السلع العامة (Public Goods)، ويُطلق عليها أحيانًا السلع المجانية أو السلع الاجتماعية، من المفاهيم الأساسية للنظرية الاقتصادية، وتؤدّي دورًا حاسمًا في بلورة السياسات العامة، وتخصيص الموارد بأشكالها كافة؛ إضافةً إلى أنها ركيزة أساسية لسياسات الرفاه الاجتماعي. وتستمدّ السلعة العامة، سواء كانت سلعةً ملموسة أم خدمة، تسميتها من نطاق الاستفادة والانتفاع بها، باعتبارها متاحةً للعموم. فالسلع العامة بمفهومها الأساسي هي تلك التي تصبح، عند توفرها، متاحةً للجميع من دون القدرة على استثناء أي فرد من الاستفادة منها، حتى وإن لم يسهموا في دفع تكاليفها. كما أن استفادة أحدهم منها لا تمنع أو تحد من استفادة الآخرين في الوقت ذاته. ومن الأمثلة على ذلك: خدمات الأمن العام، وإنارة الطرق، والحدائق العامة، والقوانين والتشريعات المحلية، والاستقرار الاقتصادي.
تطور المفهوم
لمفهوم السلع العامة جذور تاريخية عميقة، تمتد إلى أعمال الفلاسفة القدماء. فالفيلسوف اليوناني أفلاطون (427-347 ق.م.) تطرّق إلى مزايا ملكية الممتلكات المشتركة والانتفاع المشترك منها وسلبياتها. فبحسب أفلاطون، ينبغي أن تُشارَك السلع والخدمات ذات الاستخدام والانتفاع الجماعي، مثل التعليم والدفاع، بين جميع المواطنين. وقد طوّر أرسطو بدوره هذه الأفكار، وأكّد على أن المياه النظيفة والهواء هما مصادر جماعية ينبغي على الجميع حمايتهما من أجل مصلحة المجتمع. وبناء عليه، تُقدم الأسس الفلسفية القديمة، التي انبثقت من أعمال أفلاطون وأرسطو، لمحات مبكّرة عن مفهوم السلع العامة وخصائصها الأساسية[1].
بالإضافة إلى الفلاسفة القدماء، أدّى الاتّجاريون في العصور الوسطى المبكرة دورًا في بلورة مفهوم السلع العامة من دون تسميتها؛ إذ كانت معتقداتهم تركّز على أهمية تدخّل الحكومة في الشؤون الاقتصادية. واعتُرِف على نطاق واسع بضرورة وجود بنية تحتية متطوّرة لتعزيز التجارة والتوسّع الاقتصادي، كأن تتولّى الحكومات تشييد الطرق والقنوات والموانئ، بهدف تيسير الأعمال التجارية[2].
ومن منظور المدرسة الاشتراكية، تُعد السلع والخدمات العامة أدواتٍ جوهرية لضمان تحقيق المساواة والحرية والرفاه لجميع أفراد المجتمع، باعتبارها حقوقًا أساسية وليست سلعًا تخضع لقوانين السوق. ويرى الاشتراكيون أن الخدمات والسلع الأساسية، مثل الرعاية الصحية الشاملة، والتعليم، ورعاية الأطفال، والنقل، والسكن والبنية التحتية، يجب أن تضطلع الدولة بتوفيرها لكي تكون متاحة للجميع، بغض النظر عن مستوى الدخل أو الوضع الاجتماعي، وذلك لضمان حياة كريمة متساوية الفرص. أما عندما تكون الأسواق الخاصة غير قادرة على خدمة المصلحة العامة وتوفير هذه السلع والخدمات أو غير راغبة في ذلك، فإن اضطلاع الدولة بمسؤوليتها في ذلك هو ليس مجرد خيار، بل ضرورة حتمية، خاصة في القطاعات الأساسية ذات البعد الاجتماعي التي إما يهملها رأس المال الخاص بسبب ضعف الربحية، وإما يوفرها لكن وفقًا لترتيبات احتكارية، وهو طرح مبني على قناعة بأن قوى السوق وحدها لا يمكن أن تضمن الوصول الشامل والعادل إلى السلع والخدمات العامة، وبناءً عليه، يصبح اضطلاع الحكومة بمسؤوليتها أمرًا ضروريًّا[3].
في أواخر القرن التاسع عشر، قدّم الاقتصادي ألفريد مارشال (Alfred Marshall، 1842-1924) إسهامات كبيرة في فهم الوفورات الخارجية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلع العامة؛ إذ اعترف مارشال بأن أنشطةً اقتصادية معيّنة تولّد تأثيرات خارجية في المجتمع، تشمل آثارًا إيجابية وسلبية. وهذه الآثار الخارجية، مثل التلوث أو فوائد الصحة العامة، لا تتفاعل مع اعتبارات التوازن في الأسواق الخاصة[4]. ولذلك أسّست بدورها لنقاشات لاحقة عن السلع العامة ودور التدخل الحكومي. وبعدها جاء الاقتصادي آرثر سيسيل بيغو (Arthur Cecil Pigou، 1877-1959) وقدّم تصوّرات أوسع عن مفهوم الوفورات الخارجية[5].
بعد سلسلة التطورات المفاهيمية للسلع العامة وتداخلاتها السياساتية والسياسية، أدّى الاقتصادي بول سامويلسون (Paul A. Samuelson، 1915-2009) دورًا محوريًا في تشكيل مفهوم السلع العامة في الاقتصاد الحديث، وقدّم لها تعريفًا واضحًا يميزها فيه بخاصيتين متلازمتين؛ عدم الاستبعاد وغير المزاحمة. وقد عرّف عدم الاستبعاد بصعوبة استبعاد الأفراد من الاستفادة من السلعة العامة بمجرد توفيرها، وعرّف خاصية غير المزاحمة بأن استهلاك طرف ما للسلعة العامة لا يُقلّل من مدى توفّرها للآخرين[6]. وانطلاقًا من هذا التأطير المميّز للسلع العامة من غيرها من السلع، توسّعت إسهامات سامويلسون وأصبحت مدخلًا أساسيًا لصنّاع السياسات والاقتصاديين، خصوصًا في ما يتعلق بأهمية التدخل الحكومي في مجالات مختلفة، كالدفاع الوطني، والصحة العامة، والتعليم، والبحث العلمي، والتي تندرج في إطار مفهوم السلع العامة.
الخصائص
للسلعة العامة خصائص غير متوفّرة في بقيّة المجموعات السلعية؛ فهي، إضافة إلى أنها متاحة للعموم، تتميّز في أنها:
- غير قابلة للاستبعاد: فالسلع العامة، ملموسةً كانت أو خدمةً، يستحيل أو يصعب من الناحية العملية استثناء أحد من استهلاكها أو الانتفاع بها. فمجرد توفّرها يجعل من الممكن بالنسبة إلى الجميع الاستفادة منها، حتى وإن لم يسهموا في توفيرها أو دفع ثمنها؛ وهو ما يجعلها غير قابلة للتداول وفقًا لقواعد
السوق الخاصة الاعتيادية. فعلى سبيل المثال، تشمل خدمة الأمن والدفاع، عند توفّرها في دولة أو منطقة ما، أفرادَ المجتمع كافة، ولا يمكن حرمان أي شخصٍ أو أية مجموعةٍ من الاستفادة منها؛ وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطرق العامة التي لا يمكن تقييد المركبات التي تسير عليها، إضافة إلى الهواء، وغيرها من
السلع والخدمات ذات النفع العام.
- غير مزاحمة: وهي الخاصية الأساسية الثانية الملازمة لخاصية عدم القابلية للاستبعاد، وتعني أن الانتفاع من سلعة أو خدمة عامة لا يحول دون انتفاع الآخرين منها. فاستفادة الشخص من خدمة الأمن والبث التلفزيوني العام، على سبيل المثال، لا تحرم شخصًا آخر من الاستفادة منها بشكل متزامن[7].
علاوة على ذلك، يُفترض في السلعة العامة أن تكون متوفرةً بالقدر الذي يجعلها متاحةً للجميع بالتساوي، على الرغم من أن درجة الانتفاع منها قد لا تكون متساوية في ما بينهم، فهي على الأغلب متباينة. كما أن الانتفاع من السلعة العامة في أغلب الأحيان يكون مرتبطًا بالانتفاع من سلعة خاصة. فعلى سبيل المثال، متابعة قناة تلفزيونية عامة يتطلّب امتلاك جهاز تلفزيون، والانتفاع بطريق عام يتطلب امتلاك مركبة؛ والتلفزيون والمركبة سلع خاصة، وهكذا[8].
في المقابل، لا تنطبق هذه الخصائص على السلع الخاصة (Private Goods)؛ فهي قابلة للاستبعاد، بمعنى أنه يمكن تقييد الوصول إلى هذه السلع أو استبعاد أولئك الذين لا يدفعون ثمنها. وهي أيضًا مزاحمة، وهذا يعني أنه عندما يستهلك شخص ما وحدة من السلعة الخاصة، لا يستطيع شخص آخر الاستفادة منها من دون موافقته، ويقلّل ذلك أيضًا من مدى توفّر تلك السلعة للآخرين. فعلى سبيل المثال، يمنع صاحب متجر الملابس الأشخاصَ من الحصول على أية قطعة من معروضاته من دون دفع ثمنها؛ فهي إذن قابلة للاستبعاد، وشراء قطعة من الملابس يمنح حصرية الانتفاع لمشتريها، ويقلل المتاح منها في المتجر.
النوع الآخر من المجموعات السلعية هو السلع النادية (Club Goods)، وهي نوع من السلع يمكن استبعاد الآخرين من استخدامها، ولكنها غير مزاحمة. إذ يمكن استبعاد من لا يدفع ثمنها من الاستفادة منها، إلا أن استخدام شخص لها أو جهة ما لا يحول دون استفادة الآخرين منها. فعلى سبيل المثال، لا يمكن لغير المشتركين في نادٍ رياضي استخدام مرافقه (قابلة للاستبعاد)، وفي الوقت نفسه، لا يحول استخدام مشترك لمرافِقِه دون استفادة مشترك آخر منها (غير مزاحمة).
أما السلع المشتركة (Collective Goods)، فهي تمثل في الغالب الموارد الطبيعية المشتركة بين مجموعة من الأشخاص والمستفيدين، ويصعب استثناء أحدٍ من الانتفاع بها والاستفادة منها (غير قابلة للاستبعاد)؛ إلا أنها مزاحمة، بمعنى أن انتفاع شخص منها يقلّل من المتاح منها للآخرين. ويوضح الجدول الآتي طبيعة السلع الاقتصادية، وفق خاصيَّتي الاستبعاد والمزاحمة:
[الجدول 1] طبيعة السلع الاقتصادية
| قابلة للاستبعاد
| غير قابلة للاستبعاد |
|---|
مزاحمة |
السلع الخاصة أمثلة: الملابس، المواد الغذائية، المركبات الخاصة |
السلع المشتركة أمثلة: الثروة السمكية في المياه الإقليمية، المواقف العامة |
غير مزاحمة |
السلع النادية أمثلة: الأندية الرياضية بالاشتراك، المدارس الخاصة، مواقف السيارات بالأجرة |
السلع العامة أمثلة: الدفاع، المعرفة العلمية العامة، إضاءة الطرق
|
المصدر:
Vincent Ostrom & Elinor Ostrom, “Public Goods and Public Choices,” in: Emanuel S. Savas (ed.), Alternatives for Delivering Public Services: Toward Improved Performance (New York: Routledge, 1977), pp. 7-49.
وعلى نحوٍ أوسع نطاقًا من السلع العامة التقليدية التي تتميز بعدم القابلية للاستبعاد، وعدم المنافسة في حدود كيان سياسي أو منطقة جغرافية معينة، تتمتع السلع العامة العالمية (Global Public Goods) بهذه الخصائص على نطاق عالمي، نحو ما يأتي:
- عدم إمكانية الاستبعاد، أي إنه من الصعب منع الأفراد أو البلدان الاستفادة منها أو الانتفاع بها.
- غير مزاحمة، إذ إن استهلاك طرف لها في بلد ما لا يقلّل من توفّرها أو فوائدها للآخرين في بلدان أخرى. ومن الأمثلة على السلع العامة العالمية حماية البيئة، مثل: التعامل مع التغير المناخي أو الحفاظ على التنوع البيولوجي؛ فالدولة التي تكافح انبعاثات الكربون تولّد منفعةً لدول العالم كافة. ومن الأمثلة الأخرى على هذه السلع العامة العالمية مبادرات الصحة العالمية (مثل مكافحة الأوبئة)، ومنظومة الاستقرار المالي العالمي، والسلام والأمان الدوليين. وغالبًا ما يتطلب توفير السلع العامة العالمية وتمويلها التعاونَ الدولي والتنسيق بين الدول والمنظمات الدولية والجهات غير الحكومية، بسبب طبيعتها العابرة للحدود؛ ما يجعلها اعتبارات حاسمة لمعالجة التحديات المشتركة، وتحسين مستويات الرفاهية في جميع أنحاء العالم. وقد ينحسر نطاق السلعة العامة وحدودها وانطباق خصائصها في إقليم أو تكتل سياسي او اقتصاد معين؛ وفي هذه الحالة يُطلق عليها السلعة الإقليمية، وهي أقرب في هذه الحالة إلى السلع النادية. فعلى سبيل المثال، تُعَدّ الحماية التي يوفّرها حلف شمال الأطلسي (الناتو) سلعة عامة للبلدان الأعضاء فيه، كما أن الاستقرار المالي والنقدي اللذين يستهدفهما
ميثاق الاستقرار والنمو {{ميثاق الاستقرار والنمو: هو اتفاقية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تلزمهم بقواعد مالية محددة، للحدّ من عجز الموازنة إلى ما دون نسبة 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الدين العام إلى ما دون 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بغرض ضمان الانضباط المالي داخل الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي.}} (Stability and Growth Pact) يعدّ سلعة عامة بالنسبة إلى دول
الاتحاد الأوروبي[9].
التدخل الحكومي في السلع العامة
بحكم طبيعتها، تُطرح دومًا مسألة تمويل السلع العامة والنظام التحفيزي المرافق لها. وفي العموم، تموّل الدولة السلعة العامة، وكذلك تموّلها الإسهامات الطوعية، كما هو الحال مثلًا مع
المنظمات الخيرية، إضافة إلى الشركات والمنظمات الخاصة عندما يكون ممكنًا ربط المصلحة العامة بمنتجات أخرى تسمح بتمويلها، كما هو الحال مثلًا مع خدمة التلفزيون، التي توفّرها الدولة (القنوات العمومية)، أو الشركات الخاصة التي تموّل إنتاج هذه السلعة العامة عن طريق بثّ الإعلانات[10].
إن مسألة الراكبين المجَّانيّين، أو المستفيدين بالمعية (Free Riders Problem)، هي مشكلة أساسية تنشأ في سياق توفير السلع العامّة، وتتمحور في إمكانية الاستفادة من هذه السلع من دون الحاجة إلى دفع مقابلها أو الإسهام في توفيرها. ويكمن مصدر هذه الإشكالية في عدم إمكانية استبعاد أحدٍ من الاستفادة من هذه السلع، وفي الوقت نفسه عدم تأثر المتوفّر والمتاح منها بعدد المستفيدين منها؛ أي إن استفادة أي طرف أو شخص منها لا يحول دون استفادة الآخرين وانتفاعهم (غير مزاحمة)[11].
يكمن دور هاتين الخاصيّتين في بلورة مسألة الركوب المجاني في طبيعة الحوافز التي تنشأ عنها. فصعوبة استثناء أي طرف أو فرد من الاستفادة منها عند توفّرها (أو استحالته، في حالة السلع العامة البحتة)، يثبّط بشكل كبير من الاستعداد لدفع ثمنها. وإذا قرّر الجميع، أو حتى جزء منهم، الامتناع عن دفع ثمنها، فقد لا تُوَفَّر، وإذا قرر البعض الإسهام في تمويل تكاليفها، فسيجدون أنفسهم يدعمون الآخرين من الراكبين المجّانيّين الذين يصعب استثناؤهم من الاستفادة من السلعة في حال توفيرها.
وبناء عليه، تنشأ مشكلة الركّاب المجّانيين لأن المستفيدين والمنتفعين من السلعة يتولّد لديهم حافز للتهرّب من الدفع أو الإسهام في تكاليفها، لأنه بإمكانهم ببساطة الاستفادة منها من دون قيد أو شرط. فإذا قرّر أحد الأفراد دفع تكاليف توفير السلعة، يمكن حينئذ للجميع في المجتمع الاستفادة منها، بما في ذلك الذين لا يدفعون.
ومثال على ذلك خدمة الدفاع الوطني التي تُعَدُّ المثال الكلاسيكي على السلع العامة، على فرض أن الحكومة لم توفّر هذه الخدمة لمواطنيها وقرّرت منشأة خاصة تولّي ذلك. وفي ظل إدراك المواطنين أهمية هذه الخدمة، أسهم جانب منهم بالدفع فيها، ولكنّ الجزء الآخر منهم عزف عن ذلك لإدراكه أنه سيستفيد منها مجرّد توفّرها. وفي المحصلة، لن تكون إسهامات الملتزمين بالدفع قادرةً على توفير هذه الخدمة على الوجه المطلوب، وهو ما قد يتسبّب بعزوف الملتزمين بالدفع عن الاستمرار بالإسهام في ذلك لعدم توفّر هذه الخدمة في المستوى المأمول، وإدراكهم أن غيرهم يستفيدون منها من دون الإسهام في تكاليفها.
وعلى فرض وجود إمكانية لاستبعاد غير المساهمين من الانتفاع بالسلعة العامة، كما هو ممكن مثلًا في البث التلفزيوني لقناة معينة، فإن حصرَ مشاهدتها بالمشتركين فيها سينجم عنه حرمان الآخرين من ذلك، في الوقت الذي لا يرتّبون فيه أية كلفة إضافية على القناة. بمعنى أن الكلفة الحديّة لمشاهدة مشاهدين إضافيين المحطة تساوي الصفر؛ وهو ما ينجم عنه نقص غير ذي كفاءة في الانتفاع من الخدمة.
من هنا، يحدّد الاقتصاديون نوعين من الإشكالات التي تترتّب على إخضاع السلع العامة لآليات السوق الاعتيادية، وفشلها في الوصول بها إلى التوازنات المنصفة، وهو ما يُطلق عليه
قصور السوق {{قصور السوق: هو وضعٌ تعجز فيها السوق الحرة عن تخصيص الموارد بكفاءة، سواء بسبب العوامل الخارجية، أو السلع العامة، أو الاحتكارات، أو عدم تناسق المعلومات، أو عوامل أخرى، ما يؤدي إلى نتائج اقتصادية غير مثالية أو غير منصفة.}} (Market Failure) يتمثل الأول بنقص العرض (Undersupply) الذي يتحقق في حال انطباق صفتي عدم إمكانية الاستبعاد وغير المزاحمة على السلعة، بينما يتمثل الثاني بضعف الاستهلاك (Underconsumption) الذي ينجم عن إضفاء صفة الاستبعاد على السلع غير المزاحمة[12].
أضاف الاقتصادي ريتشارد موسغراف (Richard Musgrave، 1910-2007) بدوره حالةً أخرى مسببة قصور السوق يمكن أن تتحقق في حال أصبحت فيه السلعة العامة محلًّا للمزاحمة في ظل غياب إمكانية الاستبعاد. ولتوضيح هذه الحالة، يستشهد موسغراف بمثال عن الطريق العام الذي يعاني من الازدحام، والحيّز المتاح لمزيد من المركبات محدود للغاية، أي الذي ينطبق عليه خاصية المزاحمة. ولتطبيق قواعد الكفاءة الاقتصادية على هذه الحالة لتحديد المركبات التي باستطاعتها الاستفادة من الحيّز المتاح على الطريق العام، يتوجب أن يكون ذلك على أساس قدرة سائق المركبة على دفع المقابل الأكبر؛ لأن تطبيق ذلك يتوقف على إمكانية استبعاد المركبات التي لا يستطيع سائقوها دفع ذلك المقابل. وبما أن إمكانية الاستبعاد المفترضة صعبة من الناحية الفنية ومكلفة ماليًّا، فإن ذلك يعني صعوبة تطبيق قواعد السوق التوازنية، أي انطباق حالة قصور السوق[13].
تُعَدُّ الوفورات الخارجية مبرِّرًا آخر لاضطلاع الحكومات بدور فاعل في توفير السلع العامة. فاعتبارات السوق الاعتيادية تعتمد على نظرة المستهلكين للمنافع الشخصية المرتبطة باستهلاك السلعة، ونظرة المنتجين إلى الكُلَف التي يتحمّلونها في إنتاج السلعة، إلا أن تجاهل المنافع والتكاليف الأخرى المرتبطة بإنتاج السلع واستهلاكها، وهي ما يطلق عليها بالوفورات الخارجية، سيَحول دون تحقيق الكفاءة الاقتصادية الفضلى. فعلى سبيل المثال، عند تجاهل المنافع التي يجنيها المجتمع كله نتيجة التعليم، فإن ذلك يؤدّي إلى ضعف الاستثمار في التعليم؛ والذين يتلقّون المطاعيم الوقائية يحمون غيرهم في المجتمع من العدوى (وفورات خارجية إيجابية)، بينما يشكّل الذين لا يتلقونها مصدرًا للوفورات الخارجية السلبية. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التدخّل الحكومي ضروريًا للتعاطي مع الوفورات الخارجية، وضمان توجيه الاستثمارات والاستهلاك بطريقة فعالة.
ولعل السلع العامة بطبيعتها وخصائصها تعد من أكثر الحالات التي تدعم منطلق المدرسة الاشتراكية الذي يرى ضرورة اضطلاع الدولة بدور محوري في عملية التخطيط وتوجيه الموارد وتوفير السلع والخدمات؛ فالمدرسة الاشتراكية تُدرج مجموعة أوسع من السلع والخدمات ضمن مفهوم السلع العامة، وترى أن خدمات مثل الرعاية الصحية الشاملة، والتعليم، ورعاية الأطفال، والنقل، والسكن، لا ينبغي أن تُعامل بصفتها سلعًا خاضعة لقوانين السوق، بل بصفتها حقوقًا أساسية متاحة للجميع بغض النظر عن الدخل أو الوضع الاجتماعي. ويعكس هذا النموذج التزامًا بتقليل عدم المساواة من خلال تقديم سلع عامة تعمل على تحسين مستويات المعيشة وتقليل انعدام الأمن الاقتصادي.
الإشكالات المرتبطة بالمفهوم
- القصور الحكومي وعدم كفاءة التخصيص: يشير النقّاد الاقتصاديون إلى أن الإجراءات الحكومية التي غالبًا ما تكون ضرورية لتوفير السلع العامة، تواجه أيضًا تحدّيات وقيودًا مشابهة لتلك التي تكتنف توفير السلع العامة من خلال القطاع الخاص، كتجاهل المنافع الاجتماعية، ومشكلة الراكب المجّاني. فقرارات الحكومة المتعلّقة بتوفير السلع العامّة تعتمد على المعلومات المُتاحة لصانعي السياسات، والحوافز، والمصالح التي تحرِّكُهم. وهذه المعلومات قد تكون محدودة، وقد يكون لدى صانعي السياسات تحيّزاتهم أو دوافعهم الخاصة التي تَحول دون توفير السلع العامة عند المستويات الأكثر كفاءة. لذلك، فقد لا تتوافق الإجراءات الحكومية المتَّخذة لتوفير السلع العامة بشكل مثالي مع أفضل مصلحة عامة يمكن تحقيقها[14].
- خاصيّتا عدم إمكانية الاستبعاد وغير المزاحمة: يرى النقّاد بأن خاصيتي عدم إمكانية الاستبعاد وعدم المزاحمة التي تُحدَّد بها السلع العامة قد لا تنطبق في الحالات جميعها. فبعض السلع التي تُعتبَر سلعًا عامة قد تحتمل إمكانية الاستبعاد والمزاحمة؛ ما يجعل تصنيف السلع سلعًا عامة أو خاصة في الواقع العملي أكثر تعقيدًا. فعلى سبيل المثال، يصبح الطريق العام سلعةً مزاحمة في حالات الاختناق المروري؛ إذ يؤثّر عدد المركبات في مدى انتفاع باقي المركبات منه[15].
- التدخّل الحكومي ليس بالضرورة هو الأفضل: يرى بعض الاقتصاديين أن التدخل الحكومي في التعامل مع حالات قصور السوق المرتبطة بالسلع العامة ليس بالضرورة هو السبيل الأفضل لتحقيق التوازن الفاعل في السوق؛ ففي بعض الحالات، يكون القطاع الخاص هو الأقدر أو الأنجع في تحقيق ذلك[16].
- عدم اتساق التفضيلات: لأن توفير السلع العامة يستند إلى تفضيلات الأغلبية، فقد لا تتماشى مع تفضيلات الفئات الأقلية واحتياجاتها. وبناء عليه، فقد لا يحاكي توفير السلع العامة التنوع في الاهتمامات داخل المجتمع.
- الاعتبارات السلوكية: يرى بعض الاقتصاديين أن احتماليّات المبالغة في إنتاج السلع العامة وغيرها من الخدمات العامة وتوفيرها إلى ما هو أعلى من المستويات الاجتماعية الفضلى تبقى قائمة، إما بفعل كيفية تأثّر الأفراد والأطراف المنتفعة بالطريقة التي تُعرض فيها المسألة، أو بطبيعة الحوافز التي تؤثّر في السياسيّين والبيروقراطيين، أو بالتجاهل المتعمَّد لشريحة من الناخبين[17].
يؤدي مفهوم السلع العامة دورًا محوريًا وأساسيًا في الاقتصادات المعاصرة؛ فهو يوفر إطارًا منهجيًا لكيفية تخصيص الموارد، ومعالجة قصور الأسواق الاعتيادية، وتوجيه التدخّلات الحكومية. ويسلّط الضوء على أهمية توفير البنية التحتية الحيوية، مثل الطرق، والخدمات العامة، التي يُفترض أن تخدم شرائح المجتمع والقطاعات الاقتصادية كافة. كما يؤثر مفهوم السلع العامة في تصميم برامج الرعاية والحماية الاجتماعية، كالرعاية الصحية، والتعليم، ونظم الأمان الاجتماعي، والتأمينات الاجتماعية، وحماية البيئة. ويتوسع المفهوم إلى المستوى العالمي، ويعدّ ركيزةً أساسية لتعزيز التعاون الدولي والتفاهم في كيفية مواجهة تحديات صعبة عابرة للبلدان، مثل الأوبئة، والتغيرات المناخية. بالإضافة إلى ذلك، يشكّل مفهوم السلع العامة أساسًا للشراكات بين القطاعين العام والخاص، ويوجّه النقاشات بشأن السياسات الضريبية والإنفاق الحكومي، ويقدّم إطارًا لإدارة الموارد المشتركة بكفاءة، ويوجّه صانعي السياسات في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، وكيفية تعزيز الرفاه العام من خلالها.
المراجع
العربية
كنعان، طاهر حمدي وحازم رحاحلة.
الدولة واقتصاد السوق: قراءات في سياسات الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.
الأجنبية
Cornes, Richard & Todd Sandler.
The Theory of Externalities, Public Goods, and Club Goods. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.
Herber, Bernard P.
Modern Public Finance: The Study of Public Sector Economics. Homewood, Il: Richard D. Irwin, 1971.
Kaul, Inge et al. (eds.).
Providing Global Public Goods: Managing Globalization.
Oxford: Oxford University Press, 2003.
Frank, Robert H. & Ben Bernanke.
Principles of Microeconomics. 4th ed. Boston, MA: McGraw-Hill/Irwin, 2009.
Galbraith, John Kenneth.
Economic
& The Public Purpose. New York: The New American Library, 1975.
Heyne, Paul T.
The Economic Way of Thinking. 9th ed. Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 1999.
Kaul, Inge, Isabelle Grunberg & Marc Stern (eds.).
Global Public Goods: International Cooperation in the 21st Century. Oxford: Oxford University Press, 1999.
Leach, John.
A Course in Public Economics.
Cambridge: Cambridge University Press, 2004.
McConnell, Campbell R., Stanley L. Brue & Sean M. Flynn.
Economics: Principles, Problems, and Policies. 20th ed. New York: McGraw-Hill Education, 2015.
Musgrave, Richard A. & Peggy B. Musgrave.
Public Finance in Theory and Practice. 2nd ed. New York: McGraw-Hill, 1976.
Annas, Julia & Robert H. Grimm (eds.).
Oxford Studies in Ancient Philosophy. Oxford: Clarendon Press, 1988.
Savas, Emanuel S. (ed.).
Alternatives for Delivering Public Services: Toward Improved Performance. London: Routledge, 1977.
Pigou, Arthur C.
The Economics of Welfare. 4th ed. London: Macmillan, 1932.
Samuelson, Paul A. “The Pure Theory of Public Expenditure.”
The Review of Economics and Statistics. vol. 36, no. 4 (1954).
Seidman, Laurence S.
Public Finance. New York: McGraw-Hill/Irwin, 2009.
Stiglitz, Joseph E.
Economics of the Public Sector. 3rd ed. New York: W. W. Norton & Company, 2000.
Ulbrich, Holley H.
Public Finance in Theory and Practice. Mason, OH: South Western College Publishers, 2003.
[1] Martha Nussbaum, “Nature, Function and Capability: Aristotle on Political Distribution,” in: Julia Annas & Robert H. Grimm (eds.),
Oxford Studies in Ancient Philosophy (Oxford: Clarendon Press, 1988), pp. 145-184.
[2] Meghnad Desai, “Public Goods: A Historical Perspective,” in: Inge Kaul et al. (eds.),
Providing Global Public Goods: Managing Globalization (Oxford: Oxford University Press, 2003), pp. 66-67.
[3] John Kenneth Galbraith,
Economic
& The Public Purpose (New York: The New American Library, 1975), pp. 232-267.
[4] يُنظر:
“Market Failures: Public Goods and Externalities,” in: Campbell R. McConnell, Stanley L. Brue & Sean M. Flynn,
Economics: Principles, Problems, and Policies, 20th ed. (New York: McGraw-Hill Education, 2015).
[5] يُنظر:
Arthur C. Pigou,
The Economics of Welfare, 4th ed. (London: Macmillan, 1932).
[6] Paul A. Samuelson, “The Pure Theory of Public Expenditure,”
The Review of Economics and Statistics, vol. 36, no. 4 (1954), pp. 387-389.
[7] يُنظر:
Laurence S. Seidman, Public Finance (New York: McGraw-Hill/Irwin, 2009).
[8] طاهر حمدي كنعان وحازم رحاحلة، الدولة واقتصاد السوق: قراءات في سياسات الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 50.
[9] يُنظر:
Inge Kaul, Isabelle Grunberg & Marc Stern (eds.), Global Public Goods: International Cooperation in the 21st Century (Oxford: Oxford University Press, 1999).
[10] يُنظر:
Robert H. Frank & Ben Bernanke,
Principles of Microeconomics, 4th ed. (Boston, MA: McGraw-Hill/Irwin, 2009).
[11] يُنظر:
John Leach,
A Course in Public Economics (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).
[12] Joseph E. Stiglitz,
Economics of the Public Sector, 3rd ed. (New York: W. W. Norton & Company, 2000), p. 128.
[13] Richard A. Musgrave & Peggy B. Musgrave,
Public Finance in Theory and Practice, 2nd ed. (New York: McGraw Hill, 1976), p. 59.
[14] Paul T. Heyne,
The Economic Way of Thinking, 9th ed. (Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 1999), p. 360.
[15] يُنظر:
Richard Cornes & Todd Sandler,
The Theory of Externalities, Public Goods, and Club Goods. 2nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).
[16] Bernard P. Herber,
Modern Public Finance: The Study of Public Sector Economics (Homewood, Il: Richard D. Irwin, 1971), p. 44.
[17] يُنظر:
Holley H. Ulbrich,
Public Finance in Theory and Practice (Mason, OH: South Western College Publishers, 2003).