أدوية التخدير، المعروفة أيضًا بـ"أدوية البنج"، هي أدوية تُسبب فقدانًا مؤقتًا للإحساس أو الوعي، ما يسمح للمرضى بالخضوع للإجراءات الجراحية والطبية من دون الشعور بالألم.
يعود تطور أدوية التخدير إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما أحدث كلٌّ من ثنائي إيثيل الإيثر (Diethyl ethers) والكلوروفورم (Chloroform) ثورةً في مجال الجراحة، عبر توفير ظروف خالية من الألم خلال العمليات. ومنذ ذلك الحين، أسهمت التطورات في ابتكار أدوية مخدرة أكثر أمانًا وفاعلية، مع تقليل الآثار الجانبية، وتحسين الرعاية خلال العمليات الجراحية، وتحسين نتائج المرضى[1].
تعد أدوية التخدير حجر الزاوية في الطب الحديث، إذ تتيح إجراء العمليات الجراحية والإجراءات التشخيصية والعلاجية بأقل قدر ممكن من الألم والانزعاج للمرضى. وتنقسم أدوية التخدير حسب آلية عملها وكيفية إعطائها وتأثيرها والاستخدام السريري لها، إلى: أدوية التخدير العام (General anesthetic drugs)، وأدوية التخدير الموضعي (Topical anesthetic drugs)، وأدوية التخدير الناحي (Regional anesthetic drugs).
أما أدوية التخدير الموضعي، مثل الليدوكائين (Lidocaine)، فتُستخدَم في الإجراءات البسيطة. وأما أدوية التخدير العام، مثل البروبوفول (Propofol) أو السيڤوفلوران (Sevoflurane)، فتُعدّ ضرورية في العمليات الجراحية الكبرى التي تتطلب فقدانًا كاملًا للوعي واسترخاء للعضلات.
يعتمد اختيار أدوية التخدير على نوع الإجراء الطبي، وعلى عوامل مرتبطة بالمريض، مثل العمر، والأمراض المصاحبة، وحساسية الأدوية، والمستوى والمدة المطلوبين للتخدير.
شهد علم أدوية التخدير تقدمًا كبيرًا، بما في ذلك تطوير أدوية قصيرة المفعول وأنظمة توصيل موجهة، ما عزّز أمان إدارة التخدير وفاعليتها. وتُسهم الابتكارات مثل
تكنولوجيا النانو {{تكنولوجيا النانو: (Nanotechnology) تكنولوجيا تهتم بدراسة المواد والهياكل وتصميمها على مستوى النانومتر، من 1 إلى 100 نانومتر. تُطبَّق هذه التكنولوجيا تطبيقًا واسعًا في التصنيع الدوائي لتحسين فاعلية إيصال الأدوية، واستهداف الخلايا استهدافًا دقيقًا. يُمثل التحكم في الخصائص الفيزيائية والبيولوجية للمواد على المستوى النانوي تحولًا جذريًا في مجالات أخرى، مثل الطب والهندسة.}} والطب الشخصي {{الطب الشخصي: (Personalized Medicine) نهج طبي مبتكر يهدف إلى تكييف الرعاية الصحية بما يتناسب مع الاحتياجات الفردية لكل مريض، وذلك من خلال تصميم العلاجات واختيار الأدوية وفقًا للخصائص الجينية والبيئية وأسلوب حياة كل فرد على حدة. يهدف الطب الشخصي إلى تحسين كفاءة العلاج وتقليل الآثار الجانبية عبر اختيار الجرعة والدواء الأكثر ملائمة لكل حالة على حدة.}} في توفير خطط تخدير مصممة لتلبية احتياجات المرضى بصورة أفضل وأكثر فاعلية[2].
ورغم هذه التطورات، فإن استخدام الأدوية المخدرة لا يخلو من المخاطر، إذ تشمل الآثار الجانبية المحتملة السمية الجهازية، والتفاعلات التحسسية، والتسمم العصبي، ولا سيما في بعض الفئات العمرية مثل الأطفال وكبار السن، ما يتطلّب إجراء أبحاث مستمرة وتوخي الحذر السريري للتصدي لهذه التحديات.
أدوية التخدير الكلي أو العام
تعد أدوية التخدير الكلي أو العام من الأدوية التي تُحدِث حالة مؤقتة وقابلة للعكس من فقدان الوعي، مصحوبة بفقدان الإحساس بالألم في أنحاء الجسم كافة، وغالبًا ما تُستخدَم خلال عمليات الجراحة الكبرى لتسهيل إجرائها، وتسهيل التدخلات الطبية الأخرى[3].
تتمثل الأهداف الرئيسة للتخدير العام في: تخفيف الألم (Analgesia)، وفقدان الذاكرة (Amnesia)، وتثبيط الحركة (Immobility)، وكبح ردود الفعل الانعكاسية، والحفاظ على استقرار الوظائف الفيزيولوجية.
ويعتمد اختيار
أدوية
التخدير الكلي على عدة عوامل، مثل: الحالة الصحية للمريض، وطبيعة الإجراء، والخصائص الحركية الدوائية والديناميكية للأدوية. وتُركّز التطورات الحديثة في تطوير
أدوية
التخدير العامة على تحسين فاعليتها، وتقليل آثارها الجانبية، وفهم آلياتها الجزيئية بصورة أفضل[4].
تسهم أدوية التخدير العام في تعديل نشاط الخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي (Central nervous sysrem, CNS)، وذلك عبر التفاعل بصورة أساسية مع قنوات أيونية ومستقبلات محددة، فهي تعزز النقل العصبي المثبط، مثل مستقبلات حمض غاما أمينوبوتيريك-أ (Gamma-aminobutyric acid-A, GABA-A)، أو تُثبط النقل العصبي المنشّط مثل مستقبلات إن-ميثل دي-حمض الأسبارتيك (N-Methyl-D-aspartic acid, NMDA). يؤدي هذا التعديل إلى تقليل استجابة الخلايا العصبية، ما يُفضي إلى فقدان الوعي والإحساس، وتسكين الألم واسترخاء العضلات[5]. وعادةً ما تُصنَّف هذه الأدوية إلى فئتين بناءً على طريقة إعطائها:
أدوية التخدير العامة الوريدية
تُعطى أدوية التخدير العامة الوريدية (Intravenous anesthetics) عن طريق الحقن، وتُستخدم غالبًا في بدء التخدير أو في الإجراءات القصيرة. وتستهدف معظم أدوية التخدير العام المستقبلات في الدماغ والحبل الشوكي، ومن أمثلتها
سيڤوفلوران (Sevoflurane)، وبروبوفول (Propofol)، والثيوبنتال (Thiopental)، والكيتامين (Ketamine). يعزز بروبوفول وأدوية التخدير الوريدية الأخرى تأثير
حمض غاما أمينوبوتيريك
(GABA)، وهو ناقل عصبي مثبط، وذلك عن طريق الارتباط بمستقبلاته، ومن ثَمَّ يؤدي هذا الارتباط إلى زيادة تدفق أيونات الكلوريد إلى داخل الخلايا العصبية، ما يسبب زيادة الاستقطاب وتقليل النشاط العصبي[6]. ومن ناحية أخرى، يكمُن عمل الكيتامين، وهو مخدر تفارقي، في حجب مستقبلات
NMDA، التي تشارك في النقل العصبي التنبيهي، ما يؤدي إلى حالة من التفكك الذهني (Dissociation) بدلًا من فقدان الوعي الكامل[7].
أدوية التخدير العامة الاستنشاقية
تُعطى أدوية التخدير العامة الاستنشاقية (Inhaled anesthetics) على شكل غازات أو أبخرة عبر الجهاز التنفسي، ومن الأمثلة عليها: الإيزوفلورين (Isoflurane) وأكسيد النيتروز (Nitrous oxide)، والهالوثان
(Halothane). أما آلية عملها، فتكون بالتفاعل مع مجموعة متنوعة من قنوات الأيونات، بما في ذلك مستقبلات GABA، وبروتينات غشائية أخرى، لخفض نشاط الجهاز العصبي المركزي، والوصول إلى التخدير[8].
أدوية التخدير الموضعي
هي فئة من الأدوية التي تحجب وصول الإشارات العصبية في منطقة معينة من الجسم، ما يوفر تخفيفًا موضعيًا للألم من دون التأثير في وعي المريض. وتُستخدم هذه الأدوية بشكل واسع لتخدير جزء صغير من الجسم، ما يؤثر في المنطقة المحقونة فقط، من دون فقدان كامل للإحساس أو الوعي، كما يجري في العمليات الجراحية البسيطة، وعلاجات الأسنان، وإدارة الألم.
تتمثل آلية عمل هذه الأدوية في تثبيط قنوات الصوديوم في غشاء الخلايا العصبية، ما يمنع بدء الإشارات العصبية وانتقالها، التي تعد أساسية في نقل الإشارات الكهربائية عبر الألياف العصبية. ويؤدي هذا الحجب إلى تعطيل نقل الإشارات الحسية، ما يتسبب في فقدان مؤقت للإحساس في المنطقة المستهدفة، ومن ثم يسمح للمريض بالبقاء في وعيه ويقظته خلال الإجراءات. ويكون تأثيرها عادةً قابلًا للعكس، إذ تعود الوظائف العصبية إلى طبيعتها بمجرد استقلاب الدواء (Drug metabolism) أو التخلص منه[9]. وتُصنَّف
أدوية التخدير الموضعي من الناحية الكيميائية إلى:
- الأميدات (Amides)، مثل: الليدوكائين، والبوبيڤكائين (Bupivacaine)، والروبيڤكائين (Ropivacaine)، وتُعرف بمدة عملها الطويلة وانخفاض نسب تسببها في تفاعلات تحسسية.
-
الإسترات (Esters)، مثل: البروكائين (Procaine)، والتتراكائين (Tetracaine)، والكلوروبروكائين (Chloroprocaine)، ونوڤوكائين (Novocaine). وتتميز بمدة عملها القصيرة وارتفاع خطر التفاعلات التحسسية نتيجة تحولها إلى حمض البارا أمينوبنزويك (Para-Aminobenzoic Acid, PABA).
يعتمد اختيار المخدر الموضعي على عوامل متعددة، مثل موقع الإعطاء، ومدة التخدير المطلوبة، والأمور الخاصة بالمريض، مثل وجود حساسية أو أمراض مصاحبة. وقد شهد هذا المجال تطورات حديثة أدت إلى إدخال تركيبات جديدة، مثل أنظمة التوصيل الجزيئي (Molecular delivery systems) التي تهدف إلى إطالة مدة تأثير المخدر وتقليل سميته[10].
أدوية التخدير الناحي
يُستخدم التخدير الناحي لتخدير جزء محدد من الجسم في موضع الجراحة، عن طريق حقن المخدر بالقرب من الأعصاب أو الحبل الشوكي، ويتركز تأثير المادة المخدرة عادةً في العصب أو الحبل الشوكي، من دون أن تؤثر كثيرًا في الدماغ أو درجة الوعي. يتفاوت تأثير هذا التخدير حسب التقنية المستخدمة، إذ يؤدي تخدير الأعصاب إلى تخدير منطقة محدودة من الجسم، في حين أن تخدير الحبل الشوكي يؤثر في مجموعة من الأعصاب، ما يؤدي إلى تخدير منطقة أوسع. وينقسم تخدير الحبل الشوكي إلى نوعين رئيسين:
- التخدير فوق الجافية (Epidural anesthesia): وذلك عبر حقن المخدر من خلال قسطرة دقيقة في الفراغ المحيط بالنخاع الشوكي، ما يؤدي إلى خدر في الجزء السفلي من الجسم. ويُستخدم عادة في جراحات البطن والصدر. ومن أدوية هذا النوع: بوبيڤاكين (Bupivacaine)، وكلوروبروكايين (Chloroprocaine)، وليدوكائين، ويمكن تعزيز تأثيرها بإضافة مخدرات مثل الفنتانيل (Fentanyl)أو السوفنتانيل (Sufentanil)لتقليل الجرعات المطلوبة من المخدرات الموضعية
- التخدير الشوكي أو النصفي (Spinal anesthesia): وذلك بحقن المخدر داخل الكيس المحيط بالحبل الشوكي لينتشر في السائل الشوكي، ما يؤدي إلى منع الألم وفقدان الإحساس في الجزء السفلي من الجسم، بما في ذلك البطن والساقان، مع تأثير مؤقت في الأعصاب الحركية والحركة. يُستخدم هذا النوع غالبًا في جراحات الأطراف السفلية وأسفل البطن، وهو شائع للغاية في عمليات الولادة. ومن أكثر أدوية التخدير الموضعي استخدامًا لهذا النوع: الليدوكايين، والتيتراكائين، والبوبيڤاكين[11].
الفرق بين التخدير فوق الجافية والتخدير الموضعي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الأدوية المساعدة
وهي مواد تُعطى جنبًا إلى جنب مع أدوية التخدير الأساسية، لتعزيز فاعليتها وتقليل آثارها الجانبية وتحسين النتائج الإجمالية للمرضى. وتساعد بعض هذه الأدوية في استرخاء العضلات أو تخفيف الألم، أو إدارة الألم المزمن، أو التهدئة قبل الجراحة، أو تسكين الألم خلال العملية، أو تقليل كميات التخدير المطلوبة، أو الوقاية من الغثيان والقيء، أو تقليل عدم الاستقرار الديناميكي الدموي، أو تسهيل تعافي الجسم بسهولة بعد العملية. وباستخدام هذه الأدوية، يمكن للأطباء تخصيص عملية التخدير لتلبية احتياجات كل مريض على حدة.
يعتمد اختيار الأدوية المساعدة على عدة عوامل، كنوع الإجراء، والتاريخ الطبي للمريض، والنتائج المرجوّة من التخدير. تشمل الفئات الشائعة للأدوية المساعدة: المهدئات (Sedatives)، والمسكنات الأفيونية (Opioid analgesics)، والمسكنات غير الأفيونية (Non-opioid analgesics)، ومرخيات العضلات (Muscle relaxants)، والأدوية المضادة للغثيان ((Anti-nausea medications، والعوامل المساعدة التي تُعدّل ديناميكيات الدواء الأساسية. فعلى سبيل المثال، تُستخدم الأدوية، مثل ميدازولام (Midazolam) وهو مهدئ، وديكسمديتوميدين (Dexmedetomidine)، وهو محفّز لمستقبلات ألفا-2 الأدرينالية (Alpha-2 adrenergic receptors)، بشكل واسع لتوفير التهدئة، وتقليل استجابات التوتر من دون تثبيط تنفسي كبير. وبالمثل، يُستخدَم الكيتامين (Ketamine)، وهو مخدر تفارقي يتمتع بخصائص مسكنة بوصفه دواءً مساعدًا، لتقليل استخدام الأفيونات، وتعزيز إدارة الألم بعد الجراحة.
ومع التركيز المتزايد على سلامة المرضى والطب الشخصي، أصبح استخدام الأدوية المساعدة ركيزة أساسية في ممارسة التخدير، من خلال تعديل تأثيرات أدوية التخدير الأساسية، ومعالجة القضايا المحيطة بما يسبق العمليات وما يتبعها. وتسهم هذه الأدوية في تحسين نتائج العمليات الجراحية، وتقليل أوقات التعافي، وزيادة رضا المرضى[12].
المهدئات والمنومات
تُعَد المهدئات والمنومات (Hypnotics) من فئة الأدوية الأساسية التي تُستخدم في نطاق واسع في كثير من السياقات الطبية، لتحفيز الاسترخاء، وتخفيف القلق، وتسهيل النوم أو فقدان الوعي. وتؤدي هذه الأدوية دورًا مهمًا خصوصًا في مجالات التخدير والعناية المركزة، وعلاج اضطرابات النوم والقلق، وتهدف بشكل رئيس إلى تهدئة المريض وتقليل مستويات التوتر لديه، في حين أن المنوّمات تُستخدَم لتحفيز النوم واستمراره.
تؤدي المهدئات والمنومات دورًا محوريًا في مجال التخدير يتمثل في ضمان راحة المرضى وتعاونهم خلال الإجراءات الجراحية والتشخيصية، ومن الأمثلة الشائعة لها: ميدازولام، وديكسمديتوميدين. أما ميدازولام، وهو من عائلة البنزوديازيبينات (Benzodiazepines)، فيوفر تأثيرًا مهدئًا سريعًا يخفف القلق، ما يجعله مثاليًا للتحضير قبل الجراحة والإجراءات القصيرة. أما ديكسمديتوميدين، فيوفر تأثيرًا مهدئًا من دون تثبيط تنفسي كبير، ما يجعله مناسبًا للمرضى ذوي الحالات الحرجة[13].
المسكّنات
تخدم المسكّنات (Painkiller) في ممارسات التخدير عدة أغراض، إذ تُستخدم قبل العملية لتخفيف القلق وتحضير المرضى للجراحة، وفي أثناء العملية لمنع الألم خلال الإجراء، وبعد العملية للسيطرة على الألم وتسهيل التعافي، من خلال استهداف مستقبلات الألم المحددة في الجسم. وتسمح هذه الأدوية لأطباء التخدير باستخدام جرعات أقل من أدوية التخدير العامة، ما يقلل من الآثار الجانبية المحتملة ويعزز سلامة المرضى.
تشمل المسكنات الشائعة في التخدير الأفيونات، مثل الفنتانيل (Fentanyl) والمورفين (Morphine)، التي تكون فعالة جدًا في إدارة الألم الحاد والشديد؛ والمسكنات غير الأفيونية مثل الباراسيتامول (Paracetamol)؛ والأدوية المضادة للالتهاب غير الستيرويدي (Nonsteroidal anti-inflammatory drugs, NSAIDs)، التي غالبًا ما تُستخدم لإدارة الألم الخفيف إلى المعتدل. ويعتمد اختيار المسكن على طبيعة الإجراء، وشدة الألم، والخصائص الفردية للمريض مثل التاريخ الطبي والتحمل[14].
أصبح استخدام العلاج المسكن المتعدد الأنماط، الذي يجمع بين أنواع مختلفة من الأدوية المسكنة، استراتيجية رئيسة في التخدير، ويهدف هذا النهج إلى استهداف الألم من خلال آليات متنوّعة، ما يُقلل الاعتماد على دواء واحد ويقلل الآثار الجانبية. فعلى سبيل المثال، قد يدمج طبيب التخدير الأفيون مع مخدر موضعي أو مضاد للالتهاب غير ستيرويدي لتحقيق تخفيف شامل للألم.
إن المسكنات لا تضمن خلوَّ المريض من الألم خلال الجراحة فقط، بل تقيه من حالات الألم المزمن التي قد تنشأ من التدخلات الجراحية. ومع التقدم في علم الأدوية، تُواصِل المسكنات التطور، ما يوفر خيارات أكثر أمانًا وفاعلية لتلبية الاحتياجات المتنوعة للمرضى الذين يخضعون للإجراءات الطبية[15].
حاصرات الأعصاب العضلية
تُعدُّ حاصرات الأعصاب العضلية
(Neuromuscular blockers, NMBs) فئة حيوية من الأدوية في ممارسات التخدير، وتُستخدم أساسًا لإحداث استرخاء في العضلات خلال الإجراءات الجراحية، فهذه الأدوية تُثبّط نقل الإشارات العصبية إلى العضلات الهيكلية مؤقتًا، ما يؤدي إلى شلل عضلي، يتيح بدوره سهولة
التنبيب {{التنبيب: (Intubation) هو إجراء طبي أساسي يهدف إلى ضمان الحفاظ على مجرى التنفس مفتوحًا، عن طريق إدخال أنبوب بلاستيكي مرن في القصبة الهوائية. يُعد هذا التدخل ضروريًا في مجموعة من الحالات الطبية، مثل التخدير العام، وفشل الجهاز التنفسي، أو الحاجة إلى الإنعاش القلبي الرئوي.}}، ويُحسّن ظروف الجراحة، مع منع الحركات العضلية اللاإرادية خلال العملية، ما يضمن سلامة المريض وتوفير الظروف المثالية.
ثمة نوعان رئيسان من حاصرات الأعصاب العضلية المستخدمة في التخدير، وهما: العوامل المثبطة، والعوامل غير المثبطة. أما العوامل المثبطة، مثل سكسينيل كولين (Succinylcholine)، فتحاكي الأستيل كولين (Acetylcholine) في طريقة العمل، وهو ناقل عصبي مسؤول عن انقباض العضلات. وترتبط هذه العوامل بالمستقبلات النيكوتينية في خلايا العضلات، ما يسبب انقباضًا أوليًا تليه حالة شلل عضلي مستمر. أما العوامل غير المثبطة، مثل روكورونيوم (Rocuronium) وڤيكورونيوم (Vecuronium)، فتحجب الأستيل كولين من الارتباط بهذه المستقبلات، ما يمنع انقباض العضلات ويُحقّق استرخاءها[16].
يُعدُّ استخدام حاصرات الأعصاب العضلية أمرًا بالغ الأهمية في الإجراءات التي تتطلب تحكمًا دقيقًا في العضلات، مثل الجراحة البطنية، أو عندما يحتاج المريض إلى التنبيب للتهوية الميكانيكية. وتؤدي هذه الأدوية أيضًا دورًا حيويًا في منع الحركات العضلية غير المرغوب فيها والخطِرة أحيانًا خلال الجراحة. وتختلف مدة تأثير حاصرات الأعصاب العضلية حسب العامل المستخدم، إذ يوفر بعضها شللًا قصير المدى للإجراءات التي تتطلب تدخلات قصيرة، مثل سكسينيل كولين، في حين أن بعضها الآخر يُحقّق تأثيرات مناسبة أكثر للجراحات الممتدة، مثل روكورونيوم. وعلاوة على ذلك، تتطلب حاصرات الأعصاب العضلية جرعات دقيقة ومراقبة حذِرة، نظرًا إلى إمكانية تسببها في شلل تنفّسي، ما يستدعي استخدام التهوية الميكانيكية في أثناء تأثيرها.
يعتمد اختيار حاصرات الأعصاب العضلية على عدة عوامل، بما في ذلك نوع الجراحة ومدتها، والتاريخ الطبي للمريض، والتفاعلات الدوائية المحتملة. إن الاختيار الدقيق والإدارة الصحيحة لهذه العوامل، يسهمان في تعزيز سلامة التخدير وتأثيره، ما يضمن إجراء العمليات الجراحية بسلاسة ومن دون مضاعفات[17].
الآثار الجانبية
تُعدُّ أدوية التخدير أساسية لضمان إجراء الإجراءات الطبية والجراحية براحة ومن دون ألم، ولكنها قد تُسبّب مجموعة من الآثار الجانبية، التي تتفاوت حسب نوع التخدير المستخدَم (عام أم موضعي)، واستجابة المريض الفردية، والحالات الصحية الكامنة، وطبيعة الإجراء.
الآثار الجانبية للتخدير العام
يُعد
التثبيط التنفسي {{التثبيط التنفسي: (Respiratory depression) حالة طبية خطيرة، تتسم بتباطؤ معدل التنفس وعمقه، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين في الدم وزيادة ثاني أكسيد الكربون. وغالبًا ما يكون السبب وراء ذلك تأثير بعض الأدوية المثبطة للجهاز العصبي المركزي.}} شديد الخطورة مع التخدير العام، إذ يمكن أن تُثبطّ أدوية التخدير العام التنفس الطبيعي، وقد يؤدي ذلك إلى نقص إمدادات الأكسجين، ما يستدعي الحاجة إلى مراقبة دقيقة وتدخّل يشمل التهوية الميكانيكية.
التأثيرات القلبية
يمكن أن يسبب التخدير العام انخفاضًا في ضغط الدم، أو اضطرابات في نبضات القلب، أو تباطؤًا فيها. وقد تكون هذه التأثيرات أكثر وضوحًا لدى المرضى الذين يعانون حالات قلبية موجودة مسبقًا، ويتطلّب ذلك تعديلات في خطة التخدير.
الغثيان والقيء
يُعد الغثيان والقيء بعد الجراحة عرضَيْن شائعَيْن، ولا سيما مع بعض أدوية التخدير مثل الأفيونات والأدوية المستنشَقة، وقد يُؤخّران التعافي ويُسبّبان للمرضى الإزعاج.
الحُمّى الخبيثة
تعد الحُمّى الخبيثة (Malignant fever) ردة فعل نادرة مُهدّدة للحياة، تجاه بعض أدوية التخدير الاستنشاقي مثل الهالوثان؛ ومرخيات العضلات مثل سكسينيل كولين، وتُسبّب ارتفاعًا سريعًا في درجة حرارة الجسم، وتيبّس العضلات، والحماض الأيضي {{الحماض الأيضي: (Metabolic acidosis) اضطراب في توازن الحموضة والقلوية داخل الجسم، يظهر بانخفاض درجة الحموضة (pH) في الدم نتيجة تراكم الأحماض أو نقص البيكربونات (Bicarbonate).}}، ما يتطلب علاجًا فوريًا.
اختلال الوظائف المعرفية
قد يعاني بعض المرضى، ولا سيما كبار السن، اختلالَ الوظائف المعرفية بعد الجراحة، ويشمل ذلك: الارتباك، ومشكلات الذاكرة، أو الهذيان بعد الاستيقاظ من التخدير. وقد تستمر هذه الأعراض لعدة أيام أو أسابيع.
التفاعلات التحسسية
رغم ندرة حدوث التفاعلات التحسسية تجاه أدوية التخدير لدى المرضى، فإن بعضهم قد يعاني هذه التفاعلات التي تتراوح بين الطفح الجلدي الخفيف وردود الفعل التحسسية الشديدة.
الدوار والنعاس
يُعد الدوار والنعاس أثرين جانبيين شائعين بعد التخدير العام، ولا سيما في أثناء تعافي الجسم من تأثيرات الدواء.
الآثار الجانبية للتخدير الموضعي
التسمم
يمكن أن تؤدي الجرعة الزائدة أو الحقن العرضي لكميات كبيرة من التخدير الموضعي إلى التسمم الجهازي، ما يؤثر في الجهاز القلبي الوعائي والجهاز العصبي المركزي. وتشمل الأعراض: التشنجات، وعدم انتظام ضربات القلب، أو حتى السكتة القلبية.
إصابة الأعصاب
رغم ندرة تعرض المرضى لإصابة الأعصاب، فإن أدوية التخدير الموضعي قد تُسبّب ذلك خاصة إذا أُعطِيت بشكل غير صحيح، أو إذا ظلّ تأثيرها في الجسم مدة طويلة. وقد ينجم عن ذلك خدر مؤقت، وفي بعض الحالات ضعف أو تنميل دائم في المنطقة المتأثرة.
التفاعلات التحسسية
إن التفاعلات التحسسية نادرة الحدوث تجاه أدوية التخدير الموضعي، ومن الممكن حدوثها مع أدوية من نوع الإستر مثل بروكائين. وتتراوح هذه التفاعلات بين الطفح الجلدي الخفيف وأعراض أشد، مثل الصدمة التأقية (Anaphylactic shock).
الورم الدموي
قد يُسبّب ثَقب الأوعية الدموية عن طريق الخطأ خلال حقن التخدير الموضعي ورمًا دمويًا (Hematoma)، ما يؤدي إلى التورم والكدمات، وتأثر الأعصاب في حالات نادرة.
الخدر المطوّل
قد يعاني بعض المرضى تنميلًا طويلَ الأمد، يُعرف بـ"الخدر المطول"
{{الخدر المطول: (Prolonged numbness) حالة تتميز بفقدان الإحساس في جزء معين من الجسم لفترة تتجاوز المتوقع، وذلك عقب إجراء طبي أو نتيجة لتعرض عصبي. قد يكون ذلك نتيجة استمرار تأثير التخدير الموضعي لفترة طويلة، أو ناجمًا عن إصابة في الأعصاب الطرفية أو الجذعية، سواء أكان ذلك خلال الجراحة أو بسبب ضغط عصبي مستمر.}}، في المنطقة التي طُبِّق التخدير الموضعي فيها، ويتلاشى بمجرد زوال تأثير الدواء.
الدوار والنعاس
يُعد الدوار والنعاس أثرين جانبيين شائعين بعد التخدير الموضعي، ولا سيما في أثناء تعافي الجسم من تأثيرات الدواء.
الآثار الجانبية الشائعة للتخدير الناحي
يُعد الصداع من الآثار الجانبية الشائعة للتخدير الناحي ولا سيما بعد التخدير الشوكي، وغالبًا ما يحدث نتيجة تسرب السائل الدماغي الشوكي من موقع الحقن[18]. ومن الأعراض الشائعة أيضًا: الألم في أسفل الظهر، وهبوط ضغط الدم. ومن المضاعفات نادرة الحدوث: النزف حول الحبل الشوكي، والتهاب السحايا، وحدوث مشكلات في الأعصاب.
الآثار الجانبية الطويلة المدى
يمكن أن تؤدي بعض أدوية التخدير العام، ولا سيما الأفيونات المستخدمة لإدارة الألم في أثناء الجراحة وبعدها، إلى الإدمان (Addiction) والاعتماد عليها (Dependence)، وذلك حال استخدامها المتكرر أو لمدد طويلة[19]. وقد يشعر كثير من المرضى بالإرهاق أو الضعف بعد الجراحة بسبب التأثيرات التراكمية للتخدير على الجسم. ورغم أن أدوية التخدير تعد آمنة عمومًا، فإن الإدارة الدقيقة والجرعة المناسبة والمراقبة المستمرة، عوامل حاسمة لتقليل الآثار الجانبية، فيجب اختيار دواء التخدير وتقنياته بناءً على التاريخ الطبي للمريض، ووفق خصائص الإجراء الجراحي، لضمان السلامة والفاعلية المُثلى[20].
المراجع
العربية
جمال، نادية. "دراسة مقارنة بين المسكنات المخدرة والمسكنات غير المخدرة: عمليات أيض بعض المواد الكربوهيدراتية".
المجلة الجنائية القومية. مج 46، العدد 3 (2003).
المشرف، عبد الإله بن عبد الله ورياض بن علي الجوادي.
المخدرات والمؤثرات العقلية: أسباب التعاطي وأساليب المواجهة. الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2011.
الأجنبية
Grotticelli, Janet. “Chapter 12 - Side Effects of Local Anesthetics.”
Side Effects of Drugs Annual. vol. 43 (2021).
Haider, Junaid. “The Evolving Role of Anesthesia in Emergency Room Procedures.”
Frontier in Medical & Health Research. vol. 1, no. 1 (2023).
Hao, Xuechao et al. “The Effects of General Anesthetics on Synaptic Transmission.”
Current Neuropharmacology. vol. 18, no. 10 (2020).
Iqbal, Fahad et al. “Anesthetics: From Modes of Action to Unconsciousness and Neurotoxicity.”
Journal of Neurophysiology. vol. 122, no. 2 (2019).
Jense, Ryan et al. “Time for an Evolution in Anesthesia Drug Delivery.”
Journal of Clinical Engineering. vol. 45, no. 4 (2020).
Lemke, Thomas L. et al. (eds.).
Foye’s Principles of Medicinal Chemistry. 7th ed. Philadelphia, PA: Lippincott Williams & Wilkins, 2012.
Mainkar, Prathama, Anjan Ray & Chandrasekhar Srivari. “Solvents: From Past to Present.”
ACS Omega. vol. 9, no. 7 (2024).
Prasad, G. V. Krishna, Sangeeta Khanna & Sharma Vipin Jaishree. “Review of Adjuvants to Local Anesthetics in Peripheral Nerve Blocks: Current and Future Trends.”
Saudi Journal of Anaesthesia. vol. 14, no. 1 (2020).
Sree, Arumugam, Vanja Contino & Sree Kolli. “Local Anesthetic Systemic Toxicity (LAST)–A Review and Update.”
Current Anesthesiology Reports. vol. 10 (2020).
Wecker, Lynn, David A. Taylor & Robert J. Theobald (eds.).
Brody’s Human Pharmacology: Mechanism-Based Therapeutics. 6th ed. Philadelphia, PA: Elsevier, 2019.
Wheeler, Kathleen E. et al. “Adjuvant Analgesic Use in the Critically Ill: A Systematic Review and Meta-Analysis.”
Critical Care Explorations. vol. 2, no. 7, article no. e0157 (2020).
[1] Ryan Jense et al., “Time for an Evolution in Anesthesia Drug Delivery,”
Journal of Clinical Engineering, vol. 45, no. 4 (2020), pp. 206-211.
[2] Sivasenthil Arumugam, Vanja Contino & Sree Kolli, “Local Anesthetic Systemic Toxicity (LAST)–A Review and Update,”
Current Anesthesiology Reports, vol. 10 (2020), pp. 218-226; Fahad Iqbal et al., “Anesthetics: From Modes of Action to Unconsciousness and Neurotoxicity,”
Journal of Neurophysiology, vol. 122, no. 2 (2019), pp. 760-787.
[3] Timothy J. Maher, “Anesthetic Agents: General and Local Anesthetics,” in: Thomas L. Lemke et al. (eds.),
Foye’s Principles of Medicinal Chemistry, 7th ed. (Philadelphia, PA: Lippincott Williams & Wilkins, 2012), pp. 508-539.
[4] Prathama Mainkar, Anjan Ray & Srivari Chandrasekhar, “Solvents: From Past to Present,”
ACS Omega, vol. 9, no. 7 (2024), pp. 7271-7276.
[5] Xuechao Hao et al., “The Effects of General Anesthetics on Synaptic Transmission,”
Current Neuropharmacology, vol. 18, no. 10 (2020), pp. 936-965.
[6] David R. Wetzel & Jeffrey J. Pasternak, “General Anesthetics,” in: Lynn Wecker, David A. Taylor & Robert J. Theobald (eds.),
Brody’s Human Pharmacology:Mechanism-Based Therapeutics, 6th ed. (Philadelphia, PA: Elsevier, 2019), pp. 685-719.
[7] Hao et al., op. cit.
[8] Junaid Haider, “The Evolving Role of Anesthesia in Emergency Room Procedures,”
Frontier in Medical & Health Research, vol. 1, no. 1 (2023), pp. 11-17.
[9] Arumugam, Contino & Kolli., op. cit.
[10]
Ibid.
[11] Jense et al.,
op. cit.
[12] Kathleen E. Wheeler et al., “Adjuvant Analgesic Use in the Critically Ill: A Systematic Review and Meta-Analysis,”
Critical Care Explorations, vol. 2, no. 7, article no. e0157 (2020).
[13]
Ibid.
[14] نادية جمال، "دراسة مقارنة بين المسكنات المخدرة والمسكنات غير المخدرة: عمليات أيض بعض المواد الكربوهيدراتية"، المجلة الجنائية القومية، مج 46، العدد 3 (2003)، ص 31-46.
[15] G. V. Krishna Prasad, Sangeeta Khanna & Sharma Vipin Jaishree, “Review of Adjuvants to Local Anesthetics in Peripheral Nerve Blocks: Current and Future Trends,”
Saudi Journal of Anaesthesia, vol. 14, no. 1 (2020), pp. 77-84.
[16]
Ibid.
[17] Wheeler et al.,
op. cit.
[18] Janet Grotticelli, “Chapter 12 - Side Effects of Local Anesthetics,”
Side Effects of Drugs Annual, vol. 43 (2021), pp. 169-177.
[19] عبد الإله بن عبد الله المشرف ورياض بن علي الجوادي، المخدرات والمؤثرات العقلية: أسباب التعاطي وأساليب المواجهة (الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2011).
[20] Grotticelli., op. cit.