لؤي بن حسين كيالي (1934-1978)، فنان تشكيلي سوري، غلب على أعماله الأسلوب الواقعي التعبيري، عُرِفَ بتصويره لأبناء الطبقة الفقيرة في المجتمع السوري، مثل: ماسحو الأحذية، والبائعون المتجوّلون. كما عُرف بانتصاره للقضية الفلسطينية التي كرّس لها جزءًا من أعماله. أُدخل عنوة إلى مشفى الأمراض العقلية، وحاول الانتحار غير مرة، إلى أن قضى إثر حريق شبّ في فراشه، بعد تناوله جرعة كبيرة من الأدوية المهدّئة.
نشأته وتعليمه
وُلِدَ الفنان التشكيلي لؤي بن حسين كيالي في مدينة حلب، في عام 1934، وتلقّى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي فيها، وقد ظهرت مواهبه الفنية بجيل مبكّر. التحق بكلية الحقوق بجامعة دمشق في عام 1955، غير أنه حصل في العام التالي على منحة من وزارة المعارف السورية لدراسة الفن في إيطاليا، فالتحق بأكاديمية الفنون في روما، في عام 1957. تميّز كيالي في دراسته الفنية، ففاز في عام 1958 بالجائزة الأولى في مسابقة صقلية التي نظّمها مركز العلاقات الإيطالية العربية، كما فاز في عام 1959 بالميدالية الذهبية للأجانب في مسابقة راڤينا (Ravenna)، وأقام معرضه الشخصي الأول في صالة لافونتانيللا (La Fontanella) في روما في العام نفسه، بعد أن انتقل من قسم التصوير الزيتي إلى قسم الزخرفة (الديكور) في الأكاديمية نفسها. في عام 1960 أقام معرضًا مشتركًا مع الفنان فاتح المدرس {{فاتح المدرس: فنان تشكيلي سوري، وُلد في حلب، ويُعد من روّاد الفن الحديث في سورية، درس في روما وباريس، وجمع في أعماله بين السريالية والتعبيرية. عُرف بأسلوبه الرمزي المرتبط بالهوية السورية، وترك إرثًا فنيًا غنيًا، تأثر بالطبيعة والإنسان والأسطورة.}} (1922-1999)، وفي العام نفسه شارك في بينالي البندقية (La Biennale di venezia). كما فاز بالجائزة الثانية في مسابقة ألاتري (Alatri)، وأقام معرضه الشخصي الثاني في صالة المعارض في روما (La galleria d'Arte del palazzo delle esposizioni)[1] الصورة١.
لؤي كيالي ولوحة بائع اليناصيب صورة فوتوغرافية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
نشاطه ومعارضه
بعد تخرّجه في الأكاديمية وعودته إلى بلاده، عمل كيالي مُدرِّسًا للتربية الفنية في ثانويات دمشق، ثم انتقل بعدها للتدريس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، بعد اختياره في مسابقة لاختيار المعيدين في عام 1962. وفي العام التالي صدر قرار تعيينه أستاذًا في الجامعة، إلى أن أُقيل في عام 1972 بسبب حالته النفسية التي أُدخل إثر تدهورها إلى مشفى الأمراض العقلية، علمًا أن حالته شُخّصت بمرض الفصام.
إضافة إلى المعارض الجماعية، أقام لؤي كيالي عددًا من المعارض الشخصية في دمشق وبيروت وحلب، كذلك في روما وميلانو، ففي عامي 1961 و1962 أقام معرضين في صالة الفن الحديث العالمي بدمشق، ثم معرضًا آخر في عام 1964 في مدينة ميلانو الإيطالية، في صالة كايرولا (Cairola) الشهيرة، وفي عام 1965 أقام معرضًا في صالة الكاربينيه في روما (Galleria Il Carpine)، لاقى اهتمام النقّاد الإيطاليين[2] (اللوحة١) .
وفي عام 1967 أقام معرضًا في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق، وآخر في دار علاء الدروبي في بيروت في عام 1972. كما استضافت صالة الشعب للفنون الجميلة في دمشق معرضه الشخصي لعام 1974، وفي عام التالي أقام معرضًا في غاليري "وان" في بيروت. أما في عام 1976، فأقام معرضين: أحدهما شخصي، في صالة الشعب؛ والثاني مشترك مع الفنان فاتح المدرس في صالة المتحف الوطني بحلب، التي استضافت أيضًا معرضه الشخصي الأخير في عام 1977[3].
لؤي كيالي، السيدة الغريبة أرليت أنوري، 1962.
لؤي كيالي، القارئة، 1960
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أسلوبه
في لوحاته التي رسمها على القماش والخشب المضغوط إثر عودته من روما، صار لؤي كيالي يَجمَعُ في أسلوبه الواقعي والتعبيري ما بين الإيقاعية الحيوية والهندسية الصارمة. وفي ذلك يقول الناقد التشكيلي السوري طارق الشريف: "لقد تجلّت قدرات لؤي وبراعته في اللوحات الشخصية التي رسمها في البداية، وتوصل إلى مفهومه الخاص عن هذا الفن والذي يبدو ملائمًا لطبيعته، ومساعدًا له على تحقيق التعبير الذي يريده، وتوصل في لوحته "ماريا" التي رسمها عام 1961 إلى تقديم الشاعرية والتعبير الذاتي، وقدم البداية لأسلوب خاص أعطى لؤي فيه أفضل تجاربه، وأكثرها عمقًا، مما جعله فنان الوجوه الشخصية في المرحلة القريبة التي تلت ذلك"[4].
أما الانتقالة النوعية في أسلوب كيالي فكانت في عام 1965، وتمثّلت في لوحة بعنوان: "ثمَّ ماذا" (اللوحة ٢)[5] التي كانت بمنزلة صرخة سياسية عبّر فيها عن استيائه من حالة اللاحرب واللاسلم التي تعيشها أُمَّته حيال قضية فلسطين، أتبعها بلوحته "الإنسان في الساح" في عام 1966، ثم لوحاته: "كما حدث في الجزائر" (1967)، و"من تحت الأنقاض" (1974)، و"نهاية ثائر" (1976). وكان معرضه الذي حمل عنوان: "في سبيل القضية"، وقد رسم كيالي لوحاته الثلاثين بالفحم، وأقامه في أيار/ مايو 1967 في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق، سبب تعرّضه لحملة ظالمة، حين رأى النقّاد في لوحاته "تهجّمًا على الإنسان العربي، وتشويهًا له ومزايدة سياسية، وكاريكاتيرًا، ولا يتطرق النقد إلى جوهر التشكيل في العمل، بل إلى المضمون الذي وجدوه باهتًا"[6].
لوحة (1)- ثم ماذا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي أعقاب شيوع أخبار نكسة حزيران/ يونيو 1967، أُصيب كيالي بصدمة نفسية عميقة، أتلف إثرها لوحات معرضه الثلاثين، ولم تنجُ منها سوى لوحة واحدة بعنوان "في سبيل القضية 1" (اللوحة ٣)[7]. على خلفية تلك الصدمة وردّة فعله عليها، باع ثيابه كلّها، مكتفيًا بقميص وبنطال، ليُرسل ثمنها ببرقية إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، يو ثانت (U Thant، 1909-1974)، مطالبًا إيّاه والمجتمع الدولي بإنصاف القضية الفلسطينية أو الاستقالة[8].
اللوحة 2- في سبيل القضية 1
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
انحاز كيالي في لوحاته إلى قضايا الإنسان العربي الاجتماعية الوطنية والقومية، وخاصة القضية الفلسطينية، وقد تمثّلت رؤيته تجاه تلك القضايا في رسومه بما فيها من الحدس والتبصُّر. وعلى الرغم من انتمائه إلى أسرة إقطاعية، فإنه انتصر لقضايا المهمّشين في أعماله، فتعرّض لنقد جارح أحيانًا، سبّب له أزمة في علاقته مع المشتغلين بالنقد وروّاد المعارض الفنية، وحتى مع أصدقائه وذويه. وقد لخّص الأديب وليد إخلاصي (1935-2022) موقع لؤي كيالي في المشهد الثقافي السوري حين كتب: "لؤي ليس رمزًا من رموز حلب الباقية فحسب، وإنما رمز من رموز الثقافة الوطنية في سوريا"[9].
مرضه ووفاته
ساءت حالة لؤي كيالي النفسية في النصف الثاني من عام 1967، حتى انهار كليًا. وقد صدر مرسوم بتاريخ 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1968، حمل الرقم 2374، بإيفاده إلى بيروت للاستشفاء، فانقطع بذلك عن الرسم تمامًا. وفي عام 1969، عاد إلى عمله مدرسًا في كلية الفنون بعد تحسّن في حالته، كما عاد إلى الرسم وشارك في معارض جماعية، غير أن تلك الحال لم تطل، إذ سرعان ما تدهورت حالته النفسية مجددًا، وترك التدريس في الجامعة خلال عام 1970، ليستقر في مدينة حلب مواظبًا على ارتياد مقهى القصر الذي احتضن معرضًا دائمًا لأعماله. وبعد تردد بين حلب ودمشق وروما، ومحاولات انتحار متعددة، عُثر عليه محترقًا في فراشه داخل مرسمه على أطراف مدينة حلب، في 10 أيلول/ سبتمبر 1978، فنُقل بطائرة مروحية إلى مشفى حرستا العسكري المختص بمعالجة الحروق. وبعد نحو شهرين ونصف من المعاناة فارق الحياة في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1978، ودُفن في حلب[10].
المراجع
"الأعمال الفنية"، لؤي كيالي، في: https://acr.ps/1L9BOWF
البني، طاهر. "لؤي كيالي: فنان احترق في لوحاته". جريدة الفنون. العدد 40 (نيسان/ أبريل 2004). ص 6-9.
الشريف، طارق. "بمناسبة مرور خمس سنوات على وفاة الفنان الراحل لؤي كيالي". الحياة التشكيلية. العدد 15 (حزيران/ يونيو 1984). ص 6-25.
محمد، صلاح الدين. "مأساة لؤي كيالي من البداية وحتى النهاية كفنان وكإنسان". الثورة السورية: الملحق الثقافي. 1/3/1979.
"لؤي كيالي ونعيم إسماعيل في نقاط". الحياة التشكيلية. العدد 2 (آذار/ مارس 1981). ص 156-159.
[1] نشرت فصلية الحياة التشكيلية الصادرة عن وزارة الثقافة السورية سيرة محققةً للفنان لؤي كيالي. يُنظر: "لؤي كيالي ونعيم إسماعيل في نقاط"، الحياة التشكيلية، العدد 2 (آذار/ مارس 1981)، ص 156.
[2] صلاح الدين محمد، "مأساة لؤي كيالي من البداية وحتى النهاية كفنان وكإنسان"، الثورة السورية: الملحق الثقافي، 1/3/1979.
[3] "لؤي كيالي ونعيم إسماعيل في نقاط"، ص 156-158.
[4] طارق الشريف، "بمناسبة مرور خمس سنوات على وفاة الفنان الراحل لؤي كيالي"، الحياة التشكيلية، العدد 15 (حزيران/ يونيو 1984)، ص 10.
[5] اللوحة من مقتنيات صالة أيام. يُنظر:
“Then what, 1965,” accessed on 5/1/2025, at: https://www.ayyamgallery.com/exhibitions/108/works/artworks-14904-louay-kayyali-then-what-1965/
[6] "لؤي كيالي ونعيم إسماعيل في نقاط"، ص 157.
[7] اللوحة من مقتنيات الأستاذ فاضل السباعي. يُنظر: "في سبيل القضية 1"، لؤي كيالي، شوهد في 5/1/2025، في:
https://www.louay-kayali.com/index.php?page=categories&op=view_paint&lang=ar&pnt_id=140
[8] "لؤي كيالي ونعيم إسماعيل في نقاط"، ص 157.
[9] طاهر البني، "لؤي كيالي: فنان احترق في لوحاته"، جريدة الفنون، العدد 40 (نيسان/ أبريل 2004)، ص 6.
[10] "لؤي كيالي ونعيم إسماعيل في نقاط".