تسجيل الدخول

اتفاقية مونترو

​​​

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​

الجهات الموقعة

تركيا، الاتحاد السوفياتي، بريطانيا، فرنسا، اليونان، بلغاريا، رومانيا، يوغسلافيا، أستراليا، اليابان

مكان التوقيع

مونترو، سويسرا

تاريخ التوقيع

20 تموز/ يوليو 1936

بنود الاتفاقية

سيادة تركيا الكاملة والسيطرة العسكرية​ على المضائق

حرية مرور سفن جميع الدول في وقت السلم

حق تركيا في إغلاق المضائق أمام السفن الحربية في وقت الحرب



اتفاقية مونترو (Montreux Convention)، أو "اتفاقية مونترو بشأن نظام المضائق" (Montreux Convention Regarding the Regime of the Straits​)، اتفاقية تُعنى بتنظيم المرور عبر المضائق التركية، وهي الدردنيل وبحر مرمرة والبوسفور، التي تربط البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط. عُقدت بناءً على طلب تركيا لمراجعة نظام المضائق الذي أنشأته معاهدة لوزان (Treaty of Lausanne) لعام 1923. وجرت المفاوضات في بلدة مونترو في غرب سويسرا، ووقعت الاتفاقية، في 20 تموز/ يوليو 1936، كلٌ من تركيا، والاتحاد السوفيا​تي، وبريطانيا، وفرنسا، واليونان، وبلغاريا، ورومانيا، ويوغسلافيا، وأستراليا، واليابان. ألغت الاتفاقيةُ "اللجنةَ الدولية" التي كانت تشرف على منطقة المضائق وتراقبها، وأعادت لتركيا السيادة الكاملة والسيطرة العسكرية على المضائق، ووضعت قواعد جديدة لمرور السفن التجارية والحربية؛ فسمحت بحرية مرورها لجميع الدول في وقت السلم، وأتاحت لتركيا إغلاق المضائق أمام السفن الحربية في وقت الحرب.

المضائق التركية وتطور أحكام المرور بها

حظيت المضائق التركية بأهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة باعتبارها الممر المائي الوحيد الذي يربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود؛ إذ أدت دورًا كبيرًا في التنمية الاقتصادية لحوض البحر الأسود، وأثار موقعها على مفترق الطرق بين آسيا وأوروبا والسيطرة عليها والتحكم بالمرور بها أهميةً كبيرةً لجميع القوى التي تلتقي مصالحها في البحر المتوسط[1]، وبخاصة تركيا التي أعطاها هذا الموقع ميزةً جيوسياسيةً في توازن القوى الأوروبي.

ومع أن اتفاقية مونترو هي الإطار القانوني الدولي الذي ينظّم السيطرة على المضائق والمرور بها اليوم، فإنّ أحكامها، التي جاءت انعكاسًا لتوازن القوى والظروف السياسية في ثلاثينيات القرن العشرين، جاءت أيضًا نتيجةً لتراكمٍ تاريخي امتد قرونًا من الصراع والاتفاقيات.

منذ أن فتح السلطان محمد الثاني (1429-1481) في عام 1453 مدينة القسطنطينية، التي كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية نحو ألف عام، سيطرت الدولة العثمانية على المضائق المؤدية إلى البحر الأسود بصورة كاملة، وظلت مغلقة أمام السفن الأجنبية حتى أواخر القرن الثامن عشر. وبعد أن سيطرت روسيا على أجزاء من الساحل الشمالي للبحر الأسود، تزايد ضغطها جنوبًا ودخلت في حرب مع الدولة العثمانية استمرت ست سنوات، وانتهت بمعاهدة كوتشوك كاينارجي (Küchük Kainardji) في عام 1774، التي حصلت بموجبها على حق المرور للسفن التجارية في البحر الأسود والمضائق[2]، وهي المرة الأولى التي تحصل فيها قوة أجنبية على ذلك.

حاولت قوى أخرى الحصول على حقوق مماثلة. فبعد أن تدخلت بريطانيا لمصلحة الدولة العثمانية ضد تحالف روسيا والنمسا في حرب 1787-1792، وعُقد صلح ياسي (Jassy) في عام 1792[3]، حصلت على حق المرور في المضائق في عام 1799. وتزايد التنافس على وضع المضائق في القرن التاسع عشر، فقد أرادت روسيا أن تكون المضائق مفتوحة لسفنها الحربية وحدها، بينما تركّز هدف بريطانيا على ضمان عدم حصول روسيا على أي ميزة أكثر من أي دولة أخرى، واستبعاد السفن الروسية قدر الإمكان من البحر المتوسط[4]؛ أي إغلاقه أمام جميع السفن الحربية وفتحه للتجارة فقط. وإذا كان لا بد من فتحه للسفن الحربية، أرادت بريطانيا السماح لسفنها بدخول البحر الأسود[5]. لذا، دعمت بريطانيا مرة أخرى الدولة العثمانية، في الحرب الروسية-العثمانية عام 1808، ثم أبرمت معها معاهدة الدردنيل (Treaty of the Dardanelles) في عام 1809، التي اعترفت "بالتنظيم القديم للإمبراطورية العثمانية"، أي إغلاق المضائق[6]. وبعد مساعدة روسيا للدولة العثمانية في عام 1833، ضد هجوم والي مصر محمد علي باشا (1769-1849) في الأناضول، عُقدت معاهدة أُنكار إسكلسي (Hünkâr İskelesi)، التي أقرّت إغلاق مضيق الدردنيل أمام السفن الحربية للقوى غير المطلّة على البحر الأسود إذا طلبت روسيا ذلك. لكن هذه المعاهدة أُلغيت بموجب اتفاقية لندن للمضائق (London Straits Convention) في عام 1841، بين روسيا وبريطانيا وفرنسا والنمسا وبروسيا، من جهة، والدولة العثمانية من جهة أخرى، والتي نصّت على عدم السماح لأي سفن حربية غير عثمانية بعبور المضائق في وقت السلم[7]، وذلك بعد صدّ الهجوم الثاني لمحمد علي بمساعدة بريطانيا وفرنسا. وبصفتهما حليفتين للعثمانيين، عبرت أساطيل هاتين الدولتين المضائق لمهاجمة روسيا أثناء حرب القرم (1853-1856)، وظلت اتفاقية لندن سارية.

بدأت بريطانيا بتعديل موقفها نتيجةً للتحوّل في ميزان القوى الناجم عن زيادة النفوذ الألماني في الشرق الأدنى أثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فقد أغلق التحالف العثماني-الألماني المضائق أمام مرور جميع السفن التجارية والحربية المعادية[8]؛ فعقدت بريطانيا وفرنسا "اتفاقية القسطنطينية" السرية في عام 1915 مع روسيا، ووافقتا على منح الأخيرة السيطرة الكاملة على مضيق البوسفور في حالة انتصار الحلفاء[9]، لكن الثورة البلشفية في روسيا ألغت هذه الاتفاقية في عام 1917. وبعد الحرب، تغيّر الموقف جذريًا بسبب انهيار الدولة العثمانية وروسيا القيصرية؛ فقد احتلت دول الحلفاء منطقة المضائق وإسطنبول، ونصّت معاهدة سيفر (Treaty of Sèvres) لعام 1920، على نزع السلاح من هذه المنطقة وإنشاء لجنة دولية لضمان حرية المضائق؛ ما يعني عدم تمتع تركيا بأي سلطة لتنظيم المرور فيها. لكن هذه المعاهدة لم تُنفّذ[10] بسبب حرب التحرير التركية التي استمرت حتى عام 1922، فظلت اتفاقية لندن لعام 1841 سارية المفعول حتى أُلغيت بموجب معاهدة لوزان في عام 1923، التي تضمنت اتفاقيةً ملحقةً تتعلق بنظام المضائق؛ فسمحت بحرية المرور لجميع السفن الحربية، وجعلت منطقة المضائق منزوعة السلاح، ووُضعت تحت إشراف لجنة دولية لتنظيم المرور فيها، وتُركت مسألة أمنها لعصبة الأمم[11]. لم تحظَ اتفاقية المضائق في معاهدة لوزان برضا تركيا ولا الاتحاد السوفياتي[12]، لكنها ظلت سارية حتى إلغائها في اتفاقية مونترو لعام 1936.

العوامل المؤدية إلى اتفاقية مونترو

التزمت تركيا بأحكام معاهدة لوزان لعام 1923، لكنها ظلت مستاءة من الاتفاقية الملحقة المتعلقة بالمضائق. وقد أدى استقرارها السياسي خلال عقد الثلاثينيات إلى نشوء وضع ملائم لمراجعة الاتفاقية. فقد قُبلت عضويتها في عصبة الأمم في عام 1932، واعتُبرت عامل استقرار في الشرق الأدنى بالنسبة إلى بريطانيا وفرنسا، إذ انخرطت في بعض الترتيبات السياسية في أوروبا، مثل تعاونها مع اليونان ويوغسلافيا ورومانيا ضمن اتفاق البلقان (The Balkan Pact) لعام 1934؛ فضلًا عن توقيع اتفاقية الصداقة والحياد قبلها مع الاتحاد السوفياتي في عام 1925، والتي مُدّدت عشر سنوات أخرى في عام 1935. كل تلك التطورات أدت إلى إعادة الثقة بمكانة تركيا، وفتحت الطريق لاتفاق جديد حول المضائق. أما الاتحاد السوفياتي، وهو المعني مباشرة أيضًا بهذه الاتفاقية، فقد أصبح عضوًا في عصبة الأمم في عام 1934، وداعمًا لمبدأ الأمن الجماعي وحليفًا لفرنسا[13]، ومن ثمّ ظل يتطلع إلى تعديل الاتفاقية بما يراعي مصالحه ومكانته الجديدة.

شهدت ثلاثينيات القرن العشرين تغيّرًا في الوضع العام في البحر المتوسط؛ فقد شرعت إيطاليا الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني (Benito Mussolini، 1883-1954) في سياسة عدوانية لتوسيع نفوذها، إذ احتلت جزر الدوديكانيز اليونانية قبالة سواحل غرب تركيا، وبنت تحصينات على جزر رودُس وليروس وكوس؛ ما أدى إلى إثارة مخاوف تركيا من سعي إيطاليا للتوسّع في الأناضول. كما زادت مخاوف تركيا من السوفيات بعد تزايد مطالبهم للحصول على قواعد في المضائق، بحجة التهديد الإيطالي المتزايد في البحر المتوسط؛ فأولت أهمية أكبر للتحالف مع بريطانيا ابتداءً من عام 1934[14].

بدأت تركيا سرًا بتحصين المضائق ردًا على تحركات إيطاليا. ثم أرسلت، في نيسان/ أبريل 1935، مذكرة دبلوماسية إلى الموقعين على معاهدة لوزان، عدا إيطاليا، تطلب الإذن بإعادة بناء حصون الدردنيل. ثمّ قدّم غزو إيطاليا لإثيوبيا في تشرين الأول/ أكتوبر 1935، مبررًا لأمرين؛ الأول تعديل مسار سياسة تركيا الخارجية من الحياد إلى الاهتمام بتشكيل كتلة أمنية لصدّ أي عدوان إيطالي محتمل[15]، والثاني تعميق علاقاتها مع بريطانيا، إذ جمعهما عامل مشترك تمثّل في الحفاظ على الوضع الراهن في منطقة البحر المتوسط. وأدى فشل عصبة الأمم في التعامل مع قضية إثيوبيا إلى إثارة شكوك جدّية حول ما إذا كان دفاع العصبة عن المضائق سيكون فعالًا في حال تعرضها للتهديد أو الغزو[16]. ثمّ تفاقم الوضع بعد تحالف إيطاليا مع ألمانيا النازية، وزحف القوات الألمانية إلى منطقة الرينلاند (Rhineland) في 7 آذار/ مارس 1936، التي كانت منزوعة السلاح بحسب معاهدتي فرساي (Treaty of Versailles) لعام 1919 ولوكارنو (Locarno Treaties) لعام 1925[17]. وعندما لم تردّ بريطانيا وفرنسا على هذه التحركات، انتشر تصوّر بأنهما لم تكونا جادّتين بخصوص التزاماتهما بموجب ميثاق عصبة الأمم بالرد على إيطاليا أو مقاومة الاستعدادات الألمانية للحرب والهيمنة على أوروبا.

بناءً عليه، تزايدت مطالب تركيا بمراجعة القيود التي فرضتها معاهدة لوزان من أجل تمكينها من الدفاع عن المضائق، ومنحها وضعًا دوليًا يتناسب بشكل أكبر مع مكانتها الجديدة. واختارت العمل الجماعي مع الدول الموقعة على معاهدة لوزان لتعديلها؛ فأرسلت مذكرة، في 10 نيسان/ أبريل 1936[18]، طلبت منها ومن الأمين العام لعصبة الأمم الدعوة إلى عقد مؤتمر لمراجعة اتفاقية المضائق في معاهدة لوزان. وأشارت المذكرة إلى أن الموقف في وقت توقيع المعاهدة كان مختلفًا عن الموقف حينئذ، في وقت كانت عصبة الأمم تبدو قوية، وضماناتها فعّالة، وبدا المستقبل سلميًا، وكانت هناك احتمالات لخفض الأسلحة. لذا، لا بد من أن تعتمد تركيا على قوتها الذاتية[19].

انعقد المؤتمر في بلدة مونترو بسويسرا، في 22 حزيران/ يونيو 1936، وحضره ممثلو جميع الدول الموقعة على معاهدة لوزان، باستثناء إيطاليا. وتضمّن المشروع التركي الرغبة في تنظيم المرور والملاحة في المضائق على النحو الذي يضمن حماية التجارة الدولية في إطار أمن تركيا، ودعا إلى إلغاء لجنة المضائق ووضع المنطقة تحت السيادة التركية الكاملة، مع حقها في إغلاقها وإعادة تسليحها، وضمان حرية التجارة. لكن السوفيات اعترضوا على بعض تلك الميّزات التي تحدّ من حق السفن الحربية السوفياتية في المرور، وكان هدف موسكو جعل البحر الأسود بحرًا مغلقًا أمام كل السفن الحربية، باستثناء سفنها. أما بريطانيا فقد دعت إلى أن يقرر مجلس العصبة حق تركيا في إغلاق المضائق بأغلبية الثلثين، وإلى تمكين الدول المتحاربة من ملاحقة أعدائها عبر المضائق إلى البحر الأسود، خشية أن يؤدي الاقتراح التركي إلى تعزيز مصلحة الاتحاد السوفياتي بشكل أساسي، فيحوّل البحر الأسود إلى بحيرة روسية ويزعزع توازن القوى في البحر المتوسط.

أثار الموقف البريطاني معارضة الوفدين التركي والسوفياتي، ودول اتفاق البلقان، فتوسّطت فرنسا بين الاتحاد السوفياتي وبريطانيا، كونها كانت أكثر الدول عرضةً لتهديد ألمانيا، وبخاصة بعد تحالف الأخيرة مع إيطاليا الفاشية. وفي أثناء المفاوضات، وقّعت النمسا وألمانيا في 11 تموز/ يوليو 1936 اتفاقًا أثار حفيظة بريطانيا وفرنسا إزاء تعاظم التهديد الألماني في أوروبا؛ فقدمتا تنازلات لتركيا[20]؛ إذ إن الفشل في التعاون معها بشأن المضائق عبر التفاوض، قد يؤدي إلى أن تشهد أوروبا تحديًا آخر لاحترام الاتفاقيات الدولية، مثلما حدث في الغزو الإيطالي لإثيوبيا والزحف الألماني إلى الرينلاند[21]. وبعد شهر من المفاوضات أُبرمت اتفاقية مونترو، في 20 تموز/ يوليو 1936، وأُلغيت اتفاقية المضائق المبرمة في لوزان[22].

أحكام الاتفاقية ونتائجها

أعادت اتفاقية مونترو السيطرة على المضائق إلى تركيا، إذ نصّت المادة 24 منها على انتقال مهمات اللجنة الدولية، المنشأة بموجب الاتفاقية المتعلقة بنظام المضائق في 24 تموز/ يوليو 1923، إلى الحكومة التركية[23]، ولم تذكر دورًا لعصبة الأمم في أمن المضائق، ما يعني عودة المسؤولية عنه إلى تركيا.

أقرت الاتفاقية المبدأ العام حول حرية المرور والملاحة البحرية في المضائق، وليس إغلاقها (المادة 1). لكنها ميّزت في هذا الشأن بين مرور السفن التجارية والسفن الحربية، وبين زمن السلم وزمن الحرب. بالنسبة إلى السفن التجارية، نصّت المادة 2 على أن جميع السفن التجارية تتمتع، في زمن السلم، بحرية كاملة في المرور والملاحة في المضائق. أما في زمن الحرب، فتتمتع هذه السفن بحرية المرور والملاحة، إذا لم تكن تركيا طرفًا في الحرب (المادة 4). أما إذا كانت طرفًا في الحرب، فتتمتع السفن التجارية التي لا تنتمي إلى دولة في حالة حرب مع تركيا بحرية المرور والملاحة في المضائق، بشرط ألّا تساعد العدو بأي شكل من الأشكال (المادة 5).

أما السفن الحربية، ففصّلت الاتفاقية في ذلك على نحو أكثر؛ إذ نصّت المواد 10 و13 و14 على أنه في زمن السلم، تتمتع جميع السفن السطحية الخفيفة والسفن الحربية الصغيرة والسفن المساعدة بحرية المرور عبر المضائق، بشرط أن يسبق مرورها إخطار موجه إلى الحكومة التركية عبر القنوات الدبلوماسية.

وقيّدت المادة 14 حمولة السفن الحربية وعددها، فنصّت على ألّا يتجاوز الحد الأقصى للحمولة الإجمالية لجميع القوات البحرية الأجنبية التي قد تمر عبر المضائق 15,000 طن، ولا تزيد على 9 سفن، كما لا يجوز للسفن الحربية استخدام أي طائرة قد تحملها. وقيّدت المادة 18 حمولة السفن الحربية لدول البحر الأسود بما لا يتجاوز 30,000 طن. وإذا تجاوزت حمولة أقوى أسطول في البحر الأسود ذلك، وهي إشارة ضمنية إلى روسيا، فتُزاد الحمولة لغيرها في البحر نفسه بالمقدار نفسه، وحتى 45,000 طن حدًا أقصى. أما الدول غير المطلّة على البحر الأسود، فتقتصر حمولتها على ثلثي الحمولة الإجمالية. كما قيّدت المادة نفسها فترة بقاء السفن الحربية الأجنبية، بألّا تبقى في البحر الأسود أكثر من 21 يومًا. وأعطت المادة 20 ميزةً لتركيا في زمن الحرب إذا كانت طرفًا فيها، فلا تنطبق أحكام المواد من 1 إلى 18 عليها، ويُترك مرور السفن الحربية بالكامل لتقدير الحكومة التركية. وأكدت المادة 21 على أنه إذا اعتبرت تركيا نفسها مهددة بخطر وشيك للحرب، فيحقّ لها تطبيق أحكام المادة 20.

تمثّل اتفاقية مونترو مكسبًا ذا أهمية قانونية وسياسية بالنسبة إلى تركيا؛ إذ أحدثت تغييرًا ملحوظًا في وضعها وجعلتها مشاركًا أكثر أهمية في الشؤون الدولية، وأعادت وضع المضائق إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى. فقد أكدت الاتفاقية على سيادة تركيا الكاملة على المضائق، وتحكّمها بها، عبر منحها الحق في إغلاقها أمام كل السفن الحربية الأجنبية عندما تكون هي طرفًا في الحرب أو مهددة بالعدوان، ومنحتها وحدها الحق في نشر قواتها في المضائق، فأنهت بذلك تجربة تدويل الممرات المائية في حينه. وبذلك، تحررت من أحكام نزع سلاحها وسلطة اللجنة الدولية على المضائق الواردة في معاهدة لوزان. وفضلًا عن ذلك، نجحت في تعزيز علاقاتها ببريطانيا وفرنسا وتقليل اعتمادها على الاتحاد السوفياتي، فعادت إلى سياسة الموازنة بين المصالح المتعارضة للقوى الكبرى وتوظيف ذلك لمصلحتها.

وحقق الاتحاد السوفياتي مكاسب قانونية وسياسية أيضًا؛ إذ سمحت الاتفاقية له بحرية المرور في المضائق وإبحار سفنه الحربية إلى البحر المتوسط في وقت السلم من غير قيود. وحدّت من تهديد أي قوة له من خارج البحر الأسود، وذلك بإقرار حدٍ أقصى للدول غير المطلّة على هذا البحر. ومع ذلك، قلّصت الاتفاقية من قدرة السفن السوفياتية على الوصول إلى البحر المتوسط، عبر منح تركيا صلاحية منع المرور في حال وجودها في حالة حرب أو تهديد بالعدوان. وعززت الاتفاقية انخراط الاتحاد السوفياتي في توازن القوى في أوروبا؛ إذ زادت من وفاقه مع فرنسا وبريطانيا، من أجل مواجهة تهديدات ألمانيا النازية في حينه.

على الرغم من أن الاتفاقية ألغت سيطرة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان في المضائق، وقلّصت قدراتها الحربية التي يمكن أن ترسلها إلى البحر الأسود بهدف منع ألمانيا النازية من ذلك أيضًا، فإن هذه الدول أرادت تعويض خسائرها، مقارنةً بوضعها في معاهدة لوزان، من خلال تعميق علاقاتها مع تركيا والاتحاد السوفياتي لاستبعاد تقاربهما مع ألمانيا النازية.

أخيرًا، لا تزال اتفاقية مونترو سارية، وتُنظِّم أحكامُها اليوم المرورَ في المضائق التركية ومسألة السيطرة عليها. ويُعدّ تعديل أي مادة فيها بالغ الصعوبة؛ إذ جعلت المادة 29 اقتراح التعديل يتطلب التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتعاقدة من خلال القنوات الدبلوماسية، وإذا تعذّر ذلك، يُعقد مؤتمر تحضره جميع هذه الأطراف لهذا الغرض. ويجب أن تحظى قراراته بالإجماع، باستثناء أحكام المادتين 14 و18، إذ تكفي فيها أغلبية ثلاثة أرباع الأطراف المتعاقدة. ولا بد أن تشمل هذه الأغلبية قوى البحر الأسود، بما في ذلك تركيا. وقد يعني ذلك عمليًا صعوبة تعديل موادها، أو ربما انعدام فرص إحلال اتفاقية أخرى محلها.

المراجع

العربية​

حسين، فاضل. محاضرات عن مؤتمر لوزان وآثاره في البلاد العربية. القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية، 1958.

الأجنبية

Bilgin, Mustafa Sitki & Steven Morewood. “Turkey’s Reliance on Britain: British Political and Diplomatic Support for Turkey against Soviet Demands, 1943-47.” Middle Eastern Studies. vol. 40, no. 2 (March 2004), pp. 24-57.

Conley, Heather A. (ed.). History Lessons for the Arctic: What International Maritime Disputes Tell Us about a New Ocean. Washington: Center for Strategic and International Studies, 2016.

“Convention Regarding the Regime of Straits, singed at Montreux, no. 4015,” in: League of Nation: Treaty Series, vol. 173 (20/7/1936), pp. 214-241, at: https://acr.ps/1L9BOYI

De Luca, Anthony R. “Montreux and Collective Security.” The Historian. vol. 38, no. 1 (November 1975).

Fenwick, C.G. “The New Status of the Dardanelles.” The American Journal of International Law. vol. 30, no. 4 (October 1936), pp. 701-706.

Howard, Harry N. “The Straits after the Montreux Conference.” Foreign Affairs. vol. 15, no. 1 (October 1936), pp. 199-202.

Maity, Anadi Bhusan. “The Problem of the Turkish Straits.” The Indian Journal of Political Science. vol. 15, no. 2 (April-June 1954), pp. 134-152.

Republic of Turkey, Ministry of Foreign Affairs. “Convention Relating to the Régime of the Straits.” July 24, 1923. at: https://acr.ps/1L9BOTw

T.E.M.M. “Russia, Turkey, and the Straits.” The World Today. vol. 2, no. 9 (September 1946), pp. 396-405.

US Department of State. Office of the Historian. Turkish Straits Issue. Foreign Relations of the United States. The Near East and Africa. vol. 5, Document 635, January 22, 1951. “Position of US in event that the USSR raises the question of revision of the 1936 Convention regarding the Regime of the Straits.” at: https://acr.ps/1L9BOZx

[1] Anadi Bhusan Maity, “The Problem of the Turkish Straits,” The Indian Journal of Political Science, vol. 15, no. 2 (April-June 1954), p. 134.

[2] Ibid., pp. 134-135; Nilufer Oral, “The 1936 Montreux Convention,” in: Heather A. Conley (ed.) History Lessons for the Arctic: What International Maritime Disputes Tell Us about a New Ocean (Washington: Center for Strategic and International Studies, 2016), p. 26.

[3] فاضل حسين، محاضرات عن مؤتمر لوزان وآثاره في البلاد العربية (القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية، 1958)، ص 5-6.

[4] T.E.M.M., “Russia, Turkey, and the Straits,” The World Today, vol. 2, no. 9 (September 1946), p. 396.

[5] Harry N. Howard, “The Straits after the Montreux Conference,” Foreign Affairs, vol. 15, no. 1 (October 1936), p. 199.

[6] Maity, pp. 134-135.

[7] Ibid., pp. 136-137; Howard, p. 199.

[8] Oral, p. 26.

[9] T.E.M.M., p. 396.

[10] Maity, pp. 140-141.

[11] US Department of State, Office of the Historian, Turkish Straits Issue, Foreign Relations of the United States, The Near East and Africa, vol. 5, Document 635, January 22, 1951, “Position of US in event that the USSR raises the question of revision of the 1936 Convention regarding the Regime of the Straits,” accessed on 27/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BOZx

يُنظر أيضًا المادتان 1 و2 المتعلقان بحرية المرور، والمواد 10 إلى 16 المتعلقة باللجنة الدولية، والمادة 18 المتعلقة بنزع السلاح، من اتفاقية المضائق الملحقة بمعاهدة لوزان، في:

Republic of Turkey, Ministry of Foreign Affairs, “Convention Relating to the Régime of the Straits,” July 24, 1923, accessed on 15/9/2024, at: https://acr.ps/1L9BOTw

[12] Maity, p. 142.

[13] Mustafa Sitki Bilgin & Steven Morewood, “Turkey’s Reliance on Britain: British Political and Diplomatic Support for Turkey against Soviet Demands, 1943-47,” Middle Eastern Studies, vol. 40, no. 2 (March 2004), p. 25; Howard, p. 200; T.E.M.M., p. 397.

[14] Bilgin & Morewood, p. 25.

[15] Ibid., pp. 25-26.

[16] T.E.M.M., p. 397.

[17] Howard, op. cit.

[18] C.G. Fenwick, “The New Status of the Dardanelles,” The American Journal of International Law, vol. 30, no. 4 (October 1936), p. 703.

[19] Howard, op. cit.

[20] Ibid., p. 201.

[21] Anthony R. De Luca, “Montreux and Collective Security,” The Historian, vol. 38, no. 1 (November 1975), p. 2.

[22] Howard, pp. 200-201; Maity, p. 143.

[23] “Convention Regarding the Regime of Straits, singed at Montreux, no. 4015,” in: League of Nation: Treaty Series, vol. 173 (20/7/1936), pp. 214-241, at: https://acr.ps/1L9BOYI


المحتويات

الهوامش