الموجز
غرفة ماري (Mary’s Room) تجربة فلسفية تبحث في إشكالية العلاقة بين المعرفة الموضوعية والخبرة الذاتية. يوجد في هذه التجربة عالمة تُدعى ماري، تمتلك كل المعرفة النظرية عن الألوان دون أن تراها فعليًا، ويُطرح السؤال: هل ستكتسب ماري معرفة جديدة عند رؤيتها للألوان لأول مرة؟ تهدف التجربة إلى تحدي الموقف الفيزيائي الذي يختزل كل الظواهر العقلية إلى عمليات مادية، سعيًا إلى إعادة النظر في طبيعة الوعي والخبرة الذاتية. ويُشار إلى هذه التجربة أيضًا باسم "حجة المعرفة"، وصاحبها هو الفيلسوف فرانك جاكسون الذي عرضها في مقالة نشرها في عام 1982.
وصف التجربة
التجربة الفكرية "غرفة ماري" ، أو كما يشار إليها أحيانًا بـ"حجة المعرفة" (knowledge argument)، هي تجربة فكرية للفيلسوف فرانك جاكسون (Frank Jackson، 1943-) في مقالته: "الكيفيات المحسوسة المصاحبة للظاهرة" (Epiphenomenal Qualia) عام 1982[1].
وتهدف هذه التجربة إلى تحدي موقف المذهب الفلسفي الفيزيائي (Physicalism) الذي يقضي بأن كل الحقائق في العالم هي حقائق طبيعية فيزيائية، ومن ثمَّ، فإن جميع الحقائق، حتى تلك التي تتعلق بالعقل والوعي، يمكن اختزالها في حقائق ذات طبيعة فيزيائية (مادية)[2]. وقد ساد هذا الموقف في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، مع تطور علم النفس السلوكي (Behaviorism) وعلم الأعصاب (Neuroscience)، إذ يرى أصحاب هذا المذهب أن كل الظواهر العقلية من أفكار ومشاعر وإدراكات يمكن ردها في نهاية المطاف إلى مجموعة من العمليات الفيزيائية.
يتخيل جاكسون في هذه التجربة عالمة تُدعى ماري، متخصصة في علم الأعصاب ونظرية الألوان، وتعيش منذ ولادتها في غرفة لا تحتوي إلا على لونين هما الأبيض والأسود. ومن ثمَّ، لم يسبق لها أن رأت أي لون من قبل. وعلى الرغم من ذلك، فإن ماري لديها تلفاز بالأبيض والأسود يعرض جميع الحقائق الفيزيائية بشأن خصائص الرؤية والإدراك البصري للألوان، من لحظة امتصاص الضوء من قبل الخلايا المستقبلة للضوء في شبكية العين، وصولًا إلى معالجة هذه المعلومات العصبية في القشرة البصرية للدماغ، حيث يتكوّن الإحساس بالألوان. ووفق هذه السيرورة لدى ماري معرفة نظرية اختصاصية بالفيزياء والكيمياء الحيوية وعلم وظائف الأعضاء المرتبطة برؤية الألوان[3].
ويتساءل جاكسون، ما الذي سيحدث لماري عندما تخرج من الغرفة؟ أو ماذا سيحدث لو أُعطيت شاشة تلفاز بالألوان؟ هل ستتعلم ماري أمرًا جديدًا من التجربة البصرية للعالم وطبيعة الألوان؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهذا يعني أن القول بأنه من الخطأ القول إن المعرفة الفيزيائية هي الصورة الوحيدة للمعرفة[4].
الدلالة الفلسفية
تهدف هذه التجربة إلى إثبات أن هناك جوانب من المعرفة لا يمكن الوصول إليها من خلال المعرفة الفيزيائية وحدها، مثل ما يطلق عليه المعرفة النوعية (Qualitative Knowledge) أو الكواليا (Qualia). حين ترى ماري الألوان لأول مرة، ستكتشف جوانب جديدة من التجربة البشرية، ما يعني أن المعرفة النوعية تتجاوز المعلومات الفيزيائية التي استطاعت تعلمها سابقًا من خلال التلفاز. ويجادل جاكسون بأن هذه التجربة تظهر أنه لا يمكن تفسير التجارب الذاتية بصورة كاملة من خلال المعطيات الفيزيائية وحدها. فحتى لو كانت ماري تعرف كل شيء عن فيزياء الألوان، فإنها لن تعرف كيف يبدو اللون الأحمر على سبيل المثال، حتى تتمكن من رؤيته بنفسها[5].
وتدعم التجربة فكرة وجود "فجوة تفسيرية" (Explanatory Gap) بين الوصف الفيزيائي للعمليات العصبية والتجربة الواعية الذاتية، إذ تبقى هناك ثغرة في فهمنا لكيفية نشوء الوعي من مجرد التفاعلات المادية في الدماغ. ومن ثمَّ، يمكن القول إن إدراكنا المباشر للألوان وغيرها من الخصائص الحسية، يبدو مباشرًا ومن دون وساطة، ما يتعارض مع فكرة إمكانية اختزال كل تجاربنا إلى مجرد عمليات فيزيائية في الدماغ. ويقوم هذا التأويل على الصياغة العامة المتعلقة بحجة المعرفة التي تعني أن إتمام النعت الفيزيائي لا يُحصِّل فحوى الخبرة الذاتية. وتقدم هذه الاعتبارات -في نظر مؤيدي موقف جاكسون- حججًا قوية ضد كفاية التفسير الفيزيائي البحت للوعي والتجربة الذاتية[6].
الانتقادات والتفاعلات
ديفيد لويس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
على الرغم من البداهة الظاهرة التي تتسم بها هذه التجربة، فإنها كانت مثارًا لعدد كبير من الاعتراضات والانتقادات. يرى بعض الفلاسفة أن ماري لا تتعلم معلومات جديدة من خلال تجربة الألوان، بل تكتسب قدرات جديدة على التعرف على الألوان وتمييزها، وهو ما يعني أن المعرفة المكتسبة هي معرفة كيفية لا معرفة قضايا أو حقائق جديدة[7]. ويُنعت هذا الاعتراض في سياق الأدبيات الفلسفية بـ"فرضية القدرة" (Ability Hypothesis) إذ تعلَّق بصورة خاصة بأعمال كل من لورنس نيميرو (Lawrence Nemirow) وديڤيد كيلّوغ لويس (David Kellogg Lewis، 1941-2001)[8].
وشكك بعض الفلاسفة في تماسك إحدى المقدمات المُستخدمة في هذه التجربة، والمتعلقة بالزعم بالمعرفة الشاملة بجميع الحقائق الفيزيائية، وهو ما يضع التجربة موضع نقد[9]. وجادل فريق آخر بإمكانية تفسير التجربة الذاتية من خلال الأدوار الوظيفية في الدماغ، ومن ثمَّ، فإن إلمام ماري الشامل بهذه الوظائف سيمكنها من فهم التجربة الذاتية للألوان فهمًا دقيقًا. وهنالك أيضًا من اعتقد بأنّ خروج ماري من الغرفة سيجعلها في موقف جديد من التّعرف أو بالأحرى الوصل المعرفي بما كانت تعرفه من قبل على مسلكٍ نظري. وتُشكل هذه الاعتراضات تحديًا لصحة الاستنتاجات الفلسفية المُستخلصة من تجربة غرفة ماري، وتدعو إلى إعادة النظر في دلالاتها الفلسفية[10].
المراجع
Alter, Torin. "Know-How, Ability, and the Ability Hypothesis." Theoria. vol. 67, no. 3 (2001), p. 230.
Jackson, Frank. "Epiphenomenal Qualia." The Philosophical Quarterly (1950-). vol. 32, no. 127 (1982), pp. 127–36.
Lewis, David. Papers in Metaphysics and Epistemology. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.
Markunas, Michael Ernest. "Acquaintance with Colours: An Essay on Frank Jackson's Knowledge Argument." M.Phil.Stud Thesis. University College London, 2016.
Nida-Rümelin, Martine & Donnchadh Conaill (eds.). "Qualia: The Knowledge Argument." Edward Zalta and Uri Nodelman (eds.). The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Spring 2024. Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2024.
Stoljar, Daniel. "Physicalism." The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Edward Zalta & Uri Nodelman (eds.). Spring 2024. Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2024.
[1] Frank Jackson, "Epiphenomenal Qualia," The Philosophical Quarterly (1950-), vol. 32, no. 127 (1982), pp. 127–36.
[2] Daniel Stoljar, "Physicalism," The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Edward Zalta & Uri Nodelman (eds.), Spring 2024 (Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2024).
[3] Jackson, p. 130.
[4] Ibid.
[5] Ibid., pp. 129-130.
[6] Martine Nida-Rümelin & Donnchadh Conaill (eds.), "Qualia: The Knowledge Argument," Edward Zalta and Uri Nodelman (eds.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Spring 2024 (Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2024).
[7] David Lewis, "What Experience Teaches," in: Papers in Metaphysics and Epistemology (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), pp. 262-290.
[8] Torin Alter, "Know-How, Ability, and the Ability Hypothesis," Theoria, vol. 67, no. 3 (2001), p. 230.
[9] Nida-Rümelin & Conaill, op. cit.
[10] Michael Ernest Markunas, "Acquaintance with Colours: An Essay on Frank Jackson's Knowledge Argument," M.Phil.Stud Thesis, University College London, 2016, pp. 14-16.