تسجيل الدخول

احتجاجات دمشق (1878)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اسم الحدثاحتجاجات دمشق
التاريخ1878
المكاندمشق
الأطراف المشاركةاحتجاجات شعبية ونسائية
الجهة الداعيةشعبية
المطالبتخفيض الأسعار، لا سيما أسعار الخبز
مدة الحدثنحو أسبوعين
المشاركة الشعبيةمحدودة
رد السلطةمعاقبة التجار المحتكرين للخبز، فتح مخازن الطحين



احتجاجات دمشق (1878) هي حركة احتجاج سلمية منظمة وغير مسبوقة رافقت فترةَ ولاية أحمد جودت باشا {{أحمد جودت باشا: من أبرز رجال الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، جمع بين السياسة، والقانون، والأدب. عُرف بإسهامه الكبير في تدوين مجلة الأحكام العدلية التي نظّمت القضاء وفق الفقه الحنفي، كما ألّف تاريخ جودت الذي يُعد من أهم مصادر التأريخ العثماني، مثّل جسرًا بين الفكر التقليدي والإصلاحات الحديثة، وكان من دعاة التعليم والتحديث في الدولة العثمانية.}} (1822-1895) الثانية لسورية. بدأت الاحتجاجات بمظاهرات نسائية، وانتهت بلافتات عُلِّقت في خمسة مواضع من المدينة، وأدّت في ما أدته إلى عزل الوالي بعد تسعة شهور من تعيينه، وإرسال والٍ جديد ذي نزعة إصلاحية لا جِدالَ فيها، هو أحمد مدحت باشا {{أحمد مدحت باشا: سياسي عثماني إصلاحي، لُقّب بأبي الدستور، أسهم في إصدار القانون الأساسي عام 1876، تولّى الصدارة العظمى، وطبّق إصلاحات إدارية وتعليمية، نُفي لاحقًا بأمر السلطان عبد الحميد الثاني، وقُتل في الطائف، يُعد من رموز التحديث العثماني.}} (1822-1884).

ورغم محاولات جودت باشا التعتيمَ على ما كان يجري في دمشق آنذاك، مستخدمًا نفوذه الواسع على المراسلين الصحافيين، فقد وصلت أخبار هذه الحركة إلى كبريات صحف الأستانة وكذلك صحف لندن وباريس، الأمر الذي دعا السلطان عبد الحميد الثاني {{السلطان عبد الحميد الثاني: حكَم الدولة العثمانية بين عامي 1876 و1909، وركّز السلطة بيده بعد تعطيل الدستور، وعزّز الرقابة والمخابرات، واتبَع سياسة الجامعة الإسلامية، لكنه واجه تحديات قومية. شهد عهده تطورات في التعليم والبنية التحتية، وانتهى بعزل جمعية الاتحاد والترقي له.}} (1842-1918) إلى إرسال محقِّقَين اثنين إلى دمشق للوقوف على حقيقة ما يجري.

لم تحظَ حركة دمشق الاحتجاجية 1878 باهتمام دارسي تاريخ دمشق، بسبب غياب التفاصيل التي بدأت تتكشف مع ظهور المزيد من الوثائق المتعلقة بتلك الفترة، ولذلك يمكن موضعة هذه الحركة ضمن الحراك العام الذي كانت تشهده سورية في العهد العثماني آنذاك، جنبًا إلى جنب مع "حركة الأعيان المسلمين"، في لحظة فارقة من تاريخ السلطنة، كانت مهددة فيها بالزوال.

كوارث متتالية

شهدت سورية في العهد العثماني خلال الأعوام 1876 و1877 و1878 سلسلةً من الكوارث المختلفة، بدأت بتفشّي وباء الكوليرا (الهواء الأصفر) الذي أغلق الولاية نحو عام، وأوقف الدورة الاقتصادية[1]، ثم اندلاع ثورات الصرب والهرسك والبلغار، والحرب الروسية العثمانية عام 1877 التي استنزفت اليد العاملة بعد أن شملت التعبئة العامة في قوات الرديف (الاحتياط) جميعَ الرجال المسلمين ممن تتراوح أعمارهم بين عشرين وثلاثين عامًا، نُقلوا جميعًا إلى جبهات البلقان وروسيا[2]، الأمر الذي أدّى إلى تأخر البلاد تأخرًا متصلًا بحسب تعبير مؤرخ دمشق نعمان قساطلي المعاصر لتلك الأحداث[3].

وصل الوالي الجديد جودت باشا إلى ميناء بيروت في التاسع من شباط/ فبراير 1878 على وقع الموسيقى العسكرية وطلقات المدفعية، تسبقه الآمال الكبيرة بإصلاح الأحوال "وإنقاذ الوطن من عوادي المحن"[4] بحسب تعبير رئيس تحرير ثمرات الفنون، بيد أن الأزمة الاجتماعية التي تَسَبّب بها سَوْقُ الرجال إلى الجندية كانت أكبر من طاقة الوالي، وأعقد بكثير من نواياه الإصلاحية، إذ توهّم أن حل مشكلة الروتين الإداري بتسريع المعاملات من شأنها أن تقنع السوريين بأن السلطنة تسير على طريق الإصلاح[5].

لقد أدّى غياب الرجال المسلمين القادرين على العمل في الأرض إلى أزمة غذائية كبيرة، وصلت إلى حد المجاعة، إضافة إلى المشكلة الأمنية الكبرى في مدينة دمشق نتيجة تشكيل أبناء الجنود الذين لم يعودوا من جبهات القتال عصاباتٍ سُمِّيت "أولاد البابا حسن" زعزعت استقرار المدينة، إضافة إلى انتشار غير مسبوق للبغاء والتسول[6]، ترافق كل ذلك مع وصول عشرات آلاف اللاجئين من جبال القوقاز {{جبال القوقاز: تقع بين البحر الأسود وبحر قزوين، وتفصل أوروبا عن آسيا، وتضم أعلى قمة في أوروبا (إلبروس)، أما جبال البلقان فتمتد في جنوب شرق أوروبا، من صربيا إلى بلغاريا، وتُعرف بتنوعها الثقافي والتاريخي، وتُعد مصدر اسم منطقة البلقان.}} والبلقان {{البلقان: منطقة جغرافية في جنوب شرق أوروبا، تضم دولًا مثل بلغاريا، واليونان، وصربيا. تتميز بتنوعها العرقي والديني، وتاريخها الحافل بالصراعات والتحولات السياسية. سُميت نسبة إلى جبال البلقان، وتُعد ملتقى حضارات شرقية وغربية، ما أكسبها أهمية ثقافية واستراتيجية عبر العصور.}} في الأشهر الأربعة الأولى من عام 1878، وكان على طاقم الولاية أن يجد لهم المأكل والملبس والمأوى في هذه البلاد المنكوبة أصلًا[7].

مظاهرات النساء

انفجر الغضب الشعبي على شكل مظاهرات نسائية كانت تتجمع في أحياء المدينة، لتنطلق إلى قصر الوالي في الجهة المقابلة لبوابة سوق الحميدية {{سوق الحميدية: من أشهر أسواق دمشق القديمة، بُني في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، يمتد على مسافة 600 متر، ويتميز بسقفه المعدني وأرضيته البازلتية. يضم محلات تقليدية تبيع الأقمشة، والعطور، والحِرف اليدوية. ينتهي عند أعمدة جوبيتر، ويؤدي إلى الجامع الأموي.}}، وكان السبب المباشر لهذه المظاهرات ارتفاع سعر الخبز، وعجز الوالي عن وضع حد لجشع التجار.

أربكت المظاهرات مراسلي الصحف البيروتية في دمشق، فامتنع مراسل لسان الحال، جبران لويس، عن تناول هذا الحدث، وهو الذي سبق له أن نشر خبرًا قبل نحو شهر من ذلك عن تزايد أعداد الفقراء يومًا فيومًا، وارتفاع أسعار القمح، رغم تعهد البوايكية (تجار الجملة) لمجلس البلدية بتخفيض ثمن الكيس بما يعادل 10 في المئة من دون أن يلتزموا بتعهداتهم[8]، في حين تَناوله مراسل ثمرات الفنون، محمد رشيد الجلاد، من دون أدنى إشارة إلى المظاهرات، واكتفى بالحديث عن ارتفاع سعر الخبز. ومما كتبه الجلاد: "كل من يطلع على حالة الفقراء هنا، ولا سيما العجزة من نساء من سافروا إلى دار الحرب، وما يعانون من شدة الضنك والفقر، خصوصًا شراء الخبز، لا يتمالك إلا أن يبكي عليهم دمًا أسفًا عليهم وعلى صغارهم، فإنه مع إقبال المواسم ووفور الحنطة وقلة العالم عندنا نرى الخبز الذي يباع رطله بثلاثة قروش أشبه سوادًا ومرارة بليل الفراق مع غلظة الخبازين وغشمرتهم بالفقراء، مما يزيدهم ويلًا. وقد جُلب بعضهم في هذا النهار إلى المجلس البلدي لغاية ضم قرش على كل رطل خبز بمقابلة ما يستهلك من القائمة كما يقال، لا حول ولا قوة إلا بالله ..."[9]. واللافت أن الرسالة مؤرخة في الأول من آذار/ مارس، وهو ما يعني تأخر نشرها نحو عشرين يومًا.

ولكن أخبار المظاهرات المتواصلة كانت أكبر من أن يُتَغاضى عنها في الصحف المحلية، ولذلك وَجد خبر بالفرنسية، يصف المشهد بدقة كبيرة، طريقه إلى صحيفة ليڤانت هيرالد Le Levant Herald الصادرة في العاصمة العثمانية إسطنبول، مفاده أن "البؤس العظيم يسود دمشق. جحافل من النساء الجائعات تغزو كل يوم ساحة المرجة، حيث مركز السلطة العثمانية، وموقع السجن المركزي، والثكنات المختلفة، والمدارس العسكرية، ومكاتب البريد والتلغراف، ومقر القيادة المركزية للفيلق الخامس بالجيش، وموقع المقاهي والفندق الوحيد، وهن يصرخن تحت نوافذ الوالي: أعطونا خبزًا! أعطونا بعض الخبز!"[10]. وقبل هذا الخبر بيومين تناول نائب القنصل البريطاني في دمشق توماس جاغو (Thomas S. Jago) في رسالة إلى وزير خارجية بلاده إدوارد ستانلي، إيرل ديربي الخامس عشر (Edward Stanley، 15th Earl of Derby، 1826-1893) الحدث بشيء من التفصيل والتحليل: "هذا الشعور العام بالاستياء والسخط تجاه كل ما هو عثماني في الأحداث الأخيرة، أظهر نفسه بقوة يوم السادس عشر والأيام التالية، بسبب ارتفاع أسعار الخبز المرتفعة أصلًا. حشد من النساء، وعلى رأسهن عائلات الرديف الراحلون، اقتحموا سراي دمشق، المقر الرسمي لجودت باشا، الحاكم العام الجديد لسورية. لَعَنات مريرة على السلطان وحكومته بسبب الشرور التي انهالت عليهم مؤخرًا. فضلًا عن التلميحات إلى فساد الإدارة بشكل عام والولاة بشكل خاص. تخللتها حسرات على فقدان أقاربهن الذكور، حتى أنّ بعض اليائسين تمنّوا بأن يسيطر الروس على سوريا للخلاص"[11].

وصلت أصداء المظاهرات إلى كبريات الصحف الغربية ووكالة رويترز {{وكالة رويترز: وكالة أنباء عالمية تأسست عام 1851 في لندن، وتُعد من أقدم المصادر الإخبارية، تقدم تغطية شاملة للأحداث السياسية، والاقتصادية، والمالية حول العالم. تشتهر بدقتها وسرعتها، وتُستخدم أخبارها على نطاق واسع في الإعلام والأسواق المالية والمؤسسات الدولية.}}، وانتقلت إلى الإسكندرية والقاهرة التي سارع صحافيّوها لسؤال رئيس تحرير لسان الحال خليل سركيس (1842-1915) عن حقيقة ما يجري في عاصمة الولاية، فنفى في خبر على الصفحة الأولى صحة ذلك، واعتبرها شائعة مستغربة[12].

لا تذكر الوثائق ولا الصحف الطريقة التي انتهت فيها انتفاضة النساء، ولكن بعد نحو أسبوعين من انتشار أخبارها نقلت صحيفة ليڤانت هيرالد خبرًا نقلًا عن صحيفة حديقة الأخبار البيروتية شبه الرسمية، قدمت فيه للقراء وصفًا تقنيًا لما أسمته تجمعًا للفقراء والمعوزين عُقد الأسبوع الماضي من ذلك أمام دار الحكومة في دمشق، تذمّرًا من شح الخبز ورداءة نوعيته، وارتفاع أسعاره، وأرجعت الصحيفة السبب إلى جشع التجار الذين تصدّى لهم جودت باشا واتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لهذا الوضع. وذكرت الصحيفة أنه فُتِحت مخازن حي الميدان المليئة بالقمح أمام المستهلكين، ومن ثَمّ تمكّن الخبّازون من الحصول على القمح الذي يحتاجونه، وتقديم قمح جيد النوعية للاستهلاك بسعر منخفض نسبيًا[13].

اللافتات الاحتجاجية

ما إن هدأت عاصفة انتفاضة النساء حتى بدأت تظهر اعتبارًا من أواخر شهر تموز/ يوليو في بعض الأماكن العامة لافتاتٌ بالتركية العثمانية والعربية تنتقد بشدة حالة الفساد، وتتوعد الوالي إذا لم يضع حدًا للفاسدين.

وركّزت اللافتة الأولى، وهي بالتركية العثمانية، على فساد محاسب الأوقاف المدعو حافظ، إذ ورد فيها "الجبّار الظالم الذي لا يخاف الله ورسوله، المسلّط علينا لنهب الأموال وسوء الأحوال وتخريب المساجد". وهددت اللافتة الوالي بالخروج عن الطاعة والعصيان إذا دام الظلم، متوعدة بقتل هذا المحاسب الفاسد وإعدامه، أو الالتحاق بدولة أخرى [ربما مصر]، بحسب نص اللافتة كما هو محفوظ في الأرشيف العثماني[14].

ويبدو أن الوالي لم يعر اهتمامًا بهذه اللافتة، فتبعتها لافتة ثانية أشد وعيدًا من الأولى، وكانت كذلك بالتركية العثمانية، جاء فيها: "لقد فوّضك الله تعالى بأمورنا كي تعدل فينا وتدفع الظلم عنا. لقد اشتكينا لك على محاسب أوقاف الشام المتوحش واللئيم. وأبلغناك أنك إن لم تعزل هذا الرجل سيكون ذلك مسببًا لوقوع أمور من قبيل تسليم وطننا من يد هذه الدولة المستبدة إلى دولة أخرى. لا تظنّ أن بإمكان وجهائنا منعنا من التحرك تجاه مثل هذه التصرفات التي سيبقى أثرها حتى العصور اللاحقة وسيكتبها التاريخ في صفحاته. والله إن لم تقنا شرّ هذا الرجل فلن تتمكن أنت وهو من النجاة من التهلكة. سوف نقتل ونعدم هذا الرجل ونرمي جثته أمام بيتك. [...] أنت الوالي الآن فتيقّظ وانتبه، هذا هو تنبيهنا الثاني لك، وستكون السبب في أي محذور سيظهر عند التنبيه الثالث، عصيان الأهالي الذي سيحدث أسوة بأهالي صربيا هو فقط بسبب سوء إدارة والٍ مثلك. أنت السبب وأنت فقط. فلا تستغرب الأمر. اقترب وقت التحرر [...]"[15].

اللافتة الثالثة مكتوبة بالعربية، ولم يُعثر على ترجمتها في الأرشيف العثماني، وإنما في الأرشيف البريطاني، وهي لافتة طويلة ذات مضمون سياسي تدعو السوريين إلى الارتقاء والصحو من الغفلة من دون تأخير، كما تدعوهم للعمل ضد الظلم والمصاعب والذل والإهانة على يد الولاة والموظفين العثمانيين، فـ "المكاتب فاسدة والمحاكم ظالمة. ليس ثمة احترام للفاضلين ولا للعلماء". وتحمّل اللافتة العثمانيين مسؤولية الشقاق بين المسلمين والمسيحيين في دمشق، مؤكّدة على أن الدين ينبغي ألّا يدخل في السياسة، وأن العدو الأكبر لتقدم السوريين هو من يزرع الفتنة بين المسيحيين والمسلمين وغيرهم. وتدعو اللافتة السوريين لاتباع طريق الحرية بإصرار وتوافق. مشيرة إلى وجود أصدقاء لسورية يمكن أن يساعدوها، مبشّرة السوريين بأن مقاليد الحكم ستنتقل إليهم [...]"[16].

الحدث

التاريخ

الموقع

التوصيف

مظاهرات نسائية

شباط/مارس1878

بوابة سوق الحميدية وقصر الوالي

احتجاج على ارتفاع أسعار الخبز وفساد التجار

اللافتة الأولى

تموز 1878

مداخل سرايا الوالي

التركيز على فساد محاسب الأوقاف والتهديد بالعصيان

اللافتة الثانية

تموز 1878

مداخل المدينة

أشد تهديداً من الأولى، حيث حذر الوالي من عواقب الفساد

اللافتة الثالثة

تموز 1878

الجامع الأموي

مكتوبة بالعربية دعوة للتحرك ضد الظلم وتعزيز الحرية

الجدول [1] - المظاهرات واللافتات في دمشق

تحقيقات مشاقة

لم تعجب هذه اللافتات، وقبلها مظاهرات النساء، القنصل البريطاني العام في سورية المقيم في بيروت، جورج جاكسون إلدريدج (George Jackson Eldridge، 1890-1826)؛ فكان تعليقه الوحيد عليها في رسالة أرسلها إلى وزير خارجيته روبرت غاسكوين سيسل (Robert Gascoyne-Cecil، 1903-1830)، المعروف بلقب ماركيز سالزبيري، كما يأتي: "أنا لا أدّعي فهم المعنى، إذا كان لدى هذه اللافتات أي معنى من هذه التلميحات إلى المساعدات الخارجية. روح هذه اللافتة بأكملها هي دعوة السكان لمقاومة قمع جودت باشا، على الرغم من عدم وجود أي علامات على عدم الرضا عن الحكم العثماني"[17].

تولّى عملية التحقيق وترجمة اللافتات ناصيف مشاقة (1838-1913) نائب القنصل الأميركي في دمشق، وتوصل إلى أحد الواقفين وراءها، وهو عبد الله الإدلبي، وهو وجيهٌ دمشقي ومتمول بارز، سبق له أن كان قنصلًا للسلطنة العثمانية في مانشستر البريطانية، وصاحب مَعامل نسيج في دمشق وبيروت.

يقول مشاقة، في الرسالة التي تضمنت ترجمة اللافتات، إن الإدلبي يعرف جميع المشاركين في الكتابة والتعليق، ولكنه رفض أن يفصح عن أسمائهم، وأشار إلى أن اللافتات علّقت على مداخل سرايا الوالي، والجامع الأموي، ومدرسة الملك الظاهر (بالقرب من الجامع الأموي)، وعلى باب العريض (باب شرقي) وبوابة العقيبة. وذكر الإدلبي أيضًا أن النسخة التي كانت معلّقة على بوابة الجامع الأموي نقلها الشيخ سليم العطار (1817-1889) إلى جودت باشا، ويؤكد مشاقة أنه رأى اللافتة العربية، وأنها كانت مكتوبة بخط عبد الله الإدلبي الرديء الذي يعرفه جيدًا[18].

تحرك بريطاني

ما إن وصلت أخبار اللافتات إلى لندن حتى بدأت تحركًا على أعلى المستويات مع سفيرها في القسطنطينية السير أوستن هنري لايارد (Austen Henry Layard، 1817-1894)، فتوجه من فوره إلى الباب العالي، وحذّر من مخاطر ما يجري في سورية واتهام جودت باشا بالفساد[19]، فما كان من السلطان عبد الحميد الثاني إلا أن أرسل من طرفه محقّقين اثنين للوقوف على حقيقة المخاوف التي حذّره منها لايارد.

وتكشف رسالة مطولة لجودت باشا ظروف هذه التحقيقات واعتراضه عليها، إذ يقول، إنّ أحد المحققين، وهو خليل أيوب أفندي المنفي سابقًا من سورية، حضر عنده وأبلغه بضرورة إرسال برقية إلى إسطنبول تحذر من احتمال وقوع عصيان في جبل لبنان، وأن هذا العصيان قد يمتد إلى جميع نواحي سورية، وأنه، أي خليل أفندي، موفد من إسطنبول إلى سورية لتحقيقات خفية. ويذكر جودت باشا في الرسالة أنه حين قدومه إلى منصبه في سورية، "كانت هناك بعض الأراجيف الكاذبة التي تُنشر في جرائد أوروبا عن أنّ أهالي سوريا سئموا الدولة العثمانية ويريدون الالتحاق بولاية مصر أو طلب الحماية من دولة أخرى. والحقيقة أن هذه الأفكار لم تكن في أذهان السوريين البتة". وأكد جودت باشا، بعد أن أقر بوجود مشاكل في ولاية سورية، أن تلك الشكاوى متعلقة بفساد الموظفين. و"هي لا تعكس أي خلل في الرابط المعنوي تجاه مركز السلطنة السنية"، وأبدى جودت باشا استغرابه من إعطاء الأهمية للأراجيف الكاذبة من جانب الباب العالي، وطلب المعلومات عنها من بيروت، في حين أنه يجب أن يطلبها الباب العالي من مركز الولاية بدمشق، مشيرًا إلى اسم محقّق خفي ثان يُدعى رضا أفندي، وأنه كان يتردد على محلات المسيحيين بشكل مستمر، وكان من الواجب القبض عليه واستنطاقه لعدم وجود أمر مكتوب بنشاطه[20].

لم يتأخر السلطان عبد الحميد عن عزل جودت باشا وتعيين مدحت باشا واليًا على سورية، بناء على نصيحة بريطانية، فكانت خطوة محسوبة بدقة، أسهمت بنزع فتيل الأزمة، وتهدئة الشارع، نظرًا إلى ما كان يتمتع به مدحت باشا من شعبية في أوساط السوريين الذين استبشروا الخير في عهده، ومنحوه ثقة مطلقة. أما جودت باشا فعُيِّنَ ناظرًا (وزيرًا) للتجارة والزراعة، فغادر دمشق في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1878 ليرفع دعاوى ضد بعض صحف عاصمة السلطنة التي اتهمها بأنها شوهت سيرته، ونشرت الأراجيف عن فترة ولايته في سورية[21].

المراجع

العربية

ثمرات الفنون. العدد 17 (29 و10 آب/ أغسطس 1875).

________. العدد 147 (9 و21 شباط/ فبراير 1878).

________. العدد 151 (9 و21 آذار/ مارس 1878).

________. العدد 153 (23 و4 نيسان/ أبريل 1878).

________. العدد 204 (20 و2 كانون الأول/ ديسمبر 1878).

قساطلي، نعمان أفندي. الروضة الغنّاء في دمشق الفيحاء. سلسلة التاريخ والرحلات 4. بيروت: دار الرائد العربي، 1879.

لسان الحال. العدد 34 (11 شباط/ فبراير 1878).

________. العدد 45 (21 آذار/ مارس 1878).

الأجنبية

Ottoman Archives. BOA. YEE. 35/67.

________. HR.TO. 520/74.

________. HR.TO. 520/75.

The National Archives (UK). FO 195/1201. “Eldridge to Earl of Derby.” no.14. Political. Beirut. 28 February 1878.

________. FO195/1201. “Jago to Earl of Derby.” no. 5. Political. Damascus. 27 March 1878.

________. FO 226/197. “Jago to Earl of Derby.” no. 5. Political. Damascus, State of Affairs in Damascus. 27 March 1878.

________. FO 78/2850. “Jago to Layard.” no. 10. Damascus. 28 April 1878.

________. FO 78/4275. “White to Salisbury.” no. 216. Secret. Constantinople. 21 May 1890. Enclosing a copy of Layard's Despatch to Salisbury. no. 1072. Constantinople. 27 August 1878.

________. FO 226/194. “Meshaka to Eldridge.” Private letter. 29 July 1878.

________. FO 424/73. “Eldridge to Salisbury.” no. 62. Political. Aleih. 2 August 1878.

________. FO 78/2771. “Salisbury to Layard.” no. 1096 FO. 14 September 1878.

________. FO 226/198. “Eldridge to Embassy.” Draft 113. Beirut. 10 November 1878.

Yasamee, Feroze A. K. Ottoman Diplomacy: Abdülhamid II and the Great Powers 1878-1888. Istanbul: The Isis Press, 1996.


[1] ثمرات الفنون، العدد 17 (29 و10 آب/ أغسطس 1875)، ص 4.

[2] للتوسع في أحوال السلطنة العثمانية أثناء الحرب، ينظر:

Feroze A. K. Yasamee, Ottoman Diplomacy: Abdülhamid II and the Great Powers 1878-1888 (Istanbul: The Isis Press, 1996), pp. 53-72.

[3] نعمان أفندي قساطلي، الروضة الغناء في دمشق الفيحاء، سلسلة التاريخ والرحلات 4 (بيروت: دار الرائد العربي، 1879)، ص 94.

[4] ثمرات الفنون، العدد 147 (9 و21 شباط/ فبراير 1878)، ص 3.

[5] تحدّث نائب القنصل البريطاني في دمشق، مستر جاغو، عن التغيير الحاصل في الروتين الإداري، ولكنه أشار إلى انزعاج جودت باشا من تقارير الصحافة الأوروبية عن المعارضة القوية للإدارة العثمانية القوية في سوريا، وعن نمو النزَعات الداعية للانضمام إلى مصر، يُنظر:

The National Archives (UK), FO 195/1201, “Jago to the Earl of Derby,” no. 5, Political, Damascus, 27 March 1878.

[6] The National Archives (UK), FO 195/1201, “Eldridge to Earl of Derby,” no. 14, Political, Beirut, 28 February 1878; The National Archives (UK), FO 226/198, “Eldridge to Embassy,” Draft 113, Beirut, 10 November 1878.

[7] يبدو أن بعض السوريين تذمروا من وصول آلاف اللاجئين، يُنظر: ثمرات الفنون، العدد 153 (23 و4 نيسان/ أبريل 1878)، ص 4.

[8] لسان الحال، العدد 34، 11 شباط/ فبراير 1878، ص 4.

[9] ثمرات الفنون، العدد 151، 9 و21 آذار/ مارس 1878، ص 4.

[10]Le Levant Herald (Constantinople), 29/3/1878, p. 3.

[11] The National Archives (UK), FO 226/197, Jago to Earl of Derby, no. 5, Political, Damascus, State of Affairs in Damascus, 27 Mars 1878.

[12] لسان الحال، العدد 45، 21 آذار/ مارس 1878، ص 1.

[13] Le Levant Herald (Constantinople), 11/4/1878, p. 3.

[14] Ottoman Archives, HR.TO. 520/74.

[15] Ottoman Archives, HR.TO. 520/75.

[16] The National Archives (UK), FO 226/194, “Meshaka to Eldridge,” Private letter, 29 July 1878.

[17] The National Archives (UK), FO 424/73, Eldridge to Salisbury, no. 62, Political, Aleih, 2 August 1878.

[18] The National Archives (UK), FO 226/194, Meshaka to Eldridge, Private letter, 29 July 1878.

[19] The National Archives (UK), FO 78/4275, “White to Salisbury,” no. 216, Secret, Constantinople, 21 May 1890, Enclosing a copy of Layard's despatch to Salisbury, no. 1072, Constantinople, 27 August 1878; The National Archives (UK), FO 78/2771, “Salisbury to Layard,” no. 1096 FO, 14 September 1878.

[20] Ottoman Archives, BOA, YEE, 35/67.

[21] ثمرات الفنون، العدد 204، 20 و2 كانون الأول/ ديسمبر 1878، ص 5.

المحتويات

الهوامش