هارون بن يحيى، أسير عربي، عاش في القران الثالث الهجري/ القرن التاسع الميلادي، لا يُعرَف عنه شيء سوى رحلته إلى
القسطنطينية وروما بعد عام 210هـ/ 825م، ترجيحًا، والتي اقتبس مقتطفات منها الجغرافيُّ الفارسي
أحمد بن عمر ابن رسته (ت. نحو 300هـ/ 912م) في كتابه
الأعلاق النفيسة. وفي حين امتاز نصه عن القسطنطينية بدقة بالغة، شاب نصه عن روما الغموض، فأخذ بعض المستشرقين يشككون به على الرغم من دقة ملاحظاته، ووصفه الطريق بمصداقية لا تشوبها شائبة.
حياته
أوقعت المعلومات الشخصية المختصرة، التي ذكرها هارون في مقدمة رحلته، الدارسين في مأزق يتعلق بتقدير زمنها، فهو يقول إنه كان في عِداد المسبيين من مدينة عسقلان على الساحل الشامي، وأنه نُقل إلى القسطنطينية عبر مسار طويل، بدأ من ميناء أنطاليا جنوب تركيا الحالية[1]، وسبب هذا المأزق أن البحرية العربية طوال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين كانت تسيطر على البحر المتوسط، ولم تُشِر المصادر التاريخية المعروفة إلى هجمات للبيزنطيين على سواحل الشام، منذ طردهم من مدينة طرابلس عام 24هـ/ 645م، إلا في مطلع القرن الرابع الهجري/ القرن العاشر الميلادي[2]، الأمر الذي دعا بعض المستشرقين إلى الاعتقاد أن رحلة هارون لا يمكن أن تكون إلا في القرن الرابع الهجري/ القرن العاشر الميلادي، متغافلين عن أن ابن رسته الذي نقل نص الرحلة في كتابه توفي عام 299هـ/ 912م، أي في الفترة التي يقدّرون فيها رحلته[3].
غير أن التواريخ البيزنطية تشير إلى نصر صغير على العرب حققه أسطول أرسله الإمبراطور
ميخائيل الثاني (Michael II، 770-829) إلى الساحل السوري عام 210هـ/ 825م[4]، وهذا الخبر قد يساهم في حل هذه المأزق، ويجعل القول إن هارون بن يحيى سبيّ من عسقلان في القرن التاسع الميلادي معقولًا. وما يعزز هذه المعقولية، أن هارون نفسه يقول إنه حُمل إلى مدينة أنطاليا التي كانت قد تحولت إلى مركز للأسطول البيزنطي في البحر المتوسط بعد سقوط
قبرص أكثر من مرة بيد العرب المسلمين[5]، ويضاف إلى ذلك حديثه عن نقل الأسرى من أنطاليا إلى القسطنطينية برًّا عبر الطريق المحاذي للساحل وصولًا إلى بحر مرمرة، وهذا ينسجم أيضًا مع الوقائع التاريخية التي تؤكد سيطرة البحارة المسلمين على بحر إيجة في زمن الرحلة، واتخاذهم جزيرة كريت مركزًا لنشاطهم، وتهديدهم المستمر للقسطنطينية وما حولها[6].
الرحلة
على الرغم من أن الرحلة تنطوي على معطيات لا يعتريها الشك من حيث الدقة في الأوصاف، وانسجامها مع التاريخ، فإن ذلك لا يمنع من نقد الخلط الذي يعتري أسماء الأماكن التي يذكرها هارون على الطريق الساحلي الذي سلكوه إلى القسطنطينية، إذ يمكن عزو هذا الخلط إلى بُعدِ زمن تدوينه وقائع رحلته إلى ما بعد افتكاكه من الأسر الذي طال على ما يبدو، وربما تقع مسؤولية هذا الخلط على ناسخي الرحلة، بسبب تشابه الأسماء وغرابتها على عرب ذلك الوقت.
وتخبرنا الرحلة أن إقامته في القسطنطينية طالت بعض الشيء، إذ إنه يسهب في وصف المدينة وصفًا دقيقًا، حتى إنه حضر مع الملك البيزنطي (لم يذكر اسمه) مأدبة بمناسبة عيد الميلاد، وهذا يشير إلى معاملة خاصة لا ندري سببها، كما لا ندري سبب زيارته إلى روما التي وصف الطريق إليها وصفًا دقيقًا؛ عن طريق سلانيك وصولًا إلى أرض الصقالبة الغربيين في البلقان الحالية، وعبوره منها إلى البندقية، ومنها إلى روما، وهو الطريق البري المتعارف عليه، آنذاك، بين القسطنطينية وروما.
القصر وعيد الميلاد
يحدد هارون بن يحيى موقع القصر الملكي قرب الكنيسة (آيا صوفيا، وباليونانية: Ἁγία Σοφία) في وسط المدينة في الجهة المقابلة لميدان البذرون، وهو ميدان سباق الخيل (بودروموس، وباليونانية: ἱππόδρομος). ويصف لنا أحد العروض بطريقة مدهشة: "على غربي الميدان مما يلي باب الذهب بابان، يسوقون إلى هذين البابين ثمانية من الخيل، وهناك عجلتان من ذهب، يشدُّ كل عجلة على أربعة من الخيل، ويركب فوق العجلة رجلان قد ألبسا ثيابًا منسوجة بالذهب، و[يتركانها] تجري بما نيط إليها من العَجَل حتى تخرج من تلك الأبواب، فتدور على تلك الأصنام ثلاث دورات، فأيُّها سبق صاحبها [أُلقِي] إليه من دار الملك طوق من ذهب ورطل ذهب، وكلُّ من في القسطنطينية يشهدون ذلك الميدان ويبصرون"[7].
ويسترسل هارون في وصف أدق تفاصيل القصر الملكي، وما يتفرع عنه من أبنية، من ضمنها كنيسة القصر، والسجون، وحتى أجناس جنود الحراسة من ذوي البشرة السوداء المتنصرين إلى الترك الخزر[8]. وينقل لنا صورة مفصلة عن احتفالات عيد الميلاد،
وآلة الأرقنا (الأرغن، باليونانية: όργανο) التي يصفها وصفًا يثير الدهشة، إذ يقول: "ثم يؤتى بشيء يقال له الأرقنا، وهو شيء متخذ من الخشب المربع على صنعة معصرة، وتغشى تلك المعصرة بأدم وثيق [أي جلد مدبوغ]، ثم يجعل فيه ستون أنبوبة من صفر [أي نحاس] رؤوسها إلى أنصافها إلى فوق، قد غشيت تلك الأنابيب بالذهب فوق الأدم، حتى لا يبين منها إلَّا اليسير على تقارب أقدارها، واحدة أطول من الأخرى، وإلى جانب هذا الشيء المربع ثقب يجعل فيه منفخ ككور الحدادين، ويؤتى بثلاثة صلبان فيُجعَل اثنان منها في طرفيه وواحد في الوسط، ثم يؤتى برجلين ينفخان في ذلك المنفخ، ويقوم الأستاذ [العازف] فيحسب [يضغط] على تلك الأنابيب، فيتكلم كل أنبوبة بحالها على حسب ما يحسب عليه من الثناء على الملك"[9].
الكنيسة والأديرة
من نوادر رحلة هارون بن يحيى وصفه الكنيسة العامة في القسطنطينية، كنيسة آيا صوفيا، وما يجري فيها من احتفالات، وتفصيله في سرد أزياء الرهبان والبطارقة تفصيلًا لا نجده في مصدر آخر، وحديثه عن أن الملك البيزنطي كان يلبس في هذه المناسبة "ثياب الأكسيمون"، أي الأسكيم المقدس، وهي ثياب الدرجات العليا من مراتب الرهبنة[10]. ويمكن اعتبار وصفه تمثال اسطليانس (جستنيان، باليونانية: Ιουστινιανός Α´) الذي كان قائمًا قرب كنيسة آيا صوفيا وثيقة بالغة الأهمية[11].
ويحصي هارون الأديرة التي تحيط بالقسطنطينية، فهناك دير يدعى "دير ساطرا" فيه خمسمئة راهب، وعلى فرسخ مما يلي الشمال من المدينة دير يقال له "مؤنس"، فيه ألف راهب، ومما يلي شرقي قسطنطينية منها على أربعة فراسخ موضع فيه أربعة أديرة، فيها اثنا عشر ألف راهب، ومما يلي غربيّ المدينة ديران فيهما ستة آلاف راهب[12].
زيارة روما
توجه هارون إلى روما في أثناء وجوده في القسطنطينية. ومع أننا لا نعرف هدفه من هذه الزيارة، فإنه يُحتمَل أن يكون الملك البيزنطي قد أرسله في مهمة إلى بابا الفاتيكان. وفي روما التي وصف كنائسها بإسهاب، يلفت نظره أن الرجال يحلقون لحاهم، فيسألهم عن السبب قائلًا: "إن زين الرجال في اللحى، فما مرادكم من هذا الذي تفعلونه بأنفسكم. فقالوا: ’إن كل من لم يحلق لحيته لم يكن نصرانيًّا خالصًّا، وذلك أنه جاءنا شمعون الصفا والحواريون، ولم يكن معهم [عصا] ولا جراب، إنما كانوا مساكين ضعفاء، وكنا نحن إذ ذاك ملوكًا علينا الديباج، ونحن على كراسي الذهب [يدعوننا] إلى دين النصرانية فلم نجبهم، فأخذناهم وعذبناهم وحلقنا رؤوسهم ولحاهم، فلما ظهر لنا صدق قولهم صرنا نحلق لحانا كفارة لما ارتكبناه من حلق لحاهم‘"[13].
وتعد ملاحظة هارون بن يحيى واحدة من القرائن التي يستشهد بها المؤرخون في الغرب حول عادة حلق اللحى في أوروبا الغربية، فقد ثبت أنهم دأبوا على ذلك بعد إصدار ملك الفرنجة، لويس الورع (Louis the Pious، 778-840)، قرارًا عام 22هـ/ 816م يلزم الرهبان جميعهم بحلق وجوههم مرة واحدة على الأقل في الشهر، وقد حذا العلمانيون حذوهم في ذلك[14].
المراجع
العربية
ابن
رسته، أبو علي أحمد بن عمر. المجلد السابع من كتاب الأعلاق النفيسة. ليدن: مطبعة بريل، [1893].
كراتشكوفسكي، إغناطيوس يوليانوفتش. تاريخ الأدب الجغرافي العربي. ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم. مراجعة إيغور بليايف. ج 1. القاهرة: الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1963.
الأجنبية
Bateson, Mary. "Rules for Monks and Secular Canons after the Revival under King Edgar." The English Historical Review. vol. 9, no. 36 (1894).
Gory, Timothy E. & Nancy Patterson Sevcenko. "Euboea." in: Alexander P. Kazhdan (ed.). The Oxford Dictionary of Byzantium. Oxford: Oxford University Press, 1991.
Treadgold, Warren. A History of the Byzantine State and Society. Stanford, CA: Stanford University Press, 1997.
[1] أبو علي أحمد بن عمر ابن رسته،
المجلد السابع من كتاب الأعلاق النفيسة (ليدن: مطبعة بريل، [1893])، ص 119.
[2] Warren Treadgold,
A History of the Byzantine State and Society (Stanford, CA: Stanford University Press, 1997), p. 469.
[3] عارض المستشرق الروسي إغناطيوس يوليانوڤتش كراتشكوڤسكي (Ignaty Yulianovich Krachkovsky، 1883-1951)، أثناء مناقشته مشكلة تقدير زمن الرحلة، المستشرقَ الألماني إرنست هونيغمان (Ernst Honigmann، 1892-1954) في افتراضه بأن تاريخ رحلة هارون بن يحيى لا بد أن يكون عام 912، مستندًا إلى أن الغزو البحري البيزنطي لم يَعُدْ إلى سواحل الشام إلا في القرن الرابع الهجري/ القرن العاشر الميلادي. يُنظر: أغناطيوس يوليانوڤتش كراتشكوڤسكي،
تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، مراجعة إيغور بليايف، ج 1 (القاهرة، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1963)، ص 135.
[4] Treadgold, p. 436.
[5] Ibid, p. 352.
[6] Timothy E. Gory & Nancy Patterson Sevcenko, "Euboea," in: Alexander Kazhdan (ed.),
The Oxford Dictionary of Byzantium (Oxford: Oxford University Press, 1991). pp. 736-737.
[7] ابن رسته، ص 120.
[8] المرجع نفسه.
[9] المرجع نفسه، ص 123.
[10] المرجع نفسه، ص 124.
[11] المرجع نفسه، ص 125.
[12] المرجع نفسه، ص 127.
[13] المرجع نفسه، ص 129-130.
[14] ناقشت ماري بيتسون عادة حلق اللّحى في أوروبا الغربية، واستشهدت بملاحظة هارون بن يحيى. يُنظر:
Mary Bateson, "Rules for Monks and Secular Canons after the Revival under King Edgar,”
The English Historical Review, vol. 9, no. 36 (1894), pp. 690-708.