تسجيل الدخول

ما قبل اللسانيات



الموجز

"ما قبل اللسانيات" مصطلح يستعمله المؤرخون للسانيات، للإشارة إلى التراث اللغوي الإنساني الذي آل، بتراكم منجزاته ومساراته البحثية، إلى ما أصبح يسمى اليوم علم اللسانيات. فأكثر الباحثين يقدمون اللسانيات كما لو أنها نشأت منقطعة عن التراث الإنساني وقاطعة معه، وكأن الانخراط في حداثة اللسانيات، يستلزم إنكار أصالة ما سبقها ووطَّأ لها من الفكر الإنساني في مجالات كالنحو، والفلسفة، والمنطق، وغيرها. لكنّ مقتضى مبدأ الاستمرارية التاريخية، أن الدارسين اليوم مدينون في كثير مما هو قائم من علوم اللسانيات إلى ما وصَل من نظر الإنسان في اللغة، وذلك بمختلف سياقات الاهتمام باللغة عبر التاريخ، منذ بدأ الإنسان يتخذ من الأصوات نظامًا للتواصل، حتى ترقى من مجرد استعمال اللغة إلى النظر في كيفية اشتغالها.

في هذا السياق يُشار إلى أبرز محطات النظر اللغوي القديم، بالوقوف عند الدراسات النحوية والفلسفية المبكرة في الحضارات القديمة، مع تبيان ما مثّله التراث الهندي، ولا سيما مع بانيني، من إنجاز وصفي وتقعيدي بالغ الدقة في دراسة السنسكريتية، ارتبط أولًا بالحفاظ على النصوص المقدسة ثم تجاوز ذلك إلى بناء تحليل لغوي رفيع أفاد منه الدرس الأوروبي لاحقًا. ويتناول التراث اليوناني من حيث صلته بالأسئلة الفلسفية الكبرى حول أصل اللغة، والعلاقة بين اللفظ والمعنى، والطبع والمواضعة، فضلًا عن نشأة الفيلولوجيا في البيئة الإسكندرية مع العناية بشرح النصوص وتأويلها وضبط دلالاتها. ويبيّن أن هذه الجهود، على اختلاف دوافعها ومرجعياتها، أرست تقاليد راسخة في النظر إلى اللغة وأسهمت في تكوين الأسئلة التي سيظل تاريخ الفكر اللغوي يدور حولها طويلًا. 

ويحتل الإسهام العربي في تاريخ التفكير اللساني مكانة بارزة، بعيدًا عن اختزاله في النحو المعياري وحده، ومبرزًا ما اتسم به من ثراء في المستويات والمجالات؛ فالدرس اللغوي العربي نشأ في سياقه الحضاري الإسلامي في صلة وثيقة بمركزية الكلام والبيان، ثم تعزز مع نزول القرآن الكريم وما استتبعه من حاجة إلى تفسير النص وضبط العربية وصيانة الاستعمال، فكان ذلك منطلقًا لنشأة علوم العربية. غير أن قيمة هذا التراث لا تقف عند حدود التقعيد التعليمي أو التقويم المعياري، بل تتجلى أيضًا في انتقاله من مجرد استعمال اللغة إلى التفكير في بنيتها وآليات اشتغالها، وفي اتساعه من النظر في اللسان المحلي إلى آفاق أرحب من المقارنة والتجريد. ومن ثم تبرز أعمال عدد من الأعلام العرب، مثل الجاحظ وابن حزم، وما انطوت عليه من وعي بالمستويات المختلفة للغة وإشارات إلى النظر الوصفي والتاريخي والمقارن، بما يجعل الإسهام العربي جزءًا أصيلًا من التراث اللساني الإنساني العام. 

وترتبط نشأة التجديد في الدراسات اللغوية الغربية بجملة من التحولات الكبرى التي عرفتها أوروبا، وفي مقدمتها الاكتشافات الجغرافية، والاحتكاك بالشعوب والثقافات والألسنة الأخرى، ويضاف إلى ذلك تطور الطباعة، ونمو الفيلولوجيا، وتزايد الحاجة إلى تعلم اللغات ومقارنتها. وقد أدى هذا الانفتاح إلى توسيع أفق النظر في اللغة، فخرج الباحثون من حدود اللسان الواحد ومن هيمنة المثال اللاتيني، وبدأت تتشكل أسئلة جديدة تتعلق بالقرابة بين اللغات، وأصولها، وقوانين تحولها. ويكشف تتبع البدايات الأولى للمنهج التاريخي المقارن، مبرزًا أدوار أعلام مثل غاستون لوران كوردو والسير وليم جونز وفرانز بوب، الذين أسهموا في الكشف عن الصلات بين اللغات الهندية الأوروبية، وفي تحويل المقارنة من ملاحظات متفرقة إلى منهج علمي يبحث في البنى والأنساق والقرابات المنتظمة. 


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وتتشكل اللسانيات التاريخية والمقارنة في القرن التاسع عشر، ولا سيما في البيئة الألمانية، حيث تأثر البحث اللغوي بالمناخ العلمي العام وبفكرة التطور التي سادت في علوم الطبيعة والحياة. ومن ثم ظهر تصور للغة بوصفها ظاهرة نامية تخضع لقوانين التغير، وتكرست العناية بالقوانين الصوتية وبالبحث في انتظام التغير اللغوي، كما عند ياكوب غريم ثم النحاة المحدثين مثل: كارل بروغمان، وهيرمان أوستهوف، وأوغست ليسكين، وغيرهم. ويُظهر هذا الاتجاه أنه، على ما حققه من صرامة منهجية وتقدم علمي، حمل أيضًا بعض مظاهر الغلو في تفسير اللغة تفسيرًا طبيعيًّا تطوريًّا، مما جعله في حاجة إلى مراجعة نقدية لاحقة، كما أن أثره تجاوز الأوساط الأوروبية إلى أوساط أكاديمية عربية عبر التلقي الحديث والاستشراق. 

مفهوم ما قبل اللسانيات

يقصد بمصطلح "ما قبل اللسانيات" مجموع المعارف والتصورات التي تناولت اللغة قبل أن تستقل اللسانيات الحديثة بوصفها علما قائما بذاته في القرن العشرين. ولا يدل هذا المصطلح على غياب التفكير العلمي في اللغة، بل على أن ذلك التفكير كان موزعا بين علوم ومجالات معرفية متعددة. فمن هذه العلوم ما اتخذ اللغة موضوعا مباشرا، مثل النحو الذي اهتم بتقعيد الكلام وتحليل التراكيب، والفيلولوجيا التي عنيت بدراسة النصوص واللغات القديمة وتاريخ الألفاظ. ومن العلوم ما تناول قضايا اللغة عرَضا أو جزئيا ضمن اهتماماته الخاصة، مثل الفلسفة التي بحثت علاقة اللغة بالفكر والوجود، والمنطق الذي درس اللغة من حيث صلتها بالحكم والاستدلال، وعلم أصول الفقه الذي طور مباحث دقيقة في دلالة الألفاظ لفهم النصوص واستنباط الأحكام. ومن ثم فإن ما قبل اللسانيات يمثل رصيدا معرفيا مهمّا مهد لظهور اللسانيات الحديثة، وإن اختلف عنها في المنهج والغاية وطريقة النظر إلى اللغة.

وينطوي التأريخ للسانيات الحديثة على ضرب من الاختزال المدرسي، الذي يجعل اللسانيات منقطعة عمَّا قبلها من التراث الإنساني، وقاطعة معه في آن واحد، وهو ما يَؤُول في كثير من الأحيان إلى درجة من المعيارية، التي تتجافى وروحَ اللسانيات {{اللسانيات هي العلم الذي يدرس اللغة دراسة علمية وصفية، من حيث بنيتها ووظائفها ومستوياتها المختلفة، مثل الأصوات والصرف والتركيب والدلالة والتداول. وتنظر إلى اللغة بوصفها نسقًا من العلاقات يخضع لقواعد يمكن وصفها وتحليلها}} نفسها، وهذه المعيارية هي أحد الأسباب التي تؤدي إلى حرمان الدارسين من تراث إنساني مهم، ذلك أنَّ عدَّ هذا التراث من خارج دائرة اللسانيات، يقصيه ويصرف النظر عنه، وهو ما ينتهي كذلك إلى ضرب من القطيعة يتنافى مع ما في التراث اللغوي الإنساني من استرسال قد تخفى ملامحه، ولكنه شرط تاريخي في تحقق ما وصلت إليه الدراسات اللغوية من تطور، ولا سيما خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

يُستعمل مصطلح اللسانيات للإشارة إلى ما استقر بوصفه مقابلًا عربيًّا للمصطلح الإنجليزي (Linguistics) والفرنسي (Linguistique)، وقد كان ذلك بتوصية ضمن مخرجات الندوة التي نظمها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بتونس في ديسمبر 1978، وحضر إليها متخصصون من تونس والمغرب وليبيا ومصر والعراق والكويت وسوريا، وحضر متخصص يمثل مكتب تنسيق التعريب بالرباط، كما حضر من يمثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من القاهرة يومئذ، وتم الاتفاق على مصطلح اللسانيات بديلًا واحدًا وموحّدًا[1]، ونُشرت أعمال الندوة في كتاب بعنوان "اللسانيات واللغة العربية"، وقد صُدّرت مقالات الكتاب بالتوجيه التالي "تبعًا لتوصية الندوة تقرر استعمال مصطلح اللسانيات بدلًا من مصطلح الألسنية"[2]، وصيغت التوصيات في آخر الكتاب باستعمال مصطلح "اللسانيات".

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد استُعملت مقابلات عربية أخرى كثيرة، راجت للدلالة على هذا العلم، مثل: علم اللغة، والألسنية، واللانغويستيك، وغيرها[3]. على أن لمصطلح اللسانيات حضورًا في التراث العربي، لكن بمفهوم مخصوص، إذ يوطِّئ عليّ بن إسماعيل بن سِيدَهْ المُرْسيّ (ت. 458هـــ/ 1066م) لكتابه المحكم والمحيط الأعظم بالتمييز بين علوم الديانيات وعلوم اللسانيات[4].

ويُستعمل مصطلح اللسانيات اليوم للإشارة إلى ضرب من المعرفة المتعلقة باللغة، وقد نشأ حديثًا وفق أسس منهجية ونظرية مخصوصة. وهذه الخصوصية في اللسانيات، هي منشأ الجِدّة فيها قياسًا بغيرها من العلوم المهتمة باللغة، وهي كثيرة؛ إذ تشكّل اللغة موضوعًا مباشر لعلوم، مثل: النحو، والبلاغة، والفيلولوجيا {{الفيلولوجيا هي علم يدرس اللغات والنصوص دراسة تاريخية ونقدية، بغرض فهمها وتحقيقها وتتبع تطورها وصلتها بالثقافة والحضارة التي نشأت فيها. وتهتم بفحص المخطوطات، وتحليل الألفاظ، ومقارنة النصوص، والكشف عن أصولها وتحولاتها عبر الزمن}}، وتشكّل موضوعًا غير مباشر لتخصصات أخرى، كالفلسفة، والمنطق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأعصاب، وغيرها. ومن غير السائغ أن تكون اللسانيات قد نشأت وتطورت منقطعة عن هذه المعارف والعلوم. وقد عبر اللساني الفرنسي جورج مونان{{جورج مونان Georges Mounin)، 1910-1993) المولود باسم لويس لوبوشيه (Louis Leboucher)، هو لسانيّ ومترجم وسيميائيّ فرنسيّ، كتب تحت الاسم المستعار جان بوشيه (Jean Boucher)، واعتمد اسم جورج مونان اسمًا أدبيًّا. وقد اشتهر بأعماله في اللسانيات العامة، وعلم الدلالة، والترجمة ونظرياتها، وتاريخ الأفكار اللغوية}} عن هذه الوضعية الإبستيمولوجية، بقوله: "يتعلق الأمر -في الواقع- بمعارف قديمة جدًّا، وبعلم حديث جدًّا"[5].

وإنما تعود حظوة اللسانيات -هذا العلم الناشئ حديثًا- إلى أنه حقق من الجهاز المفاهيمي والأداة المنهجية، ما جعله معرفة قادرة على الإسهام في شتى الحقول المعرفية، فنشأ من ذلك تفاعل مثمر بين المعرفة اللغوية وسائر العلوم، ولا سيما الإنسانية منها، فكان من ثمار ذلك نشأة لسانيات بينية (Interdisciplinary Linguistics)، وذلك باستضافة العلوم للسانيات، فكانت اللسانيات النفسية من زواج اللسانيات بعلم النفس، وتأسست اللسانيات الاجتماعية من التقاء اللسانيات مع علم الاجتماع، واستقرت الأسلوبية {{الأسلوبية هي فرع من اللسانيات يدرس الخصائص اللغوية التي تميز النصوص، وكيفية استخدام اللغة لتحقيق تأثيرات جمالية وتعبيرية. تركز على تحليل الاختيارات اللغوية، مثل المفردات والقواعد والصور البيانية، وكيفية إسهامها في بناء المعنى ونقل الرسالة. تهدف الأسلوبية إلى فهم كيفية عمل اللغة في سياقات مختلفة، وكيف تعكس شخصية الكاتب أو المتحدث}} من تفاعل اللسانيات مع النقد الأدبي، وكانت اللسانيات الحاسوبية {{اللسانيات الحاسوبية هي مجال بيني يجمع بين اللسانيات وعلوم الكمبيوتر. يركز على تطوير نماذج وخوارزميات لمعالجة اللغة الطبيعية وفهمها (مثل العربية والإنجليزية) بواسطة الكمبيوتر. تهدف إلى تمكين الآلات من أداء مهام مثل الترجمة الآلية، واستخراج المعلومات، والتعرف على الكلام، والتفاعل مع البشر بلغة طبيعية}} من تفاعل اللسانيات مع علم الحاسب. وعمومًا، غدت اللسانيات مدخلًا مهمًّا لمجالات بحثية متعددة، لما توفره من أدوات منهجية تعزز العلمية والموضوعية في البحث، فأقر هذا التفاعل للسانيات مكانًا ومكانة في الأوساط العلمية والبحثية. وإنما يعود انخراط علم اللسانيات في هذا التفاعل المعرفي إلى ما حققه من تطور في مستوى إجرائية المنهج ودقة المفهوم، حتى إنه عُد من معايير الحداثة الفكرية اليوم، الذي رصد مدى استيعاب الباحث للمعرفة اللسانية المعاصرة، واستثمارها الاستثمار الأقصى، ولا سيما في مجال البحث اللغوي.

ومن الوعي المنهجي والإنصاف التاريخي، أن يتمثل الباحث اللسانيات بالأمرين السابقين؛ فمن جهة أولى، غدت للسانيات مكانة مركزية بين العلوم التي تروم درجة عالية من الدقة، وهو ما يجعلها مكونًا أساسيًّا في قياس درجة الحداثة الفكرية والعلمية. ومن جهة ثانية، ليست اللسانيات علمًا ناشئًا بشكل منقطع عن التراث الإنساني، إذ أسهمت الشعوب عبر التاريخ، في التبصر باشتغال اللغة وخصائصها ووظائفها، وكيفية انتظامها وانتظام العمران البشري بها. غير أن التاريخ الإنساني كثيرًا ما يؤرخ للعلوم بلحظات فارقة فيها، من دون أن ينشغل بما يكون من استرسال الإنجاز الإنساني في المعرفة. والذي ينظر بغير منظور الاسترسال في دراسات الباحثين في اللغة، قد يتعصب للحظة محددة في تاريخ نظر الإنسانية في اللغة، والحق أن أيًّا من تلك اللحظات، إن هي إلا مرحلة في بناء هذه المعرفة اللسانية الراهنة، بما استقرت عليه من حيث المنهج والمفاهيم.

الدراسات النحوية والفلسفية القديمة

مما يُجمِع عليه المؤرخون لتطور الدراسات اللغوية، أن أقدم ما وصل إلينا في هذا المضمار، يعود إلى ما بين القرنين الرابع والسادس قبل الميلاد، حين سعى مجموعة من النحاة، أشهرهم الكاهن بانيني{{بانيني (بالسنسكريتية: Pāṇini/ पाणिनि، ت. 460ق.م) عالم نحوي، ومنطقي، وفقيه لغوي في الهند القديمة، اشتهر بكتابه أشتادهياي (The Aṣṭādhyāyī/ अष्टाध्यायी) في نحو اللغة السنسكريتية. ويعد فكر بانيني من أبرز النماذج المبكرة للتفكير اللغوي المنظم في تاريخ الدراسات اللغوية.}} إلى تقنين اللغة السنسكريتية {{السنسكريتية هي لغة هندية آرية قديمة، وتُعد لغة طقوسية للهندوسية والبوذية والجاينية. لها تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، وتُعتبر لغة الأدب الكلاسيكي الهندي والفلسفة والعلوم. تتميز السنسكريتية بنظام قواعدي معقد وغني، وقد أثرت بشكل كبير في العديد من اللغات في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا}} التي ورد بها نص الفيدا{{الفيدا أو الفيدات (Vedas، السنسكريتية: वेदः، Vēdaḥ) كلمة سنسكريتية تدل على المعرفة، تطلق للدلالة على مجموعة من النصوص الدينية المقدسة في التراث الهندي القديم، وهي مكتوبة باللغة السنسكرتية الفيدية. وتنقسم الفيدات إلى أربعة نصوص رئيسة، هي: الريغ فيدا (Rig-Veda)، واليجور فيدا (Yajur Veda)، والساما فيدا (Sama Veda)، والأثرفا فيدا (Atharva Veda)}} حتى تتسنى إقامة الشعائر والطقوس الدينية بها، فقد كان بانيني واحدًا من مجموعة من النحاة الذين تجندوا لوصف أصوات السنسكريتية، فقد لحظوا ما كان يهدد لغة التراتيل القديمة من لحن يعتري أصواتها لدى إنشادها، بفعل التقادم عبر الأجيال التي تتعبد بترتيل تلك الأناشيد، فعمد النحاة إلى إنجاز توصيف دقيق لأصوات الكلام، على نحو يؤمّن حفظ تلك النصوص المقدسة، وهو ما قد يعتريها من تغير عبر الزمان[6]. وقد أتاح أولئك النحاة تراثًا نحويًّا مهمًّا استثمره اللغويون الأوروبيون وتأثروا به تأثرًا عميقًا في وصف ألسنتهم المحلية، فاستعاروا بعض الطرق الوصفية في معالجة اللغة، وتبنوا بعض المصطلحات التقنية في دراسة اللغة، وبعض الطرق في التصنيف، مثل دراسة أنواع المركبات الاسمية (Compound Nouns)[7] .

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ويتضح من خلال هذا التراث الأقدم، التصاقُ اللغة بالمقدس، وأهميةُ القادح الديني في حفز البحث اللغوي عبر التاريخ، وهو أمر مركوز في أقدم العقائد قبل الإسلام، فمن ذلك أن المصريين القدامى كانوا يعتقدون أن الإله تحوت{{تحوت أو توت، هو إله الحكمة والكتابة والمعرفة في الديانة المصرية القديمة، وهو أحد أرباب ثامون الأشمونين الكوني. ويُعدّ من أبرز الآلهة في الميثولوجيا المصرية. وكان المصريون القدماء ينسبون إليه اختراع الكتابة، وحفظ العلوم، وتنظيم الحساب والزمن. يجسد في هيئة رجل برأس طائر أبي منجل أو في هيئة قرد البابون.}}، هو الإله الذي اخترع اللغة والكتابة، وهو الذي ألهم الإله رع النطق، وسيُلحَظ خلال التتبع للبحث اللغوي عبر التاريخ، ترابط وثيق بين اللغوي والمقدس في الحضارات كلها.

والإطار الذي نشأت فيه الدراسات اللغوية في الهند، هو ما ستتوفر له أسباب حضارية ثقافية، تنقل مقولاته إلى الفكر الأوروبي بعد قرون. أما في زمن بروز الدراسات الهندية في اللسان السنسكريتي، فقد كانت الحركة الفكرية في أوروبا تتسم بصعود الدراسات الفلسفية، فلذلك تطور علم النحو في إطار فلسفي تطورًا بطيئًا شاقًّا في اليونان، ثم ازدهر على يد ورثتهم الرومان، فكان من ثماره استنباط أرسطو{{أرسطو أو أَرِسْطُوطالِيس بن نيقوماخس الجراسني الفيثاغوري (Aristotle، Aristotélēs، 384-322ق.م) الملقب بالمعلم الأكبر، هو فيلسوف يوناني قديم، وُلد في مدينة ستاغيرا في اليونان، وكان تلميذًا لأفلاطون، ثم أصبح معلّمًا للإسكندر الأكبر. أسّس مدرسة عُرفت باسم اللوقيون (Lyceum). وكتب في مجالات عدة، منها: الفلسفة، والمنطق، والأخلاق، والسياسة، والبلاغة، والشعر، وغيرها.}} لأقسام الكلام وتقديمه مفهوم الحال. وتواصل تبلور الآراء في مسائل اللغة مع الرواقيين{{الرواقية أو مذهب الرواقيين مدرسة فلسفية نشأت في اليونان القديمة في القرن الثالث قبل الميلاد، أسسها الفيلسوف زينون الرواقي في مدينة أثينا. وسُمّي أتباعها بـ«الرواقيين» نسبة إلى «الرواق الملوّن» (Stoa Poikile)، وهو المكان الذي كان زينون يدرّس فيه.}}، فأصبحت قضايا لغوية مهمة موضوع نظر الفلاسفة اليونانيين، ومن ذلك أن اليونانيين صاغوا إجابات فلسفية للأسئلة، التي طالما أثيرت في إطار ميتافيزيقي، مثل أصل اللغة ونشأتها، وكان الإطار الفلسفي مضمار إثارة أسئلة مركزية في الفكر اللغوي الإنساني، مثل العلاقة بين الألفاظ والأشياء، وهي المسألة التي ظلت موضع انقسام بين قائلين بالمواضعة، وقائلين بأن العلاقة طبيعية. وهذه الثنائية رسمت مسارًا لإجابات الباحثين في مسألة العلاقة بين اللفظ والمعنى على خانتين؛ يشار إلى أولهما عادة باللفظ اليوناني (theisei) أي العلاقة الاصطلاحية، وإلى ثانيهما باللفظ (phusei) أي العلاقة الطبيعية. وفي محاورة أفلاطون{{أفلاطون أو أفلاتون (Plato، Plátōn، 427-347ق.م) واسمه الأصلي أرسطوكليس (Aristocles)، هو فيلسوف يوناني قديم، وُلد في أثينا، وكان تلميذًا لسقراط وأستاذًا لأرسطو. أسّس الأكاديمية في أثينا، وهي من أقدم المدارس الفلسفية في التاريخ، وكتب معظم مؤلفاته في صورة محاورات فلسفية تناولت موضوعات متعددة، منها: الفلسفة، والسياسة، والأخلاق، والمعرفة، واللغة، والميتافيزيقا}} كراتيل{{كراتيل (Cratylus) محاورة فلسفية لأفلاطون، تناول فيها مسألة العلاقة بين الألفاظ والمعاني، وهل العلاقة بينهما طبيعية أم اصطلاحية. وقد اشتق اسم المحاورة من شخصية كراتيلوس التي تميل إلى القول بالعلاقة الطبيعية (phusei)، في مقابل الاتجاه الاصطلاحي (thesei)}}، تبلور الرأي القائل بأن الدال هو كلمة في اللغة، والمدلول شيء في الحياة، وبين الطرفين علاقة ترميز (Stand for) أو إحالة (Refer to) أو تعيين (Denote)[8].

وفي الإسكندرية، تأسست مدرسة فيلولوجية اشتغلت بشرح الشعر القديم الذي لم يعد بمقدور الناس فهمُه للوهلة الأولى، فانتشرت شروح القصائد اليونانية القديمة، مثل أشعار هوميروس (Homer/ Hómēros، القرن الثامن ق.م)، وآلت هذه الشروح إلى توسع الفيلولوجيين في دراسة مسائل الاشتقاق والمعنى، فسعوا إلى تفسير ما فيها من انتظام أو شذوذ. ورغم أن المبحث الفيلولوجي ظل بطيء التقدم، سواء مع الإسكندريين أم لاحقيهم من الرومان[9]، فإن مبحث الفيلولوجيا اقترن أساسًا بتلك الحركة العلمية، التي أنشأهافريدرش أغسطس وولف {{فريدرش أغسطس وولف (Friedrich August Wolf) ( 1759–1824) عالم فقه لغة وكلاسيكيات ألماني، يُعد مؤسس الفيلولوجيا الحديثة. اشتهر بكتابه (Prolegomena ad Homerum) سنة 1795، الذي صاغ به «المسألة الهومرية» في صورتها الحديثة، كما أنه أسهم في ترسيخ الفيلولوجيا فرعًا معرفيًّا مستقلًّا عن اللاهوت}} بداية من سنة 1777[10].

ويُمكن أن يُلحظ في هذا المستوى ثلاثة أمور؛ أولها، أصالة التفكير اللغوي وتجذره في الفكر الإنساني. والثاني، أن هذا التفكير يحتويه عمومًا سياق ديني أساسي تثار على هامشه مسائل في اللغة، وليست مركزَ التفكير فيه أو المخصوصة بنظره. والأمر الثالث، أن ثمة ترابطًا وتواصلًا بين حلقات النظر اللغوي في السياقات السابقة. وهذه الأمور الثلاثة، آلت إلى ضرب من العد التصاعدي في الاهتمام بالمسائل اللغوية في الحضارات الإنسانية، وذلك على نحو يكشف عن تناسب طردي بين تنامي وعي الإنسان وتطور اهتمامه باللغة، فمنذ ما لا يقل عن ألفين ونصف الألف من السنين، ما انفك الناس يقودون في اللغة تفكيرًا متواصلًا، فتاريخ هذا التفكير، يساعد على فهم أحسن لنوعية النظريات الحالية[11].

الإسهام العربي في دراسة اللغة

يلحظ المؤرخ للدراسات اللغوية، أن العد التصاعدي في الاهتمام باللغة حقق أوْجَه مبكرًا في السياق العربي، وهو أمر له إرهاصات في تاريخ العرب، إذ يمثل الكلام الشعري عماد الثقافة العربية؛ فقد "كان الشعر في الجاهلية عند العرب، ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون"[12]، حتى إنه يُؤْثَر عن عمر بن الخطاب قوله: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"[13]. فلذلك استقرت للكلام منزلة مركزية في الثقافة العربية، ونشأت على هامش النص القرآني المكوناتُ الأساسية التأسيسية للعقل العربي.

المنظور اللغوي العربي من المحلي إلى الكوني

إذا كان الكلام مجال سبق العرب، فمن المنطقي أن تكون معجزة رسولهم من جنس ما برعوا فيه، وهو ما وطد سلطان اللغة في التراث العربي. لذلك يُعد القرآن {{القرآن كتاب الإسلام المقدس، يؤمن المسلمون أنه كلام الله المنزل على النبي محمد بلسان عربي مبين، بواسطة الوحي. يتكوّن من سور وآيات، ويشكّل مصدرًا أساسًا للعقيدة والتشريع والقيم. كما أنه يُعد نصا مركزيا في الثقافة العربية والإسلامية، ومرجعًا دينيا ولغويا وبلاغيا وحضاريا عبر العصور المختلفة}} من حيث هو معجزة الإسلام، النص الذي استقطب الفكر العربي الإسلامي، ونشأت حوله علوم العرب والعربية، فالقرآن نزل بلسان عربي، ولكن الإسلام موجَّه إلى عموم الناس عربًا وعجمًا. ومن ثم، غدت للعربية قيمة مركزية من حيث هي لسان القرآن، وبخصائصها يُفهَم ويفسر ويؤول، فوجب على المتكلمين بها أن يتبصروا بخصائصها، ووجب استنباط القواعد التي يمكن للداخلين في الدين الجديد أن يتعلموا بها لسان العرب، ومن ثم كان تأسيس علم النحو، وذلك بالمعنى الذي ضُبط له من حيث الخصائص البنائية والأهداف التعليمية، فعُرّف النحو بأنه: "انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره: كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير، والإضافة والنسب والتركيب وغير ذلك، ليلحق مَن ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن شذ بعضهم عنها رد به إليها"[14].

ويمكن ملاحظة أهمية التحول الذي انتقل فيه العربي من استعمال اللغة أداةً إلى اتخاذها موضوعًا، وهذا المستوى من التجريد، يستتبع الانتقالَ من استعمال اللغة، إلى التفكير في كيفية استعمالها، ويمثل هذا العمل الواصف جهدًا نظريًّا وارتقاءً ذهنيًّا عاليًا؛ إذ النحوي الواصف لضوابط اللغة، يرتقي من استعمال اللغة إلى النظر في خصائصها وكيفيات اشتغالها. وفي ضوء هذا التمييز بين الاستعمال ووصف الاستعمال، يُفهَم ما ورد من خبر الأعرابي مع الأخفش الأوسط {{الأخفش الأوسط (ت. 215هـــ/ 830م) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي، عالم نحوي ولغوي بصري، من أبرز تلاميذ سيبويه. أسهم في شرح كتابه ونشر النحو البصري، وله آراء لغوية ونحوية مؤثرة. لُقّب بالأخفش لضعف بصره، وتوفي سنة 215هـ / 830م}}، في الليلة الخامسة والعشرين من مسامرات أبي حيان التوحيدي {{أبو حيان التوحيدي (ت. 414هـــ/1023م) هو علي بن محمد بن العباس، أديب وفيلسوف من أعلام القرن الرابع الهجري. عُرف بأسلوبه العميق وتحليله للإنسان والمجتمع، ومن أشهر كتبه الإمتاع والمؤانسة والمقابسات. توفي سنة 414هـ / 1023م}} في كتابه الإمتاع والمؤانسة، فقد قال: "وقف أعرابيٌ على مجلس الأخفش، فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ قال: أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا"[15].

وهذه النقلة ارتبطت منذ البداية ببعد إنساني، وذلك بحكم الإطار الكوني الذي يسيّج الدين الإسلامي. فعلى هذا الأساس، طُبع التراث اللغوي العربي منذ البداية بضرب من التجريد النظري، جعله يتعلق بمدارج اللغة الثلاثة على نحو من الاسترسال والتضافر، وهذه المستويات هي التي أصبح يشار إليها في اللسانيات المعاصرة بثلاث طبقات متراكبة؛ أولها المستوى الكوني من الظاهرة، وهو الملكة التي تُلحَظ لدى عموم المتكلمين من خلال استعمالهم لألسنتهم المحلية. والمستوى الثاني اجتماعي، وهو ما يصاغ به الكلام من قواعد وضوابط وإن لم يتعلمها المتكلم في المدارس بشكل صريح، وآية ذلك أن لغة الأم لا يتكلم بها المرء بعد تعلم قواعدها، بل يساوق تعلمُها نشأةَ الإنسان وترعرعَه تدريجيًّا، فهذه القواعد بمنزلة هيكل اللغة المستعملة الذي يصاحبها بالمحايَثة، فحيث ثمة لغة يوجد نحوٌ. والمستوى الثالث، هو هذا الكلام الفردي بكل تشكلاته ودرجاته، ويتحقق هذا المستوى بما ينجزه المتكلم في ضوء مواضعات اللغة من حيث هي مؤسسة اجتماعية جامعة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

هذه المدارج الثلاثة تحققت في التراث العربي تدرجًا من الفردي إلى الاجتماعي انتهاء إلى الكوني، فكان القادح والمنطلق دراسة المستوى الفردي من الكلام متمثلًا في القرآن من حيث هو كلام الله المعجز. وانطلاقًا من هذا المستوى توسع الدارسون أفقيًّا في التبصر بقوانين النظم في الكلام العربي بتفاوت درجات البلاغة فيه، وهو ما مثل عماد مشروع عبد القاهر الجرجاني {{عبد القاهر الجرجاني (ت. 471هـــ/ 1078م) هو إمام البلاغة العربية ونحوي فارسي الأصل. اشتهر بنظرية النظم التي بيّن فيها أن جمال الكلام ناتج عن ترتيب المعاني والألفاظ. من أهم كتبه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة. توفي سنة 471هـ / 1078م}} انطلاقًا من كتابه دلائل الإعجاز؛ إذ أعاد تفاوت مستويات الكلام إلى تفاوتها في النظم[16].

على هذا الأساس كان التدرج في التراث العربي من المستوى الفردي إلى استنباط خصائص العربية في كل مستوياتها الصوتية، والصرفية، والتركيبية. وانطلاقًا من دراسة اللسان العربي كان الترقي إلى المستوى الكوني؛ إذ التبصر باللسان المحلي استدعى المقارنة بغيره من الألسنة، وتيسُّر هذا الأمر حقيقةٌ حضارية مهمة، هي أن كثيرًا من أولئك اللغويين الأوائل كانوا من غير العرب، وهو ما جسد أرضية ممهدة لمنظور تاريخي مقارن مبكر قياسًا بما استقر منهجًا مكتمل الأركان في أوروبا في القرن التاسع عشر.

كانت مركزية المكون اللغوي في التراث العربي الإسلامي مُحدّدًا لما يتسم به هذا التراث من ثراء في مقاربة الأقضية اللغوية في مستوياتها الثلاثة: الفردية، والاجتماعية، والكونية. وهو ما يمكن أن يعد مدخلًا إلى المقارنة بين المنجز في التراث العربي القديم والمتحقق في اللسانيات الحديثة. فبحكم مركزية المسألة اللغوية طبعت بواكيرَ الحضارة العربية الإسلامية، ولذلك تجد من الباحثين من ينظر في المسألة معياريا فيكتفي بالثناء على سبق العرب لغيرهم من الشعوب في القضايا اللسانية. غير أن الناظر من خارج المنظور المعياري يجد أنه على الرغم من متانة التراث اللغوي العربي وعمقه، فإن الباحث لا يكاد يجد في كتابات المؤرخين للسانيات ذكرًا للإسهام العربي، على أن كتابات مهمة أُنجزت في إطار أكاديمي، سعى أصحابها إلى إنصاف هذا التراث، واستخراج مكونات النظرية اللغوية العربية، في مختلف المستويات اللسانية[17].

على أن عدم إدراج الإسهام العربي ضمن التراث اللغوي الإنساني، هو في التقدير الإبستيمولوجي، علة حرمان الأوساط اللسانية من رصيد علمي مهم في دراسة اللغة، وإنما يعود ذلك إلى أن النظرية اللغوية العربية، وردت منجمة ومبثوثة في التراث الديني الإسلامي. وتلبُّسُ التراث اللغوي العربي بالتراث الديني، يجعل استقراء نظرية لغوية متمحضة للغة بالمعنى اللساني الراهن للكلمة عملًا يستغرق من الباحثين اليوم جهدًا لتجميع ما ورد منجمًا، حتى تُستخرج منه نظرية كلية من ثنايا التصانيف الكبيرة، فمن الأوجه القسمة الراسخة في التراث العربي التمييز بين علوم الغايات وعلوم الوسائل، وهو ما يشير إليه ابن سيده (ت.458هـ) في أواسط القرن الخامس مميزا في مقدمة مصنَّفه "المحكم والمحيط الأعظم" إلى تمييز في العلوم بين الديانيات واللسانيات[18]. وهذا التمييز هو ما استقر في التراث الإسلامي تمييزا بين "علوم المقاصد" و"علوم الوسائل"، وبين هذا الثنائي ترابط وثيق، وهو ما عبّر عنه محمد الطاهر ابن عاشور {{محمد الطاهر ابن عاشور، 1879- 1973) عالم تونسي في التفسير وأصول الفقه واللغة، تولّى مشيخة جامع الزيتونة، ويُعد من أبرز المجدّدين في الفكر الإسلامي الحديث. من أشهر آثاره تفسيره التحرير والتنوير ومقاصد الشريعة الإسلامية}} إذ يقول: إنّ "علوم العربية هي الأساس في معرفة مقاصد العرب"[19].

على هذا الأساس تمثل دراسة اللغة الركن المتين في التراث العلمي العربي، لكن مع مراعاة خصوصية في السياق العربي؛ هي أن النظر في قضايا اللغة لا يحتويه في هذا المقام إطار منهجي يمحض النظر اللغوي لدراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، وهو أمر مرتبط بخصوصية هذا الإطار العلمي، إذ اللغويات خَدَم وليست غايات، وهو أمر يجب أن يتناوله الباحث بعين وصفية لا معيارية.

ويُخلَص مما سبق إلى أربعة أمور:

  • أولها: أصالة النظر في اللغة والاهتمام بها، على أنه لا شك أن سياقات بحثية أخرى، يقفز عليها المؤرخ للبحث اللغوي، لأن التوثيق متأخر، ولأن مؤسسة اللغة هي الأشد ارتباطًا بالحميمي من حياة الإنسان.
  • الثاني: أن لحظات الاهتمام باللغة، تتزامن أساسًا مع لحظات الرقي الحضاري والعلمي لدى الشعوب.
  • الثالث: أن ثمة استرسالًا في الوعي باللغة بين الحضارات المتعاقبة، وإن تباعدت هذه الأمم جغرافيًّا.
  • الرابع: أن وعي الإنسان باللغة، قد أخذ عدًّا تصاعديًّا عبر التاريخ، وهو أمر حفزته عوامل حضارية وثقافية مهمة في حياة الشعوب، ولذلك سيوجد أن هذا العد التصاعدي سيتضاعف مع بداية الاكتشافات الجغرافية الكبرى، والانفتاح الكبير الذي أتاحته الثورة الصناعية في أوروبا.

لأجل هذه المعطيات نوافق ما يذهب إليه مونان من أن "الظن بأن اللسانيات قد انفلقت كالرعد في سماء صافية يكون ظنًّا خاطئًا"[20]؛ إذ المنجز اللساني اليوم هو حصيلة مسار طويل تراكمي من الاهتمام الإنساني باللغة، وليس من العلمي ما قد يشوب بعض الخطابات المعيارية التي تجعل ظهور العلم اللغوي في لحظة معينة من تاريخه. فعلى هذا الأساس يقتضي الوعي بالراهن في اللسانيات تبصرًا بأهم اللحظات التي تراكمت فتضافرت ووطأت لهذا العلم الذي ساهم في تجديد وجهات النظر لما بين أيدينا من الأقضية.

إن هذا الانفتاح الذي شهدته الدراسات اللغوية العربية، من الفردي الخاص إلى الكوني
العام، هو ما يمثل بداية تكوين تراث لساني إنساني مشترك. فبهذا التجريد، استطاع التفكير الإنساني أن يبني على قاعدة المنجز من دراسة الألسنة النوعية فكرًا كونيًّا سيتعزز بعوامل حضارية وثقافية، انطلاقًا من ظهور إطار واقعي للمقارنة بين اللسان المحلي وغيره من الألسنة، ولا سيما مع الاكتشافات الجغرافية الكبرى، وذلك على النحو الذي سيبين لاحقًا.

المنظور اللساني الكوني وعقلانية المقارنات العربية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

سبقت الإشارة إلى أن مسار الدرس اللغوي العربي قام على ترقٍّ في دراسة اللغة من الفردي إلى الاجتماعي انتهاء إلى الكوني، والتقدير أن الارتقاء في هذا المدرج من الفردي إلى الكوني يمر بمقارنة المستوى الاجتماعي الوسيط بينهما، وتُمثل مواضع المقارنة هذه لحظات حاسمة في تاريخ الفكر الإنساني لأنها مَرقاة التجريد والنظر العام، وهي درجة أتاحتها في التراث العربي أسباب منها؛ العلمي الذي أشير إليه آنفًا، ومنها الحضاري المتمثل فيما رافق انتشار الإسلام من احتكاك العرب بغيرهم من أصحاب الألسنة الأخرى.

على أن المقارنة بين اللغات والانتباه إلى مسألة التطور في اللغات البشرية هما من المسائل التي لا شك أنها تثار في سياقات فلسفية وبوجهات نظر قد لا تكون في كثير من المواضع علمية موضوعية. فمما ينسب إلى جالينوس {{جالينوس (Galen) جالينوس، أو كلود جالين (Galen / Claude Galien) (نحو129–216م) طبيب يوناني من أطباء العصور القديمة، وُلد في برغاما وعمل في روما، حيث عالج عددًا من الأباطرة. يُعد، مع أبقراط، من أبرز المؤسسين للمبادئ الكبرى التي قام عليها الطب الغربي، وقد جمع في عمله بين العقل والخبرة، واهتم بالتشريح والتجريب على الحيوان، وظل أثره مهيمنًا في الطب قرونًا طويلة}} أنه كان شديد الاعتداد باليونانية ويَعدّ ما سواها دونها، حتى إن ابن حزم الأندلسي {{ابن حزم الأندلسي (994–1064م)، هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، عالم أندلسي كبير، وُلد في قرطبة وتوفي في ولبة/لبلة. يُعد من أبرز أعلام الفكر الإسلامي في الأندلس، وقد اشتهر في الفقه والأصول والجدل والملل والنحل والأدب، وانتقل مذهبيا من المالكية إلى الشافعية ثم استقر على الظاهرية، حتى صار من أعظم ممثليها. ومن أشهر كتبه: المحلى، والإحكام في أصول الأحكام، والفصل في الملل والأهواء والنحل، وطوق الحمامة}} رد عليه قائلًا: "وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات؛ لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع ]...[، وهذا جهل شديد؛ لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكره جالينوس ولا فرق"[21].

وليس ما ذكره ابن حزم في هذا الجانب مجرد انتصار أخلاقي نفسي لغير اليونانية من الألسنة، وإنما هو مسلك منهجي يَسِم فكره، فلذلك اعتمد مقاربة وصفية موسعة أعلن من خلالها أن كل الألسنة سواء، وأن العربية نفسها لا تشذ عن هذه القاعدة العامة، ولا شك أن في ذلك إيماءً إلى ما قد انخرط فيه بعضهم من زعمٍ بأن العربية أفضل اللغات أو هي لغة أهل الجنة، يقول ابن حزم: "وقد قال قومٌ: العربية أفضل اللغات لأنه بها كلام الله تعالى، قال علي: وهذا لا معنى له لأن الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولًا إلا بلسان قومه، وقال تعالى: {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وقال تعالى: {وَإِنَهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ}، فبكل لغة قد نزل كلام الله تعالى ووحيه، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور، وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية، فتساوت اللغات في هذا تساويًا واحدًا"[22].

على هذا الأساس، تشكلت في التراث اللغوي العربي لبناتُ منظور وصفي مقارن في آن واحد، ينظر إلى العربية موصولة بغيرها من الألسنة البشرية، لكن دون أن يشكل ذلك منهجًا متكاملًا في المقارنة على نحو ما استقر في أوروبا في القرن التاسع عشر. وقد آلت هذه المقارنات إلى تشكيل وعي علمي يتجاوز ضيق اللسان الواحد. وبتأثير الترقي النظري من جهة، والانفتاح الحضاري من جهة أخرى، غدت المقارنة أحد الأسس الدقيقة التي تبلورت على نحو واضح في التراث اللغوي العربي، وتجلى ذلك في سياقات نظرية تدرج فيها بعض الدارسين العرب من النظر في لسانهم العربي إلى صياغة قوانين لغوية عامة، ومن أوجه الخصوصية في هذه القوانين أنها متضمنة في سياقات اختبارية واقعية، وفي هذا المضمار يتأسس نهج في دراسة المسائل اللغوية من منظور الكليات اللغوية (Linguistic Universals)[23] في إطار واقعي، ويُلمَس ذلك من عبارة ابن حزم: "من تدبر العربية والعبرانية والسريانية، أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرنا، من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل"[24].

هذا الإطار الاختباري هو ما جعل النظرية اللغوية العربية مبثوثة في سياقات عملية متنوعة، وهو ما يعني أن دراسة اللغة في التراث العربي هي في مثل هذه السياقات وظيفية عملية محكومة بغاية. فمن هذا المنطلق بُني هذا المنظور اللغوي على مراوحة بين إطلاقية الكليات ونسبية الخصوصيات، وهو مسلك وعر في المعرفة العلمية، والتقدير أن بناء هذا المسلك على معطيات لغوية مقارنة يجعله أساسًا متينًا لمنهج في النظر ومقاربة الأمور، فالأساس العام الناظم لهذا المنظور اللغوي أن كل لسان يقدم تصورًا للعالم والأشياء يختلف اختلافًا قليلًا أو كثيرًا عن غيره من الألسنة، ومن نتائج ذلك أن عمل الترجمان يتأثر بالغ التأثر بما بين لسانَي الترجمة من فروق، يقول الجاحظ في حال الترجمان إزاء تباين لسانَي الترجمة: "ومتى وجدناه أيضًا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما، لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها"[25].

المنظور اللساني العربي ومبحث المقْولة

للمنظور الكوني الذي يؤطر النظر العربي في قضايا اللغة امتدادان متكاملان، أولهما أن قضايا اللغة منجمة ومبثوثة في المصنفات كلها، ولذلك يجمع مفهوم "البيان"[26] هذا التراث المتحقق كله، حول اللغة من وجه ما؛ وأما الامتداد الثاني، فيتمثل في البحث في الكليات، ورأسها مسألة المقْولة (Categorization) {{المقْولة عملية ذهنية ومنهجية تُرتَّب بها الأشياء أو المفاهيم أو الظواهر ضمن مقولات/فئات تجمعها خصائص مشتركة. يتيح هذا التنظيم فهم العلاقات بين العناصر، وتبسيط المعرفة، وبناء الأنظمة المفهومية والعلمية. ويُعد أداة أساسية في المنطق واللسانيات والعلوم الإنسانية والطبيعية، لأنه يساعد على الوصف والمقارنة والاستدلال وإنتاج المعنى بدقة ووضوح}} ، فقد كانت الخلفية المتحكمة في التصنيفات والتقسيمات التي استقرت في مختلف الحقول المعرفية، فكانت بمنزلة السياج الإبستيمولوجي المتحكم فيما دونه؛ إذ المقْولة هي النشاط الذهني المحدد لكيفية تصنيف الذهن للأشياء، وحدّها أنها "العملية الذهنية التي يقسم الذهن بواسطتها الأشياء والأحداث، وهذه العملية هي القاعدة لبناء معارفنا حول العالم، وهي الظاهرة الأكثر مركزية للمعرفة، ولذلك تعد المسألة الأشد أهمية في العلوم الإدراكية {{العلوم الإدراكية هي مجال علمي بينيّ يدرس العقل والمعرفة وكيفية اكتساب الإنسان للمعلومات ومعالجتها وتمثيلها. تجمع بين علم النفس، واللسانيات، والفلسفة، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الأعصاب، وتهتم بموضوعات مثل الإدراك، واللغة، والذاكرة، والتفكير، وحل المشكلات}}، فهذه العلوم معنية بالمعارف التي تشكل الإدراك البشري، وتحدد تفاصيل المسارات الإدراكية للإنسان، وإمكانات النمذجة الحاسوبية لهذه المسارات"[27].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومن ملامح التنسيب في فكر الجاحظ {{الجاحظ (ت. 255هـ/ 869م) هو عمرو بن بحر الكناني، أديب ومفكر معتزلي من كبار كتاب العصر العباسي. تميز بأسلوب ساخر وتحليل دقيق للطبيعة والمجتمع. من أشهر مؤلفاته البيان والتبيين والحيوان والبخلاء. توفي سنة 255هـ / 869م}}، أنه إذ ينظر في مسألة تصنيف الكائنات، لا يسلّم بالنموذج المتداول، وهو المنوال الأرسطي القائم على معيار الشروط الضرورية والكافية، وإنما يتبنى في كتابه الحيوان، نمطًا في تصنيف الكائنات في الكون، يخرج عن صرامة المنوال الأرسطي، فلذلك صدر الجاحظ كتابه الحيوان بتقسيم للكائنات، راسمًا شجرة للمدركات الحسية في الكون، مميزًا بين النامي وغير النامي، ثم مفرعًا للنامي إلى حيوان ونبات، فالحيوان منه الذي يمشي والذي يطير، والذي يسبح والذي ينساح. ولكن هذا التفريع المقولي الذي يعرضه الجاحظ، سرعان ما يناقشه، فيعلن نسبيته انطلاقًا من أمثلة، أبسطُها أنه ليس كل ما كان من فصيلة الطير طائرًا بالضرورة، بل إن التقسيم إلى نامٍ وجماد في هذا المضمار، إن هو إلا بما توفره لغة العرب من تقسيم، فيقول: "الأمم في هذا كله على خلافهم، ونحن في هذا الموضع إنما نعبر عن لغتنا، وليس في لغتنا إلا ما ذكرنا"[28].

على هذا الأساس، يخلص الباحث من مراجعة الإسهام العربي في دراسة اللغة، إلى أن عاملين تضافرا، فجعلا التراث العربي على درجة عالية من الثراء في دراسة اللغة؛ أولهما من متن مضمون العلم نفسه، وهو الترقي في مقاربة اللغة، ابتداء من المستوى الفردي، وانتهاء إلى المستوى الكوني؛ والعامل الثاني حضاري، وهو أن دراسة اللغة العربية وتأسيس المدونة البيانية، تزامن مع انفتاح العرب بفضل الإسلام على غيرهم من الحضارات والشعوب، فأصبحت اللغة العربية في الحياة العامة وفي النظر العلمي، واحدة ضمن تنوع لساني، لا شك أنه يوسع دائرة النظر من جهة، وينسب ما يُظن أنه مطلق من أقضية اللغة وأوجه مقاربتها، ومما عزز هذا المنظورَ المقارن، أن الرواد الأوائل في التأليف النحوي العربي أكثرهم من غير العرب، فعلى هذا الأساس، انبنى النحو العربي منذ البداية على أساس إبستيمولوجي أساسه الانفتاح، حتى إن كثيرًا من الدراسات النقدية، تشير إلى هذا الانفتاح تثمينًا أو تعريضًا، من خلال تفصيل القول في الأصول اليونانية أو الفارسية للنحو العربي. فإن نظرنا إلى المسألة من خارج المنظور المعياري، فإن التثاقف بين العرب وغيرهم، كان القادح الحضاري والأساس للنظر إلى العربية من منظور مقارن ضمني أو صريح. على أن عمليات المقارنة والتأريخ، لم يحتوِها تأصيل نظري يحقق نظرية مستقرة المفاهيم والمنهج.

على هذا الأساس، سيظل في تاريخ الدراسات اللغوية عاملان مهمان في توجيه البحث نحو الخروج من ضيق المنظور النحوي المعياري؛ أولهما المثاقفة بين الشعوب وما يحف بها من معطيات حضارية، تفتح النظر على ألسنةٍ غير اللسان المحلي؛ والثاني، هو توسيع الباحثين لدائرة نظرهم لدراسة اللغة، من منظور يقارن بين اللسان المحلي وغيره من الألسنة. وقد ظل هذان العاملان يشكلان محفزًا مهمًا، تدين له دراسات اللغة بأهم ما حققته من خارج دائرة النظر في اللسان الواحد.

ومن ثمار هذا المنظور الموسع، أنْ أصبح الدارسون ينظرون إلى اللغة العربية من منظور تاريخي، تخلص من المسلمات الغيبية، التي طالما غرق فيها الباحثون، ممن قادتهم بعض النعرات إلى ما كانوا يظنونه نصرة للعربية، فانبرى بعضهم يزعم أن لسان العرب هو لسان أهل الجنة، أو أفضل اللغات أو أقدمها.

وبعيدًا عن النظرة الثبوتية، غدا من المتواتر في أمر اللغات، أن اللغة إذ تبلغ عمرًا معينًا ويتسع استعمالها، تطرأ عليها عبر التاريخ طوارئ حياة المتكلمين بها، وبتفرقهم وانفتاحهم على غيرهم، تنشأ لهم عادات لغوية جديدة. ولقد عبر ابن حزم عن هذه الفكرة، بمنظور وصفي متجرد من كل انتصار للسان العربي، يقول ابن حزم: "الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينًا، أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر لا لغة حمير لغة واحدة، تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث فيها جرش، كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتهما. ونحن نجد من إذا سمع لغة فحص البلوط، وهي على ليلة واحدة من قرطبة، كاد أن يقول إنها غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير من البلاد"[29].

ويعزو ابن حزم هذا التغير والتغاير، إلى أن الكيانات الاجتماعية ليست كيانات مغلقة، وإنما هي تتجاور على سبيل التفاعل والتشارك، وعلى ذلك الأساس، صاغ ابن حزم قانونًا لغويًا أيده بأمثلة من لغة عصره، فقال: "إنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى، تتبدل لغتها تبدلًا لا يخفى على من تأمله. ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلًا، وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق، فنجدهم يقولون في العنب "العينب"، وفي السوط "أسطوط"، وفي ثلاثة دنانير "ثلثدا". فإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال "السجرة"، وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول "مهمدًا" إذا أراد أن يقول محمدًا"[30].

من ذلك، يُخلص إلى أن دراسة اللغة في التراث العربي لم تكن دراسة منغلقة، فقد تهيأت لها من الملابسات الثقافية الحضارية ومن الأسس المنهجية، ما جعل الوجه النحوي المعياري لا يشكل سوى وجه من الدراسة، أمْلته احتياجات عملية، فأُجري على أسس منهجية دقيقة، ولذلك يؤلف المنظور النحوي الذي دُرس لسان العرب من خلاله، اللسانيات الآنية، لأنه ينظر في اللغة العربية في حيز من عمرها ومن خارج مسار تطورها. وحين اكتملت المنظومة النحوية، تعززَ المنظور الآني السكوني في البحث، بمنظور تاريخي تطوري مقارن، وبتضافر المنظورين -الآني السكوني والتاريخي التطوري- توسعت دائرة النظر النحوية السكونية؛ ذلك أن نحو كل لغة، هو في التقدير المنهجي ما يكون اللسانيات الآنية لتلك اللغة، أي الذي ينظر في أبنية اللغة وخصائصها في حيز محدد من تاريخها، ومن خارج دائرة تطورها، في أنظمة أصواتها وصرفها وتركيبها.

منشأ التجديد في الدراسات اللغوية الغربية

يُستخلص مما سبق أن الخروج من أسْر اللسان الواحد، هو العامل الأساسي الذي مهد للنظر في اللغات من منظور الكليات اللغوية، وهذا الخيار المنهجي، هو ما ظهر لاحقًا على أساس حضاري، انطلاقًا مما صاحب انفتاح الأوروبيين على الشعوب الأخرى من تجديد وجْهات نظرهم إزاء قضايا اللغة، فلذلك يقدر المؤرخون للعلم اللساني الحديث، أن إرهاصات نشأة علم اللسانيات إنما بدأت في إطار ذاك التثاقف، الذي فرضته الاكتشافات الجغرافية الكبرى {{الاكتشافات الجغرافية الكبرى هي رحلات بحرية أوروبية، خاصة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، هدفت إلى اكتشاف طرق تجارية ومناطق جديدة، أدت إلى معرفة قارات ومحيطات، وربط العالم تجاريًّا، لكنها ارتبطت أيضًا بالاستعمار واستغلال الشعوب والموارد}} ، فالذي يراجع تاريخ الدراسات اللسانية، يجد أن البعثات العسكرية والجغرافية والعلمية، مثلت إطارًا مُهمًا حمل الأوروبيين على مقارنة ثقافتهم بثقافات الشعوب التي اطلعوا عليها، كذلك فإن النهضة العلمية والصناعية في أوروبا، صاحبَها اكتشاف تدريجي متنامٍ للخطورة الجليلة للمسألة اللغوية، وقد انطلق ذلك من حاجيات عمَلية، صاحبت الاكتشافات الجغرافية الكبرى، ثم تدرج الأمر فتمخض عن أسئلة نظرية شغلت الباحثين، حتى خرجت المسألة اللغوية من ضيق الإطار الإقليمي والاحتياجات العملية، وغدا الباحثون ينظرون في اللغة في إطار أوسع، أولُ تجلياته المقارنة بين الألسنة البشرية. فانطلاقًا من الاكتشافات الجغرافية الكبرى، انفتح الأوروبيون على لغات الشعوب الأخرى وثقافاتها، بفضل مستكشفين كانت المسألة اللغوية أحد الهواجس الأساسية في رحلاتهم، وهو ما يبينه [31]. ولا يختلف الأمر عن ذلك مع سلَف كولومبس ومعاصريه من المستكشفين الأوروبيين، مثل ماركو بولو (Marco Polo، 1254-1324)، وفرديناند ماجلان (Ferdinand Magellan، 1480-1521)، وفاسكو دي غاما (Vasco da Gama، 1460-1524).

لذلك يقدر المؤرخون للعلم اللساني الحديث، أن إرهاصات نشأة علم اللسانيات إنما بدأت في إطار هذا التثاقف، الذي فرضته الاكتشافات الجغرافية الكبرى، فالذي يراجع تاريخ الدراسات اللسانية، يجد أن البعثات العسكرية والجغرافية والعلمية، قد مثلت إطارًا مُهمًا حمل الأوروبيين على مقارنة ثقافتهم بثقافات الشعوب التي اطلعوا عليها، ولقد كان لهذا الانفتاح أثران علميان جليلان؛ أولهما نشأة الأنثروبولوجيا {{الأنثروبولوجيا هي علم الإنسان، يدرس أصوله وتطوره وخصائصه البيولوجية والثقافية والاجتماعية. تهتم بفهم أنماط العيش والعادات والمعتقدات واللغة والمؤسسات داخل المجتمعات البشرية. وتعتمد على الملاحظة والمقارنة والعمل الميداني لتحليل الإنسان بوصفه كائنًا طبيعيًا وثقافيًا في آن واحد، عبر الزمان والمكان، وفي تنوع خبراته وتجاربه الإنسانية المختلفة}} ، وهي العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي، فكان أن تَتَوج ذلك بتأسيس اتجاه بحثي في القرن التاسع عشر، ينشغل بدراسة الشعوب، ولا سيما ما كان منها بعيدًا عن أوروبا مركز الحضارة الحديثة. وتزامن ذلك مع شغف شديد لدى الأوروبيين باكتشاف كل جديد، والتطلع إلى كل غريب قادم من بعيد، واختُصر ذلك في هالة تُضفَى على كل وافد غريب ماديًا كان أو معنويًا، فيوصف على سبيل الانبهار بأنه مُدْهِش (Exotic). وأما الأثر الثاني، فيتمثل في عمليات مقارنة كانت بداياتها عفوية وبسيطة، انطلاقًا من ملاحظات مستكشفين أوروبيين، ثم تطورت تلك الملاحظات، فكانت هذه المقارنات أرضية لمنهج متكامل في الدراسات التاريخية المقارنة، هو الذي استقر في القرن التاسع عشر.

وقد تكون البدايات الأولى للمنهج التاريخي المقارن، متمثلة فيما قام به اليسوعي الفرنسي غاستون لوران كوردو {{غاستون لوران كوردو (Gaston Laurent Coeurdoux، 1691-1779) راهب يسوعي ومبشّر فرنسي، عُرف باهتمامه باللغات الهندية، خاصة السنسكريتية. يُعدّ من أوائل من لاحظوا التشابه بين السنسكريتية واللغات الأوروبية كاللاتينية واليونانية، مما أسهم لاحقًا في نشوء الدراسات المقارنة للغات الهندوأوروبية، وربط البحث اللغوي بالتاريخ والثقافة}} ، حين أعلن سنة 1767، عن وجود علاقة بين الألسنة السنسكريتية واليونانية واللاتينية، ثم نشر ذلك في بحث أظهره للناس قُبيْل وفاته. وبالتزامن مع ذلك، أبدى السير وليام جونز {{السير وليام جونز (Sir William Jones،1746 -1794) مستشرق وقاضٍ ولغوي بريطاني، أسّس الجمعية الآسيوية في البنغال. اشتهر بملاحظته التشابه العميق بين السنسكريتية واليونانية واللاتينية، مؤكدًا انتماءها إلى أصل مشترك. أسهمت أفكاره في تأسيس علم اللغة المقارن والدراسات الهندوأوروبية، وربط البحث اللغوي بالتاريخ والثقافة الشرقية}} القاضي بالمحكمة العليا بالبنغال، إشارة لغوية دقيقة، ما إن ذكرها في تقرير له سنة 1786، حتى أذكت روح البحث العلمي المقارن في لغات الشعوب في مطلع القرن التاسع عشر، ومفاد ملاحظة وليام جونز، أن السنسكريتية واليونانية واللاتينية، بينها أوجه قرابة قوية، لا يمكن أن تُرد إلى محض الصدفة. وعلى هذه الأسس، بنى فرانز بوب{{فرانز بوب (Franz Bopp، 1791-1867) لغوي ألماني يُعد من رواد اللسانيات التاريخية المقارنة في القرن التاسع عشر، وقد اشتهر بدراساته في اللغات الهندية الأوروبية، ولا سيما بمقارنة أنظمة التصريف بين السنسكريتية واليونانية واللاتينية والفارسية والجرمانية. ويُعد من الأسماء المؤسسة للمنهج التاريخي المقارن في دراسة اللغات}} منهجه في الدراسة التاريخية للغات، فكانت باكورة بحوثه سنة 1816 بعنوان: "عن نظام التصريف في اللغة السنسكريتية مقارَنًا بنظيره في كل من اليونانية واللاتينية والفارسية والجرمانية"[32].

على هذا النحو كان احتكاك الأوروبيين بغيرهم من الشعوب، مقدمةً لنهضة علوم اللسان والإنسان، وهي النهضة التي يُدانُ إليها بما حصل لاحقًا من تطور في العلوم الإنسانية، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ورغم تلك الحصيلة العلمية المهمة، فإن أهداف ذلك الانفتاح الأوروبي على العالم، لم تكن من جنس الأهداف المرسومة سلفًا، فقد كانت الغايات تجارية استعمارية أساسًا، فتحققت النتائج بما يشبه الصدفة، على نحو ما فعل كريستوفر كولومبس، إذ اكتشف أمريكا وهو يبحث عن طريق إلى الهند.

وعلى العموم، لم يكن الانفتاح الحضاري منقطعًا عن الانفتاح اللغوي، وذلك إما تلبية لاحتياجات عمَلية، تتمثل في تعلم لغة المستعمرات، وإما لضرب من الترف العلمي، فقد كان تعلم لغات معينة مرتبطًا بدرجة من الوجاهة العلمية والثقافية، يحرص عليها كثير من أهل ذلك العصر. ويتجلى ذلك في لغتين أساسًا، هما اللاتينية والسنسكريتية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولأسباب حضارية، ظلت للغة اللاتينية مكانة اعتبارية في تقدير الأوروبيين، ولا سيما واللاتينية هي لغة التراث المشترك للمسيحيين، فعُد تعلمها مَجْلبة للوجاهة والاحترام، فهي في أذهان المقبلين عليها، المرقاة التي يتطلع متعلمها إلى مرتبة الفيلسوف والخطيب الروماني ماركوس شيشرون{{شيشرون (Marcus Tullius Cicero، 106ق.م–43ق.م) خطيب وفيلسوف ورجل دولة روماني، يُعد من أعظم بلاغيي روما وأبرز ممثلي الفكر اللاتيني. اشتهر بخطبه السياسية ومؤلفاته في البلاغة والفلسفة والقانون، وكان له أثر كبير في التراث الإنساني وفي تطور الأسلوب النثري اللاتيني}}، ولكن هذه الطهورية في اشتراط لاتينية قديمة تحاكي لغة شيشرون، سرعان ما ولدت ضغطًا تزامن مع النهضة الصناعية والتوجه إلى دراسة الإغريقية، فنشأ لدى الأوروبيين اهتمام بالأدب المكتوب بالألسنة المحلية المختلفة لكل بلد أوروبي. وقد أذكى هذا التوجهَ انتشارُ الطباعة، مع ما يعنيه ذلك من تيسير الاطلاع على الألسنة الأجنبية، فقد كان اختراع الألماني غولدسميث يوهان غوتنبرغ {{غولدسميث يوهان غوتنبرغ (Johannes Gutenberg، 1398-1468) مخترع ألماني يُعد من أبرز شخصيات تاريخ الحضارة الأوروبية، اشتهر بتطوير الطباعة بالحروف المعدنية المتحركة في القرن الخامس عشر. وقد أحدث اختراعه ثورة كبرى في نشر المعرفة، وأسهم في انتقال الكتب والأفكار بسرعة أوسع، مما مهّد لعصور النهضة والإصلاح والتحديث}} للمطبعة في 1440، إيذانًا بعهد جديد في حوامل المعرفة وتدوين التراث الإنساني، وغدت منذئذ للمكتوب سطوة وسلطة، فلم يكن من الغريب أن يتجه أهل كل لسان إلى تدوين تراث لغتهم وإحيائه.

ومن طريف ما كان في هذا السياق، أن العبرية كانت تعد أشد اللغات جذبًا للدارسين من حيث هي لغة العهد القديم، فانفتح الدارسون لأول مرة على لغة من العائلة السامية، تختلف في أبنيتها وخصائصها عن اللغات المتداولة في أوروبا، وذلك رغم الهالة الأسطورية التي حاطت باللغة العبرية، مثل عدها لغة الجنة، والاعتقاد بأنها أصل اللغات، فكان أن انقاد الباحثون إلى تعليل أن اللغة العبرية أصل اللغات، انطلاقًا من مجموعة من التشابهات المسقطة بين لغاتهم واللغة العبرية، وقد أتاح ذلك التعسف ما هو معروف من أن العبرية تكتب من اليمين إلى الشمال، خلافًا للألسنة الأوروبية[33].

وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، اكتشف الأوروبيون نصوصًا باللغات القوطية القديمة، ولا سيما ترجمة وولفيلا (Wuifila) القوطية للإنجيل، مقارنةً بالترجمات إلى اللغات الإنجليزية والجرمانية والأيسلندية القديمة، فسطر ذلك بداية نهج في المقارنة بين اللغات بداية من القرن التاسع عشر[34].

على أن الاهتمام لم يكن منصرفًا في البداية إلى تاريخ اللغات، فقد كان اللغويون متجهين إلى تجميع التراث اللغوي، أكثر من الاتجاه إلى اقتفاء تطور الألسنة. فعلى هذا الأساس، يُرى الفيلسوف الألماني غوتفريد فيلهلم لايبنتز{{لايبنتز (Gottfried Wilhelm Leibniz، 1646–1716): فيلسوف ورياضي ألماني، يُعد من أبرز أعلام الفكر الأوروبي في العصر الحديث. أسهم في الفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم، واشتهر بدوره في تطوير حساب التفاضل والتكامل وبآرائه في اللغة والمعرفة، وكان له أثر مهم في تاريخ الفكر العلمي والفلسفي}} -وهو الذي يُدان له بفكرة إمكانية صياغة لغة كونية - يحث القيصر الروسي بطرس الأكبر (1672- 1725) على جمع مفردات وعينات من اللغات جميعها في إمبراطوريته الشاسعة. وتدين اللسانيات كثيرًا إلى مبادرة لابنيتز، التي تبنتها الإمبراطورة كاثرين الثانية (1729-1796)، فبفضل ذلك، غدت بين أيدي الباحثين مكانز يقدم كل منها جردًا مقارنًا بين مفردات اللغات المعاصرة. فكانت أعمال أعلام مثل الفيلولوجي لورينثو هارفاس إي باندورو{{لورينثو هارفاس إي باندورو (Lorenzo Hervás y Panduro، 1735-1809): عالم لغوي ومفكر إسباني، عُرف باهتمامه الواسع بتصنيف اللغات ودراستها المقارنة. ويُعد من الرواد الذين أسهموا في تطور البحث اللغوي المقارن في أوروبا، ولا سيما من خلال جمعه معلومات عن عدد كبير من لغات العالم ومحاولته تصنيفها على أسس علمية}} توطئة مهمة للسانيات التاريخية المقارنة في القرن التاسع عشر[35].

ومما يُسجل في هذا الجانب، أن سطوة اللغة اللاتينية أضفت عليها حظوة، فغدا مفهوم النحو معياريًا بالأساس، وعُدت وظيفة النحو متمثلة في تعليم أجود القول والكتابة[36]. وكذلك الأمر في مستوى المعجم، فقد طغت عليه المقاربة المعيارية، وهي سمة القواميس الصادرة عن الأكاديميات الفرنسية والإيطالية وقتئذ. ومن المعلوم أن اعتماد مقاربة معيارية، يقصي من المعجم كل وجه تاريخي أو وصفي، ومن ذلك كله، تكرس منظور معياري على هامش المكانة الاعتبارية التي غدت للغة اللاتينية، مع ما أصبح للتراث المكتوب من سطوة وسلطة على أذهان المهتمين باللغة.

لقد تجلت هذه المعيارية على نحو آخر، في مبحث انشغل به الدارسون كثيرًا في القرن الثامن عشر ثم التاسع عشر، هو أصل اللغات، فكان كتاب جون جاك روسو {{جون جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau، 1712- 1778) فيلسوف وكاتب ومفكر من أعلام عصر التنوير، وُلد في جنيف وكان له أثر بالغ في الفكر السياسي والتربوي والأدبي في أوروبا. اشتهر بكتاباته في العقد الاجتماعي والتربية والطبيعة الإنسانية، وأسهمت آراؤه في تشكيل كثير من الأفكار الحديثة حول الحرية والمجتمع والإنسان}} الصادر بعنوان: "محاولة في أصل اللغات"[37] فتحًا لمجال في البحث، تجدد النظر فيه بكيفيات مختلفة من بعده. ويعدّ يوهان غوتفريد هردر{{يوهان غوتفريد هردر (Johann Gottfried Herder، 1704- 1803): فيلسوف وناقد ألماني، يُعد من أبرز أعلام الفكر الألماني في القرن الثامن عشر. اشتهر بآرائه في اللغة والثقافة والتاريخ، وكان يرى أن اللغة تعبير أساسي عن روح الأمة وهويتها، وقد أسهمت أفكاره في تطور الدراسات الأدبية واللغوية والفكر القومي في أوروبا}} المنعرج المهم في هذا المجال البحثي، الذي استنزف كثيرًا من كتابات الدارسين، فقد صاغ مقالة سنة (1772) بعنوان: "حول أصل اللغة"، ونال عنها جائزة أكاديمية برلين، وقد ناقش في هذه المقالة وجهات النظر الرائجة في عصره، وصاغ أفكاره بعبارة لقيت رواجًا في أوروبا ولا سيما في ألمانيا، فلم يقتصر أثر أفكاره على يوهان فولفغانغ فون غوته{{يوهان فولفغانغ فون غوته (Johann Wolfgang von Goethe، 1749–1832): شاعر وأديب ومفكر ألماني، يُعد من أعظم أعلام الأدب الأوروبي الحديث. اشتهر بإبداعه في الشعر والمسرح والرواية، وكان له أثر كبير في الأدب والفكر الألمانيين، كما أسهمت كتاباته في ترسيخ مكانته واحدًا من أبرز رموز الثقافة العالمية}} والرومنطيقيين الألمانيين فحسب، بل مهد بذلك الطريق لمقاربات القرن التاسع عشر، في دراسة اللغة من منظور تاريخي مقارن[38].

وفي 1796، رصدت أكاديمية برلين جائزة لأفضل بحث يعالج مسألة أفضل اللغات، ويقارن بين أشهر اللغات الأوروبية المعروفة وقتئذ، فنال الجائزة الطبيبدانيال ينيش {{دانيال ينيش (Daniel Jenisch، 1762- 1804) لاهوتي وفيلسوف وكاتب ألماني، ومن تلامذة كانط. عُرف باهتمامه بقضايا اللغة وتاريخ الفكر الإنساني، ونال جائزة أكاديمية برلين عن بحثه في اللغة المثالية. أسهم في التأمل اللغوي المقارن والجماليات اللغوية، ويُعد من الأسماء الممهِّدة لتطوّر التفكير اللغوي الحديث في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر}} عن بحث نشر لاحقًا بعنوان: "مقارنة وتقدير فلسفيان نقديان لأربع عشرة لغة أوروبية قديمة وحديثة"[39]، ويعد هذا الكتاب واضع الأسس العلمية لنهج في الدراسات المقارنة، وهو ما وسم الكتابات اللغوية في القرن التاسع عشر، فكانت البداية لتجاوز الدارسين للمقاربات الانطباعية المعيارية، واعتماد أسس منهجية تقنية.

على هذا الأساس، تضافرت مجموعة من العوامل على نحو تراكمي، آل إلى ظهور الدراسات التاريخية المقارنة في القرن التاسع عشر، فكان المنطلقُ متمثلًا في انفتاح الأوروبيين بفضل الاكتشافات الجغرافية الكبرى، علاوة على ظهور الطباعة سليلة النهضة الصناعية، وما وفره ذلك من إمكانات جديدة في البحث والنظر، وبفضل توفر المدونات المكتوبة، اتجه نظر الدارسين إلى التراث الأوروبي المدون، ولا سيما ما كان منه دينيًا، فكان ذلك منشأ الفيلولوجيا التي تتخذ النظر في النصوص القديمة موضوعًا لها.

ولكن هذه المشاغل لم تتخلق في سياق علمي خالص؛ إذ نشأت على هامش ذلك مجموعة من التصورات، التي حددت وجهة نظر الباحثين، ومثال ذلك، عدّ العبرية أقدم اللغات ولغة أهل الجنة، وعد اللاتينية أفضل اللغات، وأن أفضل ما يكتب يجب أن يكون بها. ولكن هذه النظرة المعيارية الطهورية، لم تكن في الأحوال كلها سلبية، فقد كانت الرحم التي تخلقت فيها مكونات وجهة نظر تاريخية مقارنة، وهي النهج الذي سيطبع الدراسات اللغوية في القرن التاسع عشر، ولا سيما في ألمانيا مهْد المقاربات التاريخية.

اللسانيون الألمان​ الأوائل ومفاتيح الدراسات التطورية

تأسست الضوابط المنهجية للمقاربة التطورية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، في وجهيها التاريخي والمقارن، انطلاقًا من مسارات بحثية تنْظمها خلفية منهجية واحدة، هي فكرة التطور، غير أن مبدأ التطور تجلى في دراسة الظواهر اللغوية والإنسانية، بخلفيتين منهجيتين من أَرُومة واحدة، ولكن مآلاتهما البحثية مختلفة، فقد ارتبط الخوض في تطور اللغات، بمجموعة من الخيارات المنهجية، التي تكرست حتى غدت بمنزلة الأعراف البحثية الضاغطة، وحسْب الباحث من ذلك أمران؛ أولهما، بعض الخيارات المدرسية، التي غدت أعرافًا بحثية وتقليعات ينبغي أن يلتزم بها المقبلون على البحث اللساني، فمن ذلك أن تعلم اللسان السنسكريتي، غدا يعد شرطًا لمن يروم التخصص في قضايا اللغة. والأمر الثاني هو اتجاه الباحثين إلى البحث عن اللغة، التي يُفترض أنها اللسان الأقدم، ومن ذلك كله، خرج الباحثون من دائرة العلم إلى تقويمات ليست من روح العلم في شيء، حتى إن الجمعية اللسانية بباريس، قررت استبعاد البحث في أصل اللغات، في إطار أكاديمي بداية من سنة 1866[40].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولكن الضابط المنهجي الذي ظل أجْلى أثرًا وأجل خطورة في دراسات الباحثين، هو أن فكرة التطور التي سادت في القرن التاسع عشر في ألمانيا، ارتبطت بأمرين متفاعلين تفاعلًا وثيقًا، أولهما، تأثرها بالخلفية الطبيعية بفعل تطور علوم الأحياء، ولا سيما بعد نشر شارل داروين{{شارل داروين (Charles Darwin، 1809-1882) عالم طبيعة بريطاني، اشتهر بنظرية التطور عبر الانتقاء الطبيعي. عرض أفكاره في كتاب أصل الأنواع سنة 1859، مفسرًا تنوع الكائنات وتكيفها عبر الزمن. أحدثت نظريته تحولًا عميقًا في علم الأحياء، وأثرت في الفلسفة والأنثروبولوجيا وفهم الإنسان لمكانته في الطبيعة}} لكتابه: أصل الأنواع (On the Origins of Species) سنة 1859[41]. وهو الكتاب الذي لقي إقبالًا منقطع النظير، حتى غدا دستور الدراسات التطورية، فقد صدرت منه إلى حدود 1890، تسع وثلاثون طبعة.

وانتهى الأمر في دراسة اللغة إلى مقاربتها من حيث هي ظاهرة طبيعية خاضعة لقوانين التطور الطبيعي، مع ما يعنيه ذلك من عد اللغة كائنًا طبيعيًا تنسحب عليه نواميس الحتمية الطبيعية، فلذلك نجد أن ما صاغه جاكوب غريم {{جاكوب غريم (Jacob Ludwig Carl Grimm، 1785-1863): لغوي وأديب ألماني، يُعد من أبرز رواد فقه اللغة الجرمانية والدراسات المقارنة في القرن التاسع عشر. اشتهر، إلى جانب أخيه فيلهلم غريم، بجمع الحكايات الشعبية الألمانية، كما ارتبط اسمه بـقانون غريم في الأصوات، الذي كان له أثر كبير في تطور اللسانيات التاريخية المقارنة}} من قوانين صوتية، ظل مشروعًا منفتحًا، حتى اكتمل بمجهودات خَلَفه الذين كونوا حلقة النحاة الجدد (Neogrammarians)، ولا سيما مع كل من كارل بروغمان {{كارل بروغمان (Karl Brugmann، 1849-1919) لغوي ألماني، يُعد من أبرز أعلام مدرسة النحاة الجدد في القرن التاسع عشر. اشتهر بإسهاماته المهمة في دراسة اللغات الهندية الأوروبية وفي ترسيخ المنهج التاريخي المقارن، وكان لبحوثه أثر كبير في تطوير اللسانيات التاريخية وتفسير التغيرات الصوتية والصرفية على أسس علمية دقيقة}} ، وهيرمان أوستوف {{هيرمان أوستوف (Hermann Osthoff، 1847-1909): لغوي ألماني، يُعد من أبرز ممثلي مدرسة النحاة الجدد في القرن التاسع عشر. اشتهر بإسهاماته في فقه اللغة الهندية الأوروبية، وأسهم في ترسيخ المنهج التاريخي المقارن والدفاع عن مبدأ انتظام القوانين الصوتية، فكان له أثر مهم في تطور الدراسات اللغوية الحديثة}} ، وأوغست لسكين {{أوغست لسكين (August Leskien، 1840-1916): لغوي ألماني، يُعد من أبرز أعلام مدرسة النحاة الجدد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. اشتهر بدراساته في اللغات السلافية والهندية الأوروبية، وكان من المدافعين عن مبدأ انتظام القوانين الصوتية، وقد أسهم إسهامًا مهمًا في تطوير اللسانيات التاريخية المقارنة}} .

وبضرب من التراكم والتطور، تأسست في القرن التاسع عشر مقاربة تاريخية تطورية للغة، أساسها النظري أن اللغة كائن حي، ينطبق عليه ما ينطبق على الظواهر والكائنات الطبيعية من نواميس الحياة، ولقد سادت هذه الفكرة الدراسات اللغوية، متأثرة في ذلك بازدهار علوم الأحياء، ولا سيما بعد ظهور كتاب شارل داروين عن أصل الأنواع. وقد لقي المنظور الدارويني تطبيقات مبكرة له في سياق اللغة، انطلاقًا من بحوث دارسين مثل أوغست لسكين {{أوغست لسكين (August Leskien، 1840-1916): لغوي ألماني، يُعد من أبرز أعلام مدرسة النحاة الجدد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. اشتهر بدراساته في اللغات السلافية والهندية الأوروبية، وكان من المدافعين عن مبدأ انتظام القوانين الصوتية، وقد أسهم إسهامًا مهمًا في تطوير اللسانيات التاريخية المقارنة}} في سعيه إلى صياغة مشجَّر للألسنة البشرية.

من ذلك كله، استقرت فكرة التطور عمادًا لدراسة اللغة في لسانيات القرن التاسع عشر، بشقيها المتمثلين في اللسانيات التاريخية والنحو المقارن، وغدا البحث عن القوانين المتحكمة في التطور العمودَ الفقري لبحوث الدراسين. وخلال هذه الفترة، رسخ تصور للغة في تقدير اللسانيين، من حيث هي ظاهرة طبيعية تنطبق عليها نواميس الطبيعة، فاللغة من منظورهم، تولد ثم تنمو ويشتد عودها، ويعتريها ما يعتري الكائنات الطبيعية من ضعف وقوة، ثم تكبر فتهرم وتتداعى للاندثار والتلاشي، فتكتمل دورتها الطبيعية.

وهذا المنظور التطوري الذي ساد مناهج البحث في ألمانيا، سرعان ما انتقل إلى الأوساط الأكاديمية لا في أوروبا وحدها، بل وفي غيرها من الأوساط الجامعية والعلمية، بما فيها الأوساط العربية، وأهم تجليات ذلك، ما كان بفضل اللسانيين الألمانيين الذين احتكوا بجيل الرواد من اللسانيين العرب المعاصرين. فمن أوائل المستشرقين الذين أثروا في الدراسات اللغوية العربية، بالتدريس في البلاد العربية وبالإشراف الأكاديمي كان غوتهِلڤ برغشتراسر {{غوتهلف برغشتراسر (Gotthelf Bergsträsser، 1886- (1933 مستشرق ولغوي ألماني، عُرف بإسهاماته في الدراسات السامية والعربية، ولا سيما في فقه اللغة والدراسات القرآنية واللهجات العربية. ويُعد من الأسماء البارزة في البحث الفيلولوجي الألماني في أوائل القرن العشرين، لما اتسمت به أعماله من دقة علمية ومنهج تاريخي مقارن}} ، وأنو ليتمان{{أنّو ليتمان (Ludwig Richard Enno Littmann، 1875-1958) مستشرق ولغوي ألماني، اشتهر بدراساته في اللغات السامية، ولا سيما العربية والحبشية، وبإسهاماته في النقوش واللهجات والتحقيق الفيلولوجي. ويُعد من الأعلام البارزين في الاستشراق الألماني، لما تميزت به أعماله من سعة معرفة ودقة في البحث اللغوي والتاريخي}}، وآرثر شاده{{آرثر شاده (Arthur Schaade، 1883-1952) مستشرق وباحث ألماني، ارتبط اسمه بالدراسات الشرقية واللغوية، ولا سيما ما يتصل بالتراث العربي والإسلامي في إطار البحث الفيلولوجي والاستشراقي. ويُذكر ضمن الأسماء التي أسهمت في خدمة الدراسات اللغوية والنصية في السياق الألماني الحديث}}، و بول كراوس {{بول كراوس (Paul Kraus، 1904-1944) مستشرق وباحث في التراث العربي والإسلامي، اشتهر بدراساته في تاريخ العلوم والكيمياء العربية والفلسفة الإسلامية، ولا سيما تحقيقاته حول جابر بن حيان. ويُعد من الأسماء البارزة في البحث الفيلولوجي والاستشراقي في النصف الأول من القرن العشرين، لما اتسمت به أعماله من عمق علمي ودقة نصية}} .

 وقد احتفظت المكتبة العربية برصيد مهم من كتابات هؤلاء المستشرقين، ومن دروسهم ما جُمع في كتب، فمن ذلك درس غوتْهلف برجشتراسر عن التطور النحوي للغة العربية، وقد نشره تلميذه رمضان عبد التواب (1930- 2001)، بعنوان: "التطور النحوي للغة العربية"[42]، علاوة على رصيد آخر من البحوث، منها كتاباه: "التطور اللغوي: مظاهره، علله وقوانينه"[43]، و"فصول في فقه اللغة العربية"[44].

وخلال النصف الأول من القرن العشرين، ظلت الدراسات اللسانية العربية متأثرة في الوجه التحديثي منها، بهذا المنهج التاريخي الوافد من ألمانيا، حتى استقر ظن في الأوساط البحثية العربية، خلاصته أن المنهج التاريخي التطوري هو ما يكوّن علم اللسانيات.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولكن الدارسين لم يخرجوا من أسر هذه المقاربة المنغلقة، إلا مع ظهور دروس السويسري فردينان دي سوسير {{فردينان دي سوسير (Ferdinand de Saussure، 1857-1913) عالم لغوي سويسري يُعد مؤسس اللسانيات الحديثة، وقد كان لأفكاره أثر بالغ في تطوير الدراسة العلمية للغة بوصفها نسقًا من العلاقات. اشتهر بتمييزاته النظرية مثل اللغة/الكلام والآنية/الزمانية والدال/المدلول، وأسهم إسهامًا حاسمًا في نشأة اللسانيات البنيوية في القرن العشرين}} في العام 1916، إذ أرسى أسس منوال تفسيري جديد، متأثرًا بصعود العلوم الاجتماعية والتاريخية، ولا سيما انطلاقًا مما كتب إيميل دوركايم (Émile Durkheim، 1858-1917) في دراسته للأبنية الاجتماعية، فقد أرجع سوسير أوجه الحيف والشطط في لسانيات القرن التاسع عشر، إلى الخطأ في عد اللغة ظاهرة طبيعية، إذ اللغة من وجهة نظره ظاهرة تاريخية اجتماعية، ولذلك، تخضع لقوانين المجتمع والتاريخ لا لقوانين الطبيعة. وهو ما يقتضي إخضاع التصور لمفهوم التطور لإطار نظري جديد، من أسسه إحلال الحتمية التاريخية محل الحتمية الطبيعية في المنوال التفسيري الجديد الدارس للغة. والفرق بين السياقين، أن الظواهر المُحْتَكِمة إلى حتمية طبيعية لا سلطان للإنسان بأن يتدخل في مساراتها، ومثال ذلك فيزيولوجيا الكائن البشري، فالإنسان يولد رضيعًا فطفلًا فشابًا فكهلًا، وينتهي بالهرم والموت، ولا يمكن قلب هذا المسار. أما الظواهر التاريخية، فتنسحب عليها قوانين التاريخ، ولذلك تتسم بخصيصتين، أولاهما، قيامها على هامش توقع أقل من الذي تخضع له ظواهر الطبيعة؛ وأما الخصيصة الثانية، فتتمثل في أن للقرار البشري قدرة على تحويل مساراتها والتحكم فيها إبطاءً أو تسريعًا، وفي أحيان كثيرة إماتةً أو إحياءً. ومثال ذلك في اللغة، أن من الألسنة ما مات ولكنه أُحييَ بقرار، فمن ذلك اللغة العبرية، التي تقرر إحياؤها لتكون لسان دولة إسرائيل عند قيامها سنة 1948. ومثل ذلك أيضًا، أن من الألسنة ما يكون حيًّا، فيتخذ أصحاب القرار حكمًا لإحلال غيره محله، كالذي وقع في الاتحاد السوفياتي وفي فيتنام وكوريا، إذ تقرر في كل منها، أن يوحد الدولةَ لسانٌ رسمي واحد، ويكون غيره مما يلهج به الناس في درجة ثانية.

فعلى هذا الأساس، يعد الدرس السوسيري في اللسانيات حدثًا تعديليًّا مهمًا في تاريخ فكرة التطور، على أن هذا الدرس نفسه لم يكن ظهوره باليسير، ناهيك أن سوسير واكب غَلواء الدراسات التاريخية في ألمانيا، وكان له رأي فيها، فقد أتم دراسته الثانوية في جنيف، ودرَس لمدة سنة الألسنة اللاتينية والإغريقية والسنسكريتية. وفي سنة 1876، انتقل إلى ليبزغ، حيث أشهر جامعة في تدريس الفيلولوجيا. وقد جسدت المدة التي قضاها في ليبزغ، مع الإقامة القصيرة التي قضاها في برلين، الفترة الأساسية في تحصيله العلمي، فقد استطاع الاطلاع على السنسكريتية والإيرانية والليتوانية، وكلًا من الإيرلندية والسلافية القديمتين. وكان له خلال ذلك، إسهام فعال في الجدل العلمي الذي كان يقوده النحاة الجدد، مثل: كارل بروغمان، وهيرمان أوستوف، وأوغست لسكيان. وفي عام 1877، تقدم سوسير إلى الجمعية اللسانية بباريس بمقال طوره لاحقًا، فكان موضوع مذكرة بحث قدمه وعمرُه 21 سنة في ليبزغ، عن "النظام الأولي للحركات في الألسنة الهندية الأوروبية"[45]، وبعد سنتين ناقش أطروحة دكتوراه، عن "استعمال المضاف المطلق في اللسان السنسكريتي"[46].

وبناء على هذه المعطيات يتضح أن فردينان دي سوسير، قد استطاع نقد اللسانيات الألمانية من الداخل، فكان نقده لها نقد الملم بسياقاتها وأسسها من جهة، والعارف بأهم نقاط ضعفها من جهة أخرى. ولبيان درجة الغلو التي أصبحت عليها المقاربة التاريخية المقارنة في ألمانيا، يمكن للباحث أن يستدل بالمسيرة العلمية لسوسير نفسها على هذا الغلوّ، فمن ذلك أن توليو دي مورو يشير في حواشيه على دروس سوسير إلى أن الخصومة احتدّت بعد الاعتراض الشّديد الذي أبداه أوستوف رافضًا مقولة النّظام عند سوسير، ثمّ النّقد الذي أنجزه والتر فون وارتبورغ (Walther von Wartburg، 1971-1888) لتمييز سوسير بين الآنية والزّمانيّة[47].

على هذا الأساس يذهب توليو دي مورو إلى أنه باستثناء فيلهلم سترايتبورغ (Wilhelm Streitberg، 1864-1925)، وهاينريش ف. ي. يونكر (Heinrich F. J. Junker، 1889- 1970)، وهيرمان لومل (Herman Lommel، 1885-1968) الذي ترجم دروس سوسير، فإن من أسهموا في نشر آراء سوسير في الدّول الناطقة بالألمانيّة كان أكثرهم من خصومه؛ فمن ذلك أنّ وارتبورغ نقد عدّة مرّات تمييز سوسير بين الآنيّة والزمانيّة، كما أنّ كارل أمار (Karl Ammer، 1911-1970) وكاسبار روجر (Kaspar Rogger) نقدا عدّة مسائل من دروس سوسير. فإنما أعارت الجامعات الألمانيّة لسوسير بعض الاهتمام بعد الحرب العالمية الثانية{{الحرب العالمية الثانية أوسع الحروب في التاريخ، امتدت بين سبتمبر 1939 وانتهت في سبتمبر 1945، وشاركت فيها أغلب دول العالم بين قوات الحلفاء من جهة ودول المحور من جهة أخرى}}[48].

وفي هذه المعطيات ما يبين أن النظريات المعرفية إذ تستقر في الأطر البحثية والأكاديمية، تصبح في كثير من الأحيان بمنزلة الحاضنة المنغلقة، التي لا تقبل ما يكون من غير أرومة تصوراتها المنهجية والعلمية، وهو أمر له أثران جليلان؛ أولهما أن الأطر البحثية كثيرًا ما تكون سياجًا للنظرية، يعزلها عما يمكن أن يحققه لها غيرها من النظريات من تعديل وإغذاء؛ وأما الأثر الثاني، فيتمثل في أن كل إطار علمي تتوفر له قنوات هجرة لمقولاته وتصوراته، وهذه القنوات كثيرًا ما تغدو قيدًا للنظرية، يمنع الأطر التي تنتشر فيها من أن تستقبل غير تلك النظرية، وهو الأمر الذي راج لدى جيل الرواد العرب المجددين في البحث اللغوي، إذ استقر في أذهان كثير منهم، أن اللسانيات هي المنهج التاريخي من دون ما سواه.

على هذا النحو يُفهم الضابط الإبستيمولوجي الذي صاغه كارل بوبر{{كارل بوبر (Karl Popper، 1902-(1994 فيلسوف نمساوي-بريطاني، عُرف بفلسفة العلم ومبدأ القابلية للتكذيب معيارًا لتمييز العلم عن غيره. انتقد الاستقراء والحتميات التاريخية، ودافع عن “المجتمع المفتوح” ضد الشمولية. أثّرت أفكاره في منهجية العلوم، والنظرية السياسية، وفهم تطور المعرفة عبر النقد والتصحيح}} في تحديد شروط النظرية العلمية، ورأسها القابلية للتفنيد، وهو شرط يُخرِج من الدغمائية التي إن شابت منوالًا نظريًّا انتقلت به إلى الانغلاق، فلذلك يمكن النظر في هذا الشرط -أي قابلية النظرية للتخطيء- لا في وجهه الإبستيمولوجي فحسب، بل في وجهه الإيتيقي المتعلق بانفتاح النظرية أو انغلاقها. وإجراء ذلك على فكرة التطور التي يُنظَر فيها، يفضي إلى أن تاريخ فكرة التطور في اللسانيات، هو بحق تاريخ تطور منهج في البحث، تضافر فيه العلمي التقني مع الحضاري العام، حتى إنه يمثل بحق عينة تمثيلية لحركية المنهج، في مراوحته بين الانغلاق والانفتاح، وفق الشروط التي توفرها المؤسسة.

ولا شك أن عبارة "ما قبل" في العنوان: "ما قبل اللسانيات"، توحي للوهلة الأولى بأن الباحث إزاء ما ليس من اللسانيات، فتلتبس القبْلية الزمنية بالقبْلية العلمية، لكأن ما قبل اللسانيات ليس من العلم، والحق أن من مهمات الباحث في اللسانيات، إزاحة بعض ما علق باللسانيات من أوهام في أذهان متعلميها ومعلميها على السواء. فَتَحْت ضغط هاجس الحداثة ما فتئ كثير من الباحثين يتعاملون مع اللسانيات كما لو كانت قطعًا مع الرصيد اللغوي الإنساني، ولم يسلم كثير من الباحثين العرب من هذا الاعتبار، فضلًا عن الأسباب الكثيرة التي تتضافر لتجعل الفكر الإنساني محرومًا من الرصيد اللساني العربي، ما لم يتجند باحثون مؤمنون بهذا الرصيد، ليوفروا له الجسور الضرورية ليطلع عليه في شتى أصقاع العالم الباحثون المعاصرون، ومنهم الباحثون العرب أنفسهم.

وإن فكرة تقطيع مسار البحث في اللغة، انطلاقًا من نقطة فارقة تعد منشأ العلم اللساني، لَهُوَ مما يتجافى وروحَ هذا العلم أساسًا، ولذلك كثيرًا ما يجد الباحث كتابات تعرف اللسانيات بمنظور القطيعة هذا، فتقع في التمحُّل ومجانبة الصواب، فإن كثيرًا من الكتابات يعرّف اللسانيات بأنها علم وصفي، ثم يَسِم النحو بأنه علم معياري، ويخلص في التمييز بينهما إلى معركة وهمية بين النحو واللسانيات، وهو وهم قاد جيلًا من الباحثين العرب، إلى الانفضاض من ساحة البحث اللساني، إذ عدوه تهديدًا للتراث النحوي العربي، وقد عبر محمود السعران (1922- 1963) عن هذا الحرج، لما وصف إعراض بعض معاصريه عن اللسانيات، فقال: "أما جمهور المشتغلين بالدراسات اللغوية عندنا، فأغلبهم يرفض النظر في هذا العلم الجديد، أو لا يحاول تفهمه، أو يعجب أن ما في يده من علم قد يحل محله علم وافد من "البلاد الغربية". وخيرهم ظنًّا بهذه الدراسة الجديدة، وبالقلة القائمة بها من أبناء العربية، يعد علم اللغة أو بعض فروعه، كعلم الأصوات اللغوية، ترفًا علميّا لم يَؤُن الأوان بعد للانغماس فيه أو التطلع إليه"[49].

وبضرب من الحمائية، نشأ في الاتجاه المقابل تيار يدافع عن اللسانيات، وكان بعض أعلامه مُشِيدِين بما يرونه من وصفية وموضوعية فيها، مقابل ما يعدونه في التراث النحوي من معيارية، حتى إن ناقدي التراث كادوا يُجمعون على أن بالنحو العربي عيوبًا، تجعل إصلاحه وإعادة النظر فيه ضرورة ملحة، ومهمة أساسية من مقتضيات العصر ومستلزمات النهضة، وذهبوا في هذا النقد مذاهب شتى، وتباينوا في تشخيص هذه العيوب وتعيين طرق الإصلاح، تباينًا يجعل الباحث يتساءل عن قيمة الأسس التي اعتمدوها ومدى سلامتها[50]. وإن الباحث ليلمس في مقدمة كتاب عبد الرحمن أيوب (ت. 2021): "دراسات نقدية في النحو العربي" الصادر سنة 1957، خلاصة لما كان منهج النحاة يؤاخذ به، وتتلخص هذه المآخذ في امتزاج التأصيل النظري بأمشاج فلسفية، وغلبة الطابع المعياري الذي يكرس سلطان القاعدة النحوية[51].

وعلى هذا المنوال، انقاد كثير من الباحثين إلى الانخراط في معارك وهمية بين طرفين، أولهما اللسانيات، من حيث هي سليلة الحداثة؛ والثاني هو ما قبل اللسانيات، من حيث هو خصيم هذا العلم الحديث. ومن الطريف أن كتابات بعض اللسانيين الأفذاذ، قد آلت إلى فهم لم يقصدوا إليه في أذهان قرائهم، لما سعوا إلى تبسيط اللسانيات وفق ثنائيات أو ثلاثيات، على نحو ما فعل مونان مثلًا، فقد فهم بعض قرائه من ثنائية الوصفية والمعيارية، أن اللسانيات بوصفيتها تتجاوز النحو بمعياريته، كما لو أن طلاب العلم يجب أن يكفوا عن تعلم النحو لما ظهرت اللسانيات.

إن ما بين أيدي الباحثين اليوم من ثمار العلم اللساني، إن هو في الحقيقة إلا حلقة في مسار تطور معرفة الإنسان باللغة التي بها يتواصل، وبها وفيها يفكر، فحتى إن تحقق إجماع على جِدة ما بين أيدي الباحثين اليوم من العلم اللساني، فإن المعرفة اللغوية قديمة متجذرة في التاريخ، فإذا نظر الباحث إلى الأمور من خارج القطبية المنتصرة لمبدأ الحداثة ومتعلقاتها، فإنه سيجد أن الاهتمام باللغة لم ينقطع عبر التاريخ، وإن رُوعِيت السياقات التي شهدت ذروة في الاهتمام باللغة، فإن كلًا من تلك الذرى أورثت خلفها من الحضارات لسانيات معينة، فتاريخ الاهتمام باللغة هو تاريخ حلقات مسترسلة؛ وإنما القطائع، والطفرات، والماقبل، والمابعد، من نتائج تأريخ المؤرخين للمعرفة.

المراجع

العربية

الأندلسي، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم. الإحكام في أصول الأحكام. تحقيق أحمد محمد شاكر. ج 1. بيروت: دار الآفاق الجديدة، [د. ت.].

ابن جني، أبو الفتح عثمان. الخصائص. تحقيق محمد علي النجار. ج 1. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1952.

ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل. المحكم والمحيط الأعظم. تحقيق عبد الحميد هنداوي. ج 1. بيروت: دار الكتب العلمية، 2000.

برجشتراسر، غوتْهلف. التطور النحوي للغة العربية. أخرجه وصححه وعلق عليه رمضان عبد التواب. القاهرة: مكتبة الخانجي؛ دار الرفاعي، 1982.

الجابري، محمد عابد. بنية العقل العربي: من خلال دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.

الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. الحيوان. وضع حواشيه محمد باسل عيون السود. ج 1. ط 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002.

الجمحي، محمد بن سلام. طبقات فحول الشعراء. تحقيق محمود محمد شاكر. ج 1. جدة: دار المدني، [د. ت.].

السعران، محمود. علم اللغة مقدمة للقارئ العربي. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1964.

السوداني، حسين. أصول التفكير الدلالي عند العرب: من اللزوم المنطقي إلى الاستدلال البلاغي. الرياض: منشورات مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللغة العربية بالسعودية، 2017.

________. أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي: التلقي العربي للسانيات. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.

مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، "اللسانيات واللغة العربية"، سلسلة اللسانيات، العدد 4. تونس: الجامعة التونسية، 1978.

صمود، حمادي. التفكير البلاغي عند العرب: أسسه وتطوره إلى القرن السادس. تونس: منشورات الجامعة التونسية، 1981.

عبد التواب، رمضان. التطور اللغوي: مظاهره، علله وقوانينه. ط 3. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997.

________. فصول في فقه اللغة العربية. ط 6. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1999.

المجدوب، عز الدين. المنوال النحوي العربي: قراءة لسانية جديدة. صفاقس: دار محمد علي الحامي؛ سوسة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1998.

المسدي، عبد السلام. التفكير اللساني في الحضارة العربية. طرابلس، ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1982.

مونان، جورج. مفاتيح الألسنية. ترجمة الطيب البكوش. تونس: منشورات الجديد، 1981.

الأجنبية

Bopp, Franz. über das Conjugationssystem der Sanskritsprache in Vergleichung mit der griechischen, lateinischen, persischen und germanischen Sprache. Frankfurt: the Bavarian State Library, 1816.

 Cohen, Henri & Claire LeFebvre (eds.). handbook of categorization in cognitive science. New York: Elsevier, 2005.

Darwin, Charles. On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life. London: John Murray, 1859.

De Saussure, Ferdinand. Cours de linguistique générale, Tullio de Mauro (ed.). Paris: Payot, 1997.

________. De l'emploi du génitif absolu en sanscrit. Genève: Impr. J.G. Fick, 1881.

________. Mémoire sur le système primitif des voyelles dans les langues indo-européennes. Leipsick: B. G. Teubner, 1879.

Gera, Deborah Levine. Ancient Greek Ideas on Speech, Language, and Civilization. Oxford: Oxford University Press, 2003.

Jespersen, Otto. Language: its nature, development and origin. 10th ed. London: G. Allen & Unwin, 1954.

Mehiri, Abdelkader. “Les théories grammaticales d'Ibn Jinni.” PhD Dissertation, Faculté des lettres et sciences humaines Publications de l'Université de Tunis. Tunis, 1973.

Palmer, Frank Robert. Semantics: A New Outline, 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1981.

Rousseau, Jean-Jacques. Essai sur l'origine des langues. Paris: Éditions Le Harmattan, 2009.

Todorov, Tzvetan. La Conquête de l'Amérique, La Question de l'autre. Paris: éditions du Seuil, 1982.

[1] عبد السّلام المسدّي، ما وراء اللغة، بحث في الخلفيات المعرفية (تونس: مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع، 1994)، ص 22.

[2] مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، اللسانيات واللغة العربية، سلسلة اللسانيات، العدد 4، (تونس: الجامعة التونسية، 1978)، ص 9.

[3] أُحْصيت في بحث عن التلقي العربي للسانيات نحو ثلاثين مقابلًا عربيًّا للمصطلح الإنجليزي (Linguistics)، ينظر:

حسين السوداني، أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي: التلقي العربي للسانيات (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 273.

[4] أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000)، ص 32.

[5] جورج مونان، مفاتيح الألسنية، ترجمة الطيب البكوش (تونس: منشورات الجديد، 1981)، ص 30.

[6] Beth Preston, “The Case of the Recalcitrant Prototype,” in: Alan Costall & Ole Dreier (eds.), Doing Things with Things: The Design and Use of Everyday Objects (London/ New York: Ashgate, 2006), p. 17.

[7] [7] Otto Jespersen, Language: its nature, development and origin, 10th ed. (London: G. Allen & Unwin, 1954), p. 20.

[8] Frank Robert Palmer, Semantics: A New Outline, 2nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1981), p. 19.

[9] Jespersen, pp. 20-21.

[10] Ferdinand de Saussure, cours de linguistique générale, Tullio de Mauro (ed.). (Paris: Payot, 1997), p. 13.

[11] مونان، ص 31.

[12] محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، ج 1 (جدة: دار المدني، [د. ت.])، ص 24.

[13] أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1 (بيروت: دار الجيل، 1981)، ص 27.

[14] أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، ج 1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1952)، ص 35.

[15] أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص 305.

[16] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر (القاهرة: مكتبة الخانجي، 2000)، ص 44.

[17] من ذلك أن الجامعة التونسية عدّت استخراج مكونات النظرية اللغوية العربية أحد مشاغلها البحثية الأساسية، وقد تبنى قسم العربية بالجامعة التونسية هذا الهدف منذ تأسست الجامعة في 1958، فتوجه كثير من الباحثين إلى استنباط مكونات النظرية العربية في مستوى من المستويات، من ذلك مثلًا:

- Abdelkader Mehiri, “Les théories grammaticales d'Ibn Jinni”, (Tunis: Faculté des lettres et sciences humaines, Publications de l'Université de Tunis, 1973).

  • عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية (طرابلس، ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1982).
  • حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب: أسسه وتطوره إلى القرن السادس (تونس: منشورات الجامعة التونسية، 1981).
  • حسين السوداني. أصول التفكير الدلالي عند العرب: من اللزوم المنطقي إلى الاستدلال البلاغي (الرياض: منشورات مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللغة العربية بالسعودية، 2017).

[18] أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده، المحكم والمحيط الأعظم ج 1، تحقيق عبد الحميد هنداوي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000)، ص 32.

ويُنظر:

حسين السوداني، أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 267.

[19] محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، ج 1، (الدوحة: وزارة الأوقاف، 2004)، ص459.

[20] مونان، ص 29.

[21] أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق أحمد محمد شاكر، ج 1 (بيروت: دار الآفاق الجديدة، [د. ت.])، ص 34.

[22] المرجع نفسه.

[23] هو موضوع أطروحة الدكتوراه التي أعدها عبد السلام المسدي ونشرت بعنوان: "التفكير اللساني في الحضارة العربية".

[24] الأندلسي، ص 32.

[25] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، وضع حواشيه محمد باسل عيون السود، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002)، ص 54.

[26] ميز محمد عابد الجابري في كتابه تكوين العقل العربي بين ثلاثة مكونات، هي البيان والبرهان والعرفان، فالبيان هو ما نشأ حول النص القرآني من علوم، كالنحو والفقه والبلاغة، وكل ما تأسس من العلوم خادمًا لمسائل اللغة والقرآن على نحو ما؛ وأما العرفان، فيتعلق بالمعارف ذات البعد الصوفي الروحاني، ولا سيما بعد تعرف العرب إلى التيار الغنوصي في التصوف؛ وأما البرهان، فيتألف من المعارف الفلسفية والمنطقية، التي أغذت الثقافة العربية، ولا سيما بعد نشأة علم الكلام، وما كان من جدل بين الفرق الإسلامية.

ينظر:

محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: من خلال دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010).

[27] Henri Cohen & Claire LeFebvre (eds.), handbook of categorization in cognitive science (New York: Elsevier, 2005), p. 2.

[28] الجاحظ، ص 24.

[29] الأندلسي، ص 32.

[30] المرجع نفسه، ص 31.

[31] Tzvetan Todorov, La Conquête de l'Amérique, La Question de l'autre, (Paris: éditions du Seuil, 1982).

[32] Franz Bopp, über das Conjugationssystem der Sanskritsprache in Vergleichung mit der griechischen, lateinischen, persischen und germanischen Sprache (Frankfurt: the Bavarian State Library, 1816).

[33] Jespersen, p. 21.

[34] Ibid., p. 22.

[35] Ibid.

[36] Ibid., pp. 24-25.

[37] Jean-Jacques Rousseau, Essai sur l'origine des langues, (Paris Éditions Le Harmattan,2009).

شرع جون جاك روسو في تأليف هذا الكتاب في 1755، ولكنه تركه غير مكتمل وتولى نشره من بعده السويسري بيير ألكسندر دي بيرو (Pierre-Alexandre Du Peyrou،1729 - 1794) في 1781.

[38] Jespersen, p. 29.

[39] Ibid., p. 29-30.

[40] Deborah Levine Gera, Ancient Greek Ideas on Speech, Language, and Civilization (Oxford: Oxford University Press, 2003), p. IX.

[41] Charles Darwin, On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life (London: John Murray, 1859).

[42] غوتْهلف برجشتراسر، التطور النحوي للغة العربية، أخرجه وصححه وعلق عليه رمضان عبد التواب (القاهرة: مكتبة الخانجي؛ دار الرفاعي، 1982).

[43] رمضان عبد التواب، التطور اللغوي: مظاهره، علله وقوانينه، ط 2(القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997).

[44] رمضان عبد التواب، فصول في فقه اللغة العربية، ط 6 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1999).

[45] Ferdinand de Saussure, Mémoire sur le système primitif des voyelles dans les langues indo-européennes (Leipsick: B. G. Teubner, 1879(, p. 303.

[46] Ferdinand de Saussure, De l'emploi du génitif absolu en sanscrit (Genève: Impr. J.G. Fick, 1881).

[47] حسين السوداني، أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي: التلقي العربي للسانيات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 78.

[48] Saussure, cours, pp. 374-375.

[49] محمود السعران، علم اللغة مقدمة للقارئ العربي (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1964)، ص 22.

[50] عز الدين المجدوب، المنوال النحوي العربي: قراءة لسانية جديدة (صفاقس: دار محمد علي الحامي؛ سوسة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1998)، ص 11-12.

[51] السوداني، أثر فردينان، ص 132.

المحتويات

الهوامش