تسجيل الدخول

غوتلوب فريغه

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم الكامل

فريدريش لودڤيغ غوتلوب فريغه

تاريخ الميلاد

8 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1848

مكان الميلاد

ڤيسمار، مكلنبورغ - فوربومرن، ألمانيا

تاريخ الوفاة

26 تموز/ يوليو 1925

مكان الوفاة

باد كلاينِن، مكلنبورغ - فوربومرن، ألمانيا

الجنسية

ألماني

 الدور العام

فيلسوف؛ منطقي؛ عالم رياضيات؛ أستاذ جامعي

المدرسة

الفلسفة التحليلية، المنطق الرمزي

أهم الأعمال

 أسس علم الحساب

القوانين الأساسية للحساب


فريدريك لودڤيغ غوتلوب فريغه (Friedrich Ludwig Gottlob Frege، 1848-1925) عالم منطق ورياضيٌّ وفيلسوف ألماني معاصر، نشأ في كنف عائلة لوثرية، وكان لوالدته دورٌ قويّ في التربية الصارمة التي حصل عليها في طفولته. عُرف عنه ميله إلى الانعزال، وقلة مخالطة أقرانه من التلاميذ والأصدقاء، وكان ذا نزعة دينية لوثرية، إلا أنه كان مؤمنًا بمبادئ الليبرالية. أما توجهه السياسي، فقد كان محافظًا ميالًا إلى الملكية، وأظهر كراهية للاشتراكية والديمقراطية، خصوصًا في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى، كما يُقرأ في يومياته السياسية التي تركتها مواقفه المعادية لليهود والكاثوليك والفرنسيين. حصل الفيلسوف فريغه على تكوين متين في جامعة غوتنغن، حيث تمكن من دراسة الرياضيات والفيزياء، كما حضر محاضرات كونو فيشر (Kuno Fischer، 1824-1907) في الفلسفة النقدية الكانطية، بالإضافة إلى حضوره دروس هيرمان لوتسه (Hermann Lotze، 1817-1881) في فلسفة الدين، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه التحق بجامعة يينا، وعكف على دراسة الرياضيات والكيمياء والفلسفة، بالإضافة إلى أنه لقي دعمًا قويًّا في دراسة البصريات من إرنست آبّه (Ernst Abbe، 1840- 1905) الذي أشرف على تأهيله الجامعي، ليُرشحه فيما بعد للالتحاق أستاذًا في جامعة يينا، كما وفر له تمويلًا، لينتهي به المطاف أستاذًا فخريًّا. وبذلك كان لمسيرته الأكاديمية القوية دور مهم في إنجاز مشروعه الكبير في فلسفة الرياضيات والمنطق.

يُعدّ فريغه من أهم واضعي معالم الفلسفة التحليلية والمنطق الرياضي الحديث، إذ استطاع، من خلال عمله المركزي والأساسي تدوين المفاهيم (Begriffsschrift)، صياغة لغة صورية للبرهنة والاستدلال، كما عمل أيضًا من خلال عملَيْه الأساسيين: أسس علم الحساب (Die Grundlagen der Arithmetik)، والقوانين الأساسية للحساب (Grundgesetze der Arithmetik)، على إعادة هيكلة علم الحساب وتأسيسه وَفقًا لمبادئَ منطقيةٍ صرفة. وفيما يتعلق بفلسفة اللغة فقد عمل الفيلسوف فريغه على تقديم تفرقة وتمييز مؤثرين بين المعنى والحس والمرجع (Über Sinn und Bedeutung)، واستعان بمبدأ السياق في سبيل تفسير الدلالة، بحيث اقتدر على جعل التحليل المنطقي سبيلًا نحو الحقيقة، وليس مجرد بنية لفظية فقط. وعلى الرغم من انهيار مشروعه الفلسفي في صورته الأصلية بسبب مفارقة بيرترند راسل (القانون الأساسي v)، فإن وسائله ومفاهيمه انطلاقًا من التكميم الصوري وصولًا إلى نظرية المرجع، أَرْسَتْ مقاييس الدقة ومعاييرها التي بُنِيَت عليها كتابات فلاسفة كُثر وأعمالهم جاؤوا بعده أمثال: بيرترند راسل، ولودڤيغ فيتغنشتاين، ورودلف كرناب (Rudolf Carnap، 1891-1970)، فأصبح تأثير الفيلسوف غوتلوب فريغه حاسمًا وقويًّا فيما يتعلق بأسس الرياضيات وفلسفة اللغة، وأيضًا في التمثل المعاصر للعقلانية التحليلية.

حياته الشخصية والمهنية

غوتلوب فريغه فيلسوف وعالم منطق ورياضيات ألماني، يُعد من أبرز الفلاسفة المؤسسين للفلسفة التحليلية {{الفلسفة التحليلية: (Analytic Philosophy) تيار فلسفي يركز على استعمال وسائط المنطق وفلسفة اللغة في سبيل تحليل القضايا والمفاهيم الفلسفية، مع التركيز بصورة كبيرة على الدقة والوضوح.}}، ومثّلت أعماله في المنطق وفلسفة اللغة والرياضيات نُقطة تحوُّل حاسمة في ميدان المنطق وفلسفة الرياضيات[1]. إلَّا أنّ أعمال الفيلسوف لم تُعطَ حقّها من التمحيص والنظر والاهتمام الذي يليق بمكانته خلال حياته، وقد ساهمت المراسلات التي جرت بينه وبين برتراند راسل {{برتراند راسل: (Bertrand Russell، 1872-1970) عالم منطق وفيلسوف بريطاني معاصر، يُعَد من أهم رموز الفلسفة التحليلية، أسهم بأبحاثه في تطوير المنطق الرياضي، وحصل في عام 1950 على جائزة نوبل للآداب.}} وذلك في عام 1902 وما تبعها من تأثير في مشروع كتاب مبادئ الرياضيات (Principia Mathematica) وأيضًا اعتراف لودڤيغ فيتغنشتاين {{لودڤيغ فيتغنشتاين: (Ludwig Wittgenstein، 1889-1951) فيلسوف نمساوي مشهور، يُعدّ من أهم فلاسفة القرن العشرين، كان له دور واضح وبارز في الفلسفة التحليلية المعاصرة، وذلك عبر عملَيْه المركزيين: الرسالة المنطقية الفلسفية، والتحقيقات الفلسفية.}} في كتابه: الرسالة المنطقية الفلسفية (The Tractatus Logico-Philosophicus) أنه مدين لأعمال فريغه الفلسفية، في توطيد وترسيخ منزلة الفيلسوف في مجَالَيْ المنطق الرمزي {{المنطق الرمزي: فرع من فروع المنطق، يستعمل الصيغ الرياضياتية والرموز بُغية تحليل الهيكل الشكلي للبراهين والحجج بمنأى عن فحواها ومحتواها اللغوي الطبيعي.}} وفلسفة اللغة {{فلسفة اللغة: فرع من فروع الفلسفة، يُعنى بدراسة طبيعة اللغة وبحثها، ومبادئها، والوظائف التي تخصها. ويُركز على الدلالة والمعنى ومنزلة اللغة ودورها في عملية التفكير وصنع المعرفة.}}[2]. كما أصبح يَنعتُه العديد من الباحثين بـ "أرسطو العصر الحديث" (The Aristotle of the Modern Age)[3].

وُلد فريغه في مدينة ڤيسمار التي تقع حاليًّا ضمن محافظة مكلنبورغ - فوربومرن الألمانية. أسس والده ألكسندر فريغه (Alexander Frege، 1809-1866) ثانوية للإناث في ڤيسمار وأدارها، أما والدته فهي أوغوسته بياوبلوتسكي (Auguste Bialloblotzky، 1815-1898)، وقد عكفت على تربيته تربيةً صارمة على نهجِ العقيدة اللوثرية. التحق فريغه بالأكاديمية المحلية الجمنازيوم المحلي (The Local Gymnasium)، ودرس فيها مدة خمسة عشر عامًا[4]. ثم التحق فريغه بجامعة يينا (Universität Jena)، وذلك بعد تخرّجه عام 1869، وتخصّص حينها في علم الكيمياء والفلسفة بالإضافة إلى الرياضيات، ولفت في ذلك الوقت اهتمام عالم الرياضيات الشهير إرنست آبّه[5] {{إرنست آبّه: (Ernst Abbe، 1840-1905) عالم رياضيات وفيزيائي ألماني، عُرف بأبحاثه ودراساته في مجال البصريات المجهرية.}} وإعجابه، الذي كان أحد أهم أساتذة فريغه، ثم صار بعدها أكبر داعم له في مسيرة حياته كلها.

عُرف عن فريغه نُزوعه الشديد نحو العزلة والتأمل؛ فقد كان لا يُخالط طلابه، وبقي أيضًا مُبتعدًا عن زملائه في العمل. تزوج مارغريته ليزيبيرغ (Margarete Lieseberg) غير أن المنية وافتها في خضم الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، ولم يُرزق منها بأبناء. فعمد إلى تبني ولد اسمه ألفريد فريغه (Alfred Frege) الذي شغل مهنة مهندس. أما فيما يتعلق بمعتقده الدّيني فقد كان فريغه ذا منزع لوثري ليبرالي، أما في منحاه السياسي فقد كان محافظًا متشددًا يدين بولائه الكبير للملكية، خاصةً لأسرة مكلنبورغ الحاكمة. كما تعاظَمَ عداؤه للاشتراكية والديمقراطية إبان الحرب العالمية الأولى، وحمّلهما وزر الخزي والمهانة الذي جلبته "معاهدة ڤرساي" (Treaty of Versailles). كما يكشف دفتر يومياته السياسية (Politisches Tagebuch) الذي كتبه في الأيام الأخيرة من حياته عن مشاعر كراهية يكُنُّها للفرنسيين ولطائفة الكاثوليك، بالإضافة إلى معاداته للسامية إلى درجة أنه دعا إلى ضرورة طرد اليهود من ألمانيا[6].

انتقل فريغه إلى جامعة غوتنغن لمواصلة دراساته وأبحاثه في مجال العلوم الرياضية والفيزيائية، حيث كان يحضر دروس كونو فيشر {{كونو فيشر: (Kuno Fischer، 1824-1907) مؤرخ وفيلسوف ألماني، عُرف بأبحاثه المعمقة حول الكانطية والمثالية الألمانية عمومًا، ويُعدّ من أبرز رواد الكانطية المحدثة في الأزمنة الحديثة.}} حول فلسفة كانط النقدية {{فلسفة كانط النقدية: المشروع الفلسفي الذي اشتهر به الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، والذي يسعى فيه إلى فحص شرائط إمكانية المعرفة والتَّجرِبة الحسية، مُفرقًا بين ما يمنحه، العقل الصرف بطريقة قبلية، وما يُستَخلَص من التَّجرِبة المحسوسة.}}، وهو أستاذ لامع معروف في الوسط الأكاديمي الألماني بكتاباته عن الفلسفة الحديثة، وحول كانط {{إيمانويل كانط: من أشهر الفلاسفة الألمان، يُعدّ مؤسِّسَ الفلسفة النقدية، ومن أهم أعماله الفلسفية: Kritik der reinen Vernunftنقد العقل الخالص.}} تحديدًا ككتابه: سيرة كانط ومبادئ فلسفته (Kants Leben und die Grundlagen seiner Lehre) (1860)، الذي أسَّس من خلاله لطور جديد في دراسة الكانطية، كما أسهم بصورة فاعلة في إنشاء الاتجاه الكانطي الجديد، مُناديًا بشعار: "الرُجعى إلى كانط"[7]. وفي الفصل الدراسي الأول له في غوتنغن، حضر فريغه دروس الفيلسوف هيرمان لوتسه {{هيرمان لوتسه: (Hermann Lotze، 1817-1881) طبيب وفيلسوف ألماني حديث، جمعت فلسفته بين العلوم الطبيعية والفلسفة، وقدم إسهامًا كبيرًا في المنطق والميتافيزيقا وفلسفة القيم.}} حول فلسفة الدين. فقد كان تأثير لوتسه في مجال المنطق واضحًا، لكنه كان ظرفيًّا[8].

وفي أواخر عام 1873 أنهى فريغه أطروحته للدكتوراه؛ التي أشرف عليها عالم الرياضيات الألماني إرنست شيرينغ {{إرنست شيرينغ: (Ernst Schering، 1833-1897) رياضيٌّ ألماني، اشتهر بدراساته في مجال الفيزياء الرياضية، وخصوصًا في ميدان الكهرومغناطيسية.}}، وحملت عنوان: حول التمثيل الهندسي للأشكال التخيلية في المستوى (Über eine geometrische Darstellung der imaginären Gebilde in der Ebene)، ونال بها درجة الدكتوراه[9].

وأشرف آبّه على تقييم أطروحة التأهيل الخاصة بفريغه، التي حملت عنوان: طرق حسابية تستند إلى توسيع لمفهوم الكمية (Rechnungsmethoden, die sich auf eine Erweitung des Grössenbegriffes gründen) (1874)، ثم رشّحه ليكون أستاذًا في جامعة يينا، وذلك في عام 1879، ثم عُيّن فريغه أستاذًا فخريًّا عام 1896 في الجامعة نفسها. كما وفّر آبّه دعمًا ماليًّا سخيًّا لهذا المنصب من خلال الاستعانة بـ "الصندوق الوزاري للأغراض العلمية"، وهو ما يوحي بالعلاقة المتينة بين مسيرة فريغه الأكاديمية والرعاية المؤسسية التي قدمها له آبّه[10].

أبرز أعماله الفلسفية

بالرغم من الأسلوب المعقد والصعب الذي امتازت به كتابات فريغه، فإنه ترك إرثًا فلسفيًّا ومنطقيًّا كبيرًا، وكان له عظيم الأثر عندَ العديد من الفلاسفة الذين عاصروه أو جاؤوا بعده. لم يحظَ بالاهتمام الواضح في حياته، إلا أنه بعد وفاته بدأ الكثير من المهتمين بالفلسفة التحليلية والمنطق بالاطلاع على أعماله، ولعل من أهم وأبرز هذه الكتب: تدوين المفاهيم: نظام صوري للتفكير الخالص على غرار النموذج الرياضي (Begriffsschrift: eine der arithmetischen nachgebildete Formelsprache des reinen Denkens) (1879). الذي يُعدّ من أعقد أعماله على الإطلاق، وأول عمل يؤسس للمنطق الرمزي. ليعود في عام 1884 ويُصدر كتابه: أسس علم الحساب: بحث منطقي - رياضي في مفهوم العدد (Die Grundlagen der Arithmetik: eine logisch-mathematische Untersuchung über den Begriff der Zahl). والذي يعدّ عملًا فلسفيًّا رياضيًّا تحليليًّا حول ماهية العدد. يؤسس لبناء المنطق على الحساب – ذكر هذا المشروع لدى هوسرل، وكيف أنه كان يناقش في تلك الفترة نتيجة لأزمة الرياضيات مع نظرية المجموعات.

وفي عام 1893 ظهر الجزء الأول من كتابه القوانين الأساسية للحساب. في حين صدر الجزء الثاني منه عام 1903. بسط في هذا العمل نسقه المنطقي الكامل قبل أن تنهار بعض أسسه بفعل مفارقة راسل. وناقش فراغه في كتابه ما هو الفكر؟ (Der Gedanke) الصادر عام 1918 طبيعة الفكر والحقيقة والموضوعية. في حين نجده في كتاب النفي (Negation) (1918)، يُقدّم تحليلًا منطقيًّا لمفهوم النفي في القضايا. وفي عام 1923 صدر عمله المتأخر الذي حمل عنوان: الأفكار المركبة (Gedankengefüge) (1923)، مُتناولًا فيه بنية القضايا المعقدة.

المنطق وفلسفة الرياضيات

قدّم فريغه الخلفية النظرية لما بات يُعرف اليوم بالمنطق الرياضي الحديث {{المنطق الرياضي الحديث: (Modern Mathematical Logic) فرع من فروع المنطق والرياضيات، يُعنى بدراسة البنية الصورية للبرهنة والاستدلال، ويعمل على تطوير أنساق رمزية تحلِّل البراهين والقضايا المنطقية، ويُعدّ هذا المنطق من أساسات الرياضيات الحديثة والفلسفة التحليلية وعلوم الحاسوب.}}، وذلك من خلال تطويره لنظام رمزي دقيق يسمح بتمثيل المفاهيم والبراهين بطريقة صورية غاية في الدقة والصرامة؛ إذ سعى إلى ابتكار لغة منطقية صارمة (Precise Logical Language) لا تقف عند محدودية اللغة الطبيعية (Natural Language) في سياق تعبيرها عن القضايا الرياضية والإبستيمية، فخلق نظامًا رمزيًا يملك القدرة على تمثيل كل القضايا المنطقية، وبناءً عليه عمد إلى البرهنة على أن الأسس المفاهيمية للرياضيات، والتي على رأسها مفهوم العدد، قابلة لأن تُعرَّف بطريقة منطقية صرفة. وذلك من مُنطلق أن الرياضيات ما هي إلا امتداد للمنطق، وأن القضايا العددية هي في حقيقة الأمر قضايا من الدرجة الثانية تدور حول مفاهيم تنطبق هي الأخرى على مفاهيم. وانطلق فريغه في مشروعه هذا من كتابه المركزي: أسس علم الحساب، الذي عمل فيه الإجابة على سؤال: ما هو العدد؟ مُتوصلًا إلى نتيجة مفادها: أن الجواب لا يُستمد من تحليل المفاهيم المرتبطة بالعدّ مثل: المساواة بين المجموعات، واستأنف مشروعه عبر مُؤَلَّفِه الضخم الذي نشره على جزأين: القوانين الأساسية للحساب؛ الذي سمح له بتوسيع جهازه الرمزي، وربط فكرة العدد بمفهوم الامتداد {{الامتداد: (Extension) يدل مصطلح المضمون أو المدلول التصوري (Intension) في علم المنطق على المحتوى المفاهيمي الداخلي الذي يُحدد من خلاله تعريف لمصطلح معين، في حين يدلّ "الامتداد" (Extension) على الأشياء أو الأفراد الذين يقع عليهم انطباق هذا المصطلح في الواقع.}}[11] لمفهوم ما. إلا أن نظامه تهدّم لما ظهرت مفارقة راسل (Russell's Paradox)[12]، فسقط معها بذلك الأساس المنطقي لتعريف العدد[13].

ابتدأ فريغه مشروعه عن طريق إقرار تمييز صارم بين "الرياضيات" و"المنطق"، فحاول في مقاله: "الدالة والمفهوم"، الذي كان في الأساس محاضرة ألقاها في الجمعية العلمية الطبية في يينا، ترسيخَ فصل دقيق بين "الدوال" و"المفاهيم". فأجرى تفرقةً من الدرجة الأولى والدرجة الثانية بين أنواع الدوال، ما مهّد الطريق نحو ربط القضايا العددية بالبنية المنطقية نفسها[14]. ثم في مقاله "عن المعنى والدلالة المرج​عية​ {{الدلالة المرجعية: هي علاقة التعبير بما يُحيل إليه في الواقع، مثل: اسم العَلَم إحالته هي الشيء عينه، والنعتُ إحالته هي موضوعه إن كان موجودًا، والجملة الخبرية إحالتها هي قيمتها المتعلقة بالصدق أو الكذب​.}}"، عمد إلى الفصل بين مضمون العبارة "المعنى" وما تشير إليه "المرجع"، وهو ما كان بمنزلة الخطوة الحاسمة التي تطوَّر على إثرها التحليل الفلسفي للغة والمعرفة، وانعكس تأثيرها بقوة في النقاشات الفلسفية التي جاءت فيما بعد حول "المعنى" و"المرجع"[15]. ليُواصل فريغه مشروعه هذا في مقاله: "عن المفهوم والشيء"، حيث وسَّعَ الفصل بين المفهوم بعدِّه تمثيلًا ذهنيًّا داخليًّا، وبين الشيء من حيث هو كيان خارجي تشير إليه اللغة في العالم الواقعي. وبذلك مهّد هذا التمييز لنقل التحليل المنطقي من تمثيل المفهوم إلى تمثيل الواقع الرياضي عينه. ووصلت هذه الجهود التي بذلها فريغه أقصاها في كتابه: القوانين الأساسية للحساب، إذ عمل على اشتقاق الحساب من المنطق، وذلك عن طريق تعريف "الأعداد الطبيعية" (die natürlichen Zahlen) والدوال العددية (zahlentheoretische Funktionen) وفق دلالة منطقية محضة، وبقي مشروعه بمنزلة التحول المفصلي في سبيل فهم الرابطة الجامعة بين المنطق واللغة والمعرفة الرياضية، وكان له الفضل في توجيه التطورات العميقة التي لحقت بفلسفة اللغة والمنطق الرياضي لاحقًا[16].



كان مُنطلق فريغه الجوهري هو إحساسه بوجود هوة بين المنحى الدقيق الذي تمتاز به الرياضيات وبين عمومية اللغة الطبيعية، فعمل منذ البدء على ابتداع لغة رمزية تتسم بالدقة تُعين على تمثيل القوانين الرياضية والمنطقية بمنأى عن الإبهام والغموض؛ إذ رأى أن اللغة اليومية غير كافية للتعبير عن العلاقات المنطقية الصارمة، ولذلك وضع مبادئ ما نعته بـتدوين المفاهيم إيديوغرافيا (Begriffsschrift)، ويذهب جُل المؤرخين إلى كون "المنطق الحديث" بدأ بصورة فعلية مع كتاب فريغه تدوين المفاهيم، ويعتقد عالم المنطق جوزف بوشينسكي (Joseph Bochenski، 1902-1995) أن هذا العمل هو وحده الذي يُمكن أن يُقارَن بكتاب التحليلات الأولى (Analytica Priora) لأرسطوطاليس[17] إذ حاول في هذا الكتاب صياغة لغة رمزية عالمية[18] يتمكن من خلالها من نحت رموز تميّز بها فريغه عن سابقيه من الفلاسفة التحليليين في هذا المسعى[19]. وهذه اللغة العالمية هي لغة منطقية صورية مُقتبسة من البنية الرمزية للرياضيات، تنشد تحليل "الأحكام" و"العلاقات المنطقية"، مثل: الحكم (Urteil)، والشرط (Bedingung)، والنفي (Verneinung)، والتساوي (Gleichheit)، والدالة (Funktion)، عبر بنية لغوية جديدة. وفي هذا السياق أيضًا مايز فريغه بين "المفاهيم" و"الأشياء"، وطوَّر "نظرية حول الامتدادات" (Lehre von den Werthverläufen) أي زمرة الأشياء التي يصدق عليها مفهوم ما، ومفهوم الدلالة المرجعية​ {{الدلالة المرجعية: هي علاقة التعبير بما يُحيل إليه في الواقع، مثل: اسم العَلَم إحالته هي الشيء عينه، والنعتُ إحالته هي موضوعه إن كان موجودًا، والجملة الخبرية إحالتها هي قيمتها المتعلقة بالصدق أو الكذب.}} (Bedeutung) للمفاهيم الرياضية، فبلور هذا المنظور القاعدة الأساسية لمشروعه المركزي الذي ربط فيه علم الحساب بالمنطق عن طريق محاولته اشتقاق الأعداد من مفاهيم منطقية صرفة.[20]

سعى الفيلسوف فريغه إلى تشييد الحساب على المنطق وتأسيسه، وذلك عن طريق مشروعه الفلسفي والمنطقي الذي استهله بكتاب تدوين المفاهيم، والذي تمكن فيه من تقديم حساب صوري للاستدلال والبرهنة من الدرجة الثانية​ {{البرهنة من الدرجة الثانية: تأييد وإقامة البرهنة في منطقٍ يعمد إلى توسعة مجال التكميم، ليضمَّ العلاقات والمفاهيم ولا يبقى مرتهنًا فقط بالأفراد. بحيث يتناول هذا البرهان متغيرات الدوال والمحمولات ويصل إلى قضايا عامة حولها.}} ليمر بعد ذلك إلى كتاب مبادئ الحساب الذي اقتدر فيه فريغه على تعريف العدد بطريقة منطقية باعتباره امتدادية مفهوم {{امتدادية مفهوم: (EXTENSION) زمرة جميع الأفراد التي يصدق وينطبق عليها المفهوم وتقع تحته فعليًا، أيْ كُل الأشياء التي يكون نَعتُ ذلك المفهوم صادقًا عنها.}}، لينتهي بعدها إلى كتاب القوانين الأساسية للحساب، الذي عمل فيه على اشتقاق الحساب من بديهيات منطقية محضة. إلا أن القانون الأساسي v المتعلق بامتدادات المفاهيم أدى بإيعاز أيضًا من مفارقة راسل إلى ضرب من اللا-اتساقية للنسخة الأصلية مع النظام، وهو ما أدى إلى تعالق مشروع فريغه بطريقة مباشرة مع أزمة مبادئ الرياضيات المتعلقة بنظريات المجموعات ومفارقتها، ووفقًا لهذا الخُلف، انصرف علماء رياضيات وفلاسفة إلى الانهماك والانخراط في مساقات علاجية تحوي لونًا من التوازي، منها: بديهيات زرميلو-فرينكل {{بديهيات زرميلو-فرينكل: (Zermelo–Fraenkel Axioms) تعدّ الصيغة المعيارية الحديثة التي توصف بها نظرية المجموعات، وقد وضعت هذه الصياغة بُغية تجاوز المفارقات التي تطال نظرية المجموعات البسيطة، مثل مفارقة رسل. وتتألف هذه البديهيات من هذه المبادئ: الانتظام، مخطط الاستبدال، مخطط الفصل، اللانهائية، زمرة الأجزاء، الاتحاد، الازدواج، وجود المجموعة الخالية، الامتدادية. وعن طريق هذه البديهيات يُشيّد الهرم التراكمي للمجموعات ويتم بناء جٌل الرياضيات الحديثة.}} بُغية تقييد المجموعات، وأيضًا نظرية الأنماط {{نظرية الأنماط: (Theory ofTypes) هي طريقة تعمد إلى تقسيم المنطق واللغة إلى أنماط أو طبقات، يتسنى من خلالها منع العبارات والجمل من الحديث عن نفسها، فيُسدّ الطريق أمام المفارقات مثل: مفارقة رسل.}} عند الفيلسوف بيرترند راسل وألفرد وايتهد في كتاب مبادئ الرياضيات (Principia Mathematica) (1910–1913)، بالإضافة إلى برنامج هلبرت الصوري {{برنامج هلبرت الصوري: (Hilbert’s Formalist Program) مشروع رياضي فلسفي، عمل فيه العالم ديڤيد هيلبرت على تشييد الرياضيات وفقًا لمنظومة بدهيات صورية مضمونة الاتساقية عن طريق برهنة منطقية محصورة.}}، وحدسية براور {{حدسية براور: تيار مشهور في مبادئ الرياضيات وأساسياته، يعتقد أن الكيانات الرياضية ينبغي تشييدها بطريقة ذهنية حدسية، وأن الحجاج السليم هو الحجاج البنائي، ويرفض هذا التيار قانون الثالث المرفوع في صورته التقليدية.}}. وعلى الرغم من انهيار قانون v، فإن رصيد فريغه بقي حاسمًا، إذ تمكن من ضبط فصل صارم ودقيق بين الدلالة والصورة المنطقية، كما أدرج الكم الحديث، وأظهر أن مركزية الحساب وجوهره يُمكن من ناحية المبدأ أن يُستخلص من مبادئ منطقية[21].

مناهضة فريغه للنزعة "النفسانية"

في الوقت الذي سعى فيه فريغه إلى تأسيس علم المنطق على مبادئ موضوعية وصارمة، عمل على خلق تفرقة بين "قوانين الفكر" (Laws of Thought) و"قوانين الحقيقة" (Laws of Truth)، مؤكدًا في ذلك بأن عملية التفكير لا تندرج ضمن اختصاص المنطق، لأنه لا ينعت ما يحصل في ذهن الإنسان، بل يعمد إلى ضبط شرائط الحكم الصادق ويقوم مقام معيار الفكر. وبناء عليه؛ ركز فريغه على الفكر بعدِّه مضمونًا يُمكن التعامل معه من حيث قيمتا "الصدق" و"الكذب"، وهو ما أدى بجل المهتمين بفلسفة فريغه إلى إهمال مفهوم التفكير لحساب مفهوم الفكر، بحيث فُسِّر هذا المنحى لدى بعضهم بأنه ضرب من القطيعة الراديكالية بين علم المنطق وعلم النفس. كما فعلت سوزان هاك {{سوزان هاك: (Susan Haack) مفكرة بريطانية مشهورة بأبحاثها حول فلسفة القانون والمنطق وفلسفة العلوم المعاصرة.}} التي نسبت ما وصفته بـ"النفسانية المضادة الصلبة" (Strong Anti-Psychologism) إلى فريغه، أي الطرح الذي يعمل على الفصل التام بين المنطق وكل ما هو يندرج ضمن ما هو ذهني. لكن هذا الأسلوب من القراءة وإن ظهر وفيًّا لإقرار فريغه على المسلك المعياري للمنطق، فإنه يُغفل موقفه الذي ينأى فيه عن وضع تعريف للمنطق على أساس العمليات الذهنية في حد ذاتها. كما أن هناك مسافة ينبغي المحافظة عليها بين أن تكون للقوانين المنطقية وظيفة معيارية توجِّه الفكر، وبين أن تكون انعكاسًا له حتى لا يُختزل علم المنطق في مجرد نزعة نفسانية[22]. وبتعبير أدق، ابتغى فريغه الإبقاء على استقلالية علم المنطق، لأن الفكر عنده يتوجه عن طريق الحقيقة والمنطق بما ينبغي أن يكون. وأي محاولة تسعى إلى تحويل هذا التمايز إلى ضرب من القطيعة التامة ستؤدي حتمًا إلى الإخلال بتعقيد مشروع فريغه، وتُفرغه من رصانته وجدّته الفلسفية[23].

عارض فريغه كل من يعدّ "القوانين المنطقية" وصفًا لأسلوب التفكير؛ لأن البشر قد يقعون في الزلل، وينحرف تفكيرهم، وليس من وظيفة المنطق أن يصف الخطأ. لكنه في الآن عينه يُشدد على أن المنطق يرشد العقل إلى ما ينبغي التفكير فيه بصورة صحيحة. وبناءً عليه، لا يمكن عدُّ فريغه من زمرة الذين يُميّزون بالمطلق بين المنطق والفكر، فالقوانين المنطقية وفق منظور الفيلسوف لا تنبثق من تفكير البشر، إلا أنها ومع ذلك تُستعمل بوصفها معايير لتقويمه. ومن هنا يُمكن عدّ موقف فريغه ضربًا مما يُمكن أن يُطلق عليه بـ "النفسانية المعيارية"، التي تقف على الضد من تقديم تفسيرات نفسيه للمنطق، لكنها تعترف بتواشجه مع توجيه التفكير. وإن العمليات الذهنية مهما كان نوعها لا تبرّر القوانين المنطقية، كما أنها لا تفسّرها، لأن ما يُعتقد أنه صواب قد لا يكون في الحقيقة كذلك، إذ لا تناقض في كون قضية معينة صحيحة، في حين تكون مرفوضة عند الجميع، وهذه التفرقة بين الاعتقاد والحقيقة تجسد القاعدة الأساسية التي ينبني عليها تصور فريغه للمنطق. فالقوانين المنطقية لا تنعَت الكيفية التي يُفكر بها الناس، بل تضبط الكيفية التي يجب أن يُفكروا بها للوصول إلى الحقيقة؛ إذ لا يُمكن الحديث على منطق لفريغه يستنبط معياريته من وصفه للفكر الإنساني، إلا أنه في حال فُهِم المنطق عند فريغه على أنه وصف لقوانين الحقيقة، فحينها يُمكن الإقرار بأن صلاحيته التوجيهية للعقل مستمدة من وظيفته الوصفية للحقيقة. ويؤكد فريغه قائلًا: "من خلال قوانين الحقيقة تنبثق قواعد في الإثبات والتفكير والحكم والاستدلال"[24].

وهناك مسألة ينبغي التأكيد عليها؛ وهي أنه لا يُمكن القول إن فريغه يعتقد في الفكر الإنساني منبعًا أو قاعدة مركزية للمنطق، بل العكس هو الصحيح؛ فالمنطق هو الذي يمنح بعض أنماط التفكير شرعيتها؛ لأنه يكشف عن قوانين الحقيقة. ومن هنا، لا يُمكن قطعًا أن يُصنَّف الفيلسوف فريغه ضمن "النفسانية المنطقية"؛ لكونه يعترف بعلاقة المنطق بالتفكير، إذ سيؤدي هذا التصنيف إلى إفراغ النقاش من فحواه، لأن أي فيلسوف يعترف بأن المنطق يوجِّه الفكر، سيظهر على أنه "نفسانوي"، وهو ما يعمد إلى إلغاء التمييز نفسه. كما أن الفيلسوف فريغه كان من المعارضين لتطويع المنطق في علم النفس، وقد كان له تأثير كبير على الأجيال التي جاءت بعده، وتأثرت بهذا الموقف[25].

فلسفة اللغة

لم يسعَ فريغه إلى التأسيس لما يُمكن تسميته بفلسفة اللغة أو التنظير لها؛ بل انبثقت تلك الفلسفة في سياق بحوثه وتحقيقاته في مجالَي الرياضيات والمنطق، بحيث تحولت فلسفة اللغة عند هذا الفيلسوف لتكون رد فعل حتّمتها الضرورة الداخلية لمشروعه الأساسي الرامي إلى تأسيس الحساب على المنطق المحض، من دون الرجوع إلى وسيط حدسي أو تجريبي أو الاستناد إليه. وبناء عليه؛ فقد كانت فلسفة اللغة عند فريغه بمنزلة الامتداد الطبيعي لفلسفته في المنطق، بُغيتها الأساسية تشييد صرح عقلاني متين، يعمل على تفسير المعرفة العددية من داخل البنية المفهومية للغة في حد ذاتها[26]. ومن أهم المقالات التي بسط فيها فريغه فلسفته في اللغة مقاله: "في المعنى والدلالة المرجعية"[27].

لاحظ فريغه أنّ الصرامة التي يمتاز بها المنطق لا يقوم لها مقام إلا من خلال القدرة على تحديد البنية الداخلية للجُمل، وبصورة خاصة الجُمل التي تحمل ألفاظًا عامة. وبناء على ذلك برز مفهوم "المعنى" بوصفه توليفة دلالية مُعقدة، يُفسَّر عن طريق مبدأ التوليف الدلالي الذي يجعل اللغة أداة لصناعة الفكر. وقد طوّر فريغه من نسق رمزي يفصل فيه بين "الوظيفة" و"البرهنة"، ثم يفصل بعد ذلك بين "المفهوم" و"الشيء"، وهذا ما مكّنه من تأسيس تصور جديد للمنطق ينبني على مفاهيمَ لا سبيل لاكتمالها إلا عن طريق إسنادها إلى موضوع محدد. كما لا يُفهم بأنّ الجمل هي عملية تجميع لأسماء وصفات، بل هي تطبيق لوظيفة على متغيّر، إذ جعل فريغه المفاهيم تعمل بوصفها "دوالَّ" تُعطي للشيء إحدى قيمتي "الصدق" أو "الكذب"[28]، جاعلًا من هاتين القيمتين مرجعًا موضوعيًّا لكل جملة كاملة. بمعنى أن الجمل تشير في نهاية المطاف إلى إحدى هاتين القيمتين. ومن ثَمَّ اقتدر فريغه على أن يجعل من المنطق علمًا بالحقيقة عينها، التي تُفهَم من خلال بنيتها الداخلية، وهذا ما فتح المجال لتطور فلسفة اللغة واللسانيات معًا[29].

إن البُغية التي ارتآها فريغه هي في جعل المنطق يُعنى بالحُكم بعدِّه فعلًا موجهًا بمنحى الحقيقية والاعتراف بها؛ فالقضية لديه مفادها بأن الحقيقة تدخل بطريقة ضمنية في كل حُكم يصدر. وبذلك فإنه حين تكون الحقيقة خاصية مُرافقة للمفاهيم، سيكون من العويص إيجاد سبب يجعل المنطق يهتم بها، كون هذا الأخير لا يشتغل بالمفاهيم في حد ذاتها، بل يُعنى بالجُمل والقضايا التي يُمكن أن تتصف بالصدق أو الكذب. وما دام الحُكم عند فريغه هو عملية انتقال من تمثل مفهوم ما نحو الإقرار بصدقه، فإن أي محاولة تسعى إلى تحليل التعالق بين المفهوم والفكرة والحقيقة عن طريق إسناد الصدق إلى الفكرة كما لو أننا أمام حُكم من الدرجة الثانية فإن ذلك سيقود حتمًا إلى تسلسل عقيم لا يُمكن التنبؤ بنهايته، وبناءً عليه، يُقر فريغه بأنّ العلاقة بين الفكرة والحقيقة هي علاقة بين المعنى والدلالة المرجعية، كما أن إطلاق عبارة خبرية هو في الحقيقة فعل حُكم في حد ذاته، وبهذا لا توجد هناك حاجة إلى اعتماد لفظ "صحيح" ليُحكَم على فكرة معينة. لأنه بمجرد الكلام بجملة خبرية ما نكون حينها قد أقررنا بصدقها. وهذا ما يجعل من الحقيقة جوهر المنطق ذاته[30].

شدّد فريغه على وجوب استقرار "المعنى" (Sinn/Sense)؛ لأنه يُعدّ شرطًا ضروريًّا لقيام المعرفة البرهانية. علمًا أنه يُمكن السكوت عن تباين المعنى بين المتحدثين في حياتهم اليومية، لكنه في مقابل ذلك، لا يُمكن للمنطق أن يتسامح مع هذا التفاوت؛ لأنه علم استدلالي يمتاز بالصرامة. ويُفهم من ذلك؛ أن أي عملية إثبات لصدقية مفهوم معيّن لا يُمكن لها أن تستقيم إلا إذا كُنا على معرفة دقيقة بماهية هذا المفهوم المعين. وهل هو ناتج من استدلال سليم ينطلق من مقدمات معينة ومحددة. ولهذا أكد فريغه على ضرورة مفادها: أن كل عملية تعبير مهما كانت ينبغي أن تقترن بطريقة تقديم واحدة للشيء الذي يدل عليها، وإلا فإن المتحدثين قد يتبادلون بينهم جملًا يبدو في ظاهرها الاتفاق، لكنها تختلف في باطنها من ناحية المفاهيم المعبرة عنها. وبذلك تتجلى القيمة الكبيرة للمعنى باعتباره الأسلوب الذي يُقدّم بها المدلول (المُشار إليه)، باعتباره مُكونًا من مكونات المفهوم الكلي الذي تُعبر عنه الجملة. ففريغه يرى أن لكل علامة لغوية (كلمة) معنى، وأنّ هذا المعنى هو الذي يمكّن من الإشارة إلى شيء في الواقع (المدلول). وضرب مثلًا على ذلك بكلمة "نجمة الصباح"، التي تُشير إلى كوكب الزهرة، لكن رغم أن معناها يختلف عن "نجمة المساء"، فإن "الدلالة المرجعية" واحدة وهي الإشارة إلى كوكب الزهرة[31].

إن أبرز ما تركه الفيلسوف فريغه في فلسفة اللغة هو إدراكه أن معنى الجملة لا يُمكن أن يتحقق من خلال زمرة معاني الكلمات المفردة فقط، بل يتحقق عن طريق توليف هذه الكلمات مع بعضها، ويتجلى وجه الجدّة ههنا وفق منحيين: الصوري المجرد والسيمانتيكي (semantic)؛ فعلى المستوى الصوري اقتدر فريغه على جعل معنى الجملة عبارة عن تمخضٍ بُنيوي، إذ حوّر التحليل من كونه مجرد موضوع إلى اعتباره دالّ، وذلك في سياق منطق رمزي أدرج فيه مناحي التكميم (quantification) والمتغيّرات (variables)، كما عمل على ربط الدلالة بالبُنية. أما على المستوى السيمانتيكي فنجد بأن فريغه يُفرّق بين الحس (Sinn) والمرجع (Bedeutung) جاعلًا من مرجع الجملة بمنزلة القيمة للصدق. ويرجع مبرر عزو هذا الأمر إلى فريغه كونه أول من رَكَمَ هذه الأسس الدلالية والوسائل الصورية ضمن إطار واحد، كان له تأثيره الواضح والمباشر على فيتغنشتاين ورسل، وهو ما سمح له بتشييد أساسات السيمانطيقا الحديثة (contemporary formal semantics).

إن الكلمة تُحصِّلُ معناها من السياق الذي تتموضع فيه، وإن الحُكم على الصدقية أو الكذب لا يكون إلا من خلال وجود الجملة بكاملها؛ لأن أي حكم على الحقيقة لا يكون على مستوى كلمة مفردة، بل يكون حصيلة المعنى المتمخض عن تركيبتها في جملة تامة. فبرغم أن فريغه لم يضع نظرية سيمانطيقية للحقيقة كالتي صاغها ألفرد تارسكي {{ألفرد تارسكي: (Alfred Tarski، 1901-1983) فيلسوف وعالم منطق بولندي، عُرف بأعماله الفلسفية المهمة في نظرية النموذج والمنطق الرياضي.}}[32]، فإنه وضع نموذجًا "غير صوري"، بمعنى أنه لم يبسط لنا تعريفًا للحقيقة وفق نمذجة على الشاكلة التارسكية، وإنما نظر إليها كقيمة صدقية تُشير إليها الجملة الكاملة وذلك وفقًا لسياقها وتوليفتها. وغلب على نموذج فريغه الدقة الرياضية، ويعد هذا النموذج الأول من نوعه الذي يُعبر عن طريقة بناء نظرية دلالية تُظهر الكيفية التي يُمكن من خلالها للجمل المركبة أن تُشتق دلالتها من دلالة أجزائها.

وهذه الرؤية التي قدمها فريغه استعان فيها بثلاث أفكار أساسية: الأولى مفادها أن معاني القضايا ينبغي أن تُظهر الكيفية التي تتكون من خلالها القيم المتصفة بالصدق، وذلك من مُنطلق أجزائها؛ والثانية مفادها أن "المعنى" الذي يُعالق التعبير بالشيء المُشار إليه (الدلالة المرجعية) عبر نمط تمثيلي؛ والثالثة مفادها أن دلالة الاسم تقوم على الرابط التمثيلي بين التعبير والشيء المشار إليه. أما النظريات المعاصرة، فترفض هذا الربط، وتفصل بين "المعنى" و"الدلالة المرجعية"، عادَّةً أن دلالة الاسم تُحدَّد وفق سياقات سببية أو استعمالية لا بمعرفة المتكلم، ما يعبّر عن تحول أعمق في فهم اللغة من نظام دلالي مغلق إلى بنية شكلية قابلة للتأويل.[33] وعليه؛ نفهم مما سبق ذكره، أن الفيلسوف فريغه يعتقد أن معنى الجملة يتألف من معاني كلماتها، بالإضافة إلى أسلوب توليفها معًا. لهذا ينبغي وفق منطوقه ضبط البُنية التي تربط معاني هذه الكلمات. ويُفرّق فريغه بين المسلك الذهني الذي نُقدّم عن طريقه الشيء وبين الشيء عينه في أرض الواقع. فمثلًا: كلمة زهرة الصباح وكلمة كوكب الزهرة لديهما حسّان متباينان، إلّا أن لديهما مرجع واحد، وبمعنى أوضح، أن الكلمتان لهما طريقتان ذهنيتان من ناحية أسلوب تقديمهما، إلا أنهما في حقيقة الأمر شيء واحد في أرض الواقع. ووفقًا لمنظور فريغه، فإن اسم العلَم يُعبّر ويدلّ على صاحبه عن طريق هذا المسلك التقدمي، أما التّصورات التي وردت في النظريات الحديثة فنجدها تتجه بمنحى مفاده أن مرجع الاسم يتم تحديده في غالب الأمر وفق سلسلة علّية سوسيولوجية للاستخدام؛ أي وفق الطريقة التي شاع من خلالها تداول الاسم بين الناس، أكثر مما هي قائمة على ما يدركه ويعقله المُتكلم في ذهنه.

يجدر التنبيه هنا إلى طرح حديث ورصين، يعتقد أن جزءًا كبيرًا من مشروع غوتلوب فريغه الدلالي قد استُلهم من تراث فلسفة المدرسة الرواقية {{المدرسة الرواقية: تيار فلسفي إغريقي، أسَّسه الفيلسوف زينون الكيتيومي. يؤكد أصحاب هذه المدرسة على فلسفة الفضيلة والعيش على وفاق مع الطبيعة.}}، إذ يُقرأ لسوزان بوبزين {{سوزان بوبزين: (Suzanne Bobzien) مفكرة ألمانية معاصرة، مختصة في الفلسفة الإغريقية، اشتهرت بدراساتها وأبحاثها حول المدرسة الرواقية.}} في دراستها "فريغه انتحلَ من أفكارِ الرواقيين"، أن عملية التمييز والتفرقة التي أقامها فريغه بين العلامة والمعنى والمرجع، وبين مفهوم الفكرة والمضمون القابل للصدقية أيضًا، بالإضافة إلى التعامل مع الخطاب غير المباشر والمساقات المُعطّلة للإحالة، وبنية صدق-قيمية للمؤلفات الشرطية والتعالقات المنطقية، جميعها لها ما يقابلها في فلسفة الرواقيين، خصوصًا في مفاهيمهم حول اللكتون (Lekton) = العبارة énoncé والقضية، وتفرقتهم بين اللفظ وما يُراد ويُستفاد وما يُشار إليه. وتعتقد بوبزين، وذلك باستعانتها بإثباتاتٍ وبراهينَ نصية، بالإضافة إلى اعتمادها على مقارنات توليفية ومراجع وسيطة كان الفيلسوف غوتلوب فريغه على اطلاع بها، أن الأمر يتجاوز مسألة التشابه العام إلى ضرب من الاستيعاب المنهجي غير مذكور على نحو صريح، وهو ما يستدعي إعادة قراءة نصوصه: "عن المعنى والدلالة المرجعية" و"ما هو الفكر؟" وفقًا لخلفية مرجعية رواقية، وهو ما سيسلط ضوءًا جديدًا على جذور التمييز والتفرقة بين المعنى والمرجع وديناميكية السياقات غير المباشرة[34].

وتجدر الإشارة أيضًا بأنّ ما طرحه الفيلسوف فريغه في تفرقته وتمييزه ما بين العلامة والمعنى والمرجع، يُماثل في جوهره ما قام به وقدّمه علماء وفلاسفة عرب ومسلمين قُدامى، حين تكلّموا عما يُنعت باللفظ والمعنى والمُسمّى. إذ نجد مثلًا الفيلسوف أبو نصر محمد الفارابي {{أبو نصر محمد الفارابي (257-339ه/ 874-951م): فيلسوف وقاضي مسلم معروف، يُلقب بالمعلم الثاني بعد أرسطو المُلقّب بالمعلم الأول. اشتهر بأعماله في مجال المنطق والشروحات المستفيضة للفلسفة اليونانية، كما وضع تصورًا حول مفهوم المدينة الفاضلة.}} يبسط تفرقةً بين ما نتمثّله في عقولنا وبين ما نقوم بالحكم عليه من ناحية قيمتي الكذب والصدق والفكرة المضمون[35]. وهو في ذلك يُقارب ما أورده الفيلسوف فريغه. أما الفيلسوف أبو حامد الغزالي {{أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي: (450- 505 هـ /1058- 1111م) فيلسوف وعالم فقه وأصوله ومتصوف وعالم كلام إسلامي معروف، من أهم أعماله الفلسفية: إحياء علوم الدين، تهافت الفلاسفة.}}. فقد بيّن أن معنى الجملة يُمكن أن يتبدّل وفقًا للسياق والنيّة بالإضافة إلى مقام ورود هذه الجملة أو الكلمة[36]، وهو ما يُماثل أيضًا حديث فريغه عن السياقات غير المباشرة التي تعمد إلى تغيير معنى الجملة. أما حينما ننفتح على فيلسوف النحو عثمان بن جني​ {{أبو الفتح عثمان بن جني: (322- 392 هـ / 941- 1002 م) عالم نحو ولغوي عربي مشهور، يُلقّب بـ "فيلسوف النحو". ينتمي إلى المدرسة البصرية، من أهم أعماله: الخصائص وسر صناعة الإعراب.}} فنجده يُنافح عن مسألة أن المعنى لا يُمكن له الحضور في الكلمة وحدها، وإنما في توليفة الجملة برمتها. وبمعنى أوضح من خلال المسلك الذي تنتظم وفقه الكلمات[37]. وهو ما يُشابه كلام الفيلسوف فريغه حول مضمون القضية. كما نجد أيضًا علماء المنطق والكلام الإسلامي، تطرقوا إلى قضية الكذب والصدق في الجمل الاتصالية والشرطية[38]، مماثلين في ذلك تصورات فريغه حول القيم الصدقية. وليس هذا فقط، بل نجدهم كذلك يخوضون في قضية القول على القول، وهي المقاربة الفكرية التي نتجلى ما يُشبهها لدى فريغه في معرض حديثه عن الخطاب غير المباشر.

تأثيره وموقعه في الفلسفة الغربية

تُجسد فلسفة فريغه انعطافًا مهمًّا في الفلسفة الغربية الحديثة، إذ ألهم الكثير من الفلاسفة التحليليين والمناطقة، ومنحهم دفعة نحو تطوير فلسفاتهم، كما أسهم من خلال منطقه بإنشاء وسيلة مفاهيمية فككت الكثير من الإشكالات التي مست علم الرياضيات، ولم يتوقف الأمر عند حدود المنطق والرياضيات فقط، بل تجاوزتها نحو مسائل الوجود والمعرفة وفلسفة وعلم اللغة. كما حاول اختزال نظرية العدد في مبادئ منطقية صرفة، على الرغم من أنها فشلت إذا ما نُظر إليها من الناحية التقنية، وبنى ضربًا جديدًا من الدراسة والبحث الفلسفية أصبح فيما بعد مرجعًا أساسيًّا في فلسفة القرن العشرين. كما أعاد صياغة شرائط العمل الفلسفي واضعًا معيارًا قويًّا يتصف بالصرامة والانضباطية، وسلك بالفلسفة نحو التفكير في نفسها من جديد[39]. كما استعان فريغه بمنطق صارم حلّل من خلاله بنية اللغة العلمية، مع أنه تحفظ على "اللغة الطبيعية"، ولكنه شيّد أدوات انبجس منها تياران فلسفيان متكاملان: الأول؛ عمد إلى تأسيس لغة علمية مثالية، كما تجلى ذلك مع الفيلسوفين بيرترند راسل ورودلف كارناب. والثاني؛ ظهر فيما بعد مع فلاسفة اللغة العادية، بحيث استعملوا فلسفة فريغه وآراءه بُغية تحليل "الدلالة المرجعية" والتراكيب في اللغة اليومية العادية. وبناء عليه؛ فإن هذه الازدواجية المتمخضة عن تأثير فريغه كشفت عن قوة مشروعه الفلسفي وعمق منظومته المفهومية[40].

كما كان لفريغه تأثير واضح في راسل، خصوصًا فيما يتعلق بالموضوعات الجوهرية كطبيعة الدوال القضوية. وفصله الصارم بين "المعنى" و"الدلالة المرجعية". هذا بالإضافة إلى تأثير فريغه في منطق راسل من خلال اعتماد الأخير لأدوات التكميم وفق معناها الحديث، إلا أن تأثير عالم الرياضيات والفيلسوف الإيطالي جوزيبي بيا​نو {{جوزيبي بيانو: (Giuseppe Peano، 1858-1932) فيلسوف وعالم رياضيات إيطالي معاصر، اشتهر بأعماله في المنطق الرياضي.}} كان أقوى من تأثير فريغه، وهذا ما يتجلى في الرموز المعقدة التي طُبع بها علما المنطق والرياضيات[41].

كان لراسل دور قوي في التمكين لسمعة فريغه التي كانت باهتة قبل تعرّف راسل على أعماله، وكان له تأثير كبير في شهرة فريغه بين زمرة الفلاسفة التحليليين، ولمّا اطّلع رسل على كتابات فريغه اُعجب به ونعته بالنزاهة الفلسفية، إذ يقول في رسالة أرسلها إليه في عام 1962: "في الوقت الذي تحضرني فيه معاني النزاهة والسمو، يقع في بالي أمر مفاده أنه لا يوجد وفق معرفتي من هو بإيمان فريغه وصدقه وإخلاصه في سعيه للحقيقة. فقد كان عمله الأساسي الذي وهب له جزءًا كبيرًا من حياته على وشك الاكتمال، إلا أنه لم ينَلْ حظَّه من التقدير والاهتمام مثل ما لقيته أعمال بعض الأشخاص الأقل كفاءة منه. كما كان الجزء الثاني من كتابه على أبواب النشر، فاكتشف فريغه أن مبدأه الأساسي كان مغلوطًا، ورغم ذلك استجاب لهذا الاكتشاف بكل روح علمية، وبعقل منفتح، وعبّر بصدق عن شعوره بخيبة أمل كبيرة أصابته جراء ذلك"[42].

كما كان بين فريغه والفيلسوف الألماني فيتغنشتاين قاسم معرفي مشترك، تمثل فيما يُمكن نعته بـ "قلب الميتافيزيقا"، وذلك عن طريق إعادة ترتيب العلاقة بين ما هو سبّاق وبين ما يأتي لاحقًا في البنية التفسيرية المتعلقة باللغة والمعنى. وهذه القفزة تتعالق بمبدأ السياق لدى فريغه، كما أن هناك قاسمًا معرفيًّا مشتركًا بين فريغه ولودڤيغ فيتغنشتاين، يتمثل فيما يمكن تسميته بـ "قلب الميتافيزيقا"، لا من خلال نقضها المباشر، بل من خلال إعادة ترتيب العلاقة بين ما هو سابق وما هو لاحق في البنية التفسيرية للغة والمعنى. وهذه النقلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ "مبدأ السياق" عند فريغه: "لا ينبغي لنا البتة أن نطلب معنى كلمة معيّنة إلا في سياق الجملة"[43]. وبناءً عليه، فإن تأثير فريغه على فيتغنشتاين يُقاس عن طريق التحول العميق الذي طال البنية المعرفية التي انطلق منها الفيلسوفان من أجل إعادة تشييد الفكر الفلسفي على قاعدة اللغة[44]. كما اعتقد فريغه في المبدأ الذي يقول بأن اللفظ لا يتوفر على معنى إلا في سياق "الجملة"، وهو بالضبط ما يتبنّاه فيما بعد في فلسفته. مع إعطائه دفعة جديدة تقر بأن المعنى لا يقوم له مقام إلا من خلال ممارسة اللغة في حد ذاتها، وبالرغم من أن هذا المبدأ نوقِش على نحو مستفيض في الأدبيات الفلسفية، فإن التصورات التي سادت حوله تعمد إلى إعادة إنتاج التصنيف الثنائي الذي يكون بين "الواقعية" و"اللاواقعية" من دون مساءلة هذا الإطار عينه. وبذلك؛ فمبدأ السياق يُعيد قلب البنية الميتافيزيقية التي ينبني عليها هذا التقابل بين الفيلسوفين فريغه وفيتغنشتاين، وهو ما يجعل من هذا المبدأ بمنزلة القاعدة النقدية التي تقطع من خلال تلك التقسيمات الكلاسيكية وتُربكها من الداخل[45].

ولما يُستحضر الفيلسوف كارناب، فيُلحظ في فلسفته امتداد عميق مربوط بفلسفة فريغه، رغم أن القراءة الأولية لفلسفة كارناب تدرجه مباشرة مع زمرة فلاسفة الوضعية المنطقية (Logical Positivism)، ولكن هذا الفيلسوف لم يقطع صلته قطّ مع فريغه، وواصل مسعاه نحو تحويل المفاهيم الفلسفية لجعلها أدوات دقيقة، وتحمل طابعًا علميًّا. كما أن منهجية "الشرح" (Explication)، التي تقوم على الاستعاضة عن المفاهيم الغامضة بالمفاهيم الواضحة والدقيقة، لتكون متلائمة مع الاستعمال في النسق العلمي أو المنطقي تُشابه إلى درجة كبيرة منهجية فريغه في تحديد المعنى في إطار النسق المنطقي. إذ إن كارناب بدل أن يغرق في البحث في ماهية المفاهيم بوصفها أشياء ميتافيزيقية، فإنه يُركز على طريقة استعمالها بطريقة وظيفية داخل النظريات العلمية، متابعًا في ذلك النزعة التحليلية التي شيدها، ووضع معالمها الأولى فريغه [46].

يعدّ الفيلسوف والعالم مايكل دمّيت {{مايكل دمّيت: (Michael Dummett) منطقي وفيلسوف بريطاني معاصر، معروف بأبحاثه ودراسته في مجال فلسفة اللغة والمنطق، كما أنه من أهم شراح فلسفة فريغه.}} من أهم الفلاسفة الذين ترك فيهم فريغه تأثيرًا قويًّا، فدمّيت أعاد بناء قراءته الفلسفية لفريغه بطريقة واعية أطلق عليها تسميه: "الطريق الأمامي" (The Forward Road)، أي الانطلاق من "المعنى" نحو "الدلالة المرجعية"، وليس من "الطريق الخلفي" (The Backward Road) الذي يفترض الانطلاق من "الدلالة المرجعية" نحو "المعنى". فوفقًا لمنظور دمّيت وتصوّره، ليس في الإمكان فهم "الوظيفة التواصلية للغة" (The Communicative Function of Language) من غير أن تُمنح الأولوية لـ "المعنى"؛ وهو ما جعل دمّيت ينأى بنفسه عن التفسير الكلاسيكي الذي يجعل من "الدلالة المرجعية" أمرًا مركزيًّا وأساسيًّا. وبناء عليه؛ فإنّ هذا التحول في طريقة فهم دمّيت لفريغه سلك به فيما بعد إلى المنافحة عن "النزعة الحدسية في الرياضيات" (Intuitionism in Mathematics)، بحيث تُفهَم الحقيقة بوصفها قيمة مرتبطة بإمكان البرهنة. وبناء عليه سيصبح فريغه عن طريق دمّيت، بمنزلة الممهّد لحصول تحوُّل إبستيمولوجي يعيد ربط الصلة بين المعنى والفعل الفاهمي للإنسان[47].

المراجع

العربية

الفارابي، أبو نصر. إحصاء العلوم. تحقيق وتقديم علي بو ملحِم. بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1994.

الغزالي، أبو حامد. المستصفى من علم الأصول. تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي. ج 1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1993.

ابن جني، أبو الفتح عثمان. الخصائص. تحقيق محمد علي النجار. ج 3، ط 4. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ]د. ت[.

التفتازاني، سعد الدين. متن تهذيب المنطق والكلام. تحقيق عبد القادر معروف الكردي السنندجي و]آخرون[. القاهرة: مكتبة السعادة، 1330هـ/1912م.

بيني، مايكل. الفلسفة التحليلية: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة أحمد عبد المنعم. مراجعة هبة عبد المولى أحمد. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2023.

جدعان، فهمي [وآخرون]. حصاد القرن: المنجزات العلمية والإنسانية في القرن العشرين. عمّان: مؤسسة عبد الحميد شومان؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007.

خليل، ياسين. "نظرية جوتلوب فريغه المنطقية: المنطق واللغة". مجلة كلية الآداب - جامعة بغداد. العدد 7 (نيسان/ أبريل 1964). ص 323-368.

الشقيف، محمد. منطق الغموض: من نظرية الحد إلى المنطق الغائم. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024.

عثمان، صلاح. "جوتلوب فريغه: في المعنى والإشارة، قراءة وترجمة وتعليق". مجلة سياقات اللغة والدراسات البينية. مج 1، العدد 3 (آب/ أغسطس 2016)، ص 277-297.

 قريسي، الأخضر. مدخل إلى المنطق الرياضي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025.

محمود، زكي نجيب. نحو فلسفة علمية. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2022.

الأجنبية

Alexander, Archibald B. D. “Kuno Fischer: An Estimate of His Life and Work.” The Journal of Philosophy, Psychology and Scientific Methods. vol. 5, no. 3 (1908). pp. 57-64.

Augustyn, Adam. “Intension and Extension Logic and Semantics.” Britannica. 27/9/2024. at: https://acr.ps/1L9BPrB

Auxier, Randall & Lewis Hahn (eds.). The Philosophy of Michael Dummett. La Salle, IL: Open Court, 2007.

Beaney, Michael (ed.). The Oxford Handbook of the History of Analytic Philosophy. Oxford: Oxford University Press, 2013.

________ & Erich Reck (ed.). Gottlob Frege: Critical Assessments of Leading Philosophers. London/ New York: Routledge, 2005.

Burge, Tyler. “Frege on Extensions of Concepts, from 1884 to 1903.” The Philosophical Review. vol. 93, no. 1 (1984). pp. 3-32.

Dummett, Michael A. E. “Gottlob Frege.” Britannica. at: https://acr.ps/1L9BPhl

Dunne, Luke. “A Proponent of Logicism: Who is Gottlob Frege?” The Collector. 25/12/2022. at: https://acr.ps/1L9BPGI

Ferreirós, José. Labyrinth of Thought: A History of Set Theory and Its Role in Modern Mathematics. 2nd ed. Basel: Birkhäuser, 2007.

Frege, Gottlob. Grundgesetze der Arithmetik: Begriffsschriftlich abgeleitet Zweiter Band. Jena: Hermann Pohle, 1903.

________. “On Sense and Reference.” Philosophical Review. Max Black (trans.). vol. 57, no. 3 (1948).

________. “On Concept and Object.” P. T. Geach & Max Black (trans.). Mind. vol. 60, no. 238 (1951). pp. 168-180.

________. “The Thought: A Logical Inquiry.” Mind. vol. 65, no. 259 (1956). pp. 289-311.

________. The Foundations of Arithmetic: A Logico-Mathematical Enquiry into the Concept of Number. J. L. Austin (trans.). 2nd ed. Evanston, IL: Northwestern University Press, 1980.

Geach, Peter & Max Black (eds.). Translations from the Philosophical Writings of Gottlob Frege. Oxford: Basil Blackwell, 1952.

“Gottlob Frege, 1848-1925.” Hochschule Wismar. at: https://acr.ps/1L9BPol

Green, Karen. Dummett, Philosophy of Language. Cambridge: Polity Press in Association with Blackwell Publishers Ltd., 2001.

Heijenoort, Jean van (ed.). From Frege to Gödel: A Source Book in Mathematical Logic, 1879-1931. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1967.

Hermes, Hans, Friedrich Kambartel & Friedrich Kaulbach (eds.). Posthumous Writings. Peter Long & Roger White (trans.). Chicago: University of Chicago Press, 1979.

Jacquette, Dale. Gottlob Frege: A Philosophical Biography. Cambridge: Cambridge University Press, 2019.

Klement, Kevin C. “Gottlob Frege (1848-1925).” Internet Encyclopedia of Philosophy. at: https://acr.ps/1L9BPMC

________. “Peano, Frege, and Russell’s Logical Influences.” PhilArchive. 17/6/2023. at: https://acr.ps/1L9BOTc

Lachs, John & Robert Talisse (eds.). American Philosophy: An Encyclopedia. New York: Routledge, 2007.

Lapointe, Sandra (ed.). Logic Frome Kant to Russell. New York: Routledge, 2019.

Lavers, Gregory. “Frege, Carnap, and Explication: ‘Our Concern Here Is to Arrive at a Concept of Number Usable for the Purpose of Science’.” History and Philosophy of Logic. vol. 34, no. 3 (2013). pp. 225-241.

Leigh, Fiona (ed.). Themes in Plato, Aristotle, and Hellenistic Philosophy: Keeling Lectures 2011-18. London: University of London Press, 2021.

Lepore, Ernest & Barry Smith (eds.). The Oxford Handbook of Philosophy of Language. Oxford: Oxford University Press, 2008.

McGuinness, Brian (ed.). Collected Papers on Mathematics, Logic, and Philosophy. Oxford: Basil Blackwell, 1984.

Mezzadri, Daniele. “Logic, Thinking and Language in Frege.” Paradigmi. Rivista di Critica Filosofica. vol. 3, no. 3 (2017). pp. 165-166.

Peckhaus, Volker. “Review of Werner Stelzner, Gottlob Frege. Jena und die Geburt der modernen Logik.” Modern Logic. vol. 8, no. 1-2 (2000). pp 179-181.

Tarski, Alfred. “The Semantic Conception of Truth and the Foundations of Semantics.” Philosophy and Phenomenological Research. vol. 4, no. 3 (1944). pp. 341-376.

Weiner, Joan. “Gottlob Frege.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. at:

https://acr.ps/1L9BPhT

[1] Dale Jacquette, Gottlob Frege: A Philosophical Biography (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), p. 9.

[2] Luke Dunne, “A Proponent of Logicism: Who is Gottlob Frege?” The Collector, 25/12/2022, accessed on 1/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPGI

[3] “Gottlob Frege, 1848-1925,” Hochschule Wismar, accessed on 1/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPol

[4] Joan Weiner, “Gottlob Frege,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, accessed on 1/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPhT

[5] Kevin C. Klement, “Gottlob Frege (1848-1925),” Internet Encyclopedia of Philosophy, accessed on 1/10/2025, at: https://iep.utm.edu/frege/

[6] Michael A. E. Dummett, “Gottlob Frege,” Britannica, accessed on 1/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPhl

[7] Archibald B. D. Alexander, “Kuno Fischer: An Estimate of His Life and Work,” The Journal of Philosophy, Psychology and Scientific Methods, vol. 5, no. 3 (1908), p. 62.

[8] Nicholas F. Stang, “Platonism in Lotze and Frege: Between Psychologism and Hypostasis,” in: Sandra Lapointe (ed.), Logic Frome Kant to Russell (New York: Routledge, 2019), p. 138.

[9] Klement.

[10] Volker Peckhaus, “Review of Werner Stelzner, Gottlob Frege. Jena und die Geburt der modernen Logik,” Modern Logic, vol. 8, no. 1-2 (2000), pp. 180-181.

[11] يُنظر:

Adam Augustyn, “Intension and Extension Logic and Semantics,” Britannica, 27/9/2024, at: https://acr.ps/1L9BPrB

[12] تلقّى فريغه رسالة من الفيلسوف راسل، وذلك في عام 1902 أشار فيها إلى "مفارقة" تهدِّد الأساسات التي بُنِي عليها كتاب القوانين الأساسية للحساب. وكان حينها فريغه قد اقترب من إنهاء الجزء الثاني من الكتاب، مما حتم عليه إضافة ملحق يعترف فيه بخطورة المفارقة. وبالرغم من أنه لم يتخلَّ عن مشروعه المنطقي، فإنه أدرك صعوبة أن يتدارك التناقض الكامن في مبدأ "الامتداد". وواصل راسل جهوده لحل هذا التناقض الظاهري، وانتهى به المطاف إلى تطوير "نظرية الأنواع" (Theory of Types)، مما مهّد لتحول عميق مسّ علم المنطق وفلسفة الرياضيات الحديثة عمومًا، خصوصًا عند فتغنشتاين وتلاميذه. يُنظر: مايكل بيني، الفلسفة التحليلية: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة أحمد عبد المنعم، مراجعة هبة عبد المولى أحمد (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2023)، ص 43.

[13] يُنظر:

Gottlob Frege, The Foundations of Arithmetic: A Logico-Mathematical Enquiry into the Concept of Number, J. L. Austin (trans.), 2nd ed. (Evanston, IL: Northwestern University Press, 1980), p. 85; Gottlob Frege, Grundgesetze der Arithmetik: Begriffsschriftlich abgeleitet Zweiter Band, vol. 2 (Jena: Hermann Pohle, 1903), p. 253.

ويُنظر أيضًا:

Tyler Burge, “Frege on Extensions of Concepts, from 1884 to 1903,“ The Philosophical Review, vol. 93, no. 1 (1984), pp. 3-5.

[14] Gottlob Frege, “Function and Concept,” Peter Geach (trans.), in: Peter Geach & Max Black (eds.), Translations from the Philosophical Writings of Gottlob Frege (Oxford: Basil Blackwell, 1952), pp. 131-148.

[15] Gottlob Frege, “On Sense and Reference,” Max Black (trans.), in: Peter Geach & Max Black (eds.), Translations from the Philosophical Writings of Gottlob Frege (Oxford: Basil Blackwell, 1952).

ويُنظر أيضًا:

Gottlob Frege, “On Sense and Reference,” Philosophical Review, Max Black (trans.), vol. 57, no. 3 (1948), pp. 209-230.

[16] Gottlob Frege, “On Concept and Object,” Mind, P. T. Geach & Max Black (trans.), vol. 60, no. 238 (1951), pp. 168-180.

[17] يُنظر: فهمي جدعان [وآخرون]، حصاد القرن: المنجزات العلمية والإنسانية في القرن العشرين (عمّان: مؤسسة عبد الحميد شومان؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007)، ص 563.

[18] أراد فريغه من وراء هذا الكتاب تحقيق أمنية، بل طموح كان يبتغيه الفيلسوف لايبنتز من قبله، وهو أن يتمكن الإنسان في يوم من الأيام من أن يكتب أفكاره المجردة بلغة رياضية، فإذا وقع جدال حول أمر ما، كان القول الفصل بينهما هو شيء مشابه للحساب الرياضي وليس مجرد نقاش. يُنظر:

Tapio Korte,“Frege’s Begriffsschrift as a lingua characteristica,” Synthese, vol. 174, no. 2 (2010), p. 283.

كما يُنظر أيضًا: زكي نجيب محمود، نحو فلسفة علمية (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2022)، ص 58.

[19] يُنظر: الأخضر قريسي، مدخل إلى المنطق الرياضي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025)، ص 20.

[20] ياسين خليل، "نظرية جوتلوب فريغه المنطقية: المنطق واللغة"، مجلة كلية الآداب - جامعة بغداد، العدد 7 (نيسان/ أبريل 1964)، ص 332-335.

[21] José Ferreirós, Labyrinth of Thought: A History of Set Theory and Its Role in Modern Mathematics, 2nd ed. (Basel: Birkhäuser, 2007), pp. 306-309.

[22] النزعة النفسانية (Psychologism)، هي ردّ أصول المعرفة بصورة عامة - حتى في مجالات دقيقة كالمنطق والرياضيات – إلى التفسيرات النفسية، وهي بذلك تُناقض النزعة المنطقية (Logicism) التي تردّ المعرفة إلى مبادئ عقلية صورية مستقلة، وإذا كانت المنطقية قد حصرت مشروعها في بعض فروع الرياضيات، فإن النفسانية تمتد إلى التاريخ، والسياسة، والأخلاق، واللغة. وبناء عليه، يتضح أن الصراع بين النفسانية والمنطقية هو بين عقلين: عقل يُؤمن بأن الفكر يُقاس بموضوعيته، وآخر يُرده إلى بنيته النفسية. يُنظر:

Martin Kusch, “Psychologism,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 22/02/2024, accessed on 23/11/2025, at: https://plato.stanford.edu/entries/psychologism

[23] Gottlob Frege, “The Thought: A Logical Inquiry ,” Mind, vol. 65, no. 259 (1956), pp. 289-290.

ويُنظر أيضًا:

Daniele Mezzadri, “Logic, Thinking and Language in Frege,” Paradigmi. Rivista di Critica Filosofica, vol. 3, no. 3 (2017), pp. 165-166.

[24] Gottlob Frege, “The Thought: A Logical Inquiry,” in: Brian McGuinness (ed.), Collected Papers on Mathematics, Logic, and Philosophy (Oxford: Basil Blackwell, 1984), p. 351.

[25] Ibid., pp. 167-168.

[26] Gottlob Frege, “Notes for Ludwig Darmstaedter,” in: Hans Hermes, Friedrich Kambartel & Friedrich Kaulbach (eds.), Posthumous Writings, Peter Long & Roger White (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 1979), p. 253.

ويُنظر أيضًا:

Richard Heck & Robert May, “Frege’s Contribution to Philosophy of Language,” in: Ernest Lepore & Barry Smith (eds.), The Oxford Handbook of Philosophy of Language (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 3-4.

[27] تتوفر ترجمة عربية لجزء من مقال فريغه، أعدها صلاح عثمان ونشرها ضميمة ملحقية لمقاله، يُنظر: صلاح عثمان، "جوتلوب فريغه: في المعنى والإشارة، قراءة وترجمة وتعليق"، مجلة سياقات اللغة والدراسات البينية، مج 1، العدد 3 (آب/ أغسطس 2016)، ص 277-297.

[28] في البداية، اعتبر فريغه أن مرجع الجملة هو "محتوى قابل للحكم"، لكنه بين عامي 1884 و1893، غيّر رأيه مُعتبرًا أن مرجع الجملة هو قيمة: "الصدق أو الكذب"، وبهذا توصل إلى فصله الشهير بين "المعنى" و"الدلالة المرجعية" في معظم التعبيرات. يُنظر:

Karen Green, Dummett, Philosophy of Language (Cambridge: Polity Press in Association with Blackwell Publishers Ltd., 2001), p. 14.

[29] Ibid., pp. 6-21.

[30] Ibid., pp. 22- 32.

[31] محمد الشقيف، منطق الغموض: من نظرية الحد إلى المنطق الغائم (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)، ص 53.

[32] مفاد هذه النظرية أن الحقيقة تُعرَّف سيمانطيقيًا في اللغات الصورية عن طريق ربط الجمل بالواقع باستعمال لغة أعلى (Metalangage)، وهو ما يضمن الدقة ويجنب الوقوع في المفارقات المنطقية، ومثال ذلك: الجملة "السماء زرقاء" تكون صادقة، إذا وفقط كانت السماء زرقاء فعلًا. للاطلاع بالتفصيل على نظرية تارسكي؛ يُنظر:

Alfred Tarski, “The Semantic Conception of Truth and the Foundations of Semantics,” Philosophy and Phenomenological Research, vol. 4, no. 3 (1944), pp. 341-376.

[33] Heck & May, pp. 42-44.

[34] يُنظر:

Suzanne Bobzien, “Frege Plagiarized the Stoics,” in: Fiona Leigh (ed.), Themes in Plato, Aristotle, and Hellenistic Philosophy: Keeling Lectures 2011-18 (London: University of London Press, 2021), pp. 149-219.

[35] للاطلاع، يُنظر: أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق وتقديم علي بو ملحِم (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1994)، ص 27-29.

[36] يُنظر: أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، ص 185–186.

[37] يُنظر: أبو الفتح عثمان ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، ج 3، ط 4 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ]د. ت[ )، ص 216.

[38] للاطلاع والتعمق أكثر يُنظر مثلًا: سعد الدين التفتازاني، متن تهذيب المنطق والكلام، تحقيق عبد القادر معروف الكردي السنندجي و]آخرون[ (القاهرة: مكتبة السعادة، 1330هـ/1912م)، ص 9-14.

[39] Tyler Burge, “Gottlob Frege: Some Forms of Influence,” in: Michael Beaney (ed.), The Oxford Handbook of the History of Analytic Philosophy (Oxford: Oxford University Press, 2013), p. 356.

[40] Ibid., pp. 364-365.

[41] Kevin C. Klement, “Peano, Frege, and Russell’s Logical Influences,” PhilArchive, 17/6/2023, pp. 21-22, at: https://acr.ps/1L9BOTc

[42] Bertrand Russell, “Letter to Frege (16 June 1902),” in: Jean van Heijenoort (ed.), From Frege to Gödel: A Source Book in Mathematical Logic, 1879-1931 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1967), pp. 124-125.

[43] Frege, The Foundations of Arithmetic, p. xxii.

[44] Erich Reck, “Frege’s Influence on Wittgenstein: Reversing Metaphysics via the Context Principle,” in: Michael Beaney & Erich Reck (ed.), Gottlob Frege: Critical Assessments of Leading Philosophers, vol. 1 (London/ New York: Routledge, 2005), p. 241.

[45] Ibid., p. 242.

[46] للتعمق أكثر في مسألة تأثير فريغه في فلسفة كرناب، يُنظر:

Gregory Lavers, “Frege, Carnap, and Explication: ‘Our Concern Here Is to Arrive at a Concept of Number Usable for the Purpose of Science’,” History and Philosophy of Logic, vol. 34, no. 3 (2013), pp. 225-241.

[47] Jan Dejnožka, “Dummett’s Backward R،oad to Frege and to Intuitionism,” in: Randall Auxier & Lewis Hahn (eds.), The Philosophy of Michael Dummett (La Salle, IL: Open Court, 2007), pp. 91-92.




المحتويات

الهوامش