خالدة أديب أديوار (Halide Edib Adıvar، 1884-1964)، شخصية تركية بارزة جمعت بين الأدب والسياسة والنشاط الأكاديمي. عُرفت بنشاطها الوطني خلال حرب الاستقلال التركية، وشاركت إلى جانب
مصطفى كمال أتاتورك في جبهات القتال، وحصلت على رتبة عسكرية. ساهمت أديوار في تأسيس وكالة الأناضول، وتعد من روّاد الصحافة في تركيا الحديثة.
بدأت مسيرتها الأدبية مع إعلان المشروطية الثانية، وأنتجت 21 رواية، و أربع قصص، ومسرحيتين، إضافة إلى العديد من الأعمال النقدية. كانت أديوار أستاذة للأدب في جامعة إسطنبول ورئيسة لقسم فقه اللغة الإنكليزية. وانتُخبت عضوًا في البرلمان التركي عام 1950.
النشأة
العائلة
وُلدت خالدة أديب أديوار عام 1884، في منزل جدّيها في حي بشكطاش في إسطنبول. كان والدها قد نَذَر أن يسمّي مولوده الأول خالد تيمّنًا بالصحابي المحبوب في تركيا
أبو أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد، فلمّا ولدت زوجته طفلةً، اختار الاسم المؤنّث من الاسم: خالدة.
كان والدها محمد أديب يتيمًا تبنّاه رجلٌ اسمه الشيخ محمود وهو أحد وجهاء مدينة سالونيك، ثم أرسله إلى إسطنبول لإكمال تعليمه، ومن بعدها وجَد وظيفة في سكرتاريا السلطان
عبد الحميد الثاني (1842-1918) في
قصر يلدز. أمّا والدتها، فاطمة بدرفم، فكانت مُحبّة للموسيقى، وعُرفت في محيطها المحلي بأعمالها الخيرية، وكانت قد تزوّجت قبل والد خالدة من علي شامل (باشا لاحقًا)، وهو ابن زعيم كردي نافذ يدعى بدرخان باشا، لكن الزواج لم يستمر. وأثناء خدمته في مكّة ضمن حرس الشريف، تعرّف علي شامل على محمد أديب، الذي تزوج فاطمة من بعده، ونشأت صداقة بين الرجلين. جدّها لأمّها، علي آغا من قرية كماح (Kemah) في شرق الأناضول، وكان في شبابه رئيس القهوجية في قصر الأمير محمد رشاد، الذي أصبح فيما بعد
السلطان محمد الخامس (1844-1918). وعلى خلافه، كانت زوجته، أي جدّة خالدة، من عائلة أرستقراطية هي عائلة "نظامي زادة"، واحتفظت هذه العائلة بنفوذ دائم في قصر السلطان، وقد كانت الجدّة متعلّمة في حين كان الجدّ أُمّيًا[1].
الدراسة والأشخاص المؤثرون
قبل أن تتمّ الرابعة من عمرها، توفيت والدة خالدة أديب، وبعد زواج أبيها للمرة الثانية، انتقلت للعيش معه. وقد امتلك أديب بك نزعة ليبرالية، وعرف عنه تأثره بالثقافة الإنكليزية وحبه للعلم والمعرفة، كما كان لديه اهتمام بالغ بمساعدة الشباب الفقراء وإرسالهم للمدارس.
عندما انتقلت خالدة إلى منزله، أخذ يهتمّ بها وبأختها (ابنة زوجته) بشكل شخصي، حسب رؤيته للأسلوب الغربي في التربية. ولذلك أدخل خالدة في روضة أطفال تتبع للجالية المسيحية، وكانت هي التركية الوحيدة فيها، وفي الأثناء بدأت التعرّف على الثقافة الإنكليزية. غير أنها أخرجت من الروضة لاحقًا بعد حمّى شديدة أصابتها، وعادت إلى بيت الجدّة. عاشت خالدة أديب طفولتها في حالة تنقّل بين بيت والدها وبيت الجدّة، رافقها تغيير متكرر لهذين البيتَين، وأحيانًا تكون العائلة كلّها في بيت واحد كبير[2].
خالدة اديب أديوار
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في مرحلة لاحقة، كلّف والدها أستاذ مدرسة بتدريسها في المنزل، غير أن أول تأثير ثقافي بارز في تكوينها لم يأت من التعليم النظامي، بل ارتبط بشخص اسمه علي آغا، وهو أحد الخدم الذين عملوا في منزل الأسرة حين كانت في نحو السابعة من عمرها. وقد أفاضت خالدة أديب في الحديث عن هذا الرجل في مذكراتها، وذكرت أنها أخذت عنه جانبًا مهمًا من تعليمها المبكر. وعن طريقه تعرّفت إلى الفلكلور والأدب الشعبي التركي، وإلى بعض قصص التراث الإسلامي، كما اكتشفت المسرح، وبصحبته شاهدت للمرة الأولى عروض خيال الظل المعروفة بكراكوز[3].
وفي حدود عام 1893، أرسلها والدها إلى مدرسة إسكودار الأميركية (Üsküdar American College)، لكنّها اضطرت إلى تركها بعد عام واحد، إثر قرار السلطان بمنع التلاميذ الأتراك من ارتياد المدارس الأجنبية، لكن والدها اهتم بمواصلتها الدراسة مع أساتذة خصوصيين في البيت، فتابعت دروس الإنكليزية والعربية وغيرها. وفي تلك الفترة كانت تتردّد على منزل جيران والدها، وكان صاحب المنزل، حمدي بك، يستضيف في صالون بيته مجموعة من المثقفين، وقد تأثرّت خالدة بهذا المناخ الثقافي، وبحمدي بك بشكل خاص، وبهذا كان وعيها السياسي قد بدأ يتشكّل، وأوّل تعابيره اكتشافها لموضوع استبداد السلطان عبد الحميد. وبطريقة مشابهة، تعرفت إلى نوري بك، أحد رفاق
نامق كمال (1840-1888) في تيار "العثمانيون الجدد"، وكان وقتها في الستين من عمره وعاد إلى تركيا بعد عفو السلطان عنه، وتأثّرت به أيضًا[4].
في حدود عام 1897، كان لدى عائلة خالدة أديب مدبّرة منزل بريطانية تتكلم التركية، من مهماتها متابعة دروس خالدة باللغة الإنكليزية، ونجحت في رفع مستواها اللغوي والأدبي، إذ كانت تقرأ معها أعمال
وليم شكسبير وجورج إليوت، "وأيقظت طموحي الأول لأكون كاتبة يومًا ما" كما تقول في مذكرتها عنها. كما اعتمدت المربية مع خالدة أسلوب الترجمة في التعليم، فجعلتها تترجم رواية صغيرة لجون آبوت (John Stevens Cabot Abbott، 1805–1877). وفي الوقت نفسه كان محمود إسعاد أفندي، معلّم التركية، يشرف عليها أيضًا، فعمل معها على ترجمة الرواية، وأُعجب بالنتيجة فشجّع والدها على نشرها مع مقدمة منه، وهذا ما حصل بالفعل. وعلى الأثر كرّمها السلطان بوسام خلال احتفال بتكريم جنود الحرب العثمانية- اليونانية في ذلك العام.
وبعد ستّ سنوات من الانقطاع، عادت خالدة إلى مدرستها عام 1899، وفي هذا العام كتبت قصة عنوانها "فتاة غجرية" ونُشرت في مجلة نسائية. لكن النصّ الذي يمكن اعتباره أوّل نصّ أصيل كتبته خالدة أديب، وجاء نتيجة مشاهداتها وقناعاتها الشخصية آنذاك، وفي عُمر مبكّر، هو شهادة عتق خادمتها الخاصة، الحبشيّة الأصل والتي أُحضرت لها من اليمن في حدود عام 1895[5].
بعد مغادرة مربيّتها الإنكليزية، عهدَ والد خالدة بتدريسها الأدبَين الفرنسي والتركي إلى رجل يدعى رضا توفيق، وهو مثقف كان آنذاك في نحو الأربعين من عمره، ضليعًا بالثقافتَين العربية والفارسية، ومطلعًا على الفلسفة. وقد كان لمعارفه وشخصيته تأثير كبير في خالدة، في مرحلة كانت قد بدأت فيها التفكير في أسئلة تتعلق بالدين والمجتمع. وعندما عادت إلى المدرسة في 1899، تابعت تأملاتها متأثرة بمعلمتها مِس فينشام (Miss Fensham)، فمن خلالها استطاعت التعمّق في فهم المسيحية. وكان ابتعادها عن العائلة في هذه الفترة مفيدًا لها، إذ كان والدها قد سجّلها في القسم الداخلي بالمدرسة، فابتعدت عن الأجواء المشحونة والمضطربة الناتجة من كثرة الانتقال وزواج والدها للمرة الرابعة. وتخرّجت من المدرسة في حزيران/ يونيو 1901[6].
خالدة اديب أديوار
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مرحلة حكم الاتحاد والترقي
زواجها الأوّل
قبل أن تتخرّج خالدة من المدرسة بعدّة شهور، كانت تعاني من ضعف في مادة الرياضيات، فطلب والدها من
صالح زكي بك (1864-1921) عالم الفلك والرياضيات، وعميد جامعة إسطنبول أن يعطيها دروسًا في هذه المادة، وأُعجبت خالدة بشخصيته، وفي نهاية العام، بعد تخرّجها، تزوّجت منه. وعام 1902 أنجبت أوّل أولادها وأسمته علي آية الله، والثاني عام 1905 وأسمته حسن حكمة الله توغو تيمّنًا باسم أحد أبطال البحرية اليابانية أثناء الحرب اليابانية-الروسية.
في هذه المرحلة واجهت خالدة أكثر من انتكاسة صحيّة، كانت الأولى عام 1902 عانت فيها من انهيار عصبي. أمّا الثانية فكانت عام 1906 إذ أجرت عملية جراحية أقعدتها في الفراش مدّة ستة أشهر، وتراجعت فيها حالتها النفسية، مما اضطرها إلى الانتقال للعيش في منزل واسع في جزيرة أنتيغون في بحر مرمرة. وعندما بدأت تتعافى، كانت حياتها الاجتماعية تأخذ شكلًا مختلفًا، إذ كان بيتها مكانًا يلتقي فيه مجموعة من الزوّار، من زملاء سابقين لها، أو من أصدقاء أو مريدين لزوجها، ومنهم شخصيات كان لها دور في المرحلة السياسية اللاحقة، منهم الصحفي الشهير
حسين جاهد (Hüseyin Cahit، 1875-1957) الذي سينقل لها خبر ثورة عام 1908 التي قامت بها
جمعية الاتحاد والترقي[7].
بين الثورة والثورة المضادة
لم ترجع خالدة إلى المدينة حتى تشرين الأول/ أكتوبر، لكن ذلك لم يمنعها من الانخراط مباشرة في المناخ السياسي والثقافي الذي نتج من إعادة العمل بالدستور، فتقول: "ضمن الحماسة العامة وإعادة الولادة أصبحتُ كاتبة". ففي العشرين من تموز/ يوليو ظهرت جريدة
طنين (Tanin)، التي أشرف على تحريرها حسين جاهد وتوفيق فكرت (Tevfik Fikret، 1867-1915)، وبدأت خالدة تكتب عمودًا في القسم الثقافي فيها، وأصبحت هذه الجريدة الأكثر شعبية ومبيعًا في البلاد. وفي الوقت ذاته كانت أديب تكتب لصحف أخرى، لكن كتابتها لطنين جعلتها تتلقّى أوّل رسالة تهديد في حياتها، وذلك في كانون الثاني/ يناير 1909[8].
وبعد شهرين، شهدت العاصمة الثورة المضادة المعروفة بالأدبيات التركية بالحركة الارتجاعية أو "واقعة 31 مارت"، وفي سياق الفوضى وأعمال العنف والقتل التي شهدتها هذه الفترة، كانت خالدة وعائلتها من المستهدفين، وهذا ما اضطرها إلى الهرب خارج البلاد وحيدة مع ولدَيها، حيث قصدت الإسكندرية التي بقيت فيها فترة ثمّ سافرت بعدها في زيارة إلى بريطانيا، وعادت إلى تركيا في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر[9].
غلاف رواية طوران الجديدة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي شتاء ذلك العام، أصدرت خالدة أوّل رواياتها وكان عنوانها (Seviye Talib)، وكتبت سلسلة من المقالات عن التعليم، جذبت مستشار وزارة التعليم الذي أقنعها بأن تعطي بعضًا من وقتها للتعليم، وأن تزور مدرسة البنات وتقترح بعض التغييرات. وقبلت خالدة هذه المهمّة واشتركت بتنفيذها مع معلمة أخرى، مخضرمة، واستمرت بالتعليم مدّة خمس سنوات علّمت فيها التاريخ ومبادئ الفلسفة والأخلاق.
في نيسان/ أبريل عام 1910، تطلّقت من زوجها صالح زكي، لأنّه تزوّج عليها ولم تقبل الاستمرار معه لمعارضتها فكرة تعدّد الزوجات. وفي خريف هذا العام عادت إلى محاضراتها ودروسها، وخلال هذه الفترة تحديدًا أصبحت خطيبة جماهيرية، وباتت من الشريحة الأولى ضمن نخبة مثقفي تركيا، وكانت البلاد وقتها تعبُر من الحرب الليبية 1911 إلى حربَي البلقان 1912-1913، وتشهد العاصمة في أثناء تلك الفترة عصفًا فكريًا وطروحات مختلفة في الأفكار الوطنية والقومية. ففي تلك الفترة أصدرت خالدة روايتها الشهيرة طوران الجديدة (Yeni Turan) التي كان لها انتشار شعبي واسع إلى درجة أنّ مطاعم ومقاهي تسمّت باسم الرواية، وقد اعتبرت هذه الرواية دليلاً على تأثّر خالدة بأفكار المُنظّر القومي الشهير وقتها
ضيا كوك ألب، ودعوته الطورانية التركية.
وفي الأثناء انشغلت خالدة أديب في عملها ضمن "جمعية التقدم النسائي"، وفي حدود عام 1913 استقالت من دائرة التعليم لاختلافها في الآراء مع الوزير، وبعدها أصبحت المشرفة العامة على المدارس التابعة للأوقاف. وكان من نتائج نشاطها النسوي وقتها صدور قانون عام 1916، الذي يسمح للمرأة بالطلاق في حالة ارتكاب الزوج للزنى، أو زواجه لأخرى دون موافقة الأولى، أو مخالفته لعقد الزواج[10].
العمل في سورية
في نحو عام 1916 تلقّت خالدة أديب رسالة من
أحمد جمال باشا (1873-1922) قائد الجيش الرابع في سورية، دعاها فيها لزيارة المنطقة وتقديم المساعدة في شؤون التعليم والمدارس وملاجئ الأيتام. وعلى إثر ذلك، توجهت أختها، وكانت تعمل في التعليم أيضًا، إلى بيروت وبدأت العمل هناك، في حين انتظرت خالدة حتى مطلع الصيف قبل أن تسافر إلى المدينة. وقد أقامت في بيروت طوال ذلك الصيف، حيث التقت عددًا من المسؤولين، واطّلعت على أوضاع المدارس وملاجئ الأيتام، وأسهمت في تنظيم شؤونها ووضع تصورات لتحسين أدائها. ثم عادت إلى إسطنبول، لتجد أن مدارس الأوقاف أصبحت تابعة لوزارة الأشغال، فاستقالت من وظيفتها.
ثم في كانون الأول/ ديسمبر 1916، تلقّت خالدة مجددًا رسالة من جمال باشا يحثّها فيها على المجيء والإشراف شخصيًا على خطط إصلاح التعليم، فعادت إلى المنطقة وبرفقتها خمسون معلمة، وباشرت العمل على الفور، وكان مركزها في بيروت. وبعد ذلك بفترة قرّرت الزواج من طبيب العائلة عبد الحق عدنان أديوار (1881-1955)، لكنّ الزواج الذي أُقرّ رسميًا في 23 نيسان/أبريل 1917، لم يكن بحضورها، إذ وكّلت والدها قانونيًا بإتمامه. وبقيت تتابع عملها متنقلة بين بيروت وجبل لبنان ودمشق حتى السادس من حزيران/ يونيو، حيث عادت إلى إسطنبول مع زوجها الذي كان في زيارتها. وفي أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، عادت مجددًا إلى سورية، وتابعت عملها هناك بظروف صعبة للغاية بسبب الحرب، ولمّا بات من الصعب بقاؤها، غادرت سورية في الرابع من آذار/ مارس 1918[11]، بعد أن كان لأعمالها تأثير في الناس على العموم، وعلى نخبة المجتمع على وجه الخصوص[12].
تلك التجربة لخالدة أديب في سوريا أتاحت لها الاطلاع عن قرب على عالم العرب العثمانيين، اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا، وقد ظهر ذلك في مذكراتها، إذ أبدت تعاطفًا مع العرب خاليًا من الاستعلاء القومي الذي كان عند جماعة من القوميين الأتراك في تلك المرحلة، وتفهمًا للطموح القومي للعرب، وقد كان ذلك موقفًا استثنائيًا؛ خاصة وأنه جاء بعد الدعاية السلبية ضدّ الوطنيين العرب، التي تلت إعدام جمال باشا لعدد منهم في 1915 و1916. فقد آمنت خالدة أديب وقتها بأنّ على تركيا أن تساعد العرب في تطوير شخصيتهم وروحهم القومية، حتى إذا ما نالوا استقلالهم وجدوا أنفسهم أقرب إلى تركيا من حيث الروابط والمصالح[13]. ويبدو أنّ نموذج خالدة أديب، خاصة بعد مرحلة نضالها أثناء حرب الاستقلال، كان مصدر إلهام بشكل أو آخر للمرأة العربية في سورية، ويُلاحظ ذلك في نموذج المثقفة والمربية والنسوية الدمشقية المعروفة
نازك العابد (1898-1959)[14].
مرحلة حكم مصطفى كمال
خالدة أديب ومصطفى كمال في محطة جبزة.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
نشاطها بعد الحرب العالمية الأولى وخلال حرب الاستقلال
في حدود أيار/ مايو 1919، انضمّت خالدة أديب وزوجها إلى
كاراكول {{كاركول: أُسّس في تشرين الأول/ أكتوبر 1918 بمبادرة من طلعت باشا وبرعاية أنور باشا، وهي منظمة مقاومة سريّة تعتمد نظام خَلَوي في تنظيمها وإدارة شبكتها، وكان لها دور كبير في حركة المقاومة التركية بعد الحرب العالمية الأولى}}، منظمة المقاومة الوطنية السرية[15]، واشتدت وتيرة نشاطها السياسي اعتبارًا من الخامس عشر من الشهر نفسه، ففي هذا اليوم أنزل الجيش اليوناني قوّاته في مدينة إزمير على الساحل الجنوبي الغربي. وخلال أقلّ من عام، اشتركت مع الوطنيين في النضال السري، والتنسيق مع مصطفى كمال في أنقرة، وإلقاء خطب جماهيرية حماسية. وفي شباط/فبراير اشتدّ ضغط البريطانيين على الوطنيين، وكانت خالدة على لائحة المطلوبين للسجن أو الترحيل إلى مالطا، فأخذت قرارها بالهرب مع زوجها إلى أنقرة والالتحاق بمصطفى كمال، فوصلا إلى هناك في الثاني من نيسان/ أبريل 1920. وبينما تسلّم زوجها وزارة الصحة في حكومة أنقرة، كانت خالدة تعمل كوكالة أنباء، وهي فكرة راودتها بتأسيس وكالة أنباء أناضولية {{وكالة الأناضول للأنباء: تأسست رسميًا في 6 نيسان/أبريل 1920 بتعليمات من مصطفى كمال أتاتورك}}، وإضافة إلى ذلك كانت تشترك في اجتماعات القيادة مع مصطفى كمال والآخرين. ومع اشتداد حرب الاستقلال في حزيران/ يونيو 1921 عملت ممرضة، ثمّ تطوّعت في الجيش في السادس عشر من آب/ أغسطس حتى نهاية الحرب[16].
المعارضة والمنفى
بعد إعلان الجمهورية في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1923، عادت خالدة أديب إلى نشاطها في الكتابة، لكنها لم تترك السياسة، فكانت من أوائل الأشخاص الذين عارضوا الحكم التسلّطي لمصطفى كمال، وانضمت مع زوجها وشخصيات بارزة إلى
حزب الترقي الجمهوري في التاسع من تشرين الثاني/نوڤمبر 1924، وكان أوّل حزب معارض. وفي الأثناء قرّر مصطفى كمال القضاء على المعارضة، فحلّ الحزب المعارض في الثالث من حزيران/ يونيو 1925، وصدرت أوامر باعتقال العديد من المعارضين وإحالتهم إلى المحاكمة التي بدأت في السادس والعشرين من الشهر نفسه، وكان من بين المُلاحقين عدنان أديوار زوج خالدة، الذي صدر حكم بحقّه بالفعل، لكنه كان قد خرج من البلاد مع خالدة إلى المنفى حيث استقرّا ما بين لندن وباريس، ولم يعودا إلى تركيا إلا بعد وفاة مصطفى كمال[17].
أغلفة الكتب
صفحة الغلاف الداخلي من كتاب مذكرات خالدة أديب
غلاف الجزء الثاني من مذكرات خالدة أديب بعنوان الامتحان التركي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في المنفى، تنوّع نشاط خالدة أديب، ما بين الكتابة بالإنكليزية، وسفرها إلى أكثر من مدينة بين أوروبا وأمريكا والهند، وتعرّفها على شخصيات مؤثرة. ففي 1926 نشرت الجزء الأول من مذكراتها، وبعد سنتين نشرت الجزء الثاني بعنوان الامتحان التركي (Turkish Ordeal)، وفي هذا العام، أي 1928، زارت الولايات المتحدة الأميركية، وألقت مجموعة من المحاضرات في عدّة جامعات منها جامعة كولومبيا في نيويورك (Columbia University)، كان موضوعها الأساسي تاريخ الحركة النسائية في تركيا، ونشرت هذه المحاضرات بكتاب عنوانه
تركيا تواجه الغرب (Turkey Faces West). وفي عام 1935 زارت الهند للمرة الأولى، وشاركت في دعم الجامعة الإسلامية فيها، والتقت بغاندي الذي كانت متأثرة به، وكتبت عن الهند كتابًا عنوانه
داخل الهند (Inside India)، كما نشرت محاضراتها هناك بكتابها
صراع الشرق والغرب في تركيا (Conflict of East and West in Turkey)؛ وفي العام نفسه، نشرت روايتها
المهرج وابنته (The Clown and His Daughter)؛ وفي عام 1938 ترجمت كتاب
الإسلام للمستشرق الفرنسي
هنري ماسيه (Henri Massé، 1886-1969)[18].
أفكارها السياسية
تعدّ خالدة أديب إحدى رائدات الحركة النسوية الأوائل في تركيا الحديثة، كما تعد أحد المشاركين في بناء الأمة التركية بعد انهيار السلطنة العثمانية، وفي عام 1910 أطلق عليها لقب "والدة الأتراك" من إحدى المنظمات القومية[19]، وكانت منخرطة ضمن تيار القوميين الأتراك، واعتبرها البعض تلميذة لضيا كوك ألب، أحد أهم مُنظري القومية التركية، والمدافع عن نظرية الهويّة الطورانية. وقد اعترفت في مذكراتها بتأثير كوك ألب على أفكارها، لكنها أكدت في الوقت ذاته على أنّ علاقتها به انتهت في 1915 على خلفية الاختلاف في قضايا التعليم والمبادئ السياسية[20]، كما أنّها في المنفى أعادت التفكير في مسائل القومية والوطنية والتغريب، وناقضت أفكار كوك ألب. وكانت إلى ذلك مُصلحة اجتماعية، فكان لها آراء نقدية في علاقة الإسلام بالدولة. وبالرغم من كونها مناهضة للإمبريالية والكولونيالية، فإنّها بقيت فترة طويلة في تركيا متّهمة بنزعة التقرّب من أميركا[21].
العلاقة مع أميركا
لاحقت خالدة أديب اتهامات لها بالتعاطف مع أميركا، وبالرغم من أنّ هذه الاتهامات كان غرضها النّيل منها شخصيًا، فإنها لم تخفِ تعاطفها هذا، والذي ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وانعقاد
مؤتمر الصلح في باريس في 1919، ففي تلك الفترة كان في إسطنبول عدد من المثقفين الذين لم ينتقلوا بعد إلى أنقرة للانضمام إلى مصطفى كمال، وكان هؤلاء قد تصالحوا مع فكرة المساعدة الخارجية، وذلك بعد أن اتّضحت ميول السلطان للتعاون مع البريطانيين، وظهور "جمعية أصدقاء بريطانيا" التي دعت إلى قبول الانتداب البريطاني، وقد أدى هذا إلى انقسام بين المثقفين الوطنيين المعارضين للسلطان والحكومة، فكان بعضهم، ومن بينهم خالدة أديب، قد فضّلوا فكرة انتداب أميركي على البلاد[22].
كان اختيار خالدة لأميركا مدفوعًا بتأثرها بأفكار الرئيس الأميركي
وودرو ويلسون (Woodrow Wilson، 1856–1924) عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبنظرتها إلى أميركا على أنّها قوّة صاعدة تختلف عن أوروبا الكولونيالية، وأن ليس لها مصالح إمبريالية في تركيا. وهذه نظرة عبّرت عنها في كتابها "تركيا تواجه الغرب، ففي هذا الكتاب ناقشت كيف أنّ أميركا تمثّل قوة جديدة في السياسة العالمية، مقارنةً هذه القوة مع أوروبا عبر معادلة صراع بين التقليد والتغيير[23].
في أواخر أيلول/ سبتمبر 1919 كانت خالدة أديب حاضرة في اجتماعات
بعثة كينغ- كرين الأميركية، مُشاركةً ومترجمة، وفي تلك الأثناء نشأت صداقة قوية بينها وبين تشارلز كرين (Charles Richard Crane، 1858-1939)، الذي ساعدها في إخراج ولدَيها من تركيا إلى أميركا وتكفّل بمصاريف دراستهما. وفي مرحلة المنفى قام كرين بدعم رحلة خالدة أديب إلى أميركا وتمويلها، وكان ذلك في عام 1928[24].
العودة إلى الوطن
ضريح خالدة أديب وزوجها عبد الحق عدنان أديوار في إسطنبول.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
عادت خالدة أديب إلى تركيا في 1939، وأنشأت فور عودتها قسم الأدب الإنكليزي في جامعة إسطنبول، وباشرت نشاطها الثقافي مع طالباتها، ومع أنّها لم تكن عميدة الجامعة، إلا أنّ شخصيتها المؤثرة على هذه المؤسسة جعلت الطلاب يطلقون عليها لقب "السيدة العميدة" (Mrs. Dean). وإضافة إلى ذلك انشغلت بترجمة رواياتها إلى اللغة التركية، وترجمت بعض أعمال شكسبير وجورج أورويل. لكنها عادت إلى السياسة في 1950، إذ ترشحت للبرلمان عن الحزب الديمقراطي وانتُخبت نائبة، وبعد أربع سنوات استقالت لاختلاف في الآراء مع الحزب. وفي 1955 توفي زوجها عدنان أديوار، أمّا هي فتوفّيت في التاسع من كانون الثاني/ يناير 1964[25].
المراجع
العربية
الشهبندر، عبد الرحمن.
مذكرات عبد الرحمن الشهبندر. بيروت: دار الإرشاد، 1967.
لسان الحال، العدد 8216 (8/1/1921)، العدد 8567 (9/3/1922)، العدد 9361 (6/12/1924)
المقتبس، العدد 3304، (24/11/1921).
الأجنبية
Albay, Neslihan. "Halide Edib Adivar and Lady Augusta Gregory: Literary Configurations of Nation-state Identity." PhD. Dissertation. Istanbul University. Istanbul, 2018.
Edib, Halide.
Memoirs of Halide Edib. New York & London: The Century Co., 1926.
________.
The Turkish Ordeal: Being the Further Memoirs of Halidé Edib. London: Century Co., 1928.
________. Turkey Faces West: A Turkish View of Recent Changes and Their Origin. New Haven: Yale University Press, 1930.
Erik-Jan, Zurcher. The Unionist Factor: The Role of the Committee of Union and Progress in the Turkish National Movement (1905–1926). Leiden: Brill, 1984.
Erçetin, Nur Zeynep Kürük. "Halide Edib Adıvar: The Forgotten (Self) Translator Behind the Writer."
Nesir: Edebiyat Araştırmaları Dergisi. no. 7 (2024). pp. 123-137.
Fawaz, Leila Tarazi.
A land of aching hearts: the Middle East in the Great War. Cambridge: Harvard University Press, 2014.
Kasaba, Reşat (ed.).
The Cambridge History of Turkey. vol. 4: Turkey in the Modern World. Cambridge University Press, 2008.
Saul, Norman E.
The Life and Times of Charles R. Crane, 1858–1939: American Businessman, Philanthropist, and a Founder of Russian Studies in America. Maryland: Lexington Books, 2012.
Shaw, Stanford & Ezel Kural Shaw.
History of the Ottoman Empire and Modern Turkey. vol. 2:
Reform, Revolution, and Republic: The Rise of Modern Turkey, 1808-1975. Cambridge/New York: Cambridge University Press, 1977.
Hakan, M. Yavuz & Isa Blumi (eds.).
War and Nationalism, The Balkan Wars, 1912–1913, and Their Sociopolitical Implications. Salt Lake: The University of Utah Press, 2013.
[1] Halide Edib.
Memoirs of Halide Edib (New York & London: The Century Co., 1926), pp. 11- 63.
[2] Ibid., pp. 23-27.
[3] Ibid., pp. 115, 135-138.
[4] Ibid., pp. 149-161.
[5] Ibid., pp. 169-181.
[6] Ibid., pp. 182-200.
[7] Ibid., pp. 202-219, 252, 253.
[8] Ibid., pp. 260.
[9] Ibid., pp. 277-294.
[10] Stanford Shaw & Ezel Kural Shaw,
History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, vol. 2: Reform, Revolution, and Republic: The Rise of Modern Turkey, 1808-1975 (Cambridge/New York: Cambridge University Press, 1977), pp. 307.
[11] Edib, pp. 391-471.
[12] تركز عمل أديب في بيروت وجبل لبنان، وساهم في نجاح العمل كفاءة والي بيروت عزمي بك وعلاقته الجيدة بأهلها، وحصلت على تقدير المسيحيين بشكل خاص على مجمل أعمالها، وخاصة لاهتمامها بأطفال اللاجئين الأرمن وضمان ألا يدخلوا في الإسلام. وفي دمشق التقت محمد كرد علي الذي مدح عملها أكثر من مرة. وعلى العموم، تعدّ روايتها عن فترة عملها في سورية مرجعًا للدارسين العرب عن تلك الفترة كما يظهر في كتاب
ليلى طرزي فواز عن مرحلة الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط الصادر في 2014. يُنظر:
المقتبس، العدد 3304 (24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1921)؛
لسان الحال، العدد 8216 (8 كانون الثاني/ يناير1921)، العدد 8567 (9 آذار/ مارس1922)، العدد 9361 (6 كانون الأول/ ديسمبر 1924)؛
Leila Tarazi Fawaz.
A land of aching hearts: the Middle East in the Great War )Cambridge: Harvard University Press, 2014), pp. 82-88, 97, 104-116.
[13] Ibid., pp. 431-471.
[14] كما كان تشارلز كرين راعيًا لخالدة أديب كما هو مذكور لاحقًا، رأى كرين في نازك العابد نموذجًا مشابهًا لأديب، ويروي الزعيم السوري عبد الرحمن الشهبندر أنه عرض عليها أن يرعى تعليمها في أميركا، وذلك خلال زيارته الثانية إلى دمشق في نيسان/ أبريل 1922. يُنظر: عبد الرحمن الشهبندر،
مذكرات عبد الرحمن الشهبندر (بيروت: دار الإرشاد، 1967)، ص 32-33.
[15] للمزيد عنها يُنظر:
Erik-Jan Zurcher,
The Unionist Factor: The Role of the Committee of Union and Progress in the Turkish National Movement (1905–1926) (Leiden: Brill, 1984), pp. 81.
[16] Halide Edib.
The Turkish Ordeal: Being the Further Memoirs of Halidé Edib (London: Century Co., 1928), pp. 20- 23, 63, 64, 144, 261- 283.
[17] Shaw & Shaw, pp. 380, 395; Zurcher, pp. 139, 140.
[18] Nur Zeynep Kürük Erçetin, "Halide Edib Adıvar: The Forgotten (Self) Translator Behind the Writer,"
Nesir: Edebiyat Araştırmaları Dergisi, no. 7 (2024). pp. 123-137.
[19] Edib, pp. 321.
[20] Ibid., pp. 317; M. Hakan Yavuz. "Warfare and Nationalism, The Balkan Wars as a Catalyst for Homogenization," in: M. Hakan Yavuz & Isa Blumi (eds.),
War and Nationalism, The Balkan Wars, 1912–1913, and Their Sociopolitical Implications (Salt Lake: The University of Utah Press, 2013), p. 83.
[21] Neslihan Albay, "Halide Edib Adivar and Lady Augusta Gregory: Literary Configurations of Nation-state Identity", PhD. Dissertation, Istanbul University, Istanbul, 2018, pp. 48, 58, 119, 171-179.
[22] Reşat Kasaba (ed.),
The Cambridge History of Turkey, vol 4: Turkey in the Modern World (Cambridge University Press, 2008), p. 119.
[23] Halide Edib,
Turkey Faces West: A Turkish View of Recent Changes and Their Origin (New Haven: Yale University Press, 1930), pp. 174-175, 254.
[24] Norman E. Saul,
The Life and Times of Charles R. Crane, 1858–1939: American Businessman, Philanthropist, and a Founder of Russian Studies in America (Maryland: Lexington Books, 2012), pp. 191-192, 216, 252.
[25] Erçetin, pp. 132; Albay, p. 121.