aghion, Philippe, Richard Blundell & Xavier Jaravel. Innovation and Social Mobility: Two Sides of the Same Coin. London: Social Mobility Commission, 2024.
Arafeh, Nur. “Economic Injustice is Anchoring Itself in the Arab World.” Carnegie Middle East Center. 2/2/2024. at: https://acr.ps/1L9BP3d
Blanden, Jo, Paul Gregg & Stephen Machin. “Intergenerational Mobility in Europe and North America.” CEP Discussion Paper no. 671. Centre for Economic Performance. London School of Economics. London. 2005.
Boudon, Raymond. La sociologie comme science. Paris : La Découverte, 2010.
Bourdieu, Pierre. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Richard Nice (trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984.
Breen, Richard & Jan O. Jonsson. “Inequality of Opportunity in Comparative Perspective: Recent Research on Educational Attainment and Social Mobility.” Annual Review of Sociology. vol. 31 (2005). pp. 223-243.
Breen, Richard. “Educational Expansion and Social Mobility in the 20th Century.” Social Forces. vol. 89, no. 2 (2010). pp. 365-388.
Busino, Giovanni. “La science sociale de Vilfredo Pareto.” Revue européenne des sciences sociales, vol. 46, no. 140 (2008).
Cammett, Melani. A Political Economy of the Middle East. 4th ed. New York: Routledge, 2015.
Castles, Stephen, Hein de Haas & Mark J. Miller. The Age of Migration: International Population Movements in the Modern World. 5th ed. New York: Guilford Press, 2014.
Chetty, Raj et al. “Where Is the Land of Opportunity? The Geography of Intergenerational Mobility in the United States.” Quarterly Journal of Economics. vol. 129, no. 4 (2014). pp. 1553-1623.
Driouchi, Ahmed & Alae Gamar. “The Gap between Educational & Social Intergenerational Mobility in Arab Countries.” Munich Personal RePEc Archive. 24/9/2016. at: https://acr.ps/1L9BPjB
Duru-Bellat, Marie & Annick Kieffer. “Objective/Subjective: The Two Facets of Social Mobility.” Sociologie du travail. vol. 50 (2008). pp. e1–e18.
Erikson, Robert & John H. Goldthorpe. The Constant Flux: A Study of Class Mobility in Industrial Societies. Oxford: Clarendon Press, 1992.
Esping-Andersen, Gøsta. The Three Worlds of Welfare Capitalism. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990.
Fahed-Sreih, Josiane (ed.). Corruption – New Insights. [n. p.]: IntechOpen, 2022.
Falcon, Julie & Dominique Joye. “Social Mobility.” in: Alex C. Michalos (ed.). Encyclopedia of Quality of Life and Well-Being Research. Cham: Springer, 2024.
Fillieule, Renaud. “L’Inégalité des chances: apports théoriques, réponses aux critiques et postérité.” Revue européenne des sciences sociales. vol. 56, no. 2 (2018). pp. 65-83.
Ganzeboom, H. B. G. & Donald J. Treiman. “Internationally Comparable Measures of Occupational Status for the 1988 International Standard Classification of Occupations.” Social Science Research. vol. 25, no. 3 (1996). pp. 201-239.
Gerth, H. & C. Wright Mills (eds.). From Max Weber: Essays in Sociology. New York: Oxford University Press, 1946.
Goldthorpe, John H. Social Mobility and Class Structure in Modern Britain. 2nd ed. Oxford: Clarendon Press, 1987.
________. On Sociology: Numbers, Narratives, and the Integration of Research and Theory. Oxford: Oxford University Press, 2000.
________. On Sociology. 2nd ed. Stanford, CA: Stanford University Press, 2007.
Heidenreich, Martin. Territorial and Social Inequalities in Europe. Cham: Springer, 2022.
Jetten, Jolanda & Kim Peters (eds.). The Social Psychology of Inequality. Cham: Springer, 2019.
Kim, Taewon et al. “The Myth of Social Mobility: Subjective Social Mobility and Mental Health.” The Counseling Psychologist. vol. 51, no. 3 (2023). pp. 395-421.
Levine, Dave, Sachin Katti & Dave Oran (eds.). Proceedings of the Twelfth ACM Workshop on Hot Topics in Networks. New York: ACM, 2013.
Marx, Karl & Friedrich Engels. The Communist Manifesto. Samuel Moore (trans.). London: Penguin Classics, 2002.
Massa, Patrick. “Marx et la mobilité sociale.” Master’s thesis. Université Paris Nanterre. Paris. 2011.
Merle, P. “‘Classes sociales’, ‘groupes de statut’, ‘partis’: Une analyse systémique des stratifications sociales wébériennes.” Site DGESCO SES-ENS. at: https://acr.ps/1L9BORp
Milanovic, Branko. Global Inequality: A New Approach for the Age of Globalization. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016.
Munoz, Ercio & Roy van der Weide. “Intergenerational Income Mobility Around the World: A New Database.” Research Working Paper no. 11166. World Bank Policy (July 2025).
National Collaborating Centre for Mental Health. Mental Health Problems and Social Mobility: A Systematic Review. London: 2021.
OECD. A Broken Social Elevator? How to Promote Social Mobility. Paris: 2018.
Pareto, Vilfredo. Traité de sociologie générale. Genève: Droz, 1968.
Parsons, Talcott & Robert F. Bales. Family, Socialization and Interaction Process. Glencoe, IL: Free Press, 1955.
Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon & Schuster, 2000.
Richardson, John G. (ed.). Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York: Greenwood Press, 1986.
Sanderson, Michael. Education, Economic Change and Society in England 1780-1870. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
Sen, Amartya. The Idea of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2009.
Sidani, Yusuf & Jon Thornberry. “Nepotism in the Arab World: An Institutional Theory Perspective.” Business Ethics Quarterly. vol. 23, no. 1 (2013). pp. 69-96.
Smith, Mark K. “Pierre Bourdieu on Education: Habitus, Capital, and Field. Reproduction in the Practice of Education.” Infed. 11/8/2025. at: https://acr.ps/1L9BPv3
“Social Mobility.” Lumen Learning. at: https://acr.ps/1L9BPdR
Sorokin, Pitirim A. Social Mobility. New York: Harper & Brothers, 1927.
________. Social and Cultural Mobility. Glencoe, IL: The Free Press, 1959
Stearns, Peter N. The Industrial Revolution in World History. 4th ed. Boulder, CO: Westview Press, 2013.
The Institute for Justice and Reconciliation (IJR). “Physical Mobility and Social Mobility: Selected Findings from the 2015 SARB Survey.” 14/11/2016. at: https://acr.ps/1L9BOUD
Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Guenther Roth & Claus Wittich (eds.). Berkeley: University of California Press, 1978.
World Economic Forum. The Global Social Mobility Report 2020: Equality, Opportunity and a New Economic Imperative. Geneva: 2020.
Wright, Erik Olin. Class Counts: Comparative Studies in Class Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
[1] Pitirim A. Sorokin, Social Mobility (New York: Harper & Brothers, 1927), pp. 3-11.
[2] The Institute for Justice and Reconciliation (IJR), “Physical Mobility and Social Mobility: Selected Findings from the 2015 SARB Survey,” 14/11/2016, at: https://acr.ps/1L9BOUD
[3] “Social Mobility,” Lumen Learning, accessed on 28/11/2025, at: https://acr.ps/1L9BPdR
[4] Raymond Boudon, La sociologie comme science (Paris : La Découverte, 2010), pp. 27-48.
[5]Pitirim A. Sorokin, Social and Cultural Mobility (Glencoe, IL: The Free Press, 1959), pp 133-163
[6] Ibid., pp. 543-550.
[7] Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, Guenther Roth & Claus Wittich (eds.), vol. 1 (Berkeley: University of California Press, 1978), pp. 926-939.
[8] P. Merle, “‘Classes sociales’, ‘groupes de statut’, ‘partis’: Une analyse systémique des stratifications sociales wébériennes,” Site DGESCO SES-ENS, accessed on 28/11/2025, at: https://acr.ps/1L9BORp
[9] Max Weber, “Class, Status, Party,” in: H. Gerth & C. Wright Mills (eds.), From Max Weber: Essays in Sociology (New York: Oxford University Press, 1946), pp. 180-195.
[10] Patrick Massa, “Marx et la mobilité sociale,” Master’s thesis, Université Paris Nanterre, Paris, 2011.
[11] Karl Marx & Friedrich Engels, The Communist Manifesto, Samuel Moore (trans.) (London: Penguin Classics, 2002), pp. 45-52.
[12] Vilfredo Pareto, Traité de sociologie générale (Genève: Droz, 1968).
[13] Pierre Bourdieu, Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste, Richard Nice (trans.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984), pp. 101-115, 265-280.
[14] Mark K. Smith, “Pierre Bourdieu on Education: Habitus, Capital, and Field. Reproduction in the Practice of Education,” Infed, 11/8/2025, accessed on 28/11/2025, at: https://acr.ps/1L9BPv3
[15] Renaud Fillieule, “L’Inégalité des chances: apports théoriques, réponses aux critiques et postérité,” Revue européenne des sciences sociales, vol. 56, no. 2 (2018), pp. 65-83.
[16] John H. Goldthorpe, Social Mobility and Class Structure in Modern Britain, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 1987), pp. 3-25, 120-145.
[17] Erik Olin Wright, Class Counts: Comparative Studies in Class Analysis (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), pp. 15-35, 120-140.
[18] Ibid., pp. 71-75.
[19] Peter N. Stearns, The Industrial Revolution in World History, 4th ed. (Boulder, CO: Westview Press, 2013), pp. 87-94.
[20] Michael Sanderson, Education, Economic Change and Society in England 1780-1870, 2nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), pp. 112-118.
[21] Richard Breen, “Educational Expansion and Social Mobility in the 20th Century,” Social Forces, vol. 89, no. 2 (2010), pp. 365-388.
[22] John H. Goldthorpe, On Sociology, vol. 2, 2nd ed. (Stanford, CA: Stanford University Press, 2007), pp. 101-110, 145-152.
[23]Giovanni Busino. “La science sociale de Vilfredo Pareto.” Revue européenne des sciences sociales, vol. 46, no. 140 (2008), p 113.
[24] Stephen Castles, Hein de Haas & Mark J. Miller, The Age of Migration: International Population Movements in the Modern World, 5th ed. (New York: Guilford Press, 2014), pp. 272-278.
[25] Branko Milanovic, Global Inequality: A New Approach for the Age of Globalization (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016), pp. 129-134.
[26] Goldthorpe, Social Mobility and Education in Britain.
[27] Sorokin, pp. 171-172.
[28] Ibid., pp. 463-470.
[29] Ibid., pp. 185-190.
[30] Ibid., pp. 254-266.
[31] Ibid., pp. 254-262.
[32] Jo Blanden, Paul Gregg & Stephen Machin, “Intergenerational Mobility in Europe and North America,” CEP Discussion Paper no. 671, Centre for Economic Performance, London School of Economics, London, 2005.
[33] Julie Falcon & Dominique Joye, “Social Mobility,” in: Alex C. Michalos (ed.), Encyclopedia of Quality of Life and Well-Being Research (Cham: Springer, 2024), pp. 6123-6127.
[34] Ibid, pp. 210-212.
[35] Marie Duru-Bellat & Annick Kieffer, “Objective/Subjective: The Two Facets of Social Mobility,” Sociologie du travail, vol. 50 (2008), pp. e1–e18.
[36] Ibid.
[37] Blanden, Gregg & Machin, op. cit.
[38] Martin Heidenreich, Territorial and Social Inequalities in Europe (Cham: Springer, 2022), pp. 247-287.
[39] Harry B. G. Ganzeboom & Donald J. Treiman, “Internationally Comparable Measures of Occupational Status for the 1988 International Standard Classification of Occupations,” Social Science Research, vol. 25, no. 3 (1996), pp. 201-239.
[40] Richard Breen & Jan O. Jonsson, “Inequality of Opportunity in Comparative Perspective: Recent Research on Educational Attainment and Social Mobility,” Annual Review of Sociology, vol. 31 (2005), pp. 223-243.
[41] Gøsta Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990), pp. 141-146.
[42] Castles, de Haas & Miller, op. cit.
[43] Goldthorpe, Social Mobility and Education in Britain, pp. 145-150.
[44] Robert D. Putnam, Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community (New York: Simon & Schuster, 2000), pp. 319-325.
[45] Martin V. Day & Susan T. Fiske, “Understanding the Nature and Consequences of Social Mobility Beliefs,” in: Jolanda Jetten & Kim Peters (eds.), The Social Psychology of Inequality (Cham: Springer, 2019), pp. 365-382.
[46] Pierre Bourdieu, “The Forms of Capital,” in: John G. Richardson (ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (New York: Greenwood Press, 1986), pp. 241-258.
[47] Talcott Parsons & Robert F. Bales, Family, Socialization and Interaction Process (Glencoe, IL: Free Press, 1955), pp. 35-40.
[48] OECD, A Broken Social Elevator? How to Promote Social Mobility (Paris: 2018).
[49] Breen & Jonsson, op. cit.
[50] Ganzeboom & Treiman, op. cit.
[51] Breen & Jonsson, op. cit.
[52] John H. Goldthorpe, On Sociology: Numbers, Narratives, and the Integration of Research and Theory (Oxford: Oxford University Press, 2000), pp. 151-156.
[53] Robert Erikson & John H. Goldthorpe, The Constant Flux: A Study of Class Mobility in Industrial Societies (Oxford: Clarendon Press, 1992), pp. 35-39.
[54] Bourdieu, “The Forms of Capital”.
[55] Z. Zhang et al., “On the Validity of Geosocial Mobility Traces,” in: Dave Levine, Sachin Katti & Dave Oran (eds.), Proceedings of the Twelfth ACM Workshop on Hot Topics in Networks (New York: ACM, 2013), pp. 1-7.
[56] Ercio Munoz & Roy van der Weide, “Intergenerational Income Mobility Around the World: A New Database,” Research Working Paper no. 11166, World Bank Policy (July 2025).
[57] Raj Chetty et al., “Where Is the Land of Opportunity? The Geography of Intergenerational Mobility in the United States,” Quarterly Journal of Economics, vol. 129, no. 4 (2014), pp. 1553-1623.
[58] World Economic Forum, The Global Social Mobility Report 2020: Equality, Opportunity and a New Economic Imperative (Geneva: 2020), pp. 4-13.
[59] Ahmed Driouchi & Alae Gamar, “The Gap between Educational & Social Intergenerational Mobility in Arab Countries,” Munich Personal RePEc Archive, 24/9/2016, accessed on 28/11/2025, at: https://acr.ps/1L9BPjB
[60] Melani Cammett, A Political Economy of the Middle East, 4th ed. (New York: Routledge, 2015).
[61] أحمد موسى بدوي، تحولات الطبقة الوسطى في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013).
[62]الطبقة الوسطى في الدول العربية، سلسلة جسر التنمية 103 (الكويت: المعهد العربي للتخطيط، 2011).
[63] بدوي، مرجع سابق.
[64] Nur Arafeh, “Economic Injustice is Anchoring Itself in the Arab World,” Carnegie Middle East Center, 2/2/2024, accessed on 28/11/2025, at: https://acr.ps/1L9BP3d
[65] Yusuf Sidani & Jon Thornberry, “Nepotism in the Arab World: An Institutional Theory Perspective,” Business Ethics Quarterly, vol. 23, no. 1 (2013), pp. 69-96.
[66] Muaath Sulaiman Al Mulla, “Nepotism and Corruption: A Descriptive and Analytical Study in the Reality of Kuwaiti Society,” in: Josiane Fahed-Sreih (ed.), Corruption – New Insights ([n. p.]: IntechOpen, 2022).
[67] National Collaborating Centre for Mental Health, Mental Health Problems and Social Mobility: A Systematic Review (London: 2021).
[68] Putnam, pp. 219-225.
[69] Taewon Kim et al., “The Myth of Social Mobility: Subjective Social Mobility and Mental Health,” The Counseling Psychologist, vol. 51, no. 3 (2023), pp. 395-421.
[70] OECD, pp. 20-24.
[71] Amartya Sen, The Idea of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2009).
[72] Philippe Aghion, Richard Blundell & Xavier Jaravel, Innovation and Social Mobility: Two Sides of the Same Coin (London: Social Mobility Commission, 2024).