كتاب
اقتصادنا مؤلَّف في الفكر الاقتصادي الإسلامي وضعه المفكر والفقيه العراقي محمد باقر الصدر ونشر عام 1961.
يشتمل الكتاب على نقد للمذاهب الاقتصادية الغربية، ولا سيما الرأسمالية والاشتراكية، من حيث منطلقاتها الفلسفية، وآثارها الاجتماعية، ويقترح في المقابل إطارًا نظريًا للاقتصاد الإسلامي، بوصفه نظامًا مستقلًا له أسسه المفاهيمية والتشريعية الخاصة. ويعرض الكتاب مفاهيم مركزية، من أبرزها: مفهوم "منطقة الفراغ"، الذي يشير إلى مجال الاجتهاد في تنظيم السياسات الاقتصادية ضمن الحدود العامة للشريعة. ويُعدّ
اقتصادنا مرجعًا أساسًا في تطور دراسات الاقتصاد الإسلامي المعاصر، وفي النقاشات المتعلقة بدور الدولة، والملكية، والعدالة التوزيعية.
التعريف بالكتاب
يُعدّ كتاب
اقتصادنا لمحمد باقر الصدر (1935-1980)، الذي صدر في العام 1961[1]، أحد أبكر المحاولات الفكرية التي سعت إلى إعادة صياغة السؤال الاقتصادي في المجتمعات الإسلامية خارج إطار المقارنة التقنية بين النظم السائدة، مع تركيز على الأسس الفلسفية التي تقوم عليها تلك النظم الاقتصادية، مفترضًا أن أيّ نظامٍ اقتصادي يعكس تصورًا معينًا للإنسان، والمجتمع، وللعلاقة بين الفرد والجماعة[2].
لا يقدّم الكتاب
الاقتصاد الإسلامي بوصفه تعديلًا على
الرأسمالية أو
الاشتراكية، ولا بِعدّه مجموعة أحكام فقهية جزئية، بل بوصفه نظامًا نظريًا متكاملًا يستند إلى مرجعية فكرية مختلفة. ومن هذا المنطلق، يحتلّ التحليل النقدي للمذاهب الاقتصادية الوضعية مساحةً مركزية في الكتاب، بوصفه مدخلًا منهجيًا لعرض البديل الإسلامي[3].
يميّز محمد باقر الصدر في الكتاب بين مفهومين رئيسين، هما: علم الاقتصاد، والمذهب الاقتصادي. فعلم الاقتصاد، بنظره، يسعى إلى دراسة الظواهر الاقتصادية داخل المجتمعات، وفهم آليات التفاعل والترابط بينها. أما المدارس أو المذاهب الاقتصادية، فتطرح رؤيتها الخاصة بشأن أفضل الأساليب وأكثرها عدالة، وفقًا لمنظور كل مدرسة، من أجل تنظيم النشاط الاقتصادي في حياة الناس[4].
بذلك يُعدّ كتاب
اقتصادنا نصًا تأسيسيًا في حقل الاقتصاد الإسلامي، يُستعان به لفهم الإطار النظري الذي انطلقت منه دراسات لاحقة في
الصيرفة الإسلامية، والتمويل الإسلامي، والعدالة الاجتماعية.
السياق الفكري والخلفية التاريخية
أُلّف كتاب
اقتصادنا في سياقٍ فكري واقتصادي عالمي اتّسم بالاستقطاب بين المذاهب الاقتصادية الكبرى خلال القرن العشرين، ولا سيما الرأسمالية والاشتراكية. وقد تزامن ذلك مع مرحلة ما - بعد الاستعمار- في عدد من البلدان العربية والإسلامية، حيث برزت أسئلة ملحّة بشأن نماذج
التنمية الاقتصادية، ودور الدولة في إدارة الموارد، وآليات توزيع الثروة، والعلاقة بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية. وفي هذا الإطار، شهدت الساحة الفكرية العربية حضورًا ملحوظًا للأفكار الماركسية، سواء في الخطاب السياسي أم في التحليل الأكاديمي، مقابل ترسّخ الرأسمالية بوصفها نظامًا اقتصاديًا عالميًا مهيمنًا[5].
وقد انعكس هذا الواقع في نقاشات واسعة بشأن مدى ملاءمة النماذج الاقتصادية المستوردة للبيئات الاجتماعية والثقافية المحلية؛ وهو ما دفع باقر الصدر إلى مساءلة الأسس الفكرية التي تقوم عليها هذه النماذج. ولم ينطلق في ذلك من موقفٍ سجالي مباشر، بل من محاولة لفهم العلاقة بين الفلسفة التي يستند إليها كل نظام اقتصادي، والنتائج التي يفرزها على مستوى البنية الاجتماعية والتنظيم الاقتصادي. ومن هنا، جاء كتاب
اقتصادنا بوصفه استجابةً فكرية لسؤال أوسع حول إمكان بناء تصور اقتصادي منبثق من المرجعية الإسلامية، وقادر على التعامل مع إشكالات العصر.
نقد المذاهب الاقتصادية الوضعية
محمد باقر الصدر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يخصّص محمد باقر الصدر جزءًا رئيسًا من الكتاب لتحليل المذاهب الاقتصادية الوضعية ونقدها، ولا سيما الرأسمالية والاشتراكية، من حيث منطلقاتهما الفلسفية، قبل الانتقال إلى آثارهما الاقتصادية والاجتماعية. ففي تناوله للرأسمالية، يناقش باقر الصدر الأسس الفكرية التي تقوم عليها، مثل مركزية الفرد، وعدّ المنفعة الشخصية محرّكًا أساسيًا للنشاط الاقتصادي، وما يترتب على ذلك من أنماط معينة للملكية وتراكم الثروة. ويربط الصدر بين هذه الأسس وظواهر التفاوت الاجتماعي، واختلال التوازن في توزيع الموارد[6].
أما في تحليله للاشتراكية، فيركز المؤلف على الفلسفة المادية التي تقوم عليها، وعلى دور الدولة المركزي في إدارة النشاط الاقتصادي. ويتناول ما يراه إشكالات ناتجة من تقييد الملكية الفردية أو إلغائها، وتأثير ذلك في الحوافز الاقتصادية، والعلاقة بين الفرد والمجتمع. ويقدَّم هذا النقد في إطار تحليلي يهدف إلى بيان حدود هذه النُّظم، لا إلى المفاضلة المباشرة بينها، تمهيدًا لعرض البديل الإسلامي بوصفه تصورًا مختلفًا في منطلقاته.
الأسس النظرية للاقتصاد الإسلامي
يطرح الكتاب الاقتصاد الإسلامي بوصفه نظامًا متكاملًا يقوم على مجموعة من المبادئ التي تنظّم النشاط الاقتصادي ضمن إطار تشريعي وأخلاقي. ويُعدّ مفهوم تعددية الملكية من الركائز الأساسية في هذا التصور، إذ يميّز الصدر بين الملكية الخاصة والعامة وملكية الدولة، مع تحديد وظائف كل منها وحدودها. ولا تُفهم الملكية في هذا السياق بوصفها حقًا مطلقًا، بل بعدّها أداةً لتحقيق مقاصد اجتماعية أوسع، تُمارَس ضمن ضوابط تهدف إلى تحقيق التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة.
كما يربط الصدر بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، مفترضًا أن النشاط الاقتصادي لا ينفصل عن القيم التي تحكمه. ويؤكد في هذا الصدد على أن العدالة التوزيعية ليست نتيجةً تلقائية لآليات السوق، بل هي هدف يُنظَّم عبر التشريع ودور الدولة، بما يضمن الحدّ الأدنى من الكفاية الاجتماعية، ويمنع أشكال الاستغلال. ويُقدم هذا الإطار النظري بوصفه بديلًا عن النموذجين الرأسمالي والاشتراكي، من دون اختزال الاقتصاد الإسلامي في مجموعة أدوات مالية أو تنظيمية محدودة.
مفهوم "منطقة الفراغ"
يُعدّ مفهوم "منطقة الفراغ" من أبرز الإسهامات النظرية التي يقدّمها باقر الصدر في كتاب
اقتصادنا. ويشير هذا المفهوم إلى المجال الذي لا يتضمنه التشريع الإسلامي بنصوص تفصيلية، ويُترك فيه المجال للاجتهاد في تنظيم الشؤون الاقتصادية وفق متطلبات الزمان والمكان. ولا تُفهم منطقة الفراغ بوصفها فراغًا تشريعيًا مطلقًا، بل بعدّها مساحة منظمة تتحرك ضمن مقاصد عامة وحدود قيمية واضحة[7].
يهدف هذا المفهوم إلى معالجة إشكالية التغير في الوقائع الاقتصادية والاجتماعية، وإلى بيان قدرة النظام الاقتصادي الإسلامي على التكيّف مع المستجدات من دون فقدان مرجعيته. وقد شكّل مفهوم منطقة الفراغ إطارًا نظريًا مهمًا في النقاشات اللاحقة حول السياسات الاقتصادية، ودور الدولة، وحدود الاجتهاد في التشريع الاقتصادي الإسلامي.
مكانة الكتاب في مجال الاقتصاد الإسلامي
يحتل كتاب
اقتصادنا موقعًا مركزيًا في تطور الفكر الاقتصادي الإسلامي المعاصر، ويُنظر إليه بوصفه من النصوص التي أسهمت في نقل هذا الحقل، من مستوى المعالجات الفقهية الجزئية إلى مستوى النظرية الاقتصادية الكلية[8]. وقد وفّر الكتاب إطارًا مفاهيميًا استُخدم لاحقًا في دراسة قضايا، مثل الصيرفة الإسلامية، والتمويل الإسلامي، ودور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية.
المراجع
باقر الصدر، محمد.
اقتصادنا. النجف الأشرف: دار الفكر، مطبعة النعمان، 1961.
كمال، يوسف وأبو المجد حرك.
الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه السنة: قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا. القاهرة: دار الصحوة، 1987.
"مدخل للفكر الاقتصادي عند الشهيد الصدر". مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر. في:
https://acr.ps/1L9BPpe
"الملكية بين الإسلام والاشتراكية والرأسمالية". مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر. في:
https://acr.ps/1L9BPEV
"منطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية". المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. 16/12/2020. في:
https://acr.ps/1L9BPlO
[1] محمد باقر الصدر،
اقتصادنا (النجف الأشرف: دار الفكر، مطبعة النعمان، 1961).
[2]"مدخل للفكر الاقتصادي عند الشهيد الصدر"، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، شوهد في 22/12/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPpe
[3] الصدر، مرجع سابق.
[4] المرجع نفسه.
[5] "الملكية بين الإسلام والاشتراكية والرأسمالية"، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، شوهد في 22/12/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPEV
[6] الصدر، مرجع سابق.
[7] "منطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية"، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 16/12/2020، شوهد في 22/12/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPlO
[8] وذلك على الرغم من أنّ محمد باقر الصدر قد اعتمد في الكتاب بالأساس على المراجع الفقهية الشيعية. يُنظر: يوسف كمال وأبو المجد حرك،
الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه السنة: قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا (القاهرة: دار الصحوة، 1987).