اتحاد الجنوب العربي (Federation of South Arabia) هو كيان سياسي اتحادي أو دولة فدرالية، بدأت بريطانيا التفكير في تأسيسه أثناء الحرب العالمية الثانية، لتتوحد في إطاره مشيخات وإمارات وسلطنات جنوب اليمن التي كانت ترتبط بها بمعاهدات حماية، ومدينة عدن (مستعمرة عدن) التي كانت تحتلها، في إطار السياسة الجديدة للحكومة البريطانية تجاه المستعمرات، التي تقوم على توجيه المستعمرات نحو الحكم الذاتي ضمن الكومنولث البريطاني. وفي عام 1952 طرحت إدارة المستعمرات البريطانية اقتراح قيام اتحاد فدرالي في محميات عدن الشرقية، واتحاد فدرالي آخر في محميات عدن الغربية، وتوحيدهما في دولة اتحادية تسمى دولة الجنوب العربي، وبقاء مستعمرة عدن مستقلة عن هذه الدولة الاتحادية. غير أن هذا المقترح لم يجد قبولًا لدى حكّام المحميات الشرقية، وخاصة حكّام السلطنتين القعيطية والكثيرية في حضرموت، كذلك لدى حكّام سلطنات ومشيخات الواحدي. وفي مطلع عام 1954 تخلت الإدارة الاستعمارية عن هذا المشروع، وطرح الحاكم البريطاني لمستعمرة عدن مقترحًا بقيام اتحاد فدرالي لمحميات عدن الغربية فقط، يمكن أن تنضم إليه وفق وضع خاص متميز. وقد أُعلن عن قيام هذا الاتحاد في شباط/ فبراير 1959 باسم اتحاد إمارات الجنوب العربي، وضم ست محميات من محميات عدن الغربية، هي: سلطنة العواذل، وسلطنة الفضلي، وسلطنة يافع السفلى، وإمارة بيحان، وإمارة الضالع، ومشيخة العوالق العليا.
وفي أيلول/ سبتمبر 1962 وافق المجلس التشريعي لمستعمرة عدن على انضمام عدن للاتحاد، تلى ذلك موافقة مجلس العموم البريطاني. وقد انضمت عدن إلى الاتحاد في 18 كانون الثاني/ يناير 1963 باسم ولاية عدن، وليس "مستعمرة عدن"، وتغيّر اسم الاتحاد من اتحاد إمارات الجنوب العربي إلى اتحاد الجنوب العربي. وفي آذار/ مارس 1963 بلغ عدد الكيانات المنضوية في الاتحاد 11 كيانًا سياسيًا، إذ انضمت إليه سلطنة العوالق السفلى، ومشيخة العقربي، وولاية دثينة أو جمهورية دثينة. وفي مرحلة لاحقة بلغ عدد الكيانات السياسية/ الاجتماعية الأعضاء فيه 17 كيانًا. وفي 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 (يوم الاستقلال) أعلنت القيادة العامة للجبهة القومية القرار رقم 1 الذي نصّت الفقرة الأولى منه على أن المنطقة التي كانت تعرف في السابق باسم عدن ومحمياتها الشرقية والغربية وكل الجزر التابعة لها، تعدّ منطقة واحدة وتسمى جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، وهو القرار الذي أنهى اتحاد الجنوب العربي.
جنوب اليمن في ظل الاحتلال البريطاني
احتلت بريطانيا مدينة عدن في 19 كانون ثاني/ يناير 1839، وأطلقت عليها تسمية مستوطنة عدن (Aden Settlement)، وألحقتها بمستعمرة الهند. وفي 6 ربيع الثاني 1255هـ، الموافق 18 حزيران/ يونيو 1839، عقدت معاهدة صداقة وحماية مع السلطان محسن بن فضل العبدلي، سلطان سلطنة لحج، يضمن فيها أمن الرعايا البريطانيين وسلامتهم في المناطق الخاضعة لسلطته، في مقابل أن تدفع له الحكومة البريطانية مبلغ 6500 ريال (ماريا تريزا) سنويًا، مع حماية سلطنته من أي عدوان خارجي. وفي الرابع من شباط/ فبراير 1840، عقدت السلطة الاستعمارية معاهدة صداقة وحماية مع شيخ قبيلة العقارب (في منطقة بير أحمد بمديرية البريقة، محافظة عدن حاليًا)، ولم تهتمَّ بمناطق جنوب اليمن الداخلية. وفي مرحلة لاحقة، اشترت من سلطان لحج منطقة خور مكسر، ومنطقة الشيخ عثمان، ومن ثم، أصبحت المناطق الخاضعة رسميًا للاستعمار البريطاني تشمل مساحة سبع مديريات من مديريات محافظة عدن الحالية، هي: صيرة، وخور مكسر، والمعلا، والتواهي، والشيخ عثمان، والبريقة، وأجزاء من مديرية المنصورة. أما مديرية دار سعد، فكانت تتبع سلطنة لحج. أما المشيخات والإمارات والسلطنات خارج مدينة عدن، فقد أبقتها الإدارة الاستعمارية تحت سلطة حكامها المحليين، وارتبطت بهم بمعاهدات حماية، واستخدمت تسمية محميات للإشارة إليها في الوثائق الرسمية، وصنفتها في فئتين: المحميات الغربية التي تقع في محافظات لحج والضالع وأبين؛ والمحميات الشرقية في محافظات شبوة وحضرموت والمهرة، حسب التقسيم الإداري. دوافع تأسيس الاتحاد.
بدأت الإدارة الاستعمارية في التفكير في تأسيس الاتحاد خلال الحرب العالمية الثانية، مدفوعةً بحالة الضعف وشبه الإفلاس التي كان يُعانيها الاقتصاد البريطاني. وتعزَّزت رغبتها في ذلك بعد قيام الثورة المصرية في 23 تموز/ يوليو 1952، وما تلاها من انتشار الأفكار التحرّرية والفكر القومي في مختلف الدول العربية[1]، والانتفاضات الفلاحية التي شهدتها إمارات جنوب اليمن ومشيخاته وسلطناته، الذي يقع تحت الحماية البريطانية، مع تشكّل الأحزاب السياسية بمختلف توجُّهاتها القومية والاشتراكية والوطنية في اليمن عمومًا.
مراحل تطوّره
بعد الحرب العالمية الأولى، سمحت الإدارة الاستعمارية في عدن بتأسيس جمعيات ذات توجُّهات وأهداف سياسية. وفي عام 1937، فُكَّ ارتباط مستوطنة عدن بمستعمرة الهند، وتحوّل اسمها من مستوطنة عدن إلى مستعمرة عدن، وباتت مستعمرةَ تاجٍ (Crown Colony) تتبع لإدارة المستعمرات في العاصمة البريطانية لندن مباشرةً. أما المشيخات والإمارات والسلطنات التي حكمها حكام محليون في جنوب اليمن، فقد وقعت السلطة الاستعمارية في مدينة عدن معها معاهدات حماية.
مرحلة طرح المشروع
في تموز/ يوليو 1943، قال وزير المستعمرات البريطانية، أوليڤر ستانلي (Oliver Stanley، 1869-1950)، إن سياسة الإدارة البريطانية تجاه المستعمرات تقوم على توجيهها نحو الحكم الذاتي ضمن الكومنولث البريطاني، وهو ما أعاد التأكيد عليه في تموز/ يوليو 1946، خلفُه آرثر كريتش جونز (Arthur Creech Jones، 1891-1964). يأتي هذا التغيُّر في السياسة الاستعمارية البريطانية، في ظل حالة شبه الإفلاس التي كانت تعيشها بريطانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية.
أصدرت إدارة المستعمرات البريطانية (Colonial Office) عام 1948، وثيقةً جاء فيها: "أن هدف السياسة الاستعمارية البريطانية هو دفع أو توجيه الأقاليم المستعمرَة إلى تأسيس حُكم ذاتي مسؤول (Responsible Self-government)، في إطار الكومنولث البريطاني[2]. وفي عام 1952، طُرِح أوّل اقتراح بريطاني لتأسيس اتحاد فدرالي في الجنوب العربي - كما سُمِّي حينئذ - يقوم على الأفكار الآتية: قيام اتحادَيْن في المحميات الشرقية والمحميات الغربية؛ وتوحيدهما في دولة فدرالية واحدة باسم دولة الجنوب العربي؛ وبقاء مستعمرة عدن مستقلةً عن هذه الدولة الاتحادية[3]. جاء اقتراح السير جيرالد كينيدي تريڤاسكس (Gerald Kennedy Trevaskis 1915-1990) بتأسيس دولتَيْن فدراليّتَيْن بسبب التفاوت في مستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي بين المحميّتَيْن الغربية والشرقية، فالشرقية أكثر تطورًا إداريًا واجتماعيًا، وسيكون من الصعب جمعها في دولة فدرالية واحدة[4]. وفي كانون الثاني/ يناير 1954، أصدر حاكم مستعمرة عدن، توم هيكينبوثام (Tom Hickinbotham)، ما سُمِّي بالكتاب الأبيض، الذي اقترح فيه إقامة اتحاد فدرالي لتوحيد محميات عدن الغربية، ويمكن لمستعمرة عدن الانضمام إليه وفق وضع خاص متميز. ودعا حُكّام المحميات الغربية إلى اجتماع لمناقشة المشروع[5].
إعلان قيامه
في 11 شباط/ فبراير 1959، أُعلِن رسميًا عن قيام اتحاد إمارات الجنوب العربي (Federation of Arab Emirates of South). وضَمّ الاتحاد ستة كيانات سياسية/ قبلية؛ منها ثلاث سلطنات، هي: سلطنة العواذل (مركزها بلدة زارة في مديرية لودر بمحافظة أبين حاليًا)، وسلطنة الفضلي (مركزها بلدة شقرة ثم بلدة زنجبار بمديرية خنفر في محافظة أبين حاليًا)، وسلطنة يافع السُّفلى (مركزها بلدة جعار في مديرية خنفر بمحافظة أبين حاليًا)؛ وإمارتان، هما: إمارة بيحان (مركزها بيحان القصاب، مركز مديرية بيحان في محافظة شبوة حاليًا)، وإمارة الضالع (مركزها بلدة الضالع، وحاليًا مدينة الضالع عاصمة محافظة الضالع)؛ ومشيخة واحدة، هي مشيخة العوالق العليا (مركزها بلدة الصعيد، مركز مديرية الصعيد بمحافظة شبوة حاليًا).
مجموعة من الأشخاص يرفعون علم ولاية عدن أمام مبنى اتحاد الجنوب العربي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تضمَّن دستور اتحاد إمارات الجنوب العربي، الذي صِيغ عام 1959، الملامحَ العامّةَ لطبيعة الدولة الاتحادية ونظامها السياسي، ويمكن إجمالها في النقاط الأربع الآتية[6]:
- قيام الاتحاد على نظام ملكي، يجمع أمراء الإمارات عبره السلطات التشريعية والتنفيذية في أيديهم.
- تشكيل اتحاد اقتصادي متكامل، تُلغَى فيه الحواجز الجمركية بين الإمارات.
- الاتحاد حلف عسكري للدفاع عن استقلال الإمارات الأعضاء فيه.
- الاتحاد تحالف مفتوح، يمكن لأي دولة من دول الجزيرة العربية الانضمام إليه إذا شاءت.
ضمّ عدن إليه
طُرِحت فكرة انضمام مستعمرة عدن إلى الاتحاد على المجلس التشريعي لمستعمرة عدن، وصُوِّت عليها في أيلول/ سبتمبر 1962، فوافق على الانضمام 15 عضوًا، مع رفض 8 أعضاء. وفي مجلس العموم البريطاني، وافق على الانضمام 253 عضوًا، مقابل معارضة 181 عضوًا طالبوا بإجراء استفتاء شعبي على الانضمام في عدن[7]. وقد انضمَّت عدن إلى الاتحاد في 18 كانون الثاني/ يناير 1963 باسم ولاية عدن (State of Aden)، وليس باسم مستعمرة عدن.
اتحاد الجنوب العربي
عند انضمام عدن إلى الاتحاد، تغيَّر اسمه من اتحاد إمارات الجنوب العربي إلى اتحاد الجنوب العربي (Federation of South Arabia)، وحُوِّل اسم مستعمرة عدن إلى State of Aden، وترجمتها العربية: ولاية عدن، كما هي الحال في ترجمة الولايات المتحدة الأميركية (United States of America). وبلغ عدد الكيانات السياسية المُنضوية في الاتحاد في آذار/ مارس 1963، أحد عشر كيانًا[8]، فعلاوة على الكيانات الستة التي انضمَّت عام 1959 (سلطنة العواذل، وسلطنة الفضلي، وسلطنة يافع السفلى، وإمارة بيحان، وإمارة الضالع، ومشيخة العوالق العليا)، ومستعمرة عدن التي انضمَّت مطلع عام 1963، فقد انضمَّت إليه ما بين عامَي 1959 و1963 أربعة كيانات أخرى، هي: سلطنة العوالق السُّفلى، ومشيخة العقربي، وولاية دثينة أو جمهورية دثينة[9]، وسلطنة الواحدي. وعند اكتمال تأسيس الاتحاد، بلغ عدد الكيانات السياسية/ الاجتماعية الأعضاء فيه 17 كيانًا[10]، وظلَّ علم اتحاد إمارات الجنوب العربي، الذي صُمِّم عام 1959، هو نفسه علم اتحاد الجنوب العربي[11].
وعلى الرغم من أن اتحاد الجنوب العربي اتَّخذ شكل الدولة الاتحادية، وأسَّس مؤسسات دولة، كالحكومة (تضم وزارة خارجية) والمجلس الوطني والمحكمة الدستورية والجيش والشرطة، فإنه لم يحصل على اعتراف دولي، فلم تعترف به الجامعة العربية ولا الأمم المتحدة، لأنه كان محمية بريطانية، وكانت شؤونه الخارجية جميعها (حسب دستوره) من اختصاص المملكة المتحدة[12].
صورة علم اتحاد الجنوب العربي
صورة علم ولاية عدن
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مواقف القوى الاجتماعية والسياسية في عدن تجاهه
كانت مستعمرة عدن مدينةً كزموبوليتانية (Cosmopolitan City) متعددةَ الأعراق والإثنيات، يتوزَّع سُكّانها على ثماني طوائف رئيسة، هي: العرب اليمنيون، والعرب من أقطار أخرى، والبريطانيون، والأوروبيون، والفرس، والصوماليون، والهنود، واليهود. وخلال أربعينيات القرن العشرين، عندما بدأت الإدارة الاستعمارية في طرح فكرة تأسيس اتحاد الجنوب العربي، والترويج لها، بدأت النُّخب العدنية في تشكيل المُنظَّمات السياسية (قبل أن تُشكِّل أحزابًا سياسية في مطلع ستينيات القرن العشرين) وإصدار الصحف، للتعبير عن توجُّهاتها نحو تأسيس اتحاد الجنوب العربي وانضمام عدن إليه.
منذ طرح فكرة الاتحاد، تشكَّلت خمسة اتجاهات رئيسة تجاه المشروع: الأول اتّجاه رافض لانضمام عدن إليه؛ والثاني يتماهى مع توجهات الإدارة الاستعمارية؛ والثالث يتبنّى فكرة وحدة الجنوب من منظور إسلامي؛ والرابع يتبنّى فكرة استقلال الجنوب العربي؛ والخامس يتبنّى فكرة استقلال جنوب اليمن وتوحُّده مع الشمال.
اتجاه رافض لانضمام عدن
عندما طُرِحت فكرة انضمام مستعمرة عدن إلى اتحاد الجنوب العربي، تبنَّت معظم النُّخب المنتمية إلى البرجوازية والطبقة الوسطى العدنية، من اليمنيين والمهاجرين العرب وغير العرب المقيمين في مستعمرة عدن، موقفًا مُعارِضًا للانضمام، ورفعوا شعار: "عدن للعدنيين"، تعبيرًا عن رفضهم انخراطها في أي كيان سياسي جنوبي أو يمني. وقد نظَّمت هذه النُّخب نفسها في الجمعية العدنية، وأعلنت عن تأسيسها في 27 نيسان/ أبريل 1949[13]. وكانت إلى جانب معارضتها انضمام عدن إلى الاتحاد، تُطالِب بمنحها حكمًا ذاتيًا، وانضمامها إلى رابطة دول الكومنولث البريطاني (Commonwealth of Nations)، وعدم انضمامها إلى اتحاد إمارات الجنوب العربي، أو دخولها في أي شكل من أشكال الوحدة مع أي كيان سياسي في جنوب اليمن وشماله.
اتجاه مُتماهٍ مع توجُّهات الإدارة الاستعمارية
بعد الإعلان عن تأسيس الاتحاد عام 1959، برز اتجاهان داخل الجمعية العدنية: الأول ظلّ متمسّكًا برفض انضمام عدن إليه؛ بينما تنازل الآخر عن فكرة استقلالها عنه، وتماهى مع توجُّهات الإدارة الاستعمارية الساعية إلى الضمّ. وعند السماح بتشكيل الأحزاب عام 1960، شكَّل بعض قادة الجمعية العدنية حزبَيْن يُعبِّران عن هذيْن التوجُّهَيْن: الأول هو حزب المؤتمر الدستوري الشعبي، الذي أُعلِن عن تأسيسه في 20 أيار/ مايو 1961، وشغل محمد علي لقمان منصب الأمين العام فيه، وحسن بن حسن أغبري وصالح لقمان مساعدَيْن له، وقد استمرَّ في الدفاع عن مشروع الجمعية العدنية المعارض انضمام عدن إلى اتحاد إمارات الجنوب العربي؛ أما الحزب الآخر، فهو الحزب الوطني الاتحادي، الذي تأسَّس في كانون الثاني/ يناير 1961، برئاسة حسن علي بيومي، وقد تماهت توجُّهاته مع توجُّهات الإدارة الاستعمارية، وتولّى رئيسه رئاسة الحكومة فيما بعد[14].
اتجاه مُطالِب بانضمام عدن
أُعلِن عن تأسيس الجمعية الإسلامية برئاسة محمد عبد الله المحامي{{محمد عبد الله المحامي: ترجع أصوله إلى مدينة سيال كوت (Siyal Kot) الهندية (الباكستانية بعد انفصال الباكستان عن الهند في آب/ أغسطس 1947)، وكان قد قَدِم إلى مدينة عدن عام 1928. وفي شباط/ فبراير عام 1944، أسَّس في عدن جمعية باسم "الجمعية الهندية الإسلامية"، وظلَّ رئيسًا لها حتى الأول من كانون الثاني/ يناير 1949، عندما أعلن عن حلِّها وتأسيس الجمعية الإسلامية، التي ظلَّ رئيسًا لها حتى وفاته عام 1951.}} في الأول من كانون الثاني/ يناير 1949، وقد وجد أبناء بعض المحميات الشرقية والغربية، ولا سيما من ذوي التوجُّهات الدينية (الإسلامية) في الجمعية الإسلامية، آليّةً تنظيميةً لمواجهة مشروع الحكم الذاتي لمدينة عدن وانضمامها إلى رابطة دول الكومنولث البريطاني، الذي تتبنّاه الجمعية العدنية. وقد عبَّر محمد علي الجفري (قبل أن يُؤسس رابطة أبناء الجنوب) عن موقف الجمعية الإسلامية الرافض لبقاء عدن خارج اتحاد الجنوب، قائلًا: "نحن أبناء جنوب الجزيرة [يقصد الجزيرة العربية] سواء أبناء الإمارات التسع أو حضرموت أو أبناء عدن الحقيقيين المخلصين، لا يمكننا بحال من الأحوال أن نسمح بانتشار فكرة عدن المستقلة، والمنفصلة عن تلك الإدارات وحضرموت. إن هذا الجنوب المُكوَّن من عدن والإدارات التسع وحضرموت، يجب أن يكون وحدة متحدة لا تنفصل. إن التاريخ الطويل وجغرافية البلاد والمصالح المشتركة والاقتصاديات والدين، تدعونا إلى ذلك، وتحدونا للمحافظة على هذه الصلات وتقويتها"[15].
موقف رافض لطابعه الفدرالي
تبنّت رابطة أبناء الجنوب موقفًا مؤيدًا لقيام اتحاد بين إمارات الجنوب، لكن رؤيتها لطبيعة الاتحاد كانت مختلفة عن رؤية الإدارة الاستعمارية، التي خطَّطت لإقامة اتحاد فدرالي لإمارات الجنوب وسلطناته ومشيخاته. كانت الرابطة ترغب في تأسيس دولة جنوبية مركزية حديثة، عوض الاتحاد الفدرالي الذي من شأنه إدامة سلطات النُّخب القبلية. وقد عبَّرت الرابطة عن مواقفها تجاه اتحاد الجنوب العربي من خلال صحيفة الجنوب العربي، التي أسَّسها في مدينة عدن أحمد عمر بافقيه، وصدر العدد الأول منها في 28 أيلول/ سبتمبر 1954. وعلى الرغم من أن رابطة أبناء الجنوب لم تُشِر إلى هُوية الجنوب في تسميتها، فإن الصحيفة حدَّدت هُوية الجنوب بـ"العربي"، وليس اليمني، في توجه يبدو أنه يتماشى مع توجُّهات الإدارة الاستعمارية في عدن. إلا أن الرابطة تبنّت توجُّهات لا تتطابق مع الأفكار التي طرحتها الإدارة الاستعمارية بشأن الاتحاد، إذ إن الرابطة ترى أنها لا تُحقّق طموحات شعب الجنوب، ولا سيادة العرب على بلادهم. وقد طالبت بإنهاء الاستعمار البريطاني للجنوب (عدن والمحميات)، وتوحيد الكيانات السياسية/ الاجتماعية الجنوبية (البالغ عددها آنذاك 23 سلطنة ومشيخة وإمارة) في دولة مركزية ذات سيادة، يتولّى شعبها السلطة فيها، من خلال انتخاب مجلس تأسيسي، وانتخابات حُرّة مباشرة لحكومتها[16].
موقف رافض للاتحاد ومُطالِب باستقلال الجنوب وتوحُّده مع الشمال
تبنَّت هذا التوجُّهَ حركةُ القوميين العرب، التي تأسَّست في اليمن عام 1959، وهو العام الذي أُسِّس فيه اتحاد إمارات الجنوب العربي. وقد أصدرت في العام نفسه كتابًا مهمًا في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية وتاريخ حركة القوميين العرب نفسها عمومًا، بعنوان اتحاد الإمارات المزيف، ويبدو أن الذي كتبه هو قحطان محمد الشعبي، أبرز مؤسّسي رابطة الجنوب العربي، وأبرز مؤسّسي حركة القوميين العرب فيما بعد[17]. و"لا تصدر أهمية هذه الوثيقة عن إدانة اتحاد الإمارات، بقدر ما تصدر عن انطلاقها من مبدأ وحدة اليمن الطبيعية، وتحرّره في إطار الوحدة العربية"[18].
ظلَّت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المُحتلّ، التي أعلنت الكفاح المسلح ضد الاستعمار، وأشعلت شرارة ثورة 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1963، التي يمكن عَدّها بشكل أو بآخر امتدادًا مُسلَّحًا لحركة القوميين العرب، ظلت متمسّكةً بهذا الموقف، ليس فقط بسبب أن الاتحاد مؤسسة استعمارية، وأن الأمراء والشيوخ والسلاطين أذرع له، بل أيضًا لأنهم قوة اجتماعية وسياسية متخلّفة، تُعيق تطوّر البلاد وتنميتها.
مؤسساته
أُسِّس اتحاد الجنوب العربي فيما عُرِف بمدينة الاتحاد، التي سُمّيت بعد الاستقلال مدينة الشعب. وتكوّن الاتحاد من عدد من المؤسسات، هي:
المجلس الاتحادي (المجلس التشريعي)
تكوّن من ستة ممثّلين عن كل كيان سياسي (ولاية حسب التسمية الرسمية) من الكيانات السياسية التي انضمَّت إلى الاتحاد، باستثناء مشيخة العقارب التي مُثِّلت بممثل واحد في المجلس الاتحادي. ومُنِحت ولاية عدن امتيازًا خاصًا، إذ مُثِّلت بأربعة وعشرين ممثلًا في المجلس[19]، من إجماليّ عدد مُمثّلي ولايات الاتحاد البالغ عددهم 94 نائبًا[20].
المجلس الأعلى (مجلس الوزراء)
تشكَّل من مُمثّل (وزير) واحد لكل كيان من الكيانات السياسية الأعضاء في الاتحاد، سواء التي أسَّست الاتحاد، أم التي انضمَّت إليه لاحقًا، باستثناء ولاية عدن التي مُنِحت امتيازًا تمثَّل في منحها أربع حقائب في حكومة الاتحاد (المجلس الأعلى)[21]، بما في ذلك رئاسة الحكومة. ومنذ تشكيل الاتحاد عام 1963، وحتى إعلان الاستقلال في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، تشكَّلت خمس حكومات: الأولى برئاسة حسن علي بيومي (18 كانون الثاني/ يناير 1963 - 24 حزيران/ يونيو 1963)؛ والثانية برئاسة زين عبده باهارون (9 تموز/ يوليو 1963 - 23 كانون الثاني/ يناير 1965)؛ والثالثة برئاسة عبد القوي مكاوي (7 آذار/ مارس 1965 - 25 أيلول/ سبتمبر 1965)؛ والرابعة برئاسة علي موسى البابكر (25 أيلول/ سبتمبر 1965 - 30 آب/ أغسطس 1966)؛ والخامسة برئاسة صالح العوذلي (30 آب/ أغسطس 1966 - 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967).
الجيش
"عام 1918، قامت السلطات البريطانية في عدن بإنشاء أول جيش نظامي محلي إلى جانب قُوّات الاحتلال البريطانية، تحت مُسمّى جيش محميات عدن (جيش الليوي). قوامه من أبناء قبائل محميات عدن الغربية، بتمويل وتدريب وتوجيه وقيادة بريطانية. وكان مقرّ قيادته [...] في الشيخ عثمان، لغرض قمع الانتفاضات ضد الاستعمار البريطاني، ومواجهة قُوّات الإمام في الشمال"[22].
بعد تأسيس اتحاد الجنوب العربي في 18 كانون الثاني/ يناير 1963، حُوِّل اسم جيش الليوي إلى جيش الاتحاد النظامي، وأصبح يتبع لوزارة الدفاع في حكومة الاتحاد. "وتُبيّن الميزانية الاتحادية لعام 1964/ 1965، أن أفراد الجيش قد بلغوا 189 ضابطًا، و4075 جنديًا، و132 ولدًا، و250 من الأتباع المجندين، و21 مدنيًا"[23].
الانهيار
ابتداءً من يوم 12 آب/ أغسطس 1967، شرعت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتلّ في إسقاط الكيانات السياسية/ الاجتماعية الجنوبية، سواء المنخرطة في اتحاد الجنوب العربي، أم غير المنخرطة فيه. وفي يوم إعلان الاستقلال (30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967)، كانت قد أسقطت المشيخات والإمارات والسلطنات جميعها في جنوب اليمن؛ فأسقطت مشيخة المفلحي يوم 12 آب/ أغسطس؛ ويوم 13 من الشهر نفسه، أسقطت سلطنة لحج وولاية دثينة؛ ويوم 27 أسقطت سلطنة العواذل؛ ويوم 28، أسقطت سلطنة الفضلي وسلطنة يافع السفلى وسلطنة يافع العليا. وفي 2 أيلول/ سبتمبر، أسقطت مشيخة العقربي وسلطنة العوالق السفلى. وفي 27 تشرين الأول/ أكتوبر، أسقطت مشيخة العوالق العليا، ثم أسقطت سلطنة العوالق العليا في يوم 29 من الشهر نفسه. ويوم الاستقلال، أسقطت جزيرة سقطرى[24].
المراجع
العربية
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. "تلخيص وعرض كتاب: حركة القوميين العرب (النشأة-التطور-المصائر) تأليف: محمد جمال باروت". أيار/ مايو 2007. في: https://acr.ps/1L9BPHA
الحبشي، محمد عمر. اليمن الجنوبي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا: منذ 1937 حتى قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. ترجمة إلياس فرح وخليل أحمد خليل. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1968.
السالمي، محمود. "اتحاد الجنوب العربي: محاولة توحيد المحميات البريطانية (1945-1967)". موقع اليوم الثامن للإعلام والدراسات. 12/7/2024. في: https://acr.ps/1L9BPQK
صالح، وليد عبد الباري قاسم. "الجنوب العربي: الاستعمار، الثورة والاستقلال". مركز عدن للدراسات التاريخية. في: https://acr.ps/1L9BOZP
عفيف، أحمد جابر (مشرف). الموسوعة اليمنية. ط 2. صنعاء: مؤسسة العفيف الثقافية، 2003.
عفيف، عبد الخالق. "التنظيمات والأحزاب السياسية في مستعمرة عدن (التأثيرات والانعكاسات) 1949-1967". مجلة بريم. 31/10/2024. في: https://acr.ps/1L9BPtR
مكاوي، عبد القوي. اليمن الجنوبي إلى أين؟التجربة والخطأ والبديل المنشود. القاهرة: دار صوت العروبة، 1987.
ناجي، سلطان. التاريخ العسكري لليمن. [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.].
ناؤومكين، فيتالي. الجبهة القومية في الكفاح من أجل استقلال اليمن الجنوبية والديمقراطية الوطنية. ترجمة سليم توما. موسكو: دار التقدم، 1984.
الأجنبية
David, Lawrence P. “British Administration in the Aden Colony and the Western Aden Protectorate.” Master Dissertation. American University of Beirut. Beirut, 1960.
[1] محمود السالمي، "اتحاد الجنوب العربي: محاولة توحيد المحميات البريطانية (1945-1967)"، اليوم الثامن للإعلام والدراسات، 12/7/2024، شوهد في 27/10/2025، في: https://acr.ps/1L9BPQK
[2] علوي عبد الله طاهر، "ثورة 14 أكتوبر تسقط مشروع الجنوب العربي"، صحيفة 14 أكتوبر، 30/11/2012، شوهد في 27/10/2025، في: https://acr.ps/1L9BPRR
[3] وليد عبد الباري قاسم صالح، "الجنوب العربي: الاستعمار، الثورة والاستقلال"، مركز عدن للدراسات التاريخية، شوهد في 27/10/2025، في: https://acr.ps/1L9BOZP
[4] Lawrence P. David, “British Administration in the Aden Colony and the Western Aden Protectorate,” Master Dissertation, American University of Beirut, Beirut, 1960, p. 133.
[5] طاهر.
[6] محمد عمر الحبشي، اليمن الجنوبي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا: منذ 1937 حتى قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ترجمة إلياس فرح وخليل أحمد خليل (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1968)، ص 58-59.
[7] نجمي عبد المجيد، "انضمام عدن إلى اتحاد الجنوب العربي: الرسائل المتبادلة بين وزراء الاتحاد بعدن ووزير الدولة لشؤون المستعمرات"، الأيام، 6/10/2005، شوهد في 27/10/2025، في: https://acr.ps/1L9BPJ6
[8] المرجع نفسه.
[9] سُمّيت جمهورية لأن السلطة فيها كانت تُتداول بين عدد من العائلات المشيخيّة عبر الانتخاب.
[10] علوي بن سميط، "من اتحاد إمارات الجنوب العربي إلى دولة الجنوب العربي!"، الأيام، 31/5/2021، شوهد في 27/10/2025، في:
https://www.alayyam.info/news/8MEQW4OB-ZH67L0-783C
[11] المرجع نفسه.
[12] المرجع نفسه.
[13] تنبغي الإشارة إلى أن بعض أعيان "الشيخ عثمان" في مستعمرة عدن قد أعلنوا في 26 أيلول/ سبتمبر 1948، عن تأسيس جمعية أهلية باسم الجمعية العدنية، وهي جمعية اجتماعية تهتم بتقديم الخدمات لسكان حي الشيخ عثمان، وأن الجمعية التي أُعلِن عن تأسيسها بالاسم نفسه (الجمعية العدنية) في 27 نيسان/ أبريل 1949، لا علاقة لها بها، ولا تُمثل امتدادًا لها. يُنظر: طاهر.
[14] عبد القوي مكاوي، اليمن الجنوبي إلى أين؟التجربة والخطأ والبديل المنشود (القاهرة: دار صوت العروبة، 1987)، ص 82.
[15]الذكرى، العدد 25، 22/4/1949؛ عبد الخالق عفيف، "التنظيمات والأحزاب السياسية في مستعمرة عدن (التأثيرات والانعكاسات) 1949-1967"، مجلة بريم، 31/10/2024، شوهد في 27/10/2025، في: https://acr.ps/1L9BPtR
[16] المرجع نفسه.
[17] الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، "تلخيص وعرض كتاب: حركة القوميين العرب (النشأة- التطور- المصائر) تأليف: محمد جمال باروت"، أيار/ مايو 2007، ص 22، شوهد في 27/10/2025، في: https://acr.ps/1L9BPHA
[18] المرجع نفسه.
[19] محمد سالم باسندوة، "اتحاد الجنوب العربي"، في: أحمد جابر عفيف (مشرف)، الموسوعة اليمنية، مج 1: أ-ت، ط 2 (صنعاء: مؤسسة العفيف الثقافية، 2003)، ص 97-98.
[20] بن سميط.
[21] المرجع نفسه.
[22] عفيف السيد عبد الله، "جيش الليوي"، عدن الغد، 3/7/2017، شوهد في 27/10/2025، في: https://acr.ps/1L9BOXu
[23] سلطان ناجي، التاريخ العسكري لليمن ([د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.])، ص 366.
[24] فيتالي ناؤومكين، الجبهة القومية في الكفاح من أجل استقلال اليمن الجنوبية والديمقراطية الوطنية، ترجمة سليم توما (موسكو: دار التقدم، 1984)، ص 197-198.