تسجيل الدخول

قسطنطين زريق

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

 

الاسم 

قسطنطين زريق

تاريخ الميلاد

18 نيسان/ أبريل 1909

مكان الميلاد

دمشق، سورية

تاريخ الوفاة

12 آب/ أغسطس 2000 (91 عامًا)

مكان الوفاة

بيروت، لبنان

الدور العام

أستاذ جامعي، مؤرخ، ومفكر قومي

أهم الأعمال

الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتّحة في الشرق العربي

 معنى النكبة

 نحن والتاريخ

 في معركة الحضارة


الموجز

قسطنطين زريق (1909-2000) من أبرز أعلام الثقافة والتربية والفكر العربي في القرن العشرين. كان من أبرز السبّاقين إلى صياغة العقيدة القومية العربية، وإلى العمل على تأسيس تنظيمات قومية آلت في نهاية المطاف إلى قيام حركة القوميين العرب. اجترح زريق مصطلح "النكبة" في تعليقه على خسارة فلسطين عام 1948، وشخّص عوامل هزيمة العرب في عام 1948 المستأنفة في عام 1967، رابطًا إياها بالتخلّف عن ركاب العصر، وبالركون إلى التغنّي بالماضي. صاغ زريق نظرية في التاريخ مؤدّاها تحرّي عوامل التقدم والاقتدار لدى الشعوب والأمم، وموانع هذا وذاك، وربط ذلك بالترقّي العقلي والمجتمعي وموانع ذلك. كما كان أبرز من عالج شأن الحضارة مفهومًا ومسارًا تاريخيًا. إضافة إلى ذلك، كان لزريق مسار بارز في المؤسسات البحثية والجامعية عربيًا وعالميًا.

حياته العلمية ومسارها

وُلد قسطنطين زريق في 18 نيسان/ أبريل 1909 في منزل أسرته، في حيّ القيمرية {{حيّ القيمرية: أحد أقدم أحياء دمشق القديمة، يتميز بأزقته الضيقة، وبيوته الدمشقية التقليدية، وقُربه من الجامع الأموي. يشتهر اليوم بالحرف اليدوية، والمقاهي التراثية، والمعالم التاريخية، مثل: خان أسعد باشا ومكتب عنبر. وقد اختُلف في سبب التسمية بين أنه يعود لأمير أيوبي أو شيخ قديم يُدعى "قيمر".}} بدمشق، لأسرة أرثوذكسية متوسطة الحال. والمعروف عن الوسط الأرثوذكسي في دمشق انقلابه على الكنيسة اليونانية منذ أواخر القرن التاسع عشر وفرض انتخاب بطريرك عربي لمنصب بطريركية أنطاكية وسائر المشرق {{بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس: كنيسة مستمرّة منذ تأسيسها في أنطاكية عام 431م، ومقرّها في دمشق بعد أن انتقل المركز البطريركي إليها في القرن الرابع عشر الميلادي. تعرّبت عام 1899، وصار كل بطاركتها وأساقفها من العرب. يرأسها حاليًّا البطريرك يوحنا العاشر، وتخدم ملايين الأرثوذكس في الشرق الأوسط والعالم، وتُعرف بدورها الروحي والثقافي. تُستخدم العربية واليونانية في طقوسها.}}، ومقرها دمشق، وتعريب قيادتها والشعائر الدينية. كما لم يجنح أعيان أرثوذكس دمشق سياسيًا إلى الانخراط في السياسات الانتدابية الفرنسية بعد عام 1920، فكانوا جزءًا مكوّنًا من الحركة الوطنية السورية منذ البداية[1].

تمثّل هذا الجوّ في المدرسة الآسية {{المدرسة الآسية: مدرسة أرثوذكسية عريقة في دمشق، تأسست عام 1635، اشتُهرت بتعليم العلوم واللغات، وخرّجت شخصيات بارزة، منها فارس الخوري. دُمِرت المدرسة عام 1860، ورُمّمت لاحقًا، وقد شملت مراحل التعليم كافة، ولها فرع في جرمانا.}} التي درس فيها زريق، التي كانت ذات مستوى علمي متميّز، وقد درس فيها كثير من الفتية المسلمين أيضًا، شأنها شأن المدارس المسيحية الأخرى التي تميّزت أيضًا بتعليم اللغات الأوروبية. برز زريق في الدراسة، وأمّن له المؤرخ فيليب حتّي {{فيليب حتّي: (1886-1978) مؤرخ لبناني أميركي، يُعدّ من أبرز من قدّم التاريخ العربي والإسلامي للغرب بأسلوب علمي، درّس في جامعات كبرى مثل برينستون، وألّف كتبًا مهمة، مثل تاريخ العرب، وتاريخ سوريا ولبنان وفلسطين.}}، بناء على ذلك، منحة دراسية لإتمام الدراسة في القسم الاستعدادي التابع للجامعة الأميركية في بيروت، التي عُرفت بالكلية السورية البروتستانتية {{الكلية السورية البروتستانتية: تأسست عام 1866 في بيروت، وهي النواة الأولى للجامعة الأميركية في بيروت (AUB). أنشأها المبشّر دانيال بليس لتقديم تعليم حديث وغير طائفي، وتحوّلت لاحقًا إلى واحدة من أبرز الجامعات في المنطقة العربية.}} عام 1923، التي كانت قد تعلمنت عام 1920، واتخذت اسمها المعروف بعد تخلّيها عن تسميتها وصفتها السابقتين: الكلية السورية البروتستانتية. تفوّق زريق في دراسته، رغم صغر سنّه، وما كان له في البروز إلّا منافسان هما عمر فروخ {{عمر فروخ: (1904–1987) مفكّر ومؤرّخ لبنانيّ، ألّف في الأدب والتاريخ والفلسفة. درّس في ألمانيا ثم في عدة دول، وأتقن لغات متعددة، وكان من أبرز المدافعين عن اللغة العربية والثقافة الإسلامية.}} وصبحي المحمصاني {{صبحي المحمصاني: (1909–1986) قانونيّ لبنانيّ بارز، شغل مناصب قضائية ووزارية، وألّف كتبًا معتبرة في الفقه الإسلامي، أبرزها فلسفة التشريع في الإسلام، درس في لبنان وفرنسا وبريطانيا، وكان من روّاد تطوير القانون في العالم العربي.}}، اللذان أصبحا لاحقًا شخصيتين معروفتين في الثقافة العربية.

ولئن كانت اهتمامات زريق الجامعية علمية طبيعية في أول أمرها، إلّا أنه تحول إلى دراسة التاريخ والعربية، متتلمذًا لأسد رستم {{أسد رستم: (1897–1965) مؤرخ لبنانيّ رائد، وأول عربيّ ينال الدكتوراه في التاريخ من جامعة شيكاغو. أسّس منهجًا علميًا دقيقًا في التأريخ، وألّف كتبًا مهمة، مثل مصطلح التاريخ. عمل أستاذًا في الجامعة الأميركية، ولُقّب بـ"مؤرخ الكرسي الأنطاكي".}} وأنيس الخوري المقدسي {{أنيس الخوري المقدسي: (1886–1977) أديب وناقد لبناني، ترأس دائرة الآداب في الجامعة الأميركية ببيروت، وألّف كتبًا ومسرحيات ودواوين شعرية. نال أوسمة عربية عديدة، وكان من أبرز روّاد النهضة الأدبية الحديثة.}}، وجاء هذا التحول لحاجة الجامعة الأميركية آنذاك إلى أستاذ في التاريخ ليحل محل فيليب حتّي، الذي كان على وشك الانتقال إلى جامعة برنستون {{جامعة برنستون: (Princeton University) جامعة أميركية مرموقة تأسست عام 1746، وتقع في نيو جيرسي. تُعدّ من جامعات رابطة اللبلاب، وتشتهر بتميزها الأكاديمي والبحثي. خرّجت شخصيات بارزة، مثل جيمس ماديسون وميشيل أوباما.}} في الولايات المتحدة الأميركية. اكتسب زريق معارف أساسية في التاريخ وفي صناعة التأريخ، التي تدرّب عليها في الجامعة، كما كان ميّالًا إلى التدرب على الخطابة وإلقاء الخطب التي تحثّ على مكارم الأخلاق وإصلاح النفوس في سبيل التقدم والترقّي ونشر العلم والمعارف والقيم الحديثة في مجتمعات عربية وجدها جامدة متكلّسة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تخرج زريق في الجامعة الأميركية في سنّ مبكرة، وغادر لمتابعة دراسته الجامعية العليا في الولايات المتحدة، في حزيران/ يونيو 1928. وكما دأب دومًا، لم يهدر لحظة واحدة منذ وصوله إلى الولايات المتحدة، حيث قضى فصولًا دراسية متتالية في جامعتي شيكاغو وكولومبيا، حتى إتمامه الدراسة وحيازته على درجة الدكتوراه عام 1930. وقد عُرف عنه الانضباط والانتظام والترتيب والعمل الدؤوب منذ شبابه إلى نهاية حياته.

اكتسب زريق في تلك الفترة الثرية في تكوينه معارف كانت جليّة في أوراق الامتحانات التي استبقاها، والمحفوظة ضمن أوراقه الخاصة[2]. أتمّ زريق في هذه الجامعات الأميركية 16 مقررًا، حاز في جلّها على مرتبة الشرف، كان من ضمنها تاريخ الحروب الصليبية والتاريخ الإسلامي، والنظريات الأخلاقية عند اليونان، وتاريخ الأديان الهندية الأوربية، وتاريخ الدول الهلنستية، وتاريخ الشرق الأدنى القديم، وتاريخ أوروبا الغربية بين القرنين التاسع والخامس عشر، وكتاب سيرة أحشويروش {{أحشويروشالأول: (Xerxes، 519-465 ق. م.) ملك فارسي حكم الإمبراطورية الأخمينية من عام 486 ق. م.، واشتُهر بحملته ضد اليونان وهزيمته في معركة سلاميس. يُذكر في الكتاب المقدّس بصفته زوج للملكة أستير.}} لكزنوفون {{كزنوفون: (Xenophon، 430–354 ق. م.) مؤرخ وفيلسوف وقائد عسكري يوناني، من تلاميذ سقراط. اشتهر بكتاب أناباسيس، وله مؤلفات في الفلسفة والسياسة والحكم.}}، وعلم اللغات المقارن. وأتمّ رسالة الدكتوراه حول أبي علي مسكويه {{مسكويه: (932–1030م) فيلسوف ومؤرخ فارسي نشط في بلاطات البويهيين، من روّاد علم الأخلاق الفلسفي في الإسلام. أشهر كتبه تهذيب الأخلاق وتجارب الأمم، ولقّب بـ"المعلم الثالث" بعد أرسطو والفارابي.}}، بإشراف فيليب حتّي، تضمنّت تحقيقًا لرسالته في تهذيب الأخلاق وترجمتها إلى الإنكليزية[3]. والواضح مما تركه من أوراق في تلك الفترة أنه بلغ درجة مميزة من النضوج المنهجي والدراية، فيظهر ذلك جليًّا في أبحاث أعدّها عن مسيلمة بن حبيب، وما يُعرف بحروب الردّة {{حروب الردة: حروب وقعت في الفترة الممتدة بين عامي 632 و633 بقيادة الخليفة أبو بكر الصديق ضد قبائل رفضت الاستمرار في دفع الزكاة بعد وفاة النبي محمد.}}، تطلّبت براعة في النقد التاريخي الداخلي والخارجي للمعلومات وعزوفًا عن التأريخ التبجيلي، لم يكن واضحًا لديه في أيام الطلب في بيروت. وتبيّن هذا النضوج أيضًا في ما جاء في امتحاناته عن علاقة الرسول بالوثنية العربية، والعلاقة بين الأساطير والقوانين البابلية والعبرانية والشعر الجاهلي، وعلاقة البابوية بالخلافة، والعلوم العربية في عصر النهضة {{عصر النهضة الأوروبية: مرحلة انتقالية في العصور الوسطى إلى العصر الحديث، بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، بدأت في إيطاليا وامتدّت إلى أوروبا. تميّزت بإحياء التراث الكلاسيكي، وتطوّر الفنون والعلوم، واختراع الطباعة، ومهّدت لعصر التنوير.}} في أوروبا، وعلاقة الكوميديا الإلهية لدانتي {{الكوميديا الإلهية: ملحمة شعرية كتبها دانتي أليغييري في الفترة الممتدة بين عامي 1308 و1321م، وتتألف من ثلاثة أجزاء: الجحيم، المطهر، والجنة. تصوّر رحلة رمزية نحو الخلاص، وتُعدّ من أعظم الأعمال الأدبية التي أرست قواعد اللغة الإيطالية الحديثة.}} (Dante Alighieri، 1265-1321) بـرسالة الغفران لأبي العلاء المعري {{رسالة الغفران لأبي العلاء المعري: عمل أدبيّ فلسفيّ ساخر، يصوّر رحلة خياليّة في الجنة والجحيم، يُناقش فيها مصير الشعراء والمفكّرين. كتبها في القرن الخامس الهجري، وتُعدّ من أبرز أعمال النثر العربي، ومقدّمة لفكرة الأدب الخيالي في التراث الإسلامي.}}.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


بعد هذا التأسيس الصلب، رواية ودراية، عاد زريق إلى بيروت وعُيّن أستاذًا مساعدًا في الجامعة الأميركية خريف 1930. وقد بقي أستاذًا في فيها حتى تقاعده عام 1977، فتدرّج في المراتب حتى وصل إلى رتبة استثنائية، هي أستاذ ممتاز، ابتداء من عام 1957. كما مارس وظيفة نائب رئيس الجامعة فترتين، ورئيسًا للجامعة بالوكالة بين عامي 1954 و1957. لم يغادر زريق هذه الجامعة إلّا لترؤّس الجامعة السورية بدمشق بين عامي 1949 و1952، واستقال منها بعد فشله في منع الشرطة من دخول الحرم الجامعي لتفريق حراكات طلابية. وقد سبق ذلك فترة قضاها في العمل الدبلوماسي في الولايات المتحدة مستشارًا في المفوضية السورية في واشنطن، ثم وزيرًا مفوضًا وعضوًا مناوبًا في مجلس الأمن، وذلك بين عامي 1945 و1947. ولكنه اعتذر عن قبول منصب وزير الخارجية في نهاية هذه الفترة، وفضّل رئاسة الجامعة السورية. عُرف عنه في الجامعة العمل التدريجي على الإصلاح، وزيادة أعداد الطلاب - وخصوصًا رفع نسبة الإناث إلى ربع الجسم الطلّابي - وتشجيع النشاطات الثقافية بين الطلاب، وتنظيم البعثات إلى الخارج لإتمام درجة الدكتوراه. ونشط زريق أيضًا في السياسات التربوية على الصعيد الوطني، لعلّ أهمها العمل على إقرار قانون مجانية التعليم الثانوي الذي أقرّه البرلمان السوري عام 1950، بعد معارضة شديدة من المحافظين. وقد مُنح زريق في هذه الأثناء أوسمة كثيرة، سياسية وثقافية، وكان عضوًا في المجلس التنفيذي لليونسكو، وعضو اللجنة العالمية للتاريخ العلمي والثقافي للإنسانية، وعضو المجلس الإداري للهيئة العالمية للجامعات، ورئيس جمعية أصدقاء الكتاب في بيروت، ورئيس مجلس الأمناء لمؤسسة الدراسات الفلسطينية بين عامي 1963 و1984، ورئيسًا فخريًا له بقية حياته.

توفي قسطنطين زريق في بيروت، يوم 12 آب/ أغسطس 2000، وأقيمت له حفلات تأبين في بيروت ودمشق، كما أُسست مؤسسة ثقافية باسمه، وأُطلق اسمه على أحد شوارع بيروت، قرب الجامعة الأميركية، بقرار من مجلس بلدية العاصمة اللبنانية.

التربية والتربية السياسية

انكبّ زريق على العمل الجامعي، تدريسًا وتربية، وجدانية وأخلاقية، في جو استثنائي وفّرته الجامعة الأميركية آنذاك. فقد كانت مؤسسة علمانية التوجّه، شددت على التنشئة الأخلاقية للطلاب في سياق اجتماعات يومية تُليت فيها الخطابات حول الشؤون الأخلاقية والتربوية العامة، احتوى بعضها على الإشارات إلى الدين بوصفه نصابًا أخلاقيًا في الأساس، من دون الدخول في شؤون العقائد والطوائف وخلافها. وقد كانت أغلبية الطالبات والطلبة من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، تبعهم عدديًا العراقيون وأعداد أقل من المصريين والأردنيين، والبعض من السعودية والكويت والبحرين[4].

كان زريق من المتحدثين الأبرز في هذه الاجتماعات، وحافظ على نصوص العشرات من هذه الأحاديث ومسوّداتها بالعربية والإنكليزية[5]. وقد استقرت لديه منذ بداية أمره نظرة إلى المجتمع أخلاقية الطابع، تقرن ما بين الثقافة والأخلاق والقومية والحضارة والدين في صِلات يُفهم الدين وفقًا لها على أنه قوام أخلاقي جامع بين الناس، تبدو فيه شؤون العقيدة والاختلافات فيها شأنًا ثانويًا، هي أشد ارتباطًا بالإيمان الفردي والممارسة الاجتماعية للدين منها للحياة العامة الجامعة للأمة. أما مناط العمل الأخلاقي والعمل العام فهو الأمّة العربية التي قد يؤمن أفرادها أو لا يؤمنون، من دون أن يكون لهذا الاعتبار من أثر إلّا الاعتبار الأخلاقي. وبذلك، فقد جاء الدين لديه دينًا طبيعيًا على نسق إلهي (Deist) عصر التنوير (Enlightenment)، يستبطن مفهومًا للألوهة باعتباره طاقة ناظمة كامنة تؤدي إلى حقائق مشتركة للأديان، متجاوزة للاجتهادات والمواقف المذهبية.

وقد وجد في فهم الدين هذا ما من شأنه أن يحوّل الدين من طاقة مكبّلة للمجتمع، حابسة له في التقليد والتخلّف، إلى متّحد عضوي للأمة، يتجاوز الأعباء المعطلة للمفاهيم الدينية المتقادمة. ما يتبقى من الدين هو الطاقة المعنوية، وعمادها مفهوم الواجب، الذي ترجمه زريق إلى الواجب القومي.

كانت أولوية الأخلاق، ومناطها عملها في مفهوم الواجب، مدخل زريق إلى التربية القومية، التي كان لها شقّان، أحدهما أكاديمي والآخر سياسي نخبوي. فقد أصرّ زريق على إلقاء دروسه في التاريخ العربي باللغة العربية في مؤسّسة إنكليزية اللسان. وقد كان بالغ النشاط في العناية بالطلاب والإشراف على الجمعيات الطلابية، تمشيًا مع طموح الجامعة إلى التربية الشاملة، ومن ضمنها جمعية إنعاش القرى التي نشطت في الأرياف لمكافحة الأمية وللإرشاد الصحي والزراعي والتثقيف العام.

ولكن العنصر الأهم في هذا النشاط كان انتداب أعضاء هيئة التدريس في الجامعة زريق مشرفًا على نشاط جمعية العروة الوثقى. كانت تلك الجمعية مجال نشوء الفكرة القومية العربية الشاملة وتطورها، التي نشأت عنها لاحقًا حركة القوميين العرب. عُنيت الجمعية بقضية الاستقلال في ظلّ الانتدابين الفرنسي والبريطاني، مع ازدياد الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ولا سيّما في محطتي عامي 1936 و1947[6]. كانت هذه الجمعية حركة ثقافية مناظرة للنادي العربي في دمشق عام 1937، ولنادي المثنّى في بغداد عام 1935، ولاحقًا للنادي الثقافي العربي في بيروت عام 1944. وكانت بذلك إطارًا لبروز قيادات وتبلور تيارات فكرية وسياسية وقومية حداثية، ولاستقبال الأفكار الجديدة وبلورة رؤى راديكالية، بل انقلابية، ما كانت على وفاق مع الأحزاب التقليدية القائمة على الروابط والتحالفات الأهلية. وقد عمل زريق على الانتقال بالجمعية من هدفها التأسيسي لعام 1919، والقائم على ممارسة الخطابة والإعلاء من شأن اللغة العربية، إلى هدف أعرض تناول تنمية الروح الوطنية على صورة عبّر عنها تعبيرًا بليغًا نشيدها الثاني الذي نظمه الشاعر سعيد عقل عام 1938[7].

تقاطعت عضوية هذه الجمعية مع عضوية بعض الحركات القومية السرية التي ورثت تراث جمعية العهد (1913) وسابقتها الجمعية القحطانية (1909)، وتلاقت وتضافرت في عصبة العمل القومي (1933) والتنظيم السري الذي سُمي المجموعة القومية العربية عام 1935. وصدر عن هذه المجموعة نصّ أساسي للتصوّر القومي العربي هو الكتاب الأحمر[8]. سمي بالأحمر نسبة إلى لون غلافه، كما انتظمت تحت ستار من السرية في أطر تنظيمية تغلغل أفرادها في جمعيات وأحزاب قائمة في المشرق. ولكن الحصيلة الأساسية لهذا النشاط كانت تعبوية وأيديولوجية في الأساس لفئة صاعدة من المثقفين العرب القوميين والحداثيين الذين اتخذوا من السرية مناطًا لإذكاء روح الصفوة الطليعية لديهم. ساهم البعض منهم في السياسة العملية على صور مختلفة، وعلى امتداد المشرق العربي، ولا سيّما في العراق الذي اعتُبر وكأنه مختبر حيّ للأفكار القومية ولنسيج الروابط الشخصية والسياسية والثقافية الآيلة عن هذه الجماعة.

وكان أن سافر زريق شخصيًا إلى العراق بدعوة من وزارة المعارف عام 1939، وقابل رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد (1888-1958)، وشارك في جنازة الملك غازي بن فيصل الأول ورثاه على راديو بغداد، مؤديًا التحيّة للنهضة العراقية من "أبناء العروة الوثقى". وقررت وزارة المعارف مجموعة من كتابات زريق نُشرت في كتاب تحت عنوان الوعي القومي على طلبة دار المعلمين العراقية، ووضعت نسخة منه في كل مدرسة ومكتبة. وحثّ زريق رفاقه ومريديه العراقيين على إذكاء روح التنشئة القومية باتخاذ التنظيم شبه العسكري سبيلًا لتربية الناشئة. والحال أن عسكرة التعبئة السياسية وروحها الطهرانية والخلاصية وجدت مجالًا واسعًا في العراق، وخصوصًا عند استلام سامي شوكت إدارة التربية، الذي فرض على الطلبة والأساتذة لباسًا عسكريًا موحدًا وأرسل البعض منهم إلى ألمانيا للتدرّب مع شبيبة أدولف هتلر (Adolf Hitler)، وذلك مع تمجيده الشهادة والدم في سياق الخلاص القومي[9]. وقد سافر كثير من المرتبطين بالعروة الوثقى إلى العراق في تلك الفترة لغرض السياسة والتدريس، ومنهم منير بعلبكي، تلميذ زريق ومؤسس دار العلم للملايين، حيث نشر زريق معظم كتبه. انتهت الفترة العراقية هذه عمليًا بعد فشل محاولة انقلاب رشيد عالي الكيلاني ضدّ السلطة والوصاية البريطانية عام 1941، التي انتهت بإعدام عدد من المرتبطين بهذا الجو.

التربية وتبعات المسؤولية

نزعت إدارة الجامعة الأميركية عن زريق صفة مستشار العروة الوثقى عام 1937، إذ ما كانت تامة الرضى عن نشاطه السياسي. ولكنها لم تعمل على حلّ الجمعية. وتشحّ المعلومات حول نشاطه في الفترة اللاحقة لعام 1941، حين نشأت المجموعات التي ارتبطت بالحكم الوطني في العراق وبرزت قيادات جديدة أدت إلى إنشاء حزب البعث العربي في سورية والعراق. كل ما نعلم هو استمرار حلقات التثقيف والنشاط السياسي في بيروت، التي شهدت انتقالًا للاهتمام من الكتاب الأحمر إلى الوعي القومي (1939) الأقل حركية وانقلابية، ومن مركز التعبئة السياسية من الجامعة الأميركية إلى النادي الثقافي العربي.

وقد توازى هذا مع تحوّل زريق من الداعية والانقلابي إلى الأستاذ والإصلاحي، وتكرّس هذا التحوّل بعد ممارسته العمل الدبلوماسي الرفيع وترؤس الجامعة السورية، ما جعله على مسافة من زملائه في الجامعة الأميركية بعد عودته إليها، ومن الطلاب أيضًا. وجاء انخراطه في العمل الإداري في الجامعة الأميركية معززًا لتلك المسافة ولمواقفه من الحراكات الطلابية، ذلك أنه كما قال مجيبًا عن سؤال حول علاقة العمل الدبلوماسي بصناعة التأريخ، إن التجربة العملية هذه تجعل الفرد مقدّرًا لجدوى "العمل المنتج المنطوي على تبعة"[10].

فبعد الانشغال في الولايات المتحدة بقضية جلاء فرنسا عن سورية ولبنان (بالتعاون مع سفير لبنان شارل مالك)، والتنبيه إلى المطامع الصهيونية، وبعد رئاسة جامعة دمشق، استلم مناصب عليا في الجامعة الأميركية في بيروت. كان ذلك في فترة بالغة الغليان، شهدت تأسيس حلف بغدادوالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ودخول الولايات المتحدة والدولة اللبنانية في عهد كميل شمعون (1952-1958) في الحرب الباردة، ومعارضة المدّ القومي العربي الناصري والمدّ الاشتراكي الذي تلاه مباشرة، والإنزال العسكري الأميركي جنوب بيروت ( تموز/ يوليو 1958)، والحرب الأهلية الأولى في لبنان (1958).

وعلى ذلك، فقد وجد زريق نفسه في موقع مواجهة مع الطلاب، من موقع مسؤوليته، وفي حقل من الألغام السياسية. ابتدأ ذلك مع مجابهة الاحتجاج الطلابي على انضمام العراق إلى حلف بغداد، بمبادرة من جمعية العروة الوثقى في آذار/ مارس 1954، الأمر الذي تطوّر إلى مجابهات مع قوى الأمن اللبنانية ومقتل أحد الطلاب، والسماح لقوى الأمن بتفتيش الحرم الجامعي بحثًا عن المتخفّين من الطلاب. وقد انتهى بقرار الجامعة حلّ جمعية العروة الوثقى. والبديّ أن زريق حاول تربيع الدوائر في محاولة السماح للطلبة بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم من دون خرق أنظمة الجامعة وضوابط الدولة، التي بدأت تفكر بإغلاق الجامعة التي نُظر إليها في عهد شمعون على أنها من أوكار القومية والشيوعية[11].

وقد أدى كل ذلك إلى تباعد بين زريق والجماعات القومية العربية، وانتقال الطلبة المطرودين من الجامعة الأميركية إلى الجامعات المصرية بإيعاز من الرئيس المصري جمال عبد الناصر(1952-1970). والحال أن مواقف زريق من الأحلاف العسكرية ما كانت بالغة الوضوح، ولم تلجأ قط إلى أسلوب التخوين، فكان متحفّظًا بشأن الناصرية والحركات الراديكالية اليسارية التي وجدها متهوّرة، كما كان له رأي بالغ السلبية في الشيوعية. واجتهد لاتّخاذ مواقف أخلاقية وسطية لا سياسية في وضع مفعم بالصراع السياسي، ما جعله عرضة لهجوم استمر أعوامًا طويلة بحجة الرجعية واليوتوبية والسطحية والبرجوازية، في موقع نُسب للاستعمار، هو الجامعة الأميركية. كما لم يكن محصّنًا من هجوم الإسلاميين المتحالفين مع السعودية آنذاك[12].

في كل ذلك اتخذ زريق لسان السلطة العلمية والمؤسسية في تحديد مواقفه، وعلى رأس ذلك رأيه أن الطلبة يدخلون الجامعة ليوجَّهوا لا ليوجِّهوا. وإنه لولا ذلك لانقلبت الحرية إلى فوضى، وإن للطالب مطلق الحرية في الممارسة السياسية، شريطة أن يكون ذلك خارج الجامعة. وكان له أيضًا أن يجابه فريقًا داخل الجامعة أخذ عليه قوميته وعروبيّته. كما دخل في معارك لإدخال فلسطينيين إلى المناصب الأكاديمية، كان منهم إحسان عباس، ولم يستطع حماية أنطوان زحلان في فترة شهدت استقطابات طائفية في الجامعة وإدارتها.

جدير بالذكر هنا أن زريق دخل في مواجهات فكرية علنية مع ممثلي الطائفية السياسية اللبنانية داخل الجامعة الأميركية وخارجها. كما دخل في مواجهة فكرية مع الأفكار القومية السورية النابذة للأفكار القومية العربية. وكان في أوائل عهد رئاسة فؤاد شهاب للجمهورية اللبنانية (1958-1964) قد حثّ الرئاسة على إجراء "العمليات الجراحية الاجتماعية" في لبنان للتصافي مع الحياة العربية على إعلان مبدأ العلمانية في الدولة، وإزالة عراقيل التزاوج المختلط، واعتماد الكفاءة في الوظيفة العامة بدلًا من المحاصصة الطائفية، وتشجيع المؤسسات الاجتماعية والثقافية اللاطائفية "بالترغيب والترهيب". فالطائفية، على ما رأى زريق، من رواسب التاريخ العبء على العرب[13]. وللمرء الاستنتاج بأن تعيين زريق رئيسًا بالوكالة للجامعة بدلًا من منصب الرئاسة الأصلية شأن مرتبط بآرائه بالقومية العربية، إلى أن رُقّي - حسب عبارته - من منصب الرئيس بالوكالة إلى درجة أستاذ ممتاز عام 1957، وانكبّ جهده بعد ذلك إلى الشؤون الأكاديمية حصرًا، تدريسًا وتأليفًا ومساهمة في الحياة الثقافية عربيًا وعالميًا[14].

كان من شأن المكانة المعنوية لزريق أن تحصّنه من آثار توترات الخمسينيات في المنطقة والجامعة، وأن تعمل على التخفيف من حدّة الهجوم عليه بعد أن غادر المنصب الإداري في الجامعة، وانكبّ على التدريس والتأليف والنشاط العلمي العام في الجامعة وخارجها، من دون تعرّضه لتقلبات السياسة، ولا سيّما أن مكانته كانت قد كُرّست عندما نشر كتاب معنى النكبة، عن دار العلم للملايين عام 1948، إذ كُرست "النكبة" في المصطلح السياسي العربي، واستُخدمت على نحو غير مقيّد على أنها تشير إلى "النكبة العظمى التي ليس بعدها نكبة"[15]. واستمر في المساهمة في شؤون الجامعة الأميركية التنظيمية والتخطيطية ومحاولة معالجة الاختناقات الإدارية فيها. وكان ممن آثروا توجيه الجامعة نحو التشديد على الدراسات العليا والتنسيق بهذا الشأن مع الجامعة اللبنانية، ونحو التعريب التدريجي لأعضاء هيئة التدريس ولكل الإداريين. كما نصح لدى استشارته في إنشاء جامعة الكويت الاستفادة من الوفرة المادية لإنشاء مؤسسات بحثية عربية متميزة في مجالات شتى، وإيلاء الأولوية للبحث والتدريس.

وما فتئ زريق المربي يرى في الجامعات موضعًا للخطاب العقلاني وإنتاجه وتراكمه، وينعى على النظم التربوية العربية إهدار الموارد في إنتاج خريجين من أنصاف المتعلمين. نالت أهدافه قدرًا من التحقق في مؤسسات بحثية ساهم فيها، على رأسها مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومركز دراسات الوحدة العربية. وقد استمر في شيخوخته في الاهتمام بالشأن القومي العربي الذي لم يقنط منه، رغم النوائب التي حلّت بالعرب على امتداد حياته وامتداد القرن العشرين. وعاد إلى تأكيد مسلّمات وأهداف فكرية واجتماعية وقومية استقاها من تراث النهضة العربية في مساهمات صحافية شتى، وفي كلمات في مناسبات مختلفة. وانتقل أخيرًا من مخاطبة الشيوخ الذين لم يفلحوا على امتداد القرن العشرين، إلى مخاطبة الشباب، مقِرًّا بالعوامل المعطّلة لتطلّع العرب إلى المستقبل. غير أنه وجد ضالته في التمييز بين القلق السلبي المعطّل والقلق الإيجابي الحافز، في كتاب بعنوان ما العمل؟ حديث إلى الأجيال العربية الطالعة[16]، نشره وهو على أعتاب التسعين وتكلّم فيه عن الإرادة، كعهده في شبابه.

الفكر القومي والاقتدار القومي

استحوذت الفكرة القومية على وجدان زريق وفكره على امتداد سبعين عامًا من العطاء. وقد كان بما ألّفه حول القومية شقّين متلازمين، أحدهما خطاب أخلاقي قد يلامس الطهرانية، رساليّ التوجّه، يوازي فيه بين العمل القومي والتأسيس النبوي، مجددًا بذلك معنى السيرة المحمدية، بحيث تتسنّى للعرب ولادة جديدة على شاكلة ولادتها مع دعوة النبي العربي، على ما جاء في كلامه بمناسبة ذكرى المولد النبوي عام 1955[17]. ولئن تهكّم البعض على هذا الكلام المستمر حول القومية والرسالة في أعمال زريق المبكرة، منهم المثقف اليساري البارز رئيف خوري الذي قارن ما ورد في الوعي القومي بما يسمع من مواعظ في مدارس الأحد[18]، إلّا أنه ينبغي التنبّه إلى أن زريق جعل مفهومي الواجب والإرادة معًا مناطًا مجردًا للفعل القومي، في وضع عربي خامل متخلّف، يحتاج إلى نواة عقائدية انقلابية لدى زريق الشاب، ونواة إصلاحية لدى زريق المجرّب.

وقد تمثل الدور الأول لدى زريق في البيان التأسيسي لعصبة العمل القومي وفي كتاب القومية العربية، المعروف بـالكتاب الأحمر، في إشارة إلى لون غلافه، وفي المقالات المنشورة في الوعي القومي[19]. وإننا نجد الكتاب بالفعل مصاغًا على شاكلة تقريرات عقيدية شبيهة بتقريرات العقائد الملقاة في الدراسات الدينية (Catechism). في هذين النصيّن وما رافقهما من خطب لزريق عقيدة قومية تقرن بين التنظيم والعقيدة سبيلًا لتحويل الجمهور من مادة خام إلى كتلة متراصة غير منقسمة إلى أحزاب أو توجهات أيديولوجية، أي إلى شَعْبٍ، بحيث تجعل العقيدة القومية جزءًا من الحياة، تتناقلها الأجيال كما تتناقل الدم واللغة. وهي، أي الكتلة المتجانسة، تتثبت عن طريق الضبط الاجتماعي الصارم أسلوبًا لصهر الأفراد في الجماعة القومية المنشودة، وذلك في ما يمكن أن نطلق عليها صفة الصحة العامة الاجتماعية، التي من شأنها أن تلمّ أشعاث الأمّة العربية. ومن نتائج هذا العمل إيقاظ الحيوية الكامنة في الأمّة وتهذيبها، وتوطيدها في تطور تقدّمي[20].

وغني عن الذكر أن لهذا التصور القومي نظائر في ألمانيا وإيطاليا في الثلاثينيات، اللتين اعتبرتا قدوتين للنهضة القومية في زمن شباب زريق، كما صير إلى أن اعتُبرت فيتنام وكوبا قدوة للحركات التقدّمية العربية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. ونحن نرى إشارات استنهاضية إلى بينيتو موسوليني (Mussolini Benito، 1883-1945)، وجوسيبي غاريبالدي (Garibaldi Giuseppe، 1807-1882)، بطل القومية الإيطالية، وإلى شارل مورّاس (Charle Maurras، 1868-1952) وموريس بارز (Maurice Barrès، 1862-1923)، عَلَميّ اليمين القومي الفرنسي. ذلك أن ثمّة توازيات أيديولوجية في هذا الضرب الرومانطيقي من العقيدة القومية عابر للحدود والعصور.

وقد تمثلت هذه التوازيات في تجربة تاريخية بارزة في بلد محاذٍ هو تركيا الكمالية، وهي تجربة تاريخية قومية وبانية لأمّة، رافعة بها من الهزيمة إلى الاستقلال والاقتدار سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا. فقد كان مصطفى كمال (1881-1938) قدوة لمعاصريه العرب وغير العرب، وكانت تجربته ملهمة، رغم السجالات العلمائية التي شُنّت ضدّها. وقد تضافرت في هذه التجربة، كما هو معلوم، قومية متشددة ذات طابع حداثي وعلماني مؤسس، بحيث جعلت القومية رافعة للتحديث، وجعلت التحديث رافعة للقومية. وقد كان لذلك نظائر مباشرة لدى زريق ولدى غيره ممّن انتمى إلى عالم فكري حداثي علموي آيل عن عصر النهضة الذي حمل زريق روافعه الفكرية الأساسية[21].

بذلك كانت الفكرة القومية لزريق هذه متضافرة مع عنصر آيل عن نظرة وضعية إلى الترقّي والتقدم، التي تعتبر القومية أكثر من عاطفة وإرادة، بل تراها الشكل الأكثر تطورًا للاجتماع السياسي البشري. بهذا المعنى، فإن القومية تتمايز عن المنظور الشائع والمتمثّل بصياغته الصافية المثالية لدى ميشيل عفلق، الذي وجد في الأمّة حالة طبيعية ينبغي تذكّرها واستعادتها. وتتوافق نظرة زريق هذه مع موقف كان سبّاقًا إلى صياغته، بأن القومية شكل من التنظيم السياسي المتجاوز لصلات القربى والدين وغير ذلك من الصلات ما دون التاريخية، وما قبل القومية، والسابقة للحداثة، النظرة التي اشترك فيها مع ساطع الحصري وغيره. فالقومية وضع زماني حداثيوسليل التقدّم وليست "سدرة المنتهى"[22]. ولذلك فإن من الضروري نبذ "حجاب الجنس" و"شبح الدم" إن ابتُغي إعادة بناء المجتمع العربي على أساس قومي، والانتقال من "المفهوم الثيوقراطي" إلى المفهوم العلماني للسياسة. من نافل القول إن هذا يتطلب فصل الدين عن الدولة، والمساواة القانونية بين المواطنين. وكل ذلك يبعث على نقل البناء القومي عند العرب من حالته الجنينية إلى وضع التحقق[23].

بناء الأمم إذًا، عملية تاريخية تنطوي على تطوّر وتحوّل، وليس على تذكّر واستئناف للأصول والأوائل. إن النظر إلى هذه العملية واعتبارها يستدعي موقفًا تاريخيًا يؤدي إلى ما ذهب إليه زريق من أن تراث الماضي إنما هو مكوّن شديد النقصان من مكوّنات الحاضر[24]. ذلك أن التغني بمآثر الماضي أمر قد يستثير الحماسة ويولد المحبة، إلّا أنه ينطوي على طابع أفيوني مخدّر، وهو ضرب من السحر يؤدّي العجز عن تخطّي الواقع المأزوم وعدم الرغبة في التخطّي، فليس العمل القومي استعادة. ولئن كان في تاريخ العرب ما قد يقتدى به وتنبغي الإشارة إليه، نراه من منظور الواقع ترقّيًا ومسيرة إلى الأمام، وليس إيقافًا للتاريخ لاسترداد عهود ذهنية ولّت. فما الحنين إلى الماضي إلّا من "التاريخ العبء"[25].

والحال أن ثمّة تكثيفًا للشاغل النهضوي الشامل تلا خسارة فلسطين، نراها في معنى النكبة، عبّر عنها زريق بعبارة ليست غريبة عن ميوله الخطابية الاستنهاضية، واجدًا في النكبة معانيَ إيجابية، كونها نقّت "بنار المحنة جوهرنا"، وبلورت "كياننا"[26]. والأساسي لتشخيص زريق النظر إلى النكبة باعتبارها حالة مخبرية ماثلة لسبر نقاط الضعف والاعتلال في الواقع العربي، محفِّزة على توسيع النظر في القومية من الاستنهاض إلى الرصد والتحليل. وبإمكاننا أن نذهب إلى أن سلسلة الكتب التي صدرت، من معنى النكبة مرورًا بـ نحن والتاريخ وما تلاه، مثّلت ردة فعل على الخطاب القومي الانقلابي المبكّر لدى زريق و"توضيحًا وتوسيعًا" له[27]، انتقلت بمواقفه ومعارفه من الخطابية إلى التحرّي التاريخي، مع التشديد المتزايد على العلل الداخلية المانعة للعرب عن الاقتدار والجدارة التاريخيين. ويستلزم هذا الأخذ بتاريخية القومية ومرجعيتها في "الزمن الحاضر الأكثر تقدّمًا"، بعيدًا عن أوهام التفرّد التاريخي[28].

فالاستجابة للهزيمة لصيقة بمعالجة العلل الداخلية، وعلى رأسها التهرّب من الواقع، وبالتعوّذ بالماضي المجيد. ولمّا كان الواقع تاريخيًا، كمنت الاستجابة في جعل العرب قوة "متمشية مع مجرى التاريخ". ولما كانت الصهيونية متأصّلة في الحياة الحديثة، والعرب ما زالوا مخدّرين أنفسهم بأمجاد الماضي، كان عليهم التوجه إلى المستقبل. فالنكسة واقع حضاري، إذ ينتمي العرب والإسرائيليون إلى مرحلتين متفاوتتين من مراحل الحضارة، ولا سبيل إلى تجسير فجوة الفوات التاريخي هذه، إلّا بالتحوّل بالعرب من مجتمع انفعالي توهّمي شعري، إلى مجتمع تحقيقي عقلاني علمي[29]ـ كانت تلك أفكارًا راجت في الثقافة العربية، وخصوصًا بعد النكبة المستأنفة في عام 1967 التي عُرِفت باسم النكسة، ولو أن زريقًا ما كان تام الرضى عن الصياغات اليسارية لهذه الأفكار.

أما السبل، فقد تحرّاها زريق في العلم بوصفه ظاهرة شاملة للفكر والسلوك، ما يؤدي بالعرب ليس إلى الاقتدار والاستحقاق فحسب، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بوعي التموضع التاريخي للجميع في حضارة عالمية حديثة ذات منشأ غربي، من دون أن تجعل منها شهادة المنشأ حكرًا على الغرب[30]. ووفقًا للشق الآخر في رؤية زريق للقومية، فإنها نتيجة إنجاز تاريخي. ولئن افترض وجود القومية العربية، فهي موجودة كامنة بالقوة، وليس بالفعل[31]. فقد كان تاريخ العرب في الفترة المحمدية خطوة ثورية أدت إلى قيام نظام ثيوقراطي، من دون أن يعرف العنصرية، بانيًا للحضارة، مؤيدًا للعقل، إنساني التطلّع. ولكن هذا الحديث عن المناقب التاريخية لم يكن مبسّطًا على الدوام، إذ كان تاريخ العرب قد عانى توترات بيّنة بين العقل والنقل، وبين الأمّة والقبيلة، وبين الاستبداد والحرية، على ما رأى زريق. أدت هذه إلى تغلّب المساوئ على المحاسن، وقد علّل زريق ذلك على صورة تقليدية، واجدًا إياه في تراخي العقيدة وتسلط المطامع الشخصية والعجز عن التضحية في سبيل المجموع[32]. أما الصلة بين الوضع الراهن للعرب والموروث من عهودهم الأسوأ والأضعف، والمستقبل المرجوّ، فهو قائم على استشراف إمكانيات الاقتدار وجعلها واجبًا؛ الخط الناظم في القصور السياسي القومي لزريق.

التاريخ والمستقبل

الواقع أن زريق لم يؤلف كثيرًا في التاريخ. فقد تلا تحقيقه لمسكويه في إطار رسالة الدكتوراه تحقيقًا لثلاثة أجزاء من تاريخ ابن الفرات (ت 807هـ/ 1405م) بالاشتراك مع نجلاء عز الدين، نُشرت بين عامي 1936 وـ1942، وترجمة لكتاب لثيودور نولدكه (Theodor Nöldeke، 1836-1930) (بالتعاون مع بندلي جوزي) عن أمراء غسّان من آل جفنة، الصادر عن المطبعة الكاثوليكية في بيروت عام 1933. أما كتبه التالية فلم تتناول الدراسة التاريخية، بل انكبّت على الفكر القومي، حتى عام 1959، الذي شهد سلسلة من الكتب ذات الطابع الفلسفي والتاريخي في شأن التاريخ. نشر نحن والتاريخ: مطالب وتساؤلات في صناعة التأريخ وصنع التاريخ، الصادر عن دار العلم للملايين عام 1959، واستكمل هذا العمل في كتاب بعنوان فيمعركة الحضارة: دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها وفي الواقع الحضاري، الصادر عام 1964، ثم نحن والمستقبل، الصادر عام 1977. تناولت هذه الكتب مجتمعة مناقشة شأن التاريخ، وعلاقة الماضي بالحاضر والمستقبل، ولا سيّما عند العرب. واتّصل ذلك بالاهتمام بفلسفة التاريخ وتفسيره، وبالدراسات الاستشرافية المستقبلية. وهي كلها نشرت بالتوازي مع تناول الشأن القومي باستئناف معنى النكبة في معنى النكبة مجددًا، الصادر عام 1967. وفي الكتابين، كما في سائر الكتابات السياسية والقومية لزريق، صلات أكيدة ووثيقة بالأعمال التي تناولت فلسفة التاريخ ومآلاته على اعتبار أن القومية شأن متعلّق بالتاريخ يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ارتبطت الاهتمامات البحثية بفلسفة التاريخ ومعانيها في السياق العربي ارتباطًا مباشرًا بتدريس زريق في الجامعة الأميركية، فجاء كتابه نحن والتاريخ شارحًا ومناقشًا عِدَّة المؤرِّخ المنهجي المحترف الناقد على نحو لصيق بالشأن العام للتاريخ، متناولًا صناعة التأريخ، واتجاهات الكتابة التاريخية العربية الحديثة، التي لخّصها في الاتجاه التقليدي، والقومي المختلط حينًا بالتقليدي، والماركسي، ثم العلمي، محلّ ثقته[33]. وقد درس الكتاب قضايا التعليل التاريخي والوهم في تناول التاريخ. فزريق درّس على امتداد عشرين عامًا مادتين إجباريّتين لطلبة التاريخ: فلسفة التاريخ والتفسير التاريخي. وجاء تدريسه تدريبًا على تقنيات البحث، وسعيًا منه لانتشال التاريخ من العامية. ولهذا الغرض، نجده يقدم إلى الطلاب مادة منهجية يغلب عليها التقليد في فهمها الوضعي للمصادر واستعمالها، واعتماده، كأستاذه أسد رستم، على كتب مدرسية من القرن التاسع عشر، وعلى بعض المظان التعليمية الأنكلوسكسونية، من دون الالتفات إلى تطور مناهج البحث والتفسير التاريخيين المعاصرين له. ولعلّ مبرر ذلك كان تدريبًا للطلبة على التحوّط المنهجي[34].

وقد ترك زريق في ملفاته ملاحظات تفصيلية ودقيقة تتناول محاضراته وإنتاج طلابه. فقد كان متطلّبًا، واعتمد أسلوبًا أكاديميًا محافظًا في تدريس تاريخ العرب بمجالاته الشاملة للفكر العربي القديم والحديث، وتاريخ الجاهلية والصليبيين، وتاريخ العلوم وتواريخ عصور التاريخ العربي كافة، من دون أن يباشر إلى مساءلة بعض المقولات المألوفة المتداولة، ولكن مع شديد الحرص على تعليم الطلبة ملَكة التمييز، وعلى اكتسابهم ملَكات البحث التاريخي ومعالجة المصادر التاريخية. وخصّص لطلابه مواضيع للأبحاث الشخصية من مروحة واسعة، شملت لباس المرأة في التاريخ العربي، وبلقيس والزبّاء، وكتاب هنري لامنس (Henri Lammens، 1862-1937) عن يزيد بن معاوية والحرف الإسلامي، والحياة الاجتماعية كما تبدّت في أعمال الجاحظ، والتجارة العربية في المحيط الهندي، وحلب في عهد نور الدين زنكي، وغير ذلك.

يحتوي كتاب معركة الحضارة لزريق عرضًا مستفيضًا لنظريات الحضارة المتداولة في الأدبيّات التاريخية العالمية، يتناول تعريفاتها الاجتماعية والتاريخية والقيمية، وتحوّلاتها على امتداد الزمان، الخطية والدورية والتراكمية واللولبية، وتفاعلاتها مع بعضها البعض. كما يتطرق إلى المسائل الكبرى التي تتناول شأن التقدّم والتحضّر والتراجع، بناء على نظريات الحضارة، ممثلًا على كل ذلك بمناقشات تاريخية شتى. ويجعل كل ذلك من هذا الكتاب مدخلًا مفيدًا لدراسة المفهوم ولتعريف الطلاب به.

جمع زريق بين المفهوم الاجتماعي التاريخي للحضارة، القائم على اعتبار العادات والتقاليد والممارسات والأعراف، والمفهوم القيمي القائم على اعتبار الرقي البشري. ومن هذا المنطلق عالج شأنًا كان له حضور كبير في الفكر العربي، هو العلاقة بين خصوصيات الحضارات، وما هو عميم في الحضارات البشرية جميعًا. وهو لئن وجد كل حضارة قائمة على مميّزات واستعدادات خاصة، إلّا أن هذا لا يلغي الاشتراك في الإنسانية، ولا الاشتراك بين الحضارات في الأخذ بأسباب التمدّن، شرط الاقتدار والاستحقاق. فما التراث المشترك هذا، إضافة إلى العلم والعقلانية، إلّا سبل الحياة الفاضلة، وعلى رأس هذه السبل التحرر من قيود الطبيعة، ومن تحكّم الناس بالناس، ابتداء من شرائع حمورابي، مرورًا بشرائع الأنبياء، وانتهاء بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان[35].

أما مناط التمايز بين الحضارات، فقد وجده زريق في النُظم والقيم والمرتبطة بالتمايزات بين الأديان واللغات. ويتقوّم هذا بـ "طابع غالب"، يرى زريق ضرورة التحوّط في تحديده، يتكوّن من مفهوم شامل للحياة يضفي معانيَ على "الحقيقةوالخيروالجمال". هذا على الرغم من تحفّظه من استخدام عبارة مجازية بالغة الشيوع، هي "الشخصية الحضارية" التي تفيد الانغلاق والثبات عبر الزمن[36]. وذلك لمّا كانت الحضارة مظاهر بشرية اكتسابية تتعدّى الطبيعة والوراثة لكون الإنسان فاعلًا، مكتسبًا للعادات والقيم والقوانين، ومبتكرًا للتنظيمات، فإن معيار الحضارة يكمن في درجة تمدّن ورقيّ ما اكتسبته جماعة بشرية معينة.

وبذلك، أتى موقفه جامعًا بين تصوّرين لا يتفقان، أحدهما عزو وحدة داخلية لكل واحدة من الحضارات، يعزوها إلى الطابع الغالب عليها، كالذهاب مع أوزفالد شبنغلر (Oswald Spengler، 1880-1936)، عَلَم النسبية الحضارية غير المحدودة، إلى أن الحضارة الغربية موسومة بالطابع البروميثيوسي (Prometheus) الباعث على الانضباط والجد والنشاط والعلم والإنسانوية، في تراث متجانس موحّد مستمر غير منقطع، من أرسطو إلى أوغسطين (St. Augustine)، وصولًا إلى فريدريش هيغل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel، 1771-1831) وفريدريش فيلهيلم نيتشه (Friedrich Wilhelm Nietzsche، 1844-1900). فجاء مزيج الرومانسية والعقلانية لدى زريق مناطًا لحثّه العرب على الأخذ بما دعاه "علم النكبة"، وذلك بهدف تجاوز الفوات التاريخي، والاندراج في الحداثة من دون أن يطرح مسألة إمكانية الانتقال إلى الحالة البروميثيوسية، إن استقر الرأي على الأخذ بمفهوم الطابع الغالب[37].

وإذا كانت ثمّة مشاكل تعترض تقدّم العرب، من قوام شعري أشعث التنظيم، إلى نصاب مساوق للحضارة البشرية الجامعة في دورها الراهن في زمن زريق، فإن من شأن مشكلات الحضارة العالمية ما يعقّد الانتقال. ذلك أن الحضارة، كونها بشرية، تنطوي أيضًا على الهمجية التي لا تغيب عن التاريخ. ومن مظاهر هذه الهمجية الاستغلال والاستعمار والعنف والقتل الجماعي. وإن الحضارة تطلق عنان القوى الاقتصادية وغيرها مما كان من شأنه تفارق متصاعد بين التقدّم التقني من جهة، وتقدّم العقلانية والأخلاق من جهة أخرى، وتباين بين الأدوات التقنية والتنظيمية من جهة، والغايات الحضارية والإنسانية الكبرى من جهة أخرى. يؤدي كل ذلك إلى وضع يشهد هدرًا فاحشًا للموارد وتلويثًا للبيئة وازديادًا للفجوات بين البشر، فضلًا عن ازدياد التدمير والحروب على الموارد، فيصبح بذلك خيار المستقبل في نهاية الأمر خيارًا بين البقاء والاندثار[38].

يرتبط المستقبل حسب توصيف زريق في كتابه من المستقبليات، نحن والمستقبل، بالحاضر والماضي، في سياق انتظام الحضارة وتلاقي الحضارات وتحوّلها، مع الخشية من الأفول. ولذلك التجأ إلى الدعوة وإلى "تحوّل جذري في الكيان الإنساني"[39]، فبدت نقائص الحضارة العالمية ومخاطرها وكأنها مواضع تصور أو حصيلة صدف ونوائب لا ارتباط ضروري لها بالديناميات الداخلية للحضارة، التي تخلو لديه من اعتبار فعلي للرأسمالية. وبذلك أتى الحل من خارج الديناميات الحضارية، من موضع مفارق، هو الاعتبار الأخلاقي. ولذلك فنحن لا نجد لدى زريق اهتمامًا بالدراسات السوسيولوجية للحضارة، ولا من علم الاجتماع التاريخي. ويبدو وكأننا به، مع إدخاله الظاهرة القومية في الحضارة، نراه يخرج الحضارة من التاريخ.

المراجع

العربية

باروت، محمد جمال. حركة القوميين العرب: النشأة – التطور – المصائر. دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، 1997.

بيان المؤتمر التأسيسي لعصبة العمل القومي المنعقد في قرنايل، في 4 جمادي الأولى سنة 1352 هجري/ 24 أغسطس سنة 1933 ميلادي. دمشق: المطبعة العصرية، [1933].

حبش، جورج. صفحات من مسيرتي النضالية: مذكرات جورج حبش. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019.

خوري، رئيف. معالم الوعي القومي. بيروت: دار المكشوف، 1941.

دراج، فيصل. "دلالة المعرفة التاريخية". الطريق. مج 4، العدد 60 (2001). ص 90-99.

زريق، قسطنطين. الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتّحة في الشرق العربي. بيروت: دار المكشوف، 1939.

________. الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.

________. ما العمل؟ حديث إلى الأجيال العربية الطالعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998.

شرارة، وضاح. "حوار مع قسطنطين زريق: هل يكون العرب في صناعة التاريخ من أبناء الماضي أم من أبناء المستقبل؟". الفكر العربي. مج 1، العدد 1 (حزيران/ يونيو 1978). ص117-137.

شوكة، سامي. هذه أهدافنا. بغداد: مطبعة التفيّض الأهلية، 1939.

العظمة، عزيز. "التأريخ والقومية العربية والعلمانية: قسطنطين زريق عكس التيار". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 35 (صيف 1998). ص 3-22.

________. قسطنطين زريق: عربي للقرن العشرين. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

________. العلمانية من منظور مختلف. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008.

عفلق، ميشيل. في سبيل البعث. بيروت: دار الطليعة، 1959.

غنما، أمجد ذيب. جمعية العروة الوثقى: نشأتها ونشاطاتها. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002.

كوثراني، وجيه. الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي. بيروت: دار الطليعة، 2000.

مروة، كريم. "ظاهرة قسطنطين زريق في أفكاره وفي تحولاته". الطريق. مج 4، العدد 60 (2001). ص 81-89.

المنجّد، صلاح الدين. أعمدة النكبة: بحث علمي في أسباب هزيمة 5 حزيران. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1967.

النكدي، عارف. "معنى النكبة". مجلة المجمع العلمي العربي. مج 24 (نيسان 1949). ص 295.

الأجنبية

Clayer, Nathalie, Fabio Giomi & Emmanuel Szurek (eds.). Kemalism: Transnational Politics in the Post Ottoman World. London: I. B. Tauris, 2019.

Hanioǧlu, Șükrü. Atatürk: An Intellectual Biography. Princeton: Princeton University Press, 2011.

Halévy, Elie et al. “Symposium: The Problem of Nationality.” Proceedings of the Aristotelian Society. vol. 20 (1919-1920). pp. 273-265.

[1] يُعتمد على سرد سيرة قسطنطين زريق الشاملة، في الفصل الأول من: عزيز العظمة، قسطنطين زريق: عربي للقرن العشرين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003)، استنادًا إلى المصادر الواردة في هوامشه، وجلّها من المقابلات والأوراق الخاصة لزريق.

[2] أوراق زريق الخاصة محفوظة في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، في:

 [3] نشر للمرة الأولى في بيروت:

Miskawayh, The Refinement ofCharacter: A translation from the Arabic of Ahmad ibn-Muhammad Miskawayh's Tahdhib al-akhlaq, Constantine Zurayk (trans.) (Beirut: The American University of Beirut, 1968).

[4] للاطّلاع على محتوى خطب زريق في تلك الفترة، يُنظر: العظمة، قسطنطين زريق، ص 28-59.

[5] كل هذه المواد مدوّنة ومبوّبة ومؤرّخة في فهرست أعمال قسطنطين زريق الواردة في: المرجع نفسه، ص 229-297.

[6] يُنظر: أمجد ذيب غنما، جمعية العروة الوثقى: نشأتها ونشاطاتها (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002)؛ محمد جمال باروت، حركة القوميين العرب: النشأة – التطور - المصائر (دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، 1997)؛ جورج حبش، صفحات من مسيرتي النضالية: مذكرات جورج حبش (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019)، ص51-52، 61-73.

[7] للاطّلاع على النص، يُنظر: العظمة، قسطنطين زريق، ص 48.

 [8]للاطّلاع على النص يُنظر: المرجع نفسه، ص 120-135.

[9] سامي شوكة، "صناعة الموت"، في: سامي شوكة، هذه أهدافنا (بغداد: مطبعة التفيّض الأهلية، 1939)، ص1-3؛ حول علاقة زريق ورفاقه بالعراق، يُنظر: العظمة، قسطنطين زريق، ص 53-58.

[10] وضاح شرارة، "حوار مع قسطنطين زريق: هل يكون العرب في صناعة التاريخ من أبناء الماضي أم من أبناء المستقبل؟"، الفكر العربي، مج 1، العدد 1 (حزيران/ يونيو 1978)، ص 123.

[11] عن هذه الأحداث وتلك الفترة، يُنظر: العظمة، قسطنطين زريق، ص 75-ـ82.

[12] مثلًا: صلاح الدين المنجّد، أعمدة النكبة: بحث علمي في أسباب هزيمة 5 حزيران (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1967)، ص 21 وما يليها.

[13] العظمة، قسطنطين زريق، ص 168-172؛ لمتابعة التمييز الأساسي بين "التاريخ العبء" و"التاريخ الحافز"، يُنظر: قسطنطين زريق، الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص 526-528.

[14] العظمة، قسطنطين زريق، ص 84.

[15] عارف النكدي، "معنى النكبة"، مجلة المجمع العلمي العربي، مج 24 (نيسان 1949)، ص 295.

[16] قسطنطين زريق، ما العمل؟ حديث إلى الأجيال العربية الطالعة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998).

[17] زريق، الأعمال الفكرية، ص 119-122.

[18] رئيف خوري، معالم الوعي القومي (بيروت: دار المكشوف، 1941)، ص 12، 14، 35، 47، 49.

[19]بيان المؤتمر التأسيسي لعصبة العمل القومي المنعقد في قرنايل، في 4 جمادي الأولى سنة 1352 هجري/ 24 أغسطس سنة1933 ميلادي (دمشق: المطبعة العصرية، [1933])؛ كتاب القومية العربية: حقائق وإيضاحات ومناهج، ونصّه في: العظمة، قسطنطين زريق، ص 120-135؛ قسطنطين زريق، الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتّحة في الشرق العربي (بيروت: دار المكشوف، 1939).

 [20] الفقرات 8، 49-50، في: "الكتاب الأحمر: كتاب القومية العربية: حقائق وإيضاحات ومناهج"، في: العظمة، قسطنطين زريق، ص 121-122، 133.

[21] عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 200-201؛ العظمة، قسطنطين زريق، ص150-151؛

Nathalie Clayer, Fabio Giomi & Emmanuel Szurek, “Introduction: Transationalizing Kemalism: a Refractive Relationship,” in: Nathalie Clayer, Fabio Giomi & Emmanuel Szurek (eds.), Kemalism: Transnational Politics in the Post Ottoman World (London: I. B. Tauris, 2019), pp. 1-37; Șükrü Hanioǧlu, Atatürk: An Intellectual Biography (Princeton: Princeton University Press, 2011), ch. 6 & 7.

[22] زريق، الأعمال الفكرية، ص 36-37؛ العظمة، قسطنطين زريق، ص117-118، 150، 189-194، 201-203؛ عزيز العظمة، "التأريخ والقومية العربية والعلمانية: قسطنطين زريق عكس التيار"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 35 (صيف 1998)، ص 3-22؛ ميشيل عفلق، في سبيل البعث (بيروت: دار الطليعة، 1959)، ص 41. أما بالنسبة إلى الأصول الوضعية السوسيولوجية لقران القومية بالتطور، وهو ما ورد في مدرسة إميل دوركايم (Émile Durkheim)، فيمكن الاطّلاع على مداخلة مارسيل موس، في:

Elie Halévy et al., “Symposium: The Problem of Nationality,” Proceedings of the Aristotelian Society, vol. 20 (1919-1920), pp. 242-252.

[23] زريق، الأعمال الفكرية، ص 109، 321.

[24] يُنظر المقدمة في: المرجع نفسه، ص 24-26، ص 392 وما يليها.

[25] المرجع نفسه، ص 528-529، 1664.

[26] المرجع نفسه، ص 239.

[27] شرارة، ص 132؛ زريق، الأعمال الفكرية، ص 1419.

[28] يُنظر: فيصل دراج، "دلالة المعرفة التاريخية"، الطريق، مج 4، العدد 60 (2001)، ص 91-92.

[29] زريق، الأعمال الفكرية، ص 201-204، 299، 336-338، 344-345، 1174-1175.

[30] المرجع نفسه، ص 290-299، 336-338، 344-345، 1174-1175.

[31] المرجع نفسه، ص 36-37.

[32] المرجع نفسه، ص 604-607.

[33] المرجع نفسه، ص 392-403.

[34] المرجع نفسه، ص 402-431، 827. يُنظر أيضًا: وجيه كوثراني، "الفكر التاريخي في دعوة قسطنطين زريق: (نحن والتاريخ) ما قبل وما بعد"، في: وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 176-177؛ العظمة، قسطنطين زريق، ص 171-174.

[35] زريق، الأعمال الفكرية، ص 604-607.

[36] المرجع نفسه، ص 773-790.

[37] المرجع نفسه، ص 78، 1075، 1667-1670. يُنظر أيضًا ملاحظات رئيف خوري: خوري، ص 32-33؛ كريم مروة، "ظاهرة قسطنطين زريق في أفكاره وفي تحولاته"، الطريق، مج 4، العدد 60 (2001)، ص 85؛ العظمة، قسطنطين زريق، ص 155-156.

[38] زريق، الأعمال الفكرية، ص 22-25، 724، 1150-1154، 1088-1101، 1195-1201.

[39] المرجع نفسه، ص 1021.


المحتويات

الهوامش