بنك البتراء بنك أردني تأسس عام 1977، بدأ نشاطه بقوة، وسرعان ما توسّع ليضم شبكة من الفروع في مختلف المحافظات، مستقطبًا الودائع ومنافسًا أكبر البنوك الأردنية. غير أنّ نموه السريع أخفى خللًا إداريًا وماليًا، سرعان ما انكشف أواخر الثمانينيات في إثر أزمة السيولة التي عصفت بالبنك وأدت إلى انهياره عام 1989. كشفت التحقيقات عن مخالفات مالية واختلاسات ضخمة نُسبت إلى رئيس مجلس الإدارة أحمد الجلبي، ما أدى إلى صدور أحكام قضائية وإحالة البنك إلى التصفية. مثّل انهيار بنك البتراء نقطة تحوّل في الرقابة المصرفية بالأردن، وأثار نقاشًا واسعًا حول الشفافية والمساءلة في إدارة القطاع المالي الوطني.
تأسيسه
تعود جذور تأسيس بنك البتراء إلى طلب تأسيسه الذي قُدم عام 1976، فوفقًا لوثائق البنك المركزي، قُدِّم طلبان بهذا الخصوص: الأول كان في 30 أيلول/ سبتمبر 1976، تقدّم به المحاميان سليمان الحديدي {{سليمان الحديدي: أحد المؤسسين الرئيسين لـبنك البتراء، وله دور بارز في تأسيسه وإطلاقه في عام 1976، وقد شارك في تقديم طلب تأسيس البنك إلى البنك المركزي الأردني إلى جانب المحامي زهير المبيضين، وذلك بالوكالة عن عبد الكريم الكباريتي ورفاقه.}}، وزهير المبيضين {{زهير المبيضين: أحد المؤسسين الرئيسين لـبنك البتراء، وقد أدّى دورًا بارزًا في تقديم طلب تأسيس البنك إلى البنك المركزي الأردني في عام 1976، إلى جانب المحامي سليمان الحديدي، وذلك بالوكالة عن عبد الكريم الكباريتي ورفاقه.}} بالوكالة عن عبد الكريم الكباريتي ورفاقه؛ أما الطلب الثاني، فكان في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1976، قدمه محمد طوقان {{محمد طوقان: شخصية أردنية بارزة، وأحد المؤسسين لبنك البتراء. أدّى دورًا رئيسًا في تقديم طلب تأسيس البنك البتراء إلى البنك المركزي الأردني في عام 1976، إلى جانب سليمان الحديدي وزهير المبيضين، كما شارك في تطوير الأنظمة المصرفية والإدارية في البنك.}} وشركاؤه، ويبدو أن الموافقة على الطلب الأول تأخرت، ما دفعهم إلى تقديم طلب آخر حول الموضوع نفسه. وفي 14 كانون الثاني/ يناير 1977، أي بعد 43 يومًا من تقديم الطلب الثاني، وافق مجلس إدارة البنك المركزي على منح ترخيص مبدئي لإنشاء بنك جديد في الأردن باسم "بنك البتراء"، برأس مال قدره ثلاثة ملايين دينار أردني، بشرط ألّا تتجاوز مساهمة كلٍّ من الشركة المصرفية للشرق الأوسط {{الشركة المصرفية للشرق الأوسط: شركة مصرفية لبنانية تعمل في مجال الخدمات المالية والمصرفية. شاركت في تأسيس بنك البتراء من خلال مساهمتها في رأس ماله. اشتُرِط ألّا تتجاوز مساهمتها في البنك 10 في المئة من إجمالي رأس المال في إطار الاتفاقات القانونية المقررة عند تأسيسه.}} (شركة لبنانية)، والشركة السويسرية للعمولات والتمويل {{الشركة السويسرية للعمولات والتمويل: شركة سويسرية تعمل في مجال العمولات والتمويل. شاركت في تأسيس بنك البتراء بموجب الاتفاقات التي أُبرمت عند تأسيسه. واشتُرِط ألّا تتجاوز مساهمتها في رأس مال البنك 10 في المئة. وتُمثِّل هذه المشاركة جزءًا من هيكل التمويل الدولي الذي ساعد في دعم البنك في مراحله الأولى.}} (شركة سويسرية) 10 في المئة من رأس مال البنك لكلٍّ منهما[1].
باشر بنك البتراء أعماله في 7 حزيران/ يونيو 1978 برأس مال قدره ثلاثة ملايين دينار، وفي عام 1985، رفع البنك رأس ماله المُصرح به إلى خمسة ملايين دينار، وبحلول أواخر عام 1988، كان البنك قد توسع ليشمل 26 فرعًا في مختلف مناطق المملكة. في نهاية العام المالي الأول للبنك بتاريخ 21 كانون الأول/ ديسمبر 1978، بلغ مجموع ودائع البنك 8.6 مليون دينار، ورصيد التسهيلات الائتمانية 4.5 مليون دينار، في حين بلغ حجم ميزانيته 12.1 مليون دينار[2].
مجلس إدارته
تألف أول مجلس إدارة للبنك من: محمد طوقان (رئيس البنك)، أحمد الجلبي {{أحمد الجلبي: (1944-2015) نائب رئيس بنك البتراء، وأحد الشخصيات البارزة في القطاع المصرفي الأردني. اشتهر بدوره في إدارة البنك قبل وقوع الأزمة المالية التي أدت إلى انهياره. اتُهِم باختلاس أموال البنك والهروب خارج الأردن بعد الأزمة، وصدر بحقه حكم غيابي بالسجن.}} (نائب رئيس البنك)، إضافة إلى هيئة إدارية ضمت العديد من الأسماء مثل: محمد أمين الكاظمي {{محمد أمين الكاظمي: أحد الأعضاء البارزين في هيئة إدارة بنك البتراء، وأحد الشخصيات الاقتصادية البارزة في الأردن. له دور في تطوير العمل المصرفي في البنك في تلك الفترة، قبل وقوع الأزمة المالية التي أدت إلى انهياره.}}، وإبراهيم العالول {{إبراهيم العالول: أحد الأعضاء المميزين في هيئة إدارة بنك البتراء، كان له دور في توجيه العمليات المالية والإدارية للبنك خلال سنوات عمله قبل وقوع الأزمة المالية التي أدت إلى انهياره.}}، وسعيد المعشر {{سعيد المعشر: أحد الأعضاء البارزين في هيئة إدارة بنك البتراء، شارك في اتخاذ القرارات المصرفية والإدارية التي أثرت في مسار البنك قبل وقوع الأزمة المالية التي أدت إلى انهياره. يُعدّ من الأسماء التي أدّت دورًا مهمًا في الحياة المصرفية في تلك الفترة.}}، وسمير قعوار {{سمير قعوار: جزء من هيئة إدارة بنك البتراء، له دور في إدارة شؤون البنك المالية، إضافة إلى مساهماته في تطوير استراتيجيات البنك قبل وقوع الأزمة المالية.}}، وغيرهم[3].
أنشطته الرئيسة
نشط بنك البتراء في السوق المصرفي الأردني نهاية السبعينيات حتى نهاية الثمانينيات، وكان النشاط الرئيس للبنك هو اجتذاب الودائع، إذ استطاع أن يجتذب ودائع من بنوك أخرى، إضافة إلى تقديم التسهيلات الائتمانية[4].
انتشاره الجغرافي
تمكّن البنك من التوسع بسرعة كبيرة، إذ أسس شبكة واسعة من الفروع، وبعد عشر سنوات من بدء عملياته، كان قد وصل إلى 26 فرعًا في نهاية عام 1988، موزعة في محافظات: عمّان، والكرك، والرمثا، وجرش، والعقبة، والمفرق، وإربد، والزرقاء[5].
أزمة بنك البتراء
بلغ مجموع ودائع البنك بعد افتتاحه في 21 كانون الأول/ ديسمبر 1978 8.6 مليون دينار، وبلغ رصيد التسهيلات الائتمانية 4.5 مليون دينار، إضافة إلى رأس مال مدفوع قدره 2.3 مليون دينار، وبلغ حجم الميزانية 12.1 مليون دينار[6].
إلا أن البنك تعرض لأزمة أدت إلى انهياره، إذ بدأت المشكلة في عام 1989، عندما استعان البنك المركزي الأردني باحتياطات البنوك المرخصة لتعزيز احتياطاته من العملات الأجنبية، ولكن بنك البتراء عجز عن تحويل أي مبلغ من الاحتياطي المفروض عليه، ما كشف عن خطورة الوضع في البنك، وأدى إلى ظهور عدم شفافية في تقديم معلومات دقيقة حول احتياطاته. استدعى ذلك تدخلًا عاجلًا من البنك المركزي للتحقق من الوضع المالي للبنك. وبعد التحقيق، تبين أن البيانات المالية المصرح بها بشأن موجودات البنك من العملات الأجنبية كانت غير صحيحة، وأن البنك قد ضخَّم من قيمة هذه الموجودات بشكل كبير، في حين كانت احتياطاته الفعلية من العملات الأجنبية شحيحة جدًا[7].
بلغت أزمة بنك البتراء ذروتها مع صدور قرار لجنة الأمن الاقتصادي رقم 13/89 في 3 آب/ أغسطس 1989، الذي قضى بحل مجلس إدارة كل من بنك البتراء وبنك الأردن والخليج، وتعيين لجنة لإدارة شؤون البنكين. كان هذا القرار بداية النهاية لبنك البتراء، ما أدى فيما بعد إلى اتخاذ قرارات بتصفية البنك. ويُعدّ هذا القرار من أكثر القرارات المثيرة للجدل في تاريخ الحياة المصرفية الأردنية، نظرًا إلى التبعات التي ترتبت عليه، خاصة فيما يتعلق بتحميل الخزينة الأردنية خسائر البنك بدلًا من تحميلها للمودعين. وفي عام 1990، اتُخِذ قرار نهائي بتصفية بنك البتراء[8].
يعود السبب الرئيس في الأزمة إلى أن البنك تعرض لعملية اختلاس نفّذها رئيس مجلس إدارته، أحمد الجلبي، وذلك بين عامي 1982 و1989. وأكد البنك المركزي الأردني أن هذه العمليات تسببت في انهيار البنك، ما أدى إلى اتخاذ قرار بتصفيته. ووفقًا لتقديرات الحكومة الأردنية والبنك المركزي، بلغ حجم الأموال المختلسة حوالي 233 مليون دينار أردني، إضافة إلى خسائر أخرى فاقت هذا المبلغ بأضعاف. واتُهِم الجلبي بسرقة أموال البنك والهروب متخفيًا خارج الأردن. وفي عام 1992، أصدرت محكمة أمن الدولة حكمًا غيابيًا يقضي بسجنه لمدة 22 عامًا[9].
البنك المركزي الأردني
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ومن الجدير بالذكر أن ديون البنك المركزي التي قيد التصفية، المترتبة على بنك البتراء قد بلغت 217.85 مليون دينار، وهي تمثل الجزء الأكبر من المطالبات المالية المترتبة للبنك المركزي على المصارف والمؤسسات المالية المتعثرة تحت التصفية، أو تلك التي دُمِجت أو صُفِّيت، إضافة إلى المصارف والمؤسسات المالية الأخرى التي بلغ إجمالي مطالباتها 263.9 مليون دينار. وفي سياق آخر، استقبلت لجنة تصفية بنك البتراء على مدار السنوات العديد من طلبات المودعين والمدينين، وكان من بينهم مسؤولون وشخصيات بارزة. كما حُجِز على آلاف العقارات وقطع الأراضي والشقق في مختلف المناطق. وقد أصدرت محكمة أمن الدولة قرارًا بحق المتهمين في القضية، وجميعهم من العاملين في بنك البتراء[10].
المراجع
سورمالي، فارس [وآخرون]. البنوك الأردنية في مئة عام من مسيرة الدولة. إشراف مهند مبيضين. عمّان: مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي، 2021.
المالكي، عبد الله عبد المجيد. الموسوعة في تاريخ الجهاز المصرفي الأردني. مج 9. عمان: الأردنية للتصميم والطباعة، 1997.
[1] عبد الله عبد المجيد المالكي، الموسوعة في تاريخ الجهاز المصرفي الأردني، مج 9 (عمّان: الأردنية للتصميم والطباعة، 1997)، ص 333.
[2] فارس سورمالي [وآخرون]، البنوك الأردنية في مئة عام من مسيرة الدولة، إشراف مهند مبيضين (عمّان: مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي، 2021)، ص 182؛ المرجع نفسه، ص 334.
[3] المالكي، ص 334.
[4] المرجع نفسه.
[5] سورمالي [وآخرون]، ص 182؛ المرجع نفسه.
[6] المالكي، ص 334.
[7] سورمالي [وآخرون]، ص 182.
[8] المالكي، ص 334-335.
[9] "الحاج يعيد ملف بنك البتراء إلى السطح متسائلًا عن تقرير لجنة التصفية"، العراب نيوز، شوهد في 19/8/2025، في: https://acr.ps/1L9BP8S
[10] "لجنة تصفية بنك البتراء بالمركزي تعمل منذ 35 سنة"، جفرا نيوز، شوهد:19/8/2025، في: https://acr.ps/1L9BPeB