الدبلوماسية الوقائية (Preventive diplomacy) أداة من أدوات إدارة النزاع، تتألف من سلسة مبادرات تهدف إلى الحد من تفاقم الخلاف - أو الصراع - بين الأطراف المتنازعة. ظهر المصطلح في ستينيات القرن العشرين ليشيرَ إلى مجموعة من الأنشطة والممارسات مثل المساعي الحميدة، وتيسير عمليات التفاوض والوساطة، وإقامة نظام إنذار مبكر، وإجراءات بناء الثقة، والاحتكام إلى القضاء، والتحقيق، والتحكيم.
التعريف وتطور المفهوم
تُعرَف الدبلوماسية الوقائية بأنها إحدى أدوات إدارة النزاعات، ولا سيما النزاعات ذات البُعد الدولي، وتتألف من مجموعة من الجهود والمبادرات الدبلوماسية التي تتمثل بتدخّل طرف ثالث، أو أطراف، بهدف منع تفاقم نزاع أو أزمة سياسية كامنة أو نَشِطة وتحوّلها إلى صراع مسلح، أو منع تصاعد الصراع القائم وتوسعه. ويسعى هذا النوع من الدبلوماسية إلى تسهيل مبادرات الوساطة التي تهدف إلى التوصّل إلى حل سلمي دائم للنزاع أو الصراع القائمَين، وتهدف كذلك إلى منع تجدد أعمال العنف في صراعٍ كانت الجهود قد بُذلِت في إيقافه.
يعود الاستخدام الأول لفكرة "الدبلوماسية الوقائية" إلى داغ همرشولد (Dag Hammarskjöld، 1905-1961)، الأمين العام الثاني للأمم المتحدة بين عامي 1953 و1961، إذ ظهر المصطلح في تقرير عمله السنوي لعام 1960. اعتبر همرشولد أن أساس الدبلوماسية الوقائية يتمثل في أنشطة تنفذها الأمم المتحدة في الدول حديثة الاستقلال بغية ملء الفراغ الذي يتركه جلاء القوى الاستعمارية عنها، والحدّ من تفاقم النزاعات التي يمكن أن تستدعي تدخلًا من القوى العظمى، فتغدو تلك النزاعات جزءًا من ديناميات التنافس في الحرب الباردة (19470-1991)[1].
شهد العمل بمفهوم الدبلوماسية الوقائية تناميًا ملحوظًا في حقبة ما بعد الحرب الباردة التي ازدادت النزاعات فيها تعقيدًا، فاستلزم ذلك التفكير بحلول خلّاقة ومُبتكَرة للحد من هذه النزاعات، وبلورة جديدة للمفهوم وتوضيح أبعاده وحدوده. تولّى ذلك التوضيح بطرس بطرس غالي (1922-2016)، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بين عامي 1992 و1996، في تقرير أصدره عام 1992 بناءً على طلب من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (United Nations Security Council – UNSC) من أجل تقديم تحليل وتوصيات تعزز صنع السلام وحفظه في العالم. عرّف بطرس غالي في تقريره هذا، الذي حمل عنوان: "أجندة للسلام: الدبلوماسية الوقائية، وصنع السلام وحفظ السلام"، الدبلوماسية الوقائية بأنها "عمل يرمي إلى منع نشوء النزاعات بين الأطراف، ومنع تصاعد النزاعات الدائرة إلى مستوى صراعات، والحدّ من توسع رقعة الأخيرة عند وقوعها"[2]. ورسم غالي خطًا فاصلًا بين الدبلوماسية الوقائية وحفظ السلام، فعرّفها بأنها "عمل من أجل جلب الأطراف إلى اتفاق، وبشكل أساسي عبر وسائل سلمية من قبيل تلك المُتوَقَّعَة في الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة"[3].
وعاود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (António Guterres، 1949-)، الذي يشغل هذا المنصب حتى لحظة كتابة هذا المدخل، التأكيد على أهمية الدبلوماسية الوقائية في وثيقة أصدرها عام 2023 بعنوان: "أجندة جديدة للسلام"، اعتبر فيها أن الوقاية يجب أن تكون أولوية سياسية عند الأمم المتحدة والدول الأعضاء، مبررًا ذلك بأن الوقاية تنقذ الأرواح وتحصّن مكاسب التنمية. ودعا غوتيريش إلى رفع وتيرة التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في أنشطة الدبلوماسية الوقائية ومبادراتها، واعتماد مقاربات تركز على الشعوب وتصون حقوقها، وتفعيل دور الحكومات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وإشراكها في مبادرات الدبلوماسية الوقائية[4].
تطبيقاتها
تشمل الدبلوماسية الوقائية مجموعة واسعة من الأنشطة العلنية أو غير العلنية التي تُنفَّذ عبر قنوات خلفية ووراء الكواليس، بما في ذلك المساعي الحميدة، وتيسير المحادثات والمفاوضات والوساطة أو تسهيلها، وإقامة نظام إنذار مُبكِّر يرصد نشوء الأزمات وتطوّرها. وتعتمد هذه الدبلوماسية آليات متعددة، منها التوفيق بين الأطراف، وإجراءات بناء الثقة، والاحتكام إلى القضاء، والتحقيق، والتحكيم.
قد يكون بعض ما ينتج عن آليات الدبلوماسية الوقائية غير مُلزِم لفرقاء النزاع، مثل التوفيق بين الأطراف وإجراءات بناء الثقة، وبعضها الآخر يعدّ مُلزِمًا، مثل التسويات القضائية والتحكيم. وبصفة عامة، تعتمد الدبلوماسية الوقائية أساليب سلمية لتحقيق غاياتها، ولكنها في بعض الأحيان قد تلجأ إلى الاستفادة من الموارد العسكرية بأساليب محددة، كما في حالات النشر الوقائي لقوات حفظ السلام في مناطق النزاع لمنع اندلاع الحرب أو تجددها.
يُعدّ توقيت تدخلات الدبلوماسية الوقائية أمرًا بالغ الأهمية، ولا سيما في المراحل المبكرة من النزاع التي تسبق تحوله إلى صراع مسلح، إذ إن التدخل في وقت غير مناسب قد يتسبب في عواقب سلبية، كما أن التدخل المتأخر قد لا يمنع شرارة العنف من الاندلاع. وبناءً عليه، يؤدي وجود إجراءات، أو نظام إنذار مبكر، دورًا حاسمًا يسمح لأطراف الدبلوماسية الوقائية باستشعار النزاعات الناشئة والتطورات القابلة لإشعال فتيل نزاعات كامنة أو تصعيد نزاعات جارية[5].
وبصفة عامة، فإن الفاعلين الرئيسِين الذين يؤدون دورًا في الدبلوماسية الوقائية هم الدول ذات النفوذ والتأثير على الصعيدَين الدولي والإقليمي، والمنظمات الدولية والإقليمية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ورابطة دول جنوب شرق آسيا – آسيان (Association of Southeast Asian Nations – ASEAN)، ومنظمة الدول الأميركية، وغيرها[6]. وقد تضطلع شخصيات ذات مكانة واحترام بأعباء الدبلوماسية الوقائية، مثل رؤساء المنظمات الدولية، أو المبعوثين الخاصين لهذه المنظمات، أو المسؤولين الرفيعي المستوى في بعض الدول النافذة والمؤثرة، إذ يعمل هؤلاء الوسطاء مع فرقاء النزاع على خفض التوترات وتسوية الخلافات للتوصل إلى حلول سلمية[7]. وتتطلب هذه الجهود مهارات متعددة؛ مثل التواصل الفعّال، والإقناع، وكسب ثقة الأطراف المتنازعة.
نقدها
يتعدى مفهوم الدبلوماسية الوقائية الاعتبارات الإنسانية التي تقوم عليها فكرة حلّ النزاعات بالطرق السلمية، والحدّ من استخدام العنف واتساع نطاقه، وإحلال السلام والاستقرار، ودرء ما يترتب على الحروب والصراعات من آثار سلبية وأضرار، مثل فناء أعداد من بني البشر وإصابتهم، وتدمير المباني والمنشآت والبنى التحتية، وتهجير أعداد كبيرة من الناس واضطرارهم إلى ترك مساكنهم واللجوء إلى أماكن أو بلدان أخرى. وتنطوي كذلك فكرة توظيفِ الدبلوماسيةِ الوقايةَ من الصراعات وأعمال العنف على حسابات اقتصادية، إذ يكون عادةً الإنفاق على برامج الوقاية من النزاعات والصراعات والجهود المبذولة في ذلك أقل بكثير من كلفة الجهود والبرامج التي يتعين تنفيذها في حال نشوب النزاع، أو تحوله إلى صراع مسلح، مثل برامج المساعدة الإنسانية، وجهود إعادة الإعمار والتعافي بعد الصراع، وعمليات إحلال الاستقرار، وغيرها[8].
ورغم ذلك، فالملحوظ أنه قلّما يلتفت صناع القرار إلى أهمية الدبلوماسية الوقائية، وفي حال اهتمامهم بها، فإنهم قد يواجهون مصاعب جمّة في توفير الموارد اللازمة لتطبيق مقتضيات الدبلوماسية الوقائية.
وغالبًا ما يواجه رصدُ الاعتمادات المالية والموارد المتنوعة للحدّ من صراعٍ مفترضٍ ولمّا ينفجر بعد معارضةً برلمانية أو شعبية، كما تصطدم جهود الدبلوماسية الوقائية في مسرح السياسة الدولية بتحديات في مجال التنسيق الميداني بين الأطراف المتعددة التي قد تُطلِق مبادرات في هذا المجال، ويؤدي ضعف التنسيق إلى ازدواجية الجهود، والفشل في استخدام الموارد المتعددة المصادر على النحو الأمثل. وكثيرًا ما يؤدي تداخل جهود الدبلوماسية الوقائية التي تبذلها أطراف متعددة دون تنسيق بينها إلى إرباك وفوضى في المحصلة النهائية، وقد يؤدي كذلك إلى تقويض تلك الجهود وفشلها[9].
لقد تعرضت الدبلوماسية الوقائية لجملة من الانتقادات، إذ يرى بعضهم أنها غالبًا ما تقتصر على الحلول المرحلية والمؤقتة التي تُنتِج صورًا قصيرة الأمد من الاستقرار والسلام، وتفشل في التوصل إلى حلول نهائية للخلافات تعالج جذور المشكلة وأسبابها، إذ تميل مبادراتها إلى ترحيل المسائل الجوهرية في النزاع لتنفجر لاحقًا تحت ضغط الظروف والتعقيدات التي قد تطرأ مستقبلًا. وقد لفت آخرون إلى أن بعض جهود الدبلوماسية الوقائية تركز على العمل مع الهيئات والمؤسسات الحكومية، وتهمل الفاعلين غير الدوليّين. ويُعتَبَر هذا الميل في تفضيل العمل مع الحكومات أو الفاعلين الدوليّين نقطة ضعف بارزة في الدبلوماسية الوقائية، في حين يزداد دور الفاعلين غير الدوليّين في النزاعات والصراعات الداخلية والدولية على حدّ سواء.
المراجع
العربية
كرام، محمد الأخضر. "الدبلوماسية الوقائية بين نصوص الميثاق وأجندة السلام". المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 17 (2008).
الأجنبية
“A New Agenda for Peace.” Political and Peacebuilding Affairs. accessed on 10/06/2024. at: https://acr.ps/1L9BPFc
Bercovitch, Jacob. “Understanding Mediation’s Role in Preventive Diplomacy.” Negotiation Journal. vol. 12, no. 3 (July 1996).
Ghali, Boutros Boutros. “United Nations: Report of the Secretary-General on an Agenda for Peace: Preventive Diplomacy, Peacemaking and Peace-keeping.” International Legal Materials. vol. 31, no. 4 (July 1992).
Gowan, Richard. “Multilateral Political Missions and Preventive Diplomacy.” United States Institute for Peace. 14/12/2011. accessed on 10/6/2024. at: https://acr.ps/1L9BP9F
Shenchun, Yan & Yanjun Guo. “Origin and Development of Preventive Diplomacy.” in: Yanjun Guo & Fujian Li (eds.). Preventive Diplomacy in the Asia-Pacific. Series on Asian Regional Cooperation Studies 1. Singapore: World Scientific Publishing, 2021. pp. 1-39.
United Nations Department of Political Affairs. United Nations Conflict Prevention and Preventive Diplomacy in Action: An Overview of the Role, Approach and Tools of the United Nations and Its Partners in Preventing Violent Conflict. New York: [w. d.]. accessed on 10/6/2024. at: https://acr.ps/1L9BPki
Zyck, Steven A. & Robert Muggah. “Preventive Diplomacy and Conflict Prevention: Obstacles and Opportunities.” Stability: International Journal of Security and Development. vol. 1, no. 1 (2012).
مراجع للاستزادة
العربية
ابن عربي، سناء شعيلي. الدبلوماسية الوقائية وأثرها على فاعلية الأمم المتحدة: الأزمة اللبنانية نموذجًا. عمّان: دار الراية للنشر والتوزيع، 2017.
حرابي، الخطاب ووداد غزلاني. "الدبلوماسية الوقائية في النزاعات الإثنية: دور الأمم المتحدة في نزاع ميانمار المتجدد". المجلة الجزائرية للأمن الإنساني. مج 7، العدد 1 (يناير 2022). ص 512-531.
قشي، الخير. المفاضلة بين الوسائل التحاكمية وغير التحاكمية لتسوية النزاعات الدولية. الجزائر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1999.
الأجنبية
Ackermann, Alice. “The Idea and Practice of Conflict Prevention.” Journal of Peace Research. vol. 40, no. 3 (May 2003). pp. 339-347.
Bellamy, Alex J. “Conflict Prevention and the Responsibility to Protect.” Global Governance. vol. 14, no. 2 (April-June 2008). pp. 135-156.
George, Alexander L. “Strategies for Preventive Diplomacy and Conflict Resolution: Scholarship for Policymaking.” PS: Political Science and Politics. vol. 33, no. 1 (March 2000). pp. 15-19.
Rubin, Barnett R. & Bruce D. Jones. “Prevention of Violent Conflict: Tasks and Challenges for the United Nations.” Global Governance. vol. 13, no. 3 (July-September 2007). pp. 391-408.
[1] Yan Shenchun & Yanjun Guo, “Origin and Development of Preventive Diplomacy,” in: Yanjun Guo & Fujian Li (eds.), Preventive Diplomacy in the Asia-Pacific, Series on Asian Regional Cooperation Studies 1 (Singapore: World Scientific Publishing, 2021), p. 2.
[2] Boutros Boutros-Ghali, “United Nations: Report of the Secretary-General on an Agenda for Peace: Preventive Diplomacy, Peacemaking and Peace-keeping,” International Legal Materials, vol. 31, no. 4 (July 1992), p. 960.
[3] Ibid.
[4] “A New Agenda for Peace,” Political and Peacebuilding Affairs, accessed on 10/06/2024, at: https://acr.ps/1L9BPFc
[5] محمد الأخضر كرام، "الدبلوماسية الوقائية بين نصوص الميثاق وأجندة السلام"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 17 (2008)، ص 125-138.
[6] Steven A. Zyck & Robert Muggah, “Preventive Diplomacy and Conflict Prevention: Obstacles and Opportunities,” Stability: International Journal of Security and Development, vol. 1, no. 1 (2012), pp. 68-75; United Nations Department of Political Affairs, United Nations Conflict Prevention and Preventive Diplomacy in Action: An Overview of the Role, Approach and Tools of the United Nations and Its Partners in Preventing Violent Conflict (New York: [w. d.]), accessed on 10/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BPki
[7] Jacob Bercovitch, “Understanding Mediation’s Role in Preventive Diplomacy,” Negotiation Journal, vol. 12, no. 3 (July 1996), pp. 241-258.
[8] Richard Gowan, “Multilateral Political Missions and Preventive Diplomacy,” United States Institute for Peace, 14/12/2011, accessed on 10/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BP9F
[9] يُنظر:
Zyck & Muggah.