تسجيل الدخول

إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي

​الاسم الكامل
إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي
تاريخ الميلادالقرن الثالث الهجري/ العاشر الميلادي
مكان الميلادطرطوشة، الأندلس
تاريخ الوفاةالقرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي
مكان الوفاة
غير معروف
الجنسية/ التابعية
الخلافة الأموية في الأندلس
المهنة/ الدور العامسياسي، مؤرخ


التخصصجغرافيا
أهم الأعمالرحلة الطرطوشي
الترجمة إلى لغات أخرىالعربية، العبرية

إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي، سفير أندلسي أرسله الخليفة الأموي الحكم المستنصر​ بالله {{الحكم المستنصر بالله: ثاني خلفاء الأندلس وتاسع أمراء الأمويين فيها، تولى الحكم عام 350هـ/ 961م بعد والده عبد الرحمن الناصر. عُرف بحبه للعلم، وجمع مكتبة ضخمة، واهتم بالعلماء، ووسّع جامع قرطبة، وواجه النورمان والإسبان بحكمة وقوة. توفي عام 366هـ/ 976م، فخلفه ابنه هشام المؤيد بالله.}} (302-366هـ/ 915-976م) في بعثة دبلوماسية إلى بلاط أوتو الأول {{أوتو الأول: كان ملك ألمانيا، ثم أول إمبراطور للإمبراطورية الرومانية المقدسة عام 962. عزز سلطته داخليًا، وهزم الهنغاريين في معركة ليشفيلد، ووطد العلاقة بين الكنيسة والدولة. يُعد من أبرز حكّام أوروبا في العصور الوسطى.}} (Otto I، 912-973)، حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة {{الإمبراطورية الرومانية المقدسة: تأسست عام 962 بتتويج أوتو الأول، وانتهت عام 1806 بعد أن حلّها الإمبراطور فرانس الثاني إثر صعود نابليون. ضمّت أراضي واسعة من أوروبا، وامتزج فيها الحكم الملكي بالديني.}}، فدوَّن وقائع رحلته في رسالة تعد الآن مصدرًا وحيدًا عن أحوال الكثير من شعوب أوروبا وممالكها في القرن العاشر الميلادي.



فُقد النص الأصلي لرحلة الطرطوشي في القرن الخامس الهجري، ولولا اقتباسات الجغرافيين اللاحقين لما عُرف عنها شيء. وبسبب قيمتها العالية عند الألمان والبولنديين والتشيكيين المعاصرين، دأب مستشرقو القرنين التاسع عشر والعشرين على تتبع تلك الاقتباسات، وجمع شتاتها من المصادر المختلفة، ودراسة شخصية الطرطوشي الغامضة.

النشأة والاسم

ليس ثمة معلومات محققة حول مكان ميلاد الطرطوشي وتاريخه، وكل ما نعرفه عنه استنتاجات توصل إليها الباحثون المعاصرون، كاسمه الكامل الذي أورده الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري (404-487هـ/ 1013-1094م)، إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي الطرطوشي[1]، وبحسب اسمه فهو يهودي من مدينة طرطوشة جنوبي قطلونية. أما تاريخ ميلاده، فيُرجّح أنه وُلد أثناء حكم الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر لدين الله {{عبد الرحمن الناصر لدين الله: من أبرز حكّام الدولة الأموية في الأندلس، تولّى الحكم عام 300هـ/ 912م، وأعلن نفسه خليفة عام 312هـ/ 929م، متحديًا العباسيين والفاطميين. وحّد الأندلس بعد سنوات من التمرد، وفرض هيبة الدولة داخليًا وخارجيًا. بنى مدينة الزهراء لتكون مقرًا للحكم، وجعل قرطبة مركزًا عالميًا للعلم والثقافة، امتد حكمه خمسين عامًا، شهدت خلالها الأندلس نهضة سياسية واقتصادية غير مسبوقة.}} (277-350هـ/ 891-961م)، بناءً على المعطيات التي تضمنتها رحلته، إذ إن لقاءه بالإمبراطور أوتو الأول في عاصمته مجدبرج لا يمكن أن يكون إلاَّ في عام 973، وذلك بحسب المستشرق الألماني جورج كارل الذي تتبع سيرته خطوة بخطوة[2]. والأمر نفسه يسري على تاريخ وفاته، فيُرجّح أنه توفي في الربع الأول من القرن الحادي عشر الميلادي، لأن المؤرخ والجغرافي الأندلسي أحمد بن عمر العذري {{أحمد بن عمر العذري: جغرافي ومؤرخ أندلسي، ألّف كتاب نظام المرجان في المسالك والممالك، واهتم بعلوم الحديث والجغرافيا. تتلمذ على يديه علماء كبار، وخلّف إرثًا علميًا مهمًا في الجغرافيا الإسلامية.}} (393-478هـ/ 1003-1085م) ذكر أنه التقاه ونقل عنه شفاهًا[3].

وكتاب العذري مفقود أيضًا، ولكن تلميذيه أبا عبيد البكري وزكريا بن محمد القزويني {{زكريا بن محمد القزويني: (605-682هـ/ 1203-1283م) عالم موسوعي من قزوين، اشتهر بكتابه عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات الذي جمع فيه معلومات علمية وأدبية عن الكائنات والظواهر، وكتابه آثار البلاد وأخبار العباد في الجغرافيا. ترك أثرًا بارزًا في التراث العلمي الإسلامي.}} استوعباه كلٌّ على طريقته. وقد أدت المقارنة بينهما إلى ظهور فرضية شغلت المستشرقين عدة عقود، تقول بوجود سفارتين مختلفتين إلى بلاط الملك أوتو الأول لشخصين مختلفين، أحدهما أرسله الفاطميون {{الفاطميون: تأسست دولتهم عام 297هـ/ 909م في المهدية بتونس بقيادة عبيد الله المهدي، ثم نقلوا عاصمتهم إلى القاهرة عام 358هـ/ 969م، امتد نفوذهم إلى مناطق واسعة من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وازدهرت في عهدهم العلوم والفنون. انتهى حكمهم بسقوط الدولة على يد صلاح الدين الأيوبي 567هـ/ 1171م.}} ويدعى إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي (بحسب البكري)، وحسبوا أنه يهودي مغربي، والثاني أرسله خليفة قرطبة الأموي، ويدعى إبراهيم بن أحمد الطرطوشي (بحسب القزويني)، وحسبوا أنه مسلم، ولكن هذه الفرضية سرعان ما نُقضت بعد ظهور نسخة من مخطوطة لكتاب البكري في مراكش يرد فيها اسمه الكامل، (الإسرائيلي الطرطوشي)، وتؤكد مخطوطة مراكش أن القزويني، أو أحد ناسخي كتابه، أخطأ في اسم والد الطرطوشي، فجعله أحمد بدلًا من يعقوب[4].

الرحلة

لا تقل رحلة الطرطوشي قيمة عن رحلة ابن فضلان {{أحمد بن فضلان: (ولد قبل عام 309هـ/ 921م – وتوفي بعد عام 310هـ/ 922م) رحّالة ودبلوماسي عباسي، أُرسل في بعثة إلى بلاد الصقالبة لنشر الإسلام وبناء مسجد وحصن، اشتهر بـ رسالة ابن فضلان التي وصف فيها شعوب الترك والروس والخزر، والتي تُعد من أهم الوثائق الجغرافية والثقافية في القرن الرابع الهجري.}} التي رصدت حياة الروس والصقالبة الشرقيين، بل يمكن القول إنها الرحلة المتممة لها، إذ تكمل ما خطه يراع الرحالة البغدادي الشهير، وتستطرد في وصف ممالك الصقالبة الغربيين والألمان والنورمان الشماليين، لتكوِّن معها صورة متكاملة عن أحوال أوروبا في القرن العاشر الميلادي، وهي صورة مهمة جدًا، فالمصادر المكتوبة عنها نادرة، إضافة إلى أن الاندفاع المغولي بعد قرون قليلة غير شكل أوروبا كثيرًا.

وكما هو الأمر في اسمه، ومكان مولده وتاريخه، اختلف الدارسون المعاصرون حول هدف رحلة الطرطوشي، إذ استنتج البعض أنه كان يتاجر بالرقيق الصقلبي، كونه يهودي الديانة، بينما رأى آخرون أنه سفير مثقف من محبي اقتناء الكتب، وخبير ماهر بأنحاء إسبانيا، وفرنسا، وألمانيا، وبلاد الصقالبة الغربيين، كما كان شخصًا مثقفًا دقيق الملاحظة، يستطيع قراءة النقود العربية وتمييز أماكن سكها، ويعرف عن نصر بن أحمد الساماني {{نصر بن أحمد الساماني: كان أميرًا للدولة السامانية، تولّى الحكم وهو طفل بعد اغتيال والده، واستمر في السلطة نحو ثلاثين عامًا، واجه خلال حكمه اضطرابات وتمردات، ومال في أواخر حياته إلى الدعوة الباطنية، فخلعه ابنه نوح بن نصر الذي أعاد الدولة إلى المذهب السني.}} (301-331هـ/ 914-943م) وسمرقند النائية، والتوابل التي تُجلَب من الهند[5].

ومن الاستنتاجات المغلوطة حول الطرطوشي أيضًا أن له رحلتين، إحداهما إلى بلاط الإمبراطور أوتو الأول، والثانية إلى بلاط إمبراطور القسطنطينية نقفور فوكاس {{نقفور فوكاس: (Nikephoros II Phokas، 912-969) إمبراطور بيزنطي وقائد عسكري بارز، حكم من عام 963 حتى اغتياله عام 969. استعاد جزيرة كريت من المسلمين، وقاد حملات ضارية على الشام وحلب، ولُقّب بـ"الموت الشاحب للعرب". اغتاله ابن أخيه يوحنا تزيميسكس.}}، ومَرَدُّ هذا الخلط توهم بعض الدارسين أن لقب ملك الروم الوارد في بعض المقتبسات عنه يخص إمبراطور بيزنطة، في حين أن أوتو الأول كان يسمي نفسه "الإمبراطور الروماني المقدس"[6].

المسار

انطلق الطرطوشي في رحلته التي تلت هجمات المجوس (Vikings) على سواحل الأندلس[7] من قرطبة، ومنها سار إلى لبلة (تُسمّى حاليًّا "نيبلا" وتقع قرب إشبيلية)، ثم بلغ ساحل المحيط الأطلسي، وانطلق نحو لشبونة، وكانت بيد الفرنجة كما قال، ومنها إلى مملكة جليقية (Kingdom of Galicia) التي تحتل أقصى الزاوية الشمالية الغربية من شبه الجزيرة الإيبيرية، ويصفها بأن أهلها لا يخلعون ملابسهم ولا يغتسلون إلَّا مرة واحدة في العام، وأنهم مقاتلون أشداء[8].

يصل الطرطوشي إلى بلاد فرنجة، فيدخل بوردو التي يسميها "برذيل"، ويقول إن فيها جبلًا مشرفًا على البحر المحيط عليه صنم[9]. بعدها يتابع سيره إلى أن يتوقف في أوترخت في هولندا الحالية، ويسميها "أنطرخت"، ويصفها بأنها أرض سبخة لا يصلح فيها شيء من الزروع والغراس[10]. وبعد ذلك يعبر إلى شلزفيج الألمانية التي يسميها "شلشويق"، ويصفها بالمدينة العظيمة جدًا على طرف المحيط، ويقول إن أهلها نصارى تخالط معتقداتهم طقوس وثنية[11]. ويصل إلى زست التي يسميها "اشت"، ويقول إن في هذه المدينة عادة عجيبة، وهي أن يكتب الباعة على متاعهم ثمنه ويتركوه في دكانهم، فمن وافقه ذلك أخذه وترك ثمنه[12].

ويصف الطرطوشي مدينة ماينتز، ويسميها "مغانجة"، ويقول إنها على نهر يسمى "الرَّيْن"، ويمتدح محاصيلها وغلالها، ويذكر أنه شاهد فيها دراهم مسكوكة في سمرقند لنصر بن أحمد الساماني، وكذلك عقاقير وتوابل مجلوبة من الهند[13].

ويحدثنا عن لقائه الملك أوتو، الذي يسميه "هوته ملك الروم"، في مدينة مجدبرغ التي يسميها "ماذن برغ"، وهناك يسمع من الملك الكثير من القصص، ويلتقي برسل ملك البلقاريين (البلغار)، ويلاحظ أنهم يلبسون ملابس ضيقة، ويتمنطقون بأحزمة طوال مزينة بالذهب والفضة. ويقول إن ملكهم عظيم القدر يضع على رأسه التاج، وأن لهؤلاء المبعوثين معرفة بالألسن، ويترجمون الإنجيل باللسان الصقلبي (السلافي)، وهم نصارى[14].

مشاهدات متميزة

تنطوي رحلة الطرطوشي على الكثير من المشاهدات المتميزة العينية حول الروس والصقالبة (السلاف)، استقاها من الخبراء، فهو يميز بين الروس الذين يصنفهم بأنهم جنس من الترك، ملكهم يسمى "خاقان روس"، وبين الصقالبة الذين يقول إنهم أجناس كثيرة تمتد بلادهم من البحر الشامي، أي البحر الأبيض المتوسط، إلى البحر المحيط إلى الشمال. ويقول إنهم كانوا في ما سلف أمة واحدة يجمعم ملك سمته ماخا، ثم اختلفت كلمتهم فزال نظامهم، وتحزّبت أجناسهم، ومَلَكَ كل جنس منهم مَلِكٌ. ويقول إن ملوكهم في زمنه أربعة؛ الأول ملك البلقارين (البلغار)، والثاني ملك بويصلاو (فاتسلاف)، وفراغة (براغ)، وبويمة (بوهيمية)، وكركوا (كراكوف)، والثالث ملك مشقه (موسكو) ويسميه "ملك الجوف"، والرابع ملك ناقون في آخر الغرب[15].

يطلق الطرطوشي اسم "الأنقليش" على الهنغار، ويقول: إنهم "جنس من الأتراك نزلوا مصاقبين للصقالبة. وحدّ بلدهم في الغرب بلد بويرة وبلد بويصلاو. وفي الجوف منهم الرّوس، وفي الشرق منهم البجناك وقفار لا تسكن، هي بين بلد البجناك وبين بلد البلقارين من الصقالبة، وفي القبلة بعض بلاد البلقارين ومسافة قفار لا تسكن"[16].

المراجع

العربية

ابن عذاري المراكشي، أبو العباس أحمد بن محمد. البيان المُغرِبْ في أخبار المَغرِب. بيروت: مكتبة صادر، 1950.

البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز. كتاب المسالك والممالك. تحقيق أدريان فان ليوفن وأندري فيري. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992.

القزويني، زكريا بن محمد. آثار البلاد وأخبار العباد. بيروت: دار صادر، 1960.

كراتشكوڤسكي، إغناطيوس يوليانوڤتش. تاريخ الأدب الجغرافي العربي. ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم. مراجعة إيغور بليايف. القاهرة: الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1961.

 الأجنبية


Geramb, V. v. & L. Mackensen (eds.). Quellen zur deutschen Volkskunde. Berlin/ Leipzig: Walter de Gruyter & Co., 1927.​


[1] أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، كتاب المسالك والممالك، تحقيق أدريان فان ليوفن وأندري فيري، ج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992)، ص 913.

[2] Georg Jacob, “Arabische Berichte von Gesandten an germanische Fürstenhöfe aus dem 9. und 10. Jahrhundert,” in: V. v. Geramb & L. Mackensen (eds.), Quellen zur deutschen Volkskunde, no. 1 (Berlin/ Leipzig: Walter de Gruyter & Co., 1927), p. 4.

[3] زكريا بن محمد القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد (بيروت: دار صادر، 1960)، ص 556.

[4] ناقش المستشرق الروسي كراتشكوڤسكي هذه الفرضية والجدل الذي دار حولها باستفاضة. يُنظر: إغناطيوس يوليانوڤتش كراتشكوڤسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي: القسم الأول، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، مراجعة إيغور بليايف (القاهرة: الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1961)، ص 191.

[5] كراتشكوڤسكي، ص 192.

[6] البكري، ج 1، ص 334.

[7] يورد ابن عذاري أخبار هجمتين للڤايكنغ، الذين يسميهم المجوس الأردمانيين، على سواحل الأندلس؛ الأولى في 23 حزيران/ يونيو 966، والثانية في 27 حزيران/ يونيو 971. يُنظر: أبو العباس أحمد بن محمد بن عذاري المراكشي، البيان المُغرِبْ في أخبار المَغرِب 2: أخبار الأندلس (بيروت: مكتبة صادر، 1950)، ص 356، 359.

[8] البكري، ج 2، ص 913.

[9] القزويني، ص 579.

[10] المرجع نفسه، ص 577.

[11] المرجع نفسه، ص 601.

[12] المرجع نفسه، ص 576.

[13] المرجع نفسه، ص 608.

[14] البكري، ج 1، ص 334-335.

[15] المرجع نفسه، ص 330-331.

[16] المرجع نفسه، ص 490.


المحتويات

الهوامش