الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، أو اليوراتوم (European Atomic Energy Community, Euratom)، مؤسسة أوروبية أُنشِئت بموجب معاهدات روما عام 1957، لتطوير صناعة نووية أوروبية قوية، مع ضمان أمن الإمدادات الطاقية، ووضع معايير موحّدة للسلامة. وقد أتى إنشاء إطار مشترك للطاقة النووية بالنسبة إلى الأعضاء الستة المؤسسين (فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) ليخدم عدة أهداف، من أهمها: الحدّ من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، وتسهيل الريادة التكنولوجية في مجال ناشئ، وتقاسم العبء المالي للبحوث النووية، وتمكين التنسيق التنظيمي للحماية من الإشعاعات النووية. تُعدّ الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية بذلك إحدى الركائز التأسيسية للتكامل الأوروبي، إلى جانب الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وقد حافظت على وجودها القانوني المتميّز على الرغم من دمج مؤسساتها مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
السياق التاريخي
خريطة توضح أعضاء الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تعدّ الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية إحدى الركائز التأسيسية للتكامل الأوروبي، وقد أُنشِئت إلى جانب الجماعة الاقتصادية الأوروبية (European Economic Community, EEC) بموجب معاهدات روما الموقعة في 25 آذار/ مارس 1957، ودخلت حيّز التنفيذ في مفتتح كانون الثاني/ يناير 1958. وقد أُنشِئت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية في سياقٍ دولي مشجّع للتطبيقات السلمية للطاقة النووية، بهدف تطوير صناعة نووية أوروبية قوية، مع ضمان أمن الإمدادات الطاقية، ووضع معايير موحدة للسلامة. وخلافًا لسابقتها، الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (European Coal and Steel Community, ECSC)، حافظت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية على وجودها القانوني المتميّز طوال عملية تطور التكامل الأوروبي، على الرغم من دمج مؤسساتها مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
فقد ظلّت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية إلى اليوم كيانًا منفصلًا قانونيًّا عن الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أنها تشترك في المؤسسات نفسها، وتضمّ الأعضاء أنفسهم. ويؤكد استمرار وجودها على الأهمية الدائمة للطاقة النووية، وتعقد المشهدين القانوني والسياسي للتكامل الأوروبي.
يندرج إنشاء الوكالة الأوروبية للطاقة الذرية في السياق الجيوسياسي والتكنولوجي لخمسينيات القرن العشرين، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، برزت الطاقة النووية بوصفها رمزًا للتقدم التكنولوجي، ووعدت بإحداث ثورة في إنتاج الطاقة. وقد أكّد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ضعف أوروبا الغربية أمام إمدادات الطاقة التقليدية[1]، ما سرّع الاهتمام بالبدائل النووية. وفي السياق ذاته، أطلقت الولايات المتحدة برنامجها الذرّة من أجل السلام {{الذرة من أجل السلام: مبادرةً أطلقها الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (Dwight D. Eisenhower، 1890-1969) في عام 1953 لتعزيز الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية في جميع أنحاء العالم، مع السعي للحد من انتشار الأسلحة النووية خلال الحرب الباردة.}} (Atoms for Peace) في عام 1953، وعرضت التعاون النووي المدني مع الدول الحليفة[2].
وقد أتى إنشاء إطار مشترك للطاقة النووية بالنسبة إلى الدول الأعضاء الست المؤسسة للوكالة الأوروبية للطاقة الذرية، وهي فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ، ليخدم عدة أهداف في الآن ذاته، من أهمها: الحدّ من الاعتماد على الوقود الأحفوري {{الوقود الأحفوري: مصدر رئيس للطاقة في العالم اليوم، يتكون من بقايا النباتات والحيوانات القديمة المتحلّلة والمدفونة تحت سطح الأرض على مدى ملايين السنين، ويشمل خاصة الفحم، والنفط، والغاز الطبيعي.}} المستورد، وتسهيل الريادة التكنولوجية في مجال ناشئ، وتقاسم العبء المالي الثقيل للبحوث النووية، وتمكين التنسيق التنظيمي للحماية من الإشعاعات النووية. وعلى وجه الخصوص، وجدت فرنسا التي كانت تسعى إلى تنفيذ برنامج نووي مستقل، ضالّتها في الوكالة الأوروبية للطاقة الذرية، بوصفها أداةً لضمان تأثيرها في التنمية النووية الأوروبية، وفي الآن ذاته الحصول على الدعمَيْن التقني والمالي.
وجرى التفاوض على معاهدة الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، بالتوازي مع معاهدة الجماعة الاقتصادية الأوروبية، عن طريق لجنةٍ برئاسة وزير الخارجية البلجيكي بول هنري سباك (Paul-Henri Spaak، 1899-1972)، ووُقِّعت المعاهدتان في وقتٍ واحد في روما عام 1957. ومع ذلك، وفي حين أن الجماعة الاقتصادية الأوروبية كانت تهدف إلى التكامل الاقتصادي العام، فقد ركزت الوكالة الأوروبية للطاقة الذرية حصرًا على تنسيق برامج الطاقة النووية للدول الأعضاء.
وقد صاغ المؤتمر الحكومي الدولي للسوق المشتركة واليوراتوم (Intergovernmental Conference on the Common Market and Euratom)، الذي انعقد في قلعة فال دوتشيس (Château of Val-Duchesse) في بلجيكا عام 1956، العناصر الأساسية للمعاهدة الجديدة. ومن ثم، ركزت الوكالة الأوروبية للطاقة الذرية على التعاون في المجال النووي، واشتركت مع الجماعة الاقتصادية الأوروبية في البرلمان ومحكمة العدل، ولكنها لم تشترك معها في السلطة التنفيذية، وقد أصبحت لها مفوضية ومجلس خاصان بها، بصلاحياتٍ أقلّ من السلطة العليا للجماعة الاقتصادية الأوروبية. وفي 25 آذار/ مارس 1957، وقّع الأعضاء الستة المؤسسون للجماعة الاقتصادية الأوروبية للطاقة الذرية على "معاهدة الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية"، التي أصبحت سارية المفعول في مطلع كانون الثاني/ يناير 1958.
وبتاريخ 29 أيار/ مايو 1958 في بروكسل، و18 حزيران/ يونيو 1958 في واشنطن، وقّعت كلٌّ من الولايات المتحدة والجماعة الاقتصادية الأوروبية للطاقة الذرية اتفاقًا مبدئيًّا بشأن توثيق التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة الذرية. ومنذ عام 2014، شاركت سويسرا في برامج الجماعة الاقتصادية الأوروبية للطاقة الذرية بوصفها دولة منتسِبة.
البنية المؤسّسية والإطار القانوني
أنشأت معاهدة الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية إطارًا قانونيًّا للتعاون في مجال الطاقة النووية، ما يزال إلى اليوم متميزًا عن المعاهدات الأوروبية الأخرى، فقد منحت المعاهدةُ الجماعةَ الأوروبية للطاقة الذرية بعضَ السلطات فوق الوطنية، ومن أهمها: الحق في تعزيز البحث ونشر المعلومات التقنية، ووضع معايير موحدة للسلامة والتحقق من تطبيقها، وتيسير الاستثمار في الطاقة النووية والمشاريع المشتركة، وضمان التوريد عن طريق وكالة توريد متخصصة تتمتع بحقوق حصرية للتعاقد على المواد النووية، والضمانات النووية لضمان عدم تحويل المواد عن الاستخدام المقصود منها، وصلاحيات العلاقات الخارجية للتفاوض بشأن الاتفاقات مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية.
وقد كانت للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية في بدايتها مفوضية ومجلس خاصان بها، بيد أنهما دُمِجا مع مؤسسات الجماعة الاقتصادية الأوروبية المماثلة، بموجب معاهدة الاندماج عام 1965. وقد حافظت الإصلاحات اللاحقة للمعاهدة، ولا سيما معاهدة لشبونة عام 2009، على الوجود القانوني المنفصل للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، مع زيادة دمج وظائفها التشغيلية مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وأصبحت اليوم المديرية العامة للطاقة التابعة للمفوضية الأوروبية، تشرف على برامج الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، مع احتفاظ الهيئات المتخصصة، مثل وكالة الإمداد ومكتب الضمانات، بمسؤولياتها المنفصلة.
وتتمثل إحدى السمات القانونية المهمة للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية في مدتها القانونية غير المحددة، التي تعكس طبيعتها الدائمة المقصودة[3]، على عكس المعاهدة الأصلية لـ"المجموعة الأوروبية للفحم والصلب" التي كانت مدّتها 50 عامًا، وحُلَّت عقب ذلك. وعلى الرغم من الدعوات الكثيرة لإدراجها في الإطار العام لمعاهدات الاتحاد الأوروبي، أو حتى إلغائها، ما تزال الوكالة الأوروبية للطاقة الذرية قائمةً بوصفها كيانًا قانونيًّا مستقلًا له أساسه التعاهدي الخاص به.
البحث والتطوير في المجال النووي
تميّز الإسهام الأبرز للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية في عملية التكامل الأوروبي في مجال البحث العلمي، فقد أنشأت الجماعة برنامجًا متعدد السنوات للبحوث والتدريب فيها، وأنشأت مراكز بحوث مشتركة (Joint Research Centres, JRC)، افتُتِح أولها في إيسبرا (Ispra) في إيطاليا عام 1959، قبل إنشاء مراكز إضافية في خيل (Geel) في بلجيكا، وكالسرواه (Karlsruhe) في ألمانيا وبيتن (Petten) في هولندا، وإشبيلية (Seville) في إسبانيا. وقد ركّزت هذه المراكز البحثية في البداية على تطوير المفاعلات النووية والقياسات النووية وعلوم المواد. ومع مرور الزمن، تطوّرت مهماتها لتشمل جوانب أوسع من الأمن النووي وعدم الانتشار النووي، بما في ذلك حماية البيئة، والطاقة المتجددة {{الطاقة المتجددة: هي طاقة مُستمدة من مصادر طبيعية تتجدّد باستمرار، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية، والطاقة الحرارية الأرضية، وطاقة الكتلة الحيوية؛ وهي بذلك مستدامة على المدى الطويل.}}، وعلوم الاستدامة، ما يعكس الأولويات المتغيرة في السياسة الطاقية الأوروبية.
كذلك، كانت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية رائدة أيضًا في مفهوم الإجراءات غير المباشرة، أي البحوث التي تُجرى من خلال عقود مع المختبرات والجامعات الوطنية، والتي أصبحت في ما بعد نموذجًا للأطر البحثية الأوروبية الأوسع نطاقًا، فمن خلال البرامج المتتابعة متعددة السنوات، موّلت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية أبحاثًا في مجالات الطاقة الاندماجية، وأمان المفاعلات، والحماية من الإشعاع، وإدارة النفايات المشعّة.
ومن الإنجازات الرئيسة للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، دورها المحوري في بحوث الاندماج الأوروبي، ولا سيما من خلال الحلقة الأوروبية المشتركة (Joint European Torus) التي أُنشِئت عام 1983، والتي كانت حاسمةً في تطوير تكنولوجيا الاندماج النووي. كذلك نسَّقت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية المشاركة الأوروبية في المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي {{المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي، إيتر: مشروع بحثي هدفه تصنيع الاندماج النووي، ويضمّ 35 دولة، هي دول الاتحاد الأوروبي الـ27، والولايات المتحدة، واليابان والصين، وروسيا، وكوريا الجنوبية، والهند، وسويسرا والمملكة المتحدة بصفة دولتَيْن منتسبتَيْن إلى الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية. ويُعدّ المشروع أكبر مشروع علمي في العالم اليوم، بسبب تعقيده وطموحه وميزانيته، لذا تجري مقارنته بالبرنامج الفضائي أبولو (Apollo). ومن المقرر أن يبدأ تشغيله وإنتاج أول بلازما منه عام 2033.}}. (International Thermonuclear Experimental Reactor, ITER)
السلامة النووية والحماية الإشعاعية
أرسى الفصل الثالث من معاهدة الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية الأساس القانوني لمعايير السلامة الموحّدة لحماية العمال وعامة الناس من الإشعاعات النووية. وأدّت هذه المقاربة فوق الوطنية إلى إصدار أول توجيهٍ للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية بشأن معايير الأمان الأساسية في عام 1959، وقد حُدِّث بعد ذلك بانتظام لإدراج التطورات في المعرفة العلمية.
في البداية، ركّزت معايير الأمان في المقام الأول على التعرض المهني للإشعاع، والمخاطر الإشعاعية المباشرة. وفي أعقاب كارثة تشيرنوبل (Chernobyl Disaster) عام 1986، توسّع دور الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية في مجال الأمان إلى حدٍّ كبير، وتناولت التوجيهاتُ الجديدةُ التأهّبَ لحالات الطوارئ والتلوّث الغذائي، ومتطلبات الإعلام العام، والسيطرة على المصادر المشعّة عالية النشاط. وفي عام 2009، أنشأ الاتحاد الأوروبي إطارًا قانونيًّا مُلزِمًا للأمان النووي، من خلال توجيه الأمان النووي، وقد نُقِّح عام 2014 لإدراج الدروس المستفادة من كارثة فوكوشيما (Fukushima Disaster) في عام 2011.
كذلك عالجت الجماعة مسألة إدارة النفايات المشعّة، فبعد عقود من التنسيق الطوعي، ألزم التوجيه الصادر في عام 2011 بشأن إدارة النفايات المشعّة والوقود المستهلَك، الدول الأعضاء بوضع برامج وطنية للإدارة المسؤولة والآمنة للنفايات المشعّة والوقود المستهلَك، مع وجوب تنفيذها.
سياسة التوريد والضمانات
تتمتع وكالة الإمداد التابعة للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، التي أُنشِئت عام 1960، بحقوق حصرية لإبرام عقود توريد المواد النووية داخل الجماعة. وقد كان الهدف من هذه المقاربة المركزية ضمان المساواة في الحصول على الوقود النووي، ومنع الممارسات الاحتكارية. وعلى الرغم من أن احتكار الوكالة قد انخفض إلى حد ما في الممارسة العملية، فإنها تواصل مراقبة سوق الوقود النووي، ونشر تقارير منتظمة عنها، مع الموافقة على عقود التوريد. وقد اضطلعت الوكالة بدورٍ مهم على نحو خاص في تنويع مصادر إمدادات اليورانيوم، وضمان أمن الإمدادات للمشغّلين النوويين الأوروبيين.
كذلك كانت الجماعة رائدة في مجال تدابير التحقق من الضمانات النووية، لضمان عدم تحويل المواد النووية عن استخداماتها السلمية، ويُجري مكتب الضمانات التابع للجماعة عمليات تفتيش في المنشآت النووية، ويتحقق من سجلات المشغلين، ويراقب تدفّق المواد النووية طوال دورة الوقود، ليكمل هذا النظام نظام الضمانات العالمي للوكالة. ومنذ عام 1973، أدّى اتفاق ثلاثي الأطراف بين الجماعة والدول الأعضاء غير الحائزة للأسلحة النووية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى تبسيط أنشطة التحقق من عدم تحويل المواد النووية عن الاستخدامات السلمية، مع الحفاظ على الدور المميّز للجماعة.
العلاقات الخارجية
مكّنت معاهدة الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية الجماعةَ من إبرام اتفاقات مع بلدان أخرى، ما جعلها فاعلة في التعاون النووي الدولي، وكان الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة والجماعة عام 1958 ذا أهمية خاصة، إذ سهّل المساعدة التقنية الأميركية، وتوريد الوقود النووي في مرحلةٍ حاسمة من مراحل التطوير. وأقامت الجماعة بعد ذلك علاقات تعاون مع دول نووية رئيسة أخرى، لا سيما كندا واليابان وأستراليا.
وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وسَّعت الجماعة برامجها للمساعدة الأمنية في المجال النووي، لتشمل بلدان أوروبا الوسطى والشرقية. وقد انضمت كثير من هذه البلدان في وقت لاحق إلى الاتحاد الأوروبي والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، بوصفها جزءًا من عمليات توسيع الاندماج الأوروبي بين عامَي 2004 و2007. وقدَّمت الجماعة أيضًا مساعدة تقنية للجمهوريات السوفياتية السابقة، من خلال برامج مثل برنامج المساعدة التقنية لـرابطة الدول المستقلة، ولاحقًا صكّ التعاون في مجال الأمان النووي (Instrument for Nuclear Safety Cooperation, INSC).
تطورها وراهنيتها
تشكَّل مسار الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية من خلال تغيّر المواقف تجاه الطاقة النووية، فقد أفسح التفاؤل الأولي الذي ساد في خمسينيات القرن الماضي المجال لتزايد القلق العام في السبعينيات والثمانينيات، ولا سيما بعد حادثة جزيرة ثري مايل (Three Mile Island accident)، وكارثة تشرنوبل. ونتيجةً لذلك، تحوّل تركيز المجتمع من تعزيز التنمية النووية إلى ضمان أمان المنشآت النووية، وحلّ تحديات إدارة النفايات النووية.
وقد أعادت النهضة النووية {{النهضة النووية: ، يشير المصطلح إلى الاهتمام العالمي المتجدّد والاستثمار المتزايد في الطاقة النووية خلال أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدافع المخاوف بشأن التغير المناخي، والأمن الطاقي، والحاجة إلى توليد الكهرباء منخفضة الكربون، على الرغم من أن هذا الاهتمام تضاءل لاحقًا بسبب أحداث مثل كارثة فوكوشيما عام 2011.}} (Nuclear Renaissance) مع بداية القرن الحادي والعشرين، مدفوعةً بالتحديات الجديدة المتعلقة بالتغير المناخي والأمن الطاقي، الاهتمام إلى المهمة الأصلية للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، قبل أن تأتي كارثة فوكوشيما عام 2011 لتُعيد كثيرًا من الدول الأعضاء، ولا سيما ألمانيا، إلى مسار تسريع خططها للتخلص التدريجي من الطاقة النووية. وفي الوقت نفسه، حافظت دول أعضاء أخرى مثل فرنسا وفنلندا وكثير من بلدان أوروبا الوسطى، على التزامها بالطاقة النووية - أو وسّعت نطاق التزامها بها - متمسكةً بخصائصها منخفضة الكربون، وقد خلق هذا الاختلاف مشهدًا سياسيًّا معقّدًا للجماعة الأوروبية للطاقة الذرية.
وتُواصِل الجماعة توفير إطار قانوني أساسي للدول الأعضاء التي تشغّل مرافق نووية، مع ضمان أن تحافظ البلدان جميعها، بما فيها تلك التي ليست لديها برامج للطاقة النووية، على معايير الأمان المناسبة للتطبيقات الطبية والصناعية للإشعاع النووي. وتُركّز البرامج البحثية للجماعة على نحوٍ متزايد على أمان المنشآت النووية وإخراجها من الخدمة، وإدارة النفايات النووية، إلى جانب العمل الجاري على مفاهيم "المفاعلات النووية المتقدمة" (Advanced Nuclear Reactors) و"الاندماج النووي" (Nuclear Fusion).
وفي سياق الميثاق الأخضر لأوروبا (European Green Deal) الذي أُقِرّ عام 2020، والتزام الاتحاد الأوروبي بالحياد الكربوني بحلول عام 2050، ما يزال وضع الطاقة النووية موضع خلاف، ويخلق ضغوطًا على الجماعة للتكيّف والإسهام المحتمل للطاقة النووية في إزالة الكربون، مع الاعتراف بحق الدول الأعضاء في تحديد مزيج الطاقة {{مزيج الطاقة: هو مزيج مصادر الطاقة المختلفة (مثل الوقود الأحفوري، والطاقة النووية، والطاقة المتجددة، وغيرها) التي تستخدمها منطقة أو بلد لتلبية احتياجاتها الطاقية.}} (Energy Mix) الخاص بها[4]. وقد عكس إدراج الطاقة النووية عام 2022 في تصنيف الاتحاد الأوروبي للأنشطة المستدامة[5] هذا الموقف، وإن كان ذلك بشروط صارمة.
وفي الوقت الذي تخوض فيه أوروبا عملية الانتقال الطاقي {{الانتقال الطاقي: يشير المصطلح إلى عملية التحول من أنظمة الطاقة القائمة على الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة منخفضة الكربون}} (Energy Transition) المعقدة التي تتطلبها مواجهة التغير المناخي، تستمرّ الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية في أداء مهمتها بتوفير الاستمرارية المؤسسية والخبرة التقنية، بغضّ النظر عن المواقف الفردية لبعض الدول الأعضاء بشأن الدور المستقبلي للطاقة النووية[6]. وتكفل هياكلها القانونية والمؤسسية الدائمة أن الأنشطة النووية داخل الاتحاد الأوروبي، سواء في سيناريوهات التوسّع، أم الصيانة، أم الإنهاء التدريجي، تجري بضمانات، ووفق معايير الأمان والدعم العلمي المناسبة.
المراجع
Bloomfield, Jon & Fred Steward. “The Politics of the Green New Deal.” The Political Quarterly. vol. 91, no. 4 (2020).
Hecht, Gabrielle. The Radiance of France: Nuclear Power and National Identity after World War II. Cambridge, MA: MIT Press, 2009.
International Atomic Energy Agency. Nuclear Energy for a Net Zero World. Vienna: International Atomic Energy Agency, 2021.
Lundestad, Geir. The United States and Western Europe since 1945. Oxford: Oxford University Press, 2003.
Patterson, Walter C. Nuclear Power. Middlesex: Penguin Books Ltd, 1986.
[1] Gabrielle Hecht, The Radiance of France: Nuclear Power and National Identity after World War II (Cambridge, MA: MIT Press, 2009).
[2] Geir Lundestad, The United States and Western Europe since 1945 (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[3] Walter C. Patterson, Nuclear Power, 2nd ed. (Middlesex: Penguin Books Ltd, 1986).
[4] Jon Bloomfield & Fred Steward, “The Politics of the Green New Deal,” The Political Quarterly, vol. 91, no. 4 (2020), pp. 770-779.
[5] International Atomic Energy Agency, Nuclear Energy for a Net Zero World (Vienna: International Atomic Energy Agency, 2021).
[6] Patterson, op. cit.