مشروع قسنطينة، مشروع سياسي أطلقه الجنرال الفرنسي
شارل ديغول {{شارل ديغول: (Charles de Gaulle، 1890-1970) قائد عسكري ورجل دولة فرنسي بارز، قاد المقاومة ضد الاحتلال النازي، وأسس الجمهورية الخامسة سنة 1958، عُرف بمواقفه ضد التبعيّة للولايات المتحدة الأميركية، وبأثره العميق في السياستين الفرنسية والعالمية.}} سنة 1958، في سياق اشتداد
حرب التحرير الجزائرية، وتنامي الشرعية الدولية لجبهة التحرير الوطني بوصفها ممثلًا للشعب الجزائري. هَدَفَ المشروع، من حيث المظهر، إلى تحسين أوضاع الجزائريين عبر برامج واسعة شملت السكن، والتعليم، والتشغيل، والزراعة، والبنية التحتية، كما تضمّن إصلاحات سياسية منحت الجزائريين حقوقًا مدنية وانتخابية، في محاولة من ديغول لاستمالتهم وخلق قوة ثالثة بديلة للجبهة. غير أن الأهداف غير المعلنة ركّزت على تفكيك ارتباط الشعب الجزائري بالثورة، وتجفيف منابعها عبر إدماج الجزائريين في المنظومة الاستعمارية. رفضت جبهة التحرير الوطني المشروع واعتبرته مناورة، في حين عارضه المعمّرون خوفًا على امتيازاتهم. وبالرغم من الإنجازات الجزئية التي حققها المشروع، فإنه فشل اقتصاديًا وسياسيًا، وجاءت مظاهرات 11 كانون الأول/ ديسمبر 1960 لتؤكد تمسك الجزائريين بالاستقلال الكامل.
السياق التاريخي لإطلاقه
مشروع قسنطينة (Plan de Constantine)، هو خطة تنموية كبرى امتدّت خمس سنوات، أعلن عنها الجنرال شارل ديغول غداةَ عودته إلى الحكم رئيسًا لمجلس الوزراء في حزيران/ يونيو 1958، واستهدف المشروع تحسين المستوى المعيشي للجزائريين وتقليص الفوارق بينهم وبين المعمّرين الأوروبيّين من خلال إصلاحات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق ومشاريع استثمارية ضخمة. كما سعى ديغول، عبر هذا المشروع، إلى إدماج المسلمين الجزائريين، الذين كانوا يشكّلون الأغلبية الديموغرافية، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، في محاولة لتطويق جبهة التحرير الوطني وإضعاف ثورتها المسلحة.
جاء المشروع في سياق احتدام المعارك بين جيش التحرير الوطني والجيش الفرنسي بعد أربع سنوات من اندلاع حرب التحرير في الجزائر، وفي ظل تنامي الشرعية الدولية لجبهة التحرير الوطني عقب إعلانها تشكيل
الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في 19 أيلول/ سبتمبر 1958. وفي العام نفسه، دخلت فرنسا في أزمة سياسية داخلية عميقة بفعل تداعيات حرب الجزائر، انهارت على إثرها مؤسسات الجمهورية الرابعة، ليتولى شارل ديغول السلطة في 1 حزيران/ يونيو 1958، معلنًا ميلاد الجمهورية الخامسة.
تفاقمت معدّلات الفقر والبطالة بين الجزائريين، على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، في حين تمتع المعمّرون الأوروبيون - رغم كونهم أقلية ديموغرافية - بامتيازات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة. وأمام هذا الوضع، أدرك ديغول أن الحلّ العسكري وحده غير كافٍ لمواجهة
ثورة التحرير، التي كانت قد انطلقت في الأول من تشرين الثاني/ نوڤمبر 1954، فكان بحاجة إلى استراتيجية جديدة تستميل الجزائريين عبر معالجة الأسباب العميقة لثورتهم، وعلى رأسها - حسب قراءته للأوضاع - الفقر، والأمية، وانعدام المساواة مع المعمّرين.
أهدافه المعلنة
قدّم ديغول الخطوط العريضة لمشروعه في خطاب شهير ألقاه في مدينة
قسنطينة، شرق الجزائر، في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 1958، ويقوم المشروع على خطة تمتد خمس سنوات، ترمي إلى تجسيد مشاريع اقتصادية واجتماعية كبرى في مجالات التربية، والسكن، والصناعة، والزراعة، والتشغيل. وجاءت أبرز محاوره كما يأتي[1]:
- بناء 200 ألف وحدة سكنية لإيواء أكثر من مليون جزائري.
- ضمان التعليم لجميع الأطفال الجزائريين، ذكورًا وإناثًا، على قدم المساواة مع نظرائهم الفرنسيين، مع وضع هدف سنوي يتمثل في تسجيل 400 ألف طفل جديد في المدارس.
- توفير أكثر من 400 ألف فرصة عمل للجزائريين، وتحقيق المساواة في الأجور بينهم وبين الفرنسيين.
- توزيع 250 ألف هكتار من الأراضي الزراعية على الفلاحين الجزائريين.
- إطلاق مشاريع كبرى للبنية التحتية تشمل الطرق، والسدود، وشبكة المواصلات.
- تخصيص 10 في المئة من مناصب الوظيفة العمومية للجزائريين.
- إنشاء مجمعات صناعية كبرى في مجالي الحديد والصلب والصناعات الكيماوية.
فضلًا عن هذه الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، أعلن ديغول حزمة من الإصلاحات السياسية الواسعة، تقضي بمنح الجزائريين حق الانتخاب والمواطنة الفرنسية، وتتيح لهم فرصًا أكبر للولوج إلى المؤسسات السياسية التمثيلية، بما يمهّد لبروز نخبة محليّة جديدة، أو ما اصطلح على تسميته آنذاك بالقوة الثالثة.
كما تضمّن خطابه رؤية سياسية للمستقبل، جسّدها بدعوته جبهة التحرير الوطني إلى وقف إطلاق النار في إطار ما أسماه بـ"سِلْم الشجعان" (la paix des braves)، والانخراط في المسعى الجديد الذي بشّر به مشروع قسنطينة. ولتنفيذ هذه الخطة، قرّر ديغول تخصيص مئة مليار فرنك فرنسي سنويًا، وإنشاء مجلس أعلى برئاسة المفوض العام للحكومة، بول دولوڤريي (Paul Delouvrier، 1914-1995)[2].
أهدافه السياسية
المفوض العام للحكومة، بول دولوڤريي في عام 1985
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
على الرغم من الطابع التنموي الجذّاب الذي ميّز مشروع قسنطينة، فإن أهدافه السياسية غير المعلنة كانت أخطر وأكثر أهمية. فقد انصبت الغاية الأساسية على فك ارتباط الجزائريين بجبهة التحرير الوطني، مع إيلاء اهتمام خاص بسكان الأرياف والمناطق الجبلية التي مثلت معاقل رئيسة للثورة[3]. ومن هذا المنطلق، لجأت الإدارة الاستعمارية إلى ترحيل قرى بأكملها نحو
محتشدات خاضعة لحراسة عسكرية مشددة، عملت على تحويلها من خلال مشروع قسنطينة إلى مراكز قابلة للحياة عبر إدماجها في برامج تنموية، فضلًا عن ترحيل جزء من سكانها نحو مساكن جديدة في المناطق الحضرية[4].
ومن ناحية أخرى، سعى المشروع إلى تجفيف منابع التجنيد في صفوف جيش التحرير الوطني عبر تقليص معدّلات البطالة والحدّ من مظاهر اللامساواة، بما يجعل خيار الاندماج في المنظومة الاستعمارية الفرنسية أكثر إغراءً للجزائريين. كما استهدف في المدى البعيد، تكوين برجوازية محلية جديدة مرتبطة بفرنسا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، لتغدو قوة سياسية ثالثة بديلة لجبهة التحرير الوطني[5].
مواقف جبهة التحرير الوطني والمعمّرين
رفضت جبهة التحرير الوطني مشروع قسنطينة رفضًا قاطعًا، وردّت عليه بلهجة حادّة، معتبرةً إياه مجرد محاولة فاشلة مسبقًا تهدف إلى فصل الجزائريين عن نضالهم من أجل الاستقلال التام. وجاء الرد المباشر على عرض ديغول لما سمّاه بـ "سِلْم الشجعان"، على لسان رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية،
فرحات عباس، الذي صرح بعد يومين فقط بأن: "وقف إطلاق النار في الجزائر ليس مجرّد مشكلة عسكرية، بل هو في جوهره مشكلة سياسية، وينبغي أن تشمل المفاوضات القضية الجزائرية برمّتها"[6].
وقد شكلت هذه المواقف صدمة لديغول، خاصة أنه كان قد فتح، منذ حزيران/ يونيو 1958، قنوات اتصال أولية مع بعض عناصر الجبهة. وردًّا على تصلّب موقفها، صعّد ديغول من الحشد العسكري، بالتوازي مع الاستمرار في تنفيذ مشروع قسنطينة، في مسعى إلى القضاء نهائيًّا على الثورة.
علاوة على ذلك، تبنّت جبهة التحرير الوطني سياسةً صارمة تجاه الجزائريين الذين أبدوا انفتاحًا على الاستفادة من مزايا مشروع قسنطينة، ولا سيما ما تعلق منها بتوزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين، إذ لجأت إلى أسلوب الرّدع وصولًا إلى التهديد بالتصفية الجسدية[7]، معتبرة ذلك إجراءً ضروريًا للحفاظ على وحدة صفِّ الشعب والخط السياسي للثورة.
أمّا المعمّرون، فقد رأوا في مشروع قسنطينة تهديدًا مباشرًا لامتيازاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واعتبروه تنازلًا من شارل ديغول قد يفتح الباب أمام خيار تقرير المصير للجزائريين. وقد عبّروا عن موقفهم الرافض لهذه السياسات من خلال حركات احتجاجية قادها المتطرفون (Les Ultras)، على غرار بيير لاغايارد (Pierre Lagaillarde، 1931-2014) الصورة 2، التي ستتطور لاحقًا إلى أعمال عنف منظّم مع تأسيس
منظمة الجيش السري (Organisation de l’Armée Secrète) في شباط/ فبراير 1961.
فشله
بيير لاغايارد في عام 1961
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
حقق مشروع قسنطينة بعض النتائج الإيجابية نسبيًا، ولا سيما في الشقّين الاجتماعي والاقتصادي، من خلال بناء عدد من الأحياء السكنية، وإنشاء مركبات صناعية مهمة، مثل المركب البتروكيميائي في أرزيو غرب الجزائر، إلى جانب تشييد بعض السدود. غير أنه أخفق في مجمله، في معالجة الاختلالات البنيوية العميقة كما وعد بذلك ديغول، إذ ظلّت معدلات الفقر والبطالة ومظاهر اللامساواة مع المعمّرين الأوروبيين على حالها، ويعود ذلك بالأساس إلى التأخر الكبير في إنجاز العديد من المشاريع، وإلى تردّد رؤوس الأموال الفرنسية في المتروبول - التي كان يُعوَّل عليها لتمويل المبادرة - في الاستثمار داخل الجزائر.
كما أن استمرار القتال والمواجهة المسلحة بين المجاهدين وقوّات الجيش الفرنسي جعل تنفيذ المشاريع أمرًا شبه مستحيل، في الكثير من المناطق الريفية التي صنفها الفرنسيون مناطق عسكرية محظورة[8].
أما على الصعيد السياسي، فقد جاءت مبادرة ديغول في إطلاق إصلاحات عميقة تخصُّ الجزائريين متأخرة، كما فشلت الانتخابات التشريعية التي كانت في 23 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1958 في إفراز قوة سياسية ثالثة من شأنها إضعاف جبهة التحرير الوطني، على النحو الذي خطّطت له السلطات الفرنسية، فقد نجحت الجبهة في إقناع غالبية المسلمين بمقاطعة الاقتراع، ما أفشل الرهان الفرنسي على هذا المسار.
وفي 9 كانون الأول/ ديسمبر 1960، زار ديغول مدينة عين تموشنت غرب الجزائر للوقوف على مدى شعبية سياساته. تخلل هذه الزيارة احتجاجات متباينة، تمثلت في هتافات معارضة أطلقها المعمّرون المتمسّكون بفكرة "الجزائر فرنسية"، في مقابل شعارات وطنية رفعها الجزائريون تطالب بالاستقلال. وبعد يومين فقط، في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1960، اندلعت مظاهرات شعبية حاشدة في الجزائر العاصمة، سرعان ما امتدت إلى مدن:
وهران،
عنابة، سيدي بلعباس، وقسنطينة. وقد قُمعت بعنف على يد الجيش والشرطة الفرنسيين، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى، إذ قدّرت بعض المصادر عددهم بأكثر من 800 شهيد[9].
كانت هذه الانتفاضة الشعبية بمنزلة الاستفتاء على مشروع قسنطينة، ودليلًا على تمسّك فئات واسعة من الجزائريين بخيار الاستقلال الكامل، رغم كلّ الوعود الفرنسية.
المراجع
العربية
جفال، عمار. "المجابهة الشعبية لمشروع قسنطينة: مظاهرات 11 ديسمبر 1960 نموذجًا".
قضايا تاريخية. مج 7، العدد 1 (2022). ص 143-153.
محمدي، مليكة. "مشروع قسنطينة 3 أكتوبر 1958: إستراتيجية ربط الجزائر بالمصالح الفرنسية".
المجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية. مج 15، العدد 1 (2023). ص 49-66.
الأجنبية
Horne, Alistair.
A Savage War of Peace: Algeria, 1954-1962. London: Macmillan, 1977.
McDougall, James.
A History of Algeria. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.
[1] مليكة محمدي، "مشروع قسنطينة 3 أكتوبر 1958: إستراتيجية ربط الجزائر بالمصالح الفرنسية"، المجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية، مج 15، العدد 1 (2023)، ص 54-56؛
Alistair Horne,
A Savage War of Peace: Algeria, 1954-1962 (London: Macmillan, 1977), pp. 300-310.
[2] محمدي، مرجع سابق.
[3] James McDougall,
A History of Algeria (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), p. 218.
[4] Ibid.
[5] Horne,
op. cit.
[6] Ibid., p. 307.
[7] عمار جفال، "المجابهة الشعبية لمشروع قسنطينة: مظاهرات 11 ديسمبر 1960 نموذجًا"،
قضايا تاريخية، مج 7، العدد 1 (2022)، ص 150.
[8] McDougall, p. 218.
[9] جفال، ص 149-150.