قلعة معان، المعروفة أيضًا بالسرايا العثمانية، هي معلم تاريخي بارز يقع في مدينة معان جنوب الأردن، وقد شُيّدت عام 1563 في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، لتكون محطة رئيسة على طريق الحج الشامي. اتخذت القلعة شكلًا مربعًا بأبعاد 24*22 مترًا، وتضمّ فناءً داخليًا مستطيلًا، تحيط به غرف متعددة كانت تُستخدَم بوصفها مقرًا للجنود العثمانيين، ومكانًا لتقديم الخدمات لقوافل الحجاج، مثل التزوّد بالماء والطعام. تتميز القلعة بجدرانها العالية التي تصل إلى 9 أمتار، وفتحاتها الضيقة المخصصة لإطلاق السهام، علاوة على الزخارف الحجرية التي تُزيّن مدخلها وتحمل نقوشًا تشير إلى تاريخ بنائها ورعاية السلطان لها. ورغم مظهرها الخارجي الذي يُوحي بأنها قلعة دفاعية، فإن تصميمها الداخلي نظام سكني، ما يعكس تعدد وظائفها بين الحماية والإدارة والخدمة.
موقعها الجغرافي
تبعد قلعة معان (السرايا) عن العاصمة عمان 210 كيلومترات إلى الجنوب، على الطريق الدولي الرابط بين مدينة معان والحدود السعودية[1]، وكان السبب الرئيس لبنائها تأمين طريق قوافل الحج الشامي {{الحج الشامي: رحلة سنوية كانت تنطلق من بلاد الشام إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، عبر قوافل منظمة تسلك طريقًا بريًا يمر بالأردن والحجاز، وقد تميَّز بتنظيمه المحكَم، ووجود محطات للتزوُّد والاستراحة، مع مرافقة عسكرية لحماية الحجاج، وكان له أثر ديني وثقافي وتجاري كبير.}}[2]، وهي على دائرة عرض 30.240760 شمال خط الاستواء، وخط طول 35.910814 شرق خط غرينتش[3].
تاريخها
أخذت معان اسمها من العون، ذلك لأنها المكان الذي كان الحُجّاج والمسافرون يتزوّدون بالماء والغذاء وأعلاف الدواب منه في طريق سفرهم إلى الحجاز[4]. وكانت محطة معان المعبر بين بلاد الشام والحجاز[5]، إلا أنها تعرَّضت للإهمال والتخريب في العصر المملوكي {{العصر المملوكي: الفترة التي حكم فيها المماليك مصر والشام بين عامَي 1250 و1517 بعد سقوط الدولة الأيوبية. وقد تأسَّست فيه دولتان: المماليك البحرية، ثم البرجية. تميَّز العصر بازدهار العلوم والفنون والعمران، ونجاح المماليك في صد الغزوَيْن المغولي والصليبي.}}[6]، وكان دورها يقتصر على تجهيز موكب الحج فقط[7].
وفي العصر العثماني {{العصر العثماني: الفترة التي خضعت فيها بلاد الشام لحكم الدولة العثمانية، بدءًا من عام 1516 بعد معركة مرج دابق، وحتى نهاية الحكم العثماني في أوائل القرن العشرين. تميَّز هذا العصر بالاستقرار النسبي، وازدهار العمران، وارتباط الشام إداريًا وسياسيًا بإسطنبول.}}، بُنِيت قلعة معان الحجازية عام 1563، بأمر من السلطان العثماني سليمان القانوني[8]، وذلك من أجل حفظ الأمن على طريق الحج الشامي. وأُضيفَت إلى الحصن ساقية من أجل خدمة الحجاج[9]، وبعد قرن من بنائها، أصبحت القلعة مقرًا لبعض الأهالي، فلم تكن هناك حامية عسكرية عثمانية[10]. وفي عام 1642، أُضيفَت قلعة أخرى أصغر حجمًا، سُميت بقلعة معان الشامية، من أجل تقديم خدمات أخرى على طريق الحج[11].
قلعة معان 1918
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وكانت المنتجات الغذائية متوفرة بكثرة في القلعة خلال موسم الحج، من أبرزها: الشعير، والمعبوك (من أنواع الأعلاف)، ومستلزمات الجمال، والغنم، والماعز، والضأن، والبيض، والألبان، والعنب، والكمثرى، والتوت، والتين[12]. وكان أهل معان يشترون من الحجاج السلع التي تنقصهم من الشام، ومنها الثياب والقطنيات وبعض المنتجات الأوروبية، ويُحضِرون في طريق العودة من مكة المكرمة بعض البضائع مثل القهوة، والطرابيش الفارسية، والعباءات البغدادية، والسيوف، والخناجر الهندية[13].
إلا أن القلعة عانت مجموعة من المشكلات الأمنية والتقنية، وقد أثّرت هجمات البدو في حركة سير قوافل الحج[14]، ولا سيما من القبائل التي لم تكن تحصل على حصة من الصرة التي تدفعها الدولة العثمانية[15]. كذلك عانت القلعة من إهمال السلطات العثمانية، وقد كانت متداعية وبحاجة إلى الترميم في منتصف القرن التاسع عشر. كذلك فإن السلطات العثمانية لم تُعيّن مسؤولًا عن القلعة، الأمر الذي ترك شأن إدارتها للسكان المحليين، الذين كانوا يتولون شؤون تمويل قوافل الحج[16].
تصميمها

المصدر:
“Original work of the pictorial exploration made by the Hijaz railway committee to Ma'an, contains 95 photographs with descriptive text in Ottoman Turkish Hardcover- 1902 by The Ottoman Hejaz Railway photography commission,”
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بُنيت قلعة معان الحجازية في المحلة الحجازية بالقرب من زقاق البزايعي[17]، حيث اعتُمِد في بنائها على نظام معماري مشابه لذلك المستخدم في خانات المسافرين المشيّدة في أوروبا في العصور الوسطى[18].

المصدر:
عبد الله الخلايفة، صيانة وترميم المباني الأثرية: قلعة معان نموذجًا (عمّان: دار الخليج للنشر والتوزيع، 2021)، ص 97.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما تصميم قلعة معان، فيحتوي على فتحات تُستخدَم للمدافع الصغيرة والبنادق، وذلك من أجل صد هجمات البدو المتكررة، وقد كان هذا التصميم محاولة من السلطات العثمانية لرد الاعتداءات المتكررة منهم[19]، الأمر الذي عزّز الموقع التجاري الأمني للقلعة[20]، ولا سيما وأن موقعها مُحاذٍ لينابيع الماء[21].
أما تفاصيل التصميم، فقد كانت أبعاد القلعة 23.50*23.60 مترًا، وكانت مبنية من الحجارة الجيرية، وبابها الرئيس تجاه الجنوب بطول مترَيْن وعشرة سنتيمترات، وعرض متر وأربعين سنتيمترًا. ويؤدي الباب إلى ممر مسقوف يُفضي إلى ساحة داخلية تحيط بها 6 غرف بمساحات مختلفة، تُضاف إليها غرفتان عند المدخل الجنوبي. أما الطابق الثاني من القلعة، فمُكوّن من 8 غرف، إحداها استُخدِمت بوصفها مسجدًا صغيرًا بمحراب[22]. وتشتمل القلعة على فتحات حربية، وبركة مائية، وساحة، وقنوات مائية لسقاية الحجاج[23].
القلعة في الوقت الحاضر
أطلقت وزارة السياحة الأردنية عطاء مشروع من أجل ترميم قلعة معان عام 2018، وتسلّم المشروعَ مكتبٌ هندسيٌّ خاص، وأُشرِف على الترميم من خبير أثري من أجل الحفاظ على الشكل الأصلي[24]. وقد سبقت ترميم 2018 عدة أعمال ترميم، إلا أنها لم تتصف بالعلمية والدقة، وتمثّلت في تبليط الفناء الداخلي للقلعة، ما أدى إلى رفع مناسيب البلاط في الغرف وتفاوتها؛ كذلك بُنِيت وحدة صحية تابعة للمبنى، مع إقامة سياج حديدي لحماية القلعة، ومسرح خشبي، علاوة على بعض الملاحق من شبابيك وأبواب وأدراج[25]. وقد شمل مشروع وزارة السياحة لعام 2018، الترميم المعماري الأثري والترميم الهندسي لمبنى القلعة[26].
المراجع
العربية
باشا، أيوب صبري باشا. موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب. ترجمة ماجدة مخلوف وحسين مجيب المصري وعبد العزيز عوض. راجعها على نصها العثماني أديب عبد المنان وعلي أوزلى. القاهرة: دار الآفاق العربية، 2004.
البزم، نضال. أطلس مدن الأردن تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية: أحدث المعلومات الجغرافية والتاريخية والأثرية المصورة عن محافظات المملكة. عمّان: دار عالم الثقافة، 2010.
البغدادي، عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي. مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع. ط 6. بيروت: دار الجليل، 1412هـ [1991م].
بوركهارت، جون لويس. ملاحظات عن البدو والوهابيين. ترجمة وتقديم صبري حسن. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007.
بيك، فردريك ج. تاريخ شرقي الأردن وقبائلها. ترجمة بهاء الدين طوقان. عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1998.
الحسين، محمد وهيب وعبد العزيز محمود. حضارة معان: الجفر وجوارها، بلدة أردنية: دراسة في الأصالة والمعاصرة. عمّان: وزارة الثقافة، 2011.
الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله. معجم البلدان. ط 2. بيروت: دار صادر، 1995.
الخلايفة، عبد الله. صيانة وترميم المباني الأثرية: قلعة معان نموذجًا. عمّان: دار الخليج للنشر والتوزيع، 2021.
"السكة الحديدية الحجازية". موقع التاريخ الأردني. في: https://acr.ps/1L9BPHB
الطروانة، محمد سالم غثيان. تاريخ منطقة البلقاء ومعان والكرك (1281-1337هـ/ 1864-1918م). عمّان: وزارة الثقافة، 1992.
فالين، جورج أوغست. صور من شمالي الجزيرة العربية في منتصف القرن التاسع عشر. ترجمة سمير شلبي. مراجعة يوسف يزبك. ط 2. بيروت: [د. ن.]، 1991.
القلقشندي، أحمد بن علي بن أحمد. صبح الأعشى في صناعة الإنشا. شرحه وعلق عليه وقابل نصوصه محمد حسين شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.
المدني، إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري. رحلة الخياري: تحفة الأدباء وسلوة الغرباء. تحقيق رجاء محمود السامرائي. بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، 1980.
المعاني، محمد عطا الله. الكادر البشري لبلدية معان الكبرى (1921-2011). معان: إصدارات بلدية معان، 2011.
"المواقع الأثرية في المحافظة - معان". موقع وزارة الداخلية الأردنية. في: https://acr.ps/1L9BPRY
الأجنبية
Dauphin, Claudine. “On the Mediaeval and Ottoman Syro-Jordanian hajj roads to Mecca: The pilgrim camps in their landscapes 2015 Report.” Palestine Exploration Quarterly. vol. 153, no. 2 (2021). pp. 156-159.
“Original work of the pictorial exploration made by the Hijaz railway committee to Ma'an, contains 95 photographs with descriptive text in Ottoman Turkish Hardcover- 1902 by The Ottoman Hejaz Railway photography commission.” BIBLIO. at: https://acr.ps/1L9BPkh
Petersen, Andrew. “The Ottoman ḥajj route in Jordan: Motivation and Ideology.” Bulletin d’études orientales.Suppl. LVII (2008). pp. 31-50.
Porter, Venetia & Liana Saif (eds.). The Hajj: Collected Essays. London: British Museum, 2013. p. 22.
[1] "المواقع الأثرية في المحافظة - معان"، موقع وزارة الداخلية الأردنية، شوهد في 5/9/2025، في: https://acr.ps/1L9BPRY
[2]نضال البزم، أطلس مدن الأردن تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية: أحدث المعلومات الجغرافية والتاريخية والأثرية المصورة عن محافظات المملكة (عمّان: دار عالم الثقافة، 2010)، ص 271.
[3]للاطلاع على الإحداثيات، يُنظر: https://acr.ps/1L9BPkP
[4] محمد عطا الله المعاني، الكادر البشري لبلدية معان الكبرى (1921-2011) (معان: إصدارات بلدية معان، 2011)، ص 26-27.
[5] شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، ج 5، ط 2 (بيروت: دار صادر، 1995)، ص 153.
[6] عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي البغدادي، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، ج 3، ط 6 (بيروت: دار الجليل، 1412هـ [1991م])، ص 1287.
[7]أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، شرحه وعلق عليه وقابل نصوصه محمد حسين شمس الدين، ج 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1987)، ص 248.
[8] Andrew Petersen, “The Lost Fort of Mafraq and the Syrian Hajj Route in the 16th Century,” in: Venetia Porter & Liana Saif (eds.), The Hajj: Collected Essays (London: British Museum, 2013), p. 22.
[9] فردريك ج بيك، تاريخ شرقي الأردن وقبائلها، ترجمة بهاء الدين طوقان (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1998)، ص 162.
[10] إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري المدني، رحلة الخياري: تحفة الأدباء وسلوة الغرباء، تحقيق رجاء محمود السامرائي، ج 1 (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، 1980)، ص 81.
[11] محمد وهيب الحسين وعبد العزيز محمود، حضارة معان: الجفر وجوارها، بلدة أردنية: دراسة في الأصالة والمعاصرة (عمّان: وزارة الثقافة، 2011)، ص 57-58.
[12] المدني، ص 81.
[13] جورج أوغست فالين، صور من شمالي الجزيرة العربية في منتصف القرن التاسع عشر، ترجمة سمير شلبي، مراجعة يوسف يزبك، ط 2 (بيروت: [د. ن.]، 1991)، ص 22-24.
[14] جون لويس بوركهارت، ملاحظات عن البدو والوهابيين، ترجمة وتقديم صبري حسن، ج 2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007)، ص 20.
[15] المدني، ص 81.
[16] فالين، ص 24-27.
[17]محمد سالم غثيان الطراونة، تاريخ منطقة البلقاء ومعان والكرك (1281-1337هـ/ 1864-1918م) (عمّان: وزارة الثقافة، 1992)، ص 316.
[18] Andrew Petersen, “The Ottoman ḥajj route in Jordan: Motivation and Ideology,” Bulletin d’études orientales,Suppl. LVII (2008), p. 32.
[19] Ibid., p. 43.
[20] أيوب صبري باشا، موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب، ترجمة ماجدة مخلوف وحسين مجيب المصري وعبد العزيز عوض، راجعها على نصها العثماني أديب عبد المنان وعلي أوزلى، ج 5 (القاهرة: دار الآفاق العربية، 2004)، ص 168.
[21] Claudine Dauphin, “On the Mediaeval and Ottoman Syro-Jordanian hajj roads to Mecca: The pilgrim camps in their landscapes 2015 Report,” Palestine Exploration Quarterly, vol. 153, no. 2 (2021), pp. 156-159.
[22]عبد الله الخلايفة، صيانة وترميم المباني الأثرية: قلعة معان نموذجًا (عمّان: دار الخليج للنشر والتوزيع، 2021)، ص 97-99.
[23] المرجع نفسه، ص 100-101.
[24]المرجع نفسه، ص 95.
[25] المرجع نفسه، ص 100-113.
[26]المرجع نفسه، ص 114.