تسجيل الدخول

التضخم

​​​​​​​​

​التضخم (Inflation) مفهوم يدلّ على الارتفاع العام والمستمر في أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية، ويجري قياسه بمعدل التضخم. يكتسي التضخم أهميةً كبرى في الاقتصادات المعاصرة، لتقييم صحة الاقتصاد، واتخاذ التدابير المناسبة للتحكم في اتجاهات تأثيره في المستهلكين والشركات وأسواق المال. وتتعدد حالات التضخم لتشمل التضخم المدفوع بالتكاليف، والتضخم الناشئ عن الطلب، وتوقعات التضخم، والتضخم المستورد، وغيرها من الحالات. وتوجد العديد من الأدوات الاقتصادية والمالية لتنظيم التضخم والتحكّم فيه، من أهمها السياسة النقدية، والسياسة المالية، وسياسة سعر الصرف، وسياسة ضبط الأسعار والأجور.

نشأة المفهوم

يُعدّ التضخم من المفاهيم الاقتصادية الأساسية الأكثر شيوعًا واستخدامًا، ويُستخدم للدلالة على الارتفاع العام والمستمر في أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية في بلد أو اقتصاد أو منطقة محددة، ويعكس مقياسه الحسابي، والذي يُعبَّر عنه بمعدل التضخم، معدل التغير النسبي في المستوى العام للأسعار بين فترتين أو نقطتين زمنيتين. وتبرز أهمية هذا المفهوم من كونه يُبين مدى الارتفاع في كلفة المعيشة بين فترة وأخرى، كون احتسابه مبنيًّا على مجموعة (سلّة) السلع والخدمات التي تستهلكها الأسر بالعادة. فتحقق التضخم يعني أن كلفة شراء السلع والخدمات التي تشملها سلة المستهلك أصبحت أعلى، أو بمعنى آخر، أن المبلغ المالي (الاسمي) الذي كانت تحتاجه الأسرة أو الفرد سابقًا لشراء مجموعة من السلع والخدمات، سيمكّنها من شراء كميات أقل منها بفعل التضخم. وبطبيعة الحال، لا يعني التضخم أن أسعار جميع السلع والخدمات قد ارتفعت، ولا أن وتيرة الارتفاع هي نفسها بين مختلف السلع والخدمات، بل قد يتحقق التضخم مع انخفاض أسعار بعضها أو ثباتها.

ويوفر التضخم أيضًا رؤيةً حول ديناميات استقرار الاقتصاد وفعالية السياسات الاقتصادية، لا سيما السياسة النقدية التي تؤدي دورًا كبيرًا في التأثير فيه، ومن خلال اتجاهات متعددة. ومن خلال مراقبة التضخم، يمكن لصانعي السياسات والاقتصاديين تقييم صحة الاقتصاد، واتخاذ التدابير المناسبة للتحكم في اتجاهات تأثيره في المستهلكين والشركات وأسواق المال.

وعلى نحوٍ عام، تستهدف الدول الحفاظ على معدل تضخم منخفض بحدود 2-3 نقاط مئوية، وتحاول منع ارتفاعه إلى مستويات أعلى لتفادي تأثيراته في القوة الشرائية للمداخيل، وفي الدائنين والمدينين وأسعار الفوائد والائتمان والاستثمار وغيرها من التأثيرات. وتعمل أيضًا على الحيلولة دون انخفاضه عن هذا المستوى، تفاديًا لبعض التداعيات الاقتصادية غير الصحية. فالقبول بمعدلات تضخم معتدلة يُعدّ ضروريًّا لإعطاء هامش كافٍ لمصنعي السلع والخدمات ومزوديها لتحسين منتجاتهم، ويعالج أيضًا تجاهل التضخم للسلوك الإحلالي للمستهلكين المتمثل بالتوجه إلى سلع بديلة أقل سعرًا في حال ارتفاع أسعار السلع التي يستهلكونها بالعادة. إضافة إلى أن تقديرات التضخم قد تتضمن هامشًا محدودًا من المبالغة بسبب تجاهل هذه السلوكيات المحتملة، والمستويات المستهدفة للتضخم في حدود 2-3 في المئة قد تستوعب هذه السلوكيات[1]، أي أن هذا المعدل سيكون في حدود الصفر لو أنه يرصد مثل هذه التغيرات في سلوك المستهلك.

في الفترة بين منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر والحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، والتي يطلق عليها الاقتصاديون عصر البنوك ​الحرة​ {{عصر البنوك الحرة: يشير هذا المصطلح في الولايات المتحدة الأميركية بين عامي 1837 و1863 إلى فترةٍ استطاعت فيها البنوك المرخصة إصدار عملاتها النقدية الخاصة، مع الحد الأدنى من التنظيم الفدرالي، وغالبًا ما كانت مدعومة بسندات الولايات، ما أدى إلى تفاوتات كبيرة في جودة الأوراق النقدية وعدم الاستقرار المالي.}}، ​شرعت البنوك التي انطلقت بزخامة خلال تلك الفترة بإصدار عملات ورقية خاصة أُطلق عليها "الأوراق النقدية" (Banknotes)، وهي عملات تستمدّ قيمتها بما يقابلها من المعادن الثمينة. لكن مع مرور الوقت، لم يكن لدى البنوك ما يكفي من الذهب أو الفضة لتغطية القيمة المقابلة لجميع الأوراق النقدية الصادرة عنها، وهو ما أدى إلى تراجع مقدار ما يقابلها من معادن ثمينة. خلال هذه الفترة، بدأ مصطلح "التضخم" بالتبلور، ولكن ليس للإشارة إلى تغييرات الأسعار، بل إلى التغيرات في العملة الورقية[2].

وفي أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الحدود بين "العملة" و"المال" بالتلاشي، وبدأ الاقتصاديون يطلقون على أي وسيلة تداول "بالمال"، وأي زيادة في الكميات المتداولة منها عن الاحتياجات التجارية باعتبارها تضخمًا للنقود. لكن تطبيق هذا المفهوم من الناحية العملية ظلّ محل استفهام وغموض، وذلك لصعوبة تقدير حجم الاحتياجات التجارية الفعلية وتحديدها.

وفي أوائل القرن العشرين، ومع تصاعد الرابط بين العملة المتضخمة والأسعار المرتفعة، واجه تعريف مفهوم التضخم تحديًا. ففي الأصل، كان يُنظر إلى التضخم على أنه حالة مرتبطة بالنقد، واعتُبر اضطرابًا يُنسب إلى زيادة المعروض النقدي المتداول. وهذه هي وجهة نظر "المدرسة النقدية" (Monetarism). فبالنسبة إلى ميلتون فريدمان (1912-2006)، وهو أحد أبرز منظّري هذه المدرسة، فإنه لا يمكن للتضخم أن يكون له سوى مصدر واحد هو النقد[3]. ونتيجةً لذلك، أصبح بعد ذلك يُنظر إليه على أنه حالة مرتبطة بالأسعار، خاصة مع صعود الاقتصاديات الكينزية، التي شككت بصحة النظرية الكمية للنقود. فالنظرية الكينزية تناولت التضخم بعيدًا عن حالة النقد، وإعادة تعريفه على أنه وصف لحالة الأسعار، ما جعل التضخم مفهومًا مرادفًا لأي زيادة في الأسعار.

معدل التضخم

يعتمد احتساب معدل التضخم على ما يُعرف بـ "مؤشر أسعار المستهلكين"، أو الرقم القياسي لأسعار المستهلكين؛ وفي بعض الأحيان، يُطلق عليه الرقم القياسي لتكاليف المعيشة. ويعكس هذا المقياس في الأساس المتوسط المرجح للأسعار التي يدفعها المستهلكون مقابل سلة من السلع والخدمات التي يستهلكونها على نحوٍ اعتيادي.

ولبناء هذا المؤشر، يُجرى مسح يطلق عليه عادةً "مسح نفقات الأسرة"، تُرصد من خلاله الأنماط الاستهلاكية للأسر وحجم الإنفاق على كل سلعة وخدمة. واستنادًا إلى هذه المعلومات، يُشكّل ما يعرف بسلة المستهلك التي تضمّ مجموعةً متنوعة من السلع والخدمات ذات غالبية الاستهلاك. وتحدد الأهمية النسبية لكل سلعة بناءً على متوسط الإنفاق عليها منسوبًا إلى مجموع الإنفاق على السلة الاستهلاكية كاملةً.

عند إطلاق المؤشر، تُسعّر هذه السلة، أي تُحتسب كلفتها؛ وتُعتمد هذه الكلفة بوصفها مؤشرًا قياسيًّا لسنة الأساس، إذ يُعيّن قيمته بـ 100[4]. وبعد ذلك، يُعاد تقييم أسعار السلع داخل السلة بانتظام (بشكل شهري في أغلب الأحيان)، استنادًا إلى الأسعار السائدة في السوق في نقاط زمنية محددة. ثم تُقارن هذه الأسعار المحدّثة بتلك التي في السنة الأساس لاحتساب الرقم القياسي لأسعار المستهلكين عند كل نقطة زمنية.

حالات التضخم

  1. التضخم المدفوع​ بالتكاليف (Cost-push inflation): وهي الحالة التي ترتفع فيها الأسعار نتيجةً لارتفاع كلف مدخلات الإنتاج بشقيها السلعي والخدمي في ظروف السوق التي تسمح بذلك. وبدورها، تتأثر أسعار مدخلات الإنتاج في الاعتبارات المحيطة لكل منها. فعلى سبيل المثال، قد ترتفع كلفة العمالة (الأجور) متأثرة بمستوى الطلب عليها، ومستوى البطالة، ومعدل المشاركة الاقتصادية التي تشكل بدورها المعروض من العمالة. وترتبط مدخلات الإنتاج من الوقود بظروف أسواق الطاقة العالمية، والأطر التنظيمية التي تحكم أسعارها، وغير ذلك. ويمكن أيضًا أن تتأثر أسعار كلف الإنتاج المستوردة بانخفاض أسعار صرف العملات المحلية تجاه العملات الأجنبية، وهو ما يفضي إلى ارتفاع أسعارها بالعملة المحلية. وبناءً على ذلك، فإن التضخم المدفوع بالتكاليف هو حالة مرتبطة بارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، التي قد تتأثر بدورها بمجموعة وسلسلة من الاعتبارات[5]. إضافة إلى ذلك، فإنه لا يجري بالضرورة عكس كامل الارتفاع في كلف إنتاج السلعة والخدمة على سعرها. ففي بعض الحالات، يُمرر جانب منها للأسعار، بينما يمتص منتج أو مقدم السلعة أو الخدمة الجانب الآخر منها من خلال خفض أرباحه أو زيادة خسائره. ويعتمد هذا بطبيعة الحال على طبيعة السلعة أو الخدمة وأهميتها، فكلما ارتفعت أهمية السلعة أو الخدمة لدى المستهلك، ارتفعت إمكانية تمرير أي زيادة تطرأ على كلفها إلى سعرها. وهذا النوع من السلع أو الخدمات يختص بمرونة طلب سعرية منخفضة أو صفرية، وهو ما يعني أن معدل الزيادة في أسعار هذه السلع يكون أعلى من معدل انخفاض الطلب عليها تبعًا لذلك. والعكس صحيح؛ فالسلع ذات الأهمية المتدنية تختص بمرونة طلب سعرية مرتفعة، وهو ما يعني أن الانخفاض النسبي في الطلب عليها يكون أعلى من معدل الارتفاع في أسعارها. ولذلك، فإن قدرة المنتجين على عكس الزيادات المتحققة في كلف إنتاج السلعة على سعرها تكون محدودةً مقارنة بالسلع ذات المرونة المتدنية.
  2. التضخم الناشئ عن الطلب (Demand-pull inflation): تتحقق هذه الحالة، والتي يُطلق عليها "التضخم الكينزي"، نسبة إلى عالم الاقتصاد جون ماينرد كينز (John Maynard Keynes، 1883-1946)، عندما تتجاوز طلبات المشترين بمختلف أنواعهم (أفرادًا، وشركات، وحكومة) حجم المعروض من السلع والخدمات، أي أن مستويات أكبر من الطلب تلاحق مستويات أقل من العرض، وهو ما يضطر المشترين لدفع أسعار أعلى من أجل الحصول على السلع والخدمات. ففي الأمد القصير، تحول محدودية الطاقات الإنتاجية وانتفاء مرونتها دون الاستجابة بشكل كافٍ للزيادات التي تطرأ في الطلب[6].
  3. توقعات التضخم (Inflationary expectations): تؤدي العوامل النفسية والتوقعات المستقبلية لدى كافة الفئات المعنية بالسلع والخدمات، من منتجين ومستهلكين وعاملين وغيرهم، دورًا مهمًا في التأثير باتجاهات الأسعار؛ كل حسب دوره في سلسلة إنتاج السلعة أو الخدمة. فعلى سبيل المثال، عندما يتوقع المنتجون ارتفاعات مستقبلية في أسعار السلع أو الخدمات التي ينتجونها، فقد يدفعهم ذلك إلى إجراءات استباقية لرفع الأسعار. والأمر ذاته ينطبق على العاملين الذين إذا استشعروا زيادات ملحوظة مقبلة في الأسعار، فقد يدفعهم ذلك إلى المطالبة بزيادة أجورهم، وهو ما ينجم عنه ارتفاع في تكاليف الإنتاج، ومن ثمّ في الأسعار. وبناءً على ذلك، يُطلق على هذا النمط من محركات التضخم ​"النبوءة الذاتية التحقّق {{النبوءة الذاتية التحقق: هي تنبؤ أو اعتقاد ​يصبح حقيقةً بمجرد اعتقاد الناس به، فيتصرفون بناءً عليه، ما يؤدي إلى حدوث النتيجة المتوقعة.}}" (Self-fulfilling Prophecy)، على اعتبار أن توقعات التضخم، وإن لم تكن دقيقة وواقعية، فهي قادرة بحد ذاتها على إحداث التضخم.
  4. التضخم المستورد (Imported inflation): وهي الحالات التي تكون فيها السلع المستوردة سببًا في ارتفاع الأسعار المحلية، إما من خلال ارتفاع أسعارها في البلدان المصدرة و/ أو تراجع أسعار صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، و/ أو ارتفاع الكلف الخارجية المرتبطة بالسلعة، مثل رسوم الشحن والتأمين والضرائب الجمركية، وغيرها. وتزداد حدة تأثير هذه الاعتبارات في الأسعار المحلية كلما زاد الاعتماد على السلع المستوردة مقارنةً بما ينتج محليًّا. فارتفاع الأسعار العالمية للسلع المستوردة يزيد من كلف توريدها إلى الأسواق المحلية، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها محليًّا. وكذلك الحال بالنسبة إلى مدخلات الإنتاج المستوردة التي تنعكس الزيادات في أسعارها الخارجية في كلف إنتاج السلع التي تعتمد عليها محليًّا، وبعد ذلك في أسعارها. وعلى النحو نفسه، فإن تراجع سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية سيؤدي بالضرورة للحاجة لمبالغ أكبر من العملة المحلية لشراء السلعة من الخارج، وهو ما يعني ارتفاع أسعارها بالعملة المحلية. إضافة إلى أن الارتفاع في أسعار السلع المحلية قد يؤدي إلى ارتفاع الطلب على بدائلها المحلية، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها. ومن جهة أخرى، فإن تراجع سعر الصرف سيجعل المنتجات المحلية أرخص لدى البلدان المستوردة، وهو ما قد يعني ارتفاعًا في الطلب عليها لغايات التصدير، وبعد ذلك ارتفاع أسعارها.
  5. التضخم بالتقليص (Shrinkflation): في محاولةٍ لتفادي التداعيات التي قد تترتب على رفع أسعار السلع وتأثيرها السلبي في سلوك المستهلكين، يلجأ المنتجون في بعض الحالات إلى تقليص حجم السلعة أو وزنها مقابل تثبيت سعرها، وهو ما يعني ضمنًا ارتفاع سعر الوحدة الواحدة من الحجم أو الوزن، أي أن المستهلكين يحصلون على كميةٍ أقل من السلعة مقابل تحمّل السعر ذاته. وفي العادة، يُلجأ إلى هذا النهج إما لمواجهة ارتفاع تكاليف السلع، و/ أو لرغبة المنتجين في زيادة أرباحهم. وعلى اعتبار أنّ ملاحظة المستهلكين للزيادات التي قد تطرأ على أسعار السلع أعلى منها مقارنةً بالتخفيضات التي تطرأ على أوزانها أو حجمها، يُستخدم هذا الأسلوب لتجنب الارتدادات الاستهلاكية السلبية[7].
  6. التضخم بالتقتير (Skimpflation): وهو ربما أكثر أنماط التضخم خفاءً، وأقلها وضوحًا للمستهلكين. ففي بعض الحالات، يلجأ المنتجون إلى استخدام مدخلات إنتاج أقل جودة، أو تقليل تركز مدخلات الإنتاج الأعلى كلفة، وغيرها من الأساليب والأدوات، لغايات تخفيض كلف إنتاج سلعة معينة؛ وهو ما يعني حصول المستهلكين على قدر أقل من الجودة مقابل تحمل السعر ذاته[8].

تأثيرات التضخم

تمتد تأثيرات التضخم، وخاصة المستويات المرتفعة منه، لتشمل أطرافًا ومجالات متعددة. فهو بشكل أساسي يخفض من القوة الشرائية أو الدخل الحقيقي للأفراد والأسر في حال ثبات مداخيلهم النقدية (الاسمية)، أو نموها بوتيرة أقل من معدل التضخم؛ وهو ما يعني تراجعًا في مستوى معيشتهم. ويترتب على التضخم غير المتوقع أيضًا تراجع في القيمة الحقيقية لتسديدات القروض ذات أسعار الفائدة الثابتة أو قليلة المرونة لمعدلات التضخم. وترتيبًا على ذلك، يتضرر المقرضون لانخفاض القوة الشرائية لتسديدات قروضهم النقدية. وفي المقابل، يستفيد المقترضون من انخفاض القيمة الحقيقية أو القوة الشرائية للمبالغ النقدية الملتزم بها على أنها تسديدات للمقرضين[9].

وقد يكون التضخم مضرًا للشركات والمؤسسات التي لا تستطيع زيادة أسعار منتجاتها وتمرير الارتفاعات التي تطرأ على كلف مدخلات إنتاجها إلى المستهلكين. ويتضرر العاملون إذا لم تُساير أجورهم وتُعدَّل وفقًا لمعدلات التضخم المتحققة، وكذلك مالكي الأصول، مثل الأراضي، والعقارات، والمركبات، في حال جمود أسعارها وعدم ارتفاعها بوتيرة تساوي على الأقل معدلات التضخم المتحققة؛ كون ذلك يعني تراجعًا في القوة الشرائية لقيمة هذه الأصول، وهكذا. ولذلك يُنظر إلى التضخم في بعض الحالات على أنه أداة خفية وذاتية لإعادة توزيع الثروة والدخل بين الأطراف المختلفة.

وتهدف السياسة النقدية للبنوك المركزية على نحوٍ متزايد إلى السيطرة على تأثيرات التضخم في المدى المتوسط لضمان مصداقية العملة. فمنذ اتفاقيات جامايكا {{اتفاقيات جامايكا: هي اتفاقيات نقدية دولية، أُبرمت عام 1976، أنهت رسميًا "نظام بريتون وودز" (Bretton Woods system) لأسعار الصرف الثابتة، وأضفت الشرعية على أسعار الصرف العائمة، وقلّصت دور الذهب في النظام النقدي الدولي.}}، استُبعد التثبيت الاسمي للعملات فيما بينها، إضافة إلى تثبيت العملات على الذهب أو الفضة. ومن ثمّ، أصبحت مصداقية العملة تعتمد على إجراءات البنك المركزي لضمان عدم تآكل قيمة العملة بسرعة. وهو ما فَتح نقاشات بشأن تفويض البنك المركزي لضمان استقرار أسعار الأصول، عوضًا عن ضمان استقرار أسعار السلع والخدمات، وذلك بسبب تزايد تأثير الوساطة المالية في تركيز الأصول القابلة للتحويل، وما نتج عنه من فقاعات مضاربة {{فقاعات المضاربة: هي ظواهر منتشرة في الأسواق المالية ترتفع فيها أسعار الأصول بشكل كبير يفوق قيمتها الحقيقية، نتيجة مضاربات المستثمرين المفرطة و"سلوك القطيع" (Herd behavior)، ما يؤدي في النهاية إلى انهيار حاد في الأسعار عند إدراك الواقع.}} (Speculative bubbles) أدى انفجارها إلى العديد من الأزمات المالية خلال العقود القليلة الماضية[10].

ففي حال وجود معدلاتٍ معتدلة للتضخم، فإنه يمكن أن يعزّز النمو من خلال تحفيز استثمار أو طلب الشركات في سوق السلع الإنتاجية، وتحفيز طلب الأسر في سوق السلع الاستهلاكية. ذلك أنّ استقرار الأسعار أو انخفاضها على نحوٍ طفيف يدفع من جهة المستهلكين إلى خفض طلبهم، بانتظار المزيد من الانخفاضات لاستهلاك المزيد، ويدفع من جهةٍ ثانية الشركات إلى تأخير تجديد مخزونها للاستفادة على نحوٍ أفضل من تخفيضات الأسعار في المستقبل. وفي حال وجود معدلاتٍ مرتفعة للتضخم، فإنه يقوّض النمو ويهدد العمالة، من خلال انخفاض الاستثمار وتشجيع العمليات قصيرة الأجل التي قد تؤدي إلى تحقيق أرباح فورية. إضافة إلى أنه يضرّ بالقدرة التنافسية للاقتصاد وبالصادرات، من خلال زيادة المستوى العام لأسعار المنتجات الوطنية، مقارنةً بأسعار المنتجات الأجنبية، ومن ثمّ يضرّ بالميزان التجاري.

سياسات التأثير في التضخم

هناك العديد من الأدوات التي يمكن اللجوء إليها لتنظيم التضخم وضبط إيقاعه. إضافة إلى أن قدرة هذه السياسات وفعاليتها تتفاوت من دولةٍ إلى أخرى، وتعتمد على هيكلية اقتصاداتها وأسواقها وغيرها من الاعتبارات التي تؤثر بشكل أو بآخر في دينامية الأسعار ويندرج ضمن هذه السياسات، السياسات النقدية؛ إذ تُعدّ السيطرة على مستويات الأسعار في طليعة المهمات التي تضطلع بها البنوك المركزية، المسؤولة عن تنفيذ هذه السياسات. وقد تؤدي أيضًا السياسة المالية التي تضطلع بها الحكومات من خلال وزارة المالية أو الخزانة دورًا فاعلًا في التأثير في مستويات الأسعار والتضخم تبعًا لذلك. بالإضافة إلى سياسات سعر الصرف والأجور والأسعار بحد ذاتها. وفي ما يأتي استعراض للكيفية التي تؤثر بها هذه السياسات في التضخم:

  1. السياسة النقدية: لضبط إيقاع أداء الاقتصاد الكلي، تتحكم السلطات النقدية (ممثلةً على نحوٍ عام بالبنوك المركزية) بعرض النقد من خلال أدواتها المختلفة، مثل الاحتياطي الإلزامي، وأسعار الفائدة، وإعادة الخصم، ونوافذ الإيداع، وغيرها من الأدوات. وانطلاقًا من العلاقة الطردية بين التضخم وعرض النقد، على اعتبار أن الأخير يزيد من حجم الطلب على السلع والخدمات، تلجأ البنوك المركزية إلى تقييد عرض النقد لغايات تخفيض معدل التضخم، إما من خلال رفع أسعار الفائدة، وبعدها زيادة كلفة الائتمان، أو بتقليل المتاح للإقراض لدى البنوك، من خلال زيادة متطلبات الاحتياطي الإلزامي، أو التوسع بنوافذ الإيداع لديها، وغيرها من الأدوات التي تحدّ من عرض النقد، والعكس صحيح.
  2. السياسة المالية: تؤدي السياسة المالية، بأدواتها المختلفة، دورًا مهمًا في التأثير في معدلات التضخم، من خلال تأثيرها في جانبي الطلب والعرض الكليين. فالإنفاق العام، والإيرادات العامة، والسياسة الضريبية على وجه الخصوص، لها تأثيراتها المباشرة في مستوى الطلب في الاقتصاد كاملًا، وأيضًا في المستوى القطاعي إذا كان للقطاع خصوصية ما في هذه الأدوات. فعلى سبيل المثال، في حال ارتفاع حجم الإنفاق على الأجور والرواتب للعاملين في القطاع العام، فمن شأن ذلك زيادة إنفاق العاملين على السلع الاستهلاكية، وهو ما يفضي إلى ارتفاع الطلب عليها، ومن ثمّ زيادة أسعارها في حال لم تكن هناك زيادة مماثلة في مستوى العرض، وكذلك الحال بالنسبة إلى الضرائب التي تؤثر في الاتجاه نفسه في حال تخفيض مستوياتها. ويمكن أيضًا أن تمتد تأثيرات السياسة المالية لتشمل جانب العرض، من خلال دورها المباشر في تحديد مستوياته ارتفاعًا أو انخفاضًا، مثل الاضطلاع بدورٍ مباشر في العملية الإنتاجية من خلال نفقاتها الرأسمالية أو غير المباشرة، من خلال التأثير في منظومة الحوافز لدى الشركات والمؤسسات المنتجة للسلع والخدمات. فعلى سبيل المثال، قد تلجأ الحكومات إلى تخفيض ضريبة الدخل على الشركات لتحفيزها على نحوٍ أكبر على الإنتاج وتحفيز دخول شركات أخرى الى السوق.
  3. سياسة سعر الصرف: تحدد سياسة سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية كيفية تأثر مستويات الأسعار المحلية بالتغيرات التي تطرأ على الأسعار العالمية، وهذا التأثير يتأتّى من عدة اتجاهات، لعل أبرزها درجة الثقة في العملة المحلية التي تؤدي دورًا مهمًا في تحديد مدى استعداد المتعاملين فيها للاحتفاظ بها، وأيضًا من خلال دورها في انتقال التغيرات التي تطرأ على الأسعار العالمية إلى الأسعار المحلية من خلال بوابة المستوردات. فعلى سبيل المثال، تُعدّ الدول التي تنتهج سياسة سعر الصرف الثابت مقابل عملة رئيسة، مثل الدولار الأمريكي، أو سلة من العملات، أقلّ عُرضةً للضغوط التضخمية في حال كانت تحظى هذه السياسة بمصداقية عالية لدى المتعاملين بالعملة المحلية، على اعتبار أن ذلك يفضي إلى احتفاظهم بها، ويقلّل من الضغوط المرتبطة بزيادة عرض النقد[11]. وفي المقابل، تكون الأسعار المحلية أقل استقرارًا في الدول التي تطبق سياسات أخرى لسعر الصرف، مثل سعر الصرف الحر، الذي يتأثر فيه الطلب على العملة المحلية والعرض من التذبذبات التي تطرأ على سعر الصرف، وهو ما يجعل الأسعار المحلية أقل استقرارًا.

أما الاتجاه الآخر الذي تؤثر فيه السياسة المعتمدة لسعر الصرف، فيتمثل بآلية انتقال التغيرات التي تطرأ على أسعار السلع في الأسواق العالمية إلى الأسعار المحلية من خلال أسعار السلع المستوردة من الأسواق الخارجية؛ وهي علاقة مباشرة في حالة سعر الصرف الثابت، ومتباينة للدول التي تعتمد سياسة سعر الصرف الحر؛ وهذا يعتمد في المحصلة على اتجاهات التغير في سعر الصرف. فإذا كان هناك انخفاض سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، فإن تأثير الارتفاعات التي تطرأ على أسعار السلع المستوردة على المستوى العام لأسعار السلع المحلية يكون أكبر، على اعتبار أن التأثير في هذه الحالة مزدوج: التأثير المترتب على ارتفاع أسعار السلع المستوردة، والتأثير المرتبط بسعر الصرف، والذي يعني الحاجة لمقدار أكبر من العملة المحلية لشراء العملة الأجنبية التي تُمول من خلالها شراء المستوردات.

  1. سياسة الأسعار والأجور: تتمثل سياسة الأسعار والأجور بتدابير أوسع في نطاقها من مجرد ضبط التضخم. فعلى سبيل المثال، قد تلجأ السلطات المعنية بتنظيم الأسواق إلى وضع سقوف عليا للأسعار، أو من خلال تقديم دعم نقدي لبيع السلع بأقل من سعر السوق العادل لها. لكن تطبيق مثل هذه السياسات لا يخلو من التحديات. فعلى سبيل المثال، ارتبط تطبيق سياسات السقوف السعرية في الماضي، وخاصة في فترة الحروب، بإخفاقات كبيرة نظرًا إلى صعوبة إنفاذها على أرض الواقع، فضلًا عن أن تحديد حد أقصى للسعر في مستويات متدنية له تأثيرات طاردة لدى المنتجين، وتأثيرات جاذبة في الطلب في السوق السوداء أو السوق الأجنبية، ما يؤدي – على نحوٍ مفارق – إلى ضغوط تضخمية قوية.

وتؤدي أيضًا سياسات تعديل الأجور دورًا مهمًا في التأثير في معدلات التضخم، فكلما كانت هذه السياسات أكثر مرونةً وتحيزًا للعمال، كانت أسعار السلع عرضةً أكثر للارتفاع. فارتفاع الأجور بشكل مستمر يؤدي إلى ارتفاع كلف الإنتاج، وارتفاع الأسعار تبعًا لذلك؛ وهو ما يُعرف بالتضخم المدفوع بالتكاليف. وارتفاع الأجور يزيد من مستوى الطلب الكلي، وهو ما يعرف بالتضخم الناشئ عن ارتفاع الطلب.

المراجع

Ahuja, H. L. Macroeconomics: Theory and Policy. 20th ed. New Delhi: S. Chand and Company, 1986.

Bennett, Jeannette N. “Beyond Inflation Numbers: Shrinkflation and Skimpflation.” Page One Economics. (Federal Reserve Bank of St. Louis) (December 2022).

Bryan, Michael F. “On the Origin and Evolution of the Word Inflation.” Economic Commentary. (Federal Reserve Bank of Cleveland) (October 1997).

Friedman, Milton. “The Role of Monetary Policy.” American Economic Review. vol. 58, no. 1 (March 1968).

Friedman, Milton & Anna Jacobson Schwartz. A Monetary History of the United States, 1867–1960. National Bureau of Economic Research Publications. Princeton: Princeton University Press, 1963.

Ghosh, Atish R. et al. Does the Exchange Rate Regime Matter for Inflation and Growth? Economic Issues 2. International Monetary Fund, 1996.

Jones, Charles I. Macroeconomics. 5th ed. New York/ London: W. W. Norton & Company, 2020.

Larrain, Felipe B. Macroeconomics. The MIT Press Essential Knowledge Series. Cambridge, MA: The MIT Press, 2020.

Oner, Ceyda. “Inflation: Prices on the Rise.” Finance & Development/Back to Basics. (International Monetary Fund) (April 2021).


[1] Felipe B. Larrain, Macroeconomics, The MIT Press Essential Knowledge Series (Cambridge, MA: The MIT Press, 2020).

[2] Michael F. Bryan, “On the Origin and Evolution of the Word Inflation,” Economic Commentary (Federal Reserve Bank of Cleveland) (October 1997).

[3] Milton Friedman & Anna Jacobson Schwartz, A Monetary History of the United States, 1867–1960, National Bureau of Economic Research Publications (Princeton: Princeton University Press, 1963); Milton Friedman, “The Role of Monetary Policy,” American Economic Review, vol. 58, no. 1 (March 1968).

[4] إذا ارتفع مثلًا متوسط سعر "السلة" من 100 إلى 102، يكون التضخم (102-100)/100 = 2 في المئة.

[5] Charles I. Jones, Macroeconomics, 5th ed (New York/ London: W. W. Norton & Company, 2020), p. 331.

[6] H. L. Ahuja, Macroeconomics: Theory and Policy, 20th ed. (New Delhi: S. Chand and Company, 1986), p. 143.

[7] مثلًا، عندما يُخفض مصنع للقهوة وزن عبوة أحد منتجاته من 250 غرامًا إلى 200 غرام، مع الإبقاء على السعر ذاته، فهذا يعني أن كلفة الغرام الواحد من هذه القهوة قد ارتفع. أو في مثال آخر، يُقلل مزودو الألعاب الإلكترونية الزمن المتاح للعبة الواحدة بثمن التذكرة (السعر) ذاتها، وغير ذلك من الأمثلة.

[8] Jeannette N. Bennett, “Beyond Inflation Numbers: Shrinkflation and Skimpflation,” Page One Economics (Federal Reserve Bank of St. Louis) (December 2022).

[9] Ceyda Oner, “Inflation: Prices on the Rise,” Finance & Development/Back to Basics (International Monetary Fund) (April 2021), pp. 30-31.

[10] من أمثلة الأزمات المالية التي نجمت ​عن "فقاعات المضاربة" في العقود الأخيرة، انهيار فقاعة أسعار الأصول اليابانية في عام 1991، وانهيار شركات الإنترنت (أزمة "الدوت كوم") في عام 2000، وانهيار سوق الإسكان الأميركي الذي أدى إلى الأزمة المالية العالمية في عام 2008، واضطراب سوق الأسهم الصينية في عام 2015.

[11] Atish R. Ghosh et al., Does the Exchange Rate Regime Matter for Inflation and Growth? Economic Issues 2 (International Monetary Fund, 1996).


المحتويات

الهوامش