تسجيل الدخول

أمين الخولي


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.



الاسم الكامل

أمين إبراهيم عبد الباقي عامر إسماعيل يوسف الخولي

تاريخ الميلاد

1 أيار/مايو 1895

مكان الميلاد

قرية شوشاي، محافظة المنوفية، مصر

تاريخ الوفاة

9 آذار/مارس 1966

مكان الوفاة

القاهرة، مصر​

الدور العام

مفكر، مجدّد ديني، أستاذ جامعي، مستشار ثقافي، عضو مجمع اللغة العربية

المدرسة

التجديد في البلاغة

أهم الأعمال

فن القول

من هدي القرآن

 المجددون في الإسلام

في الأدب المصري

 مالك: تجارب حياة

مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب



أمين الخولي (1895-1966) مثقف مصري مُجدّد عُرف بإنتاجاته الأكاديمية والأدبية، وكان فاعلًا اجتماعيًّا، ومَجمَعيًّا، ورجلَ دين. ولِد في المنوفية ودُفن فيها، وعاش معظم حياته في القاهرة. تعلم بمدرسة القضاء الشرعي وعمِل مدرسًا بها، ثمَّ إمامًا في السفارة المصرية في روما وبرلين، وأستاذًا في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حاليًّا)، وفي جامعة الأزهر. كما شغل أيضًا منصب مستشار لوزارة الثقافة المصرية، وعضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. للخولي كتابات مجدِّدة في البلاغة والتفسير والنحو والأدب الشعبي والفقه ومقارنة الأديان والتاريخ والفلسفة. وقد كوَّن جماعة أدبية، وأسّس مجلة الأديب، ورَأَسَ تحريرها، وشارك في ثورة 1919 وكان واحدًا من دعاة نهضة مصر واستقلالها في النصف الأول من القرن العشرين.

 النشأة والمسار المهني

ولد أمين إبراهيم عبد الباقي عامر إسماعيل يوسف الخولي في قرية شوشاي في مركز أشمون، في محافظة المنوفية، في دلتا مصر يوم 1 أيار/ مايو 1895. كان والده فلاحًا، أما والدته فاطمة علي عامر الخولي فكانت ربة منزل. عاش طفولته المبكرة في قريته وانتقل في سن السابعة إلى القاهرة ليعيش مع جده. تزوج أمين الخولي ثلاث نساء، أشهرهن الأديبة والأكاديمية عائشة عبد الرحمن الشهيرة ببنت الشاطئ، وله منها ثلاثة أبناء وبنات. توفي في القاهرة في 9 آذار/ مارس 1966 ودُفن في قريته شوشاي.

عاش أمين الخولي في زمن تحولات جسيمة، فقد عاصر ثورة 1919، وشارك فيها، وتشبع بالفكر النهضوي، وشارك في مشروع النهضة المصرية بإسهامات معرفية تجديدية أصيلة. وارتبطت أعمال الخولي بظروف عصره ارتباطًا وثيقًا. ويمكن النظر إلى إسهاماته العلمية والثقافية والاجتماعية على أنها استجابة لتحديات عصره.

تلقى الخولي مزيجًا من التعليم المدني والأزهري؛ فقد التحق أولًا بمدارس مدنية، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن عشرة أعوام، وفي عمر الخامسة عشرة التحق بمدرسة القضاء الشرعي التي كانت تابعة للأزهر الشريف، ودرس فيها تسعة أعوام حتى تخرج فيها عام 1920. كان الهدف من تأسيس مدرسة القضاء الشرعي تخريج قضاة وقضاة شرعيين وكتبة محاكم ومفتين ووكلاء دعاوى للمحاكم الشرعية يجمعون بين المعرفتين الدينية والمدنية[1]؛ فكان الطلاب يدرسون بعض مقررات الأزهر الشريف مثل الفقه والتفسير والتوحيد والحديث، إضافة إلى علوم اللغة والأدب، ويدرسون أيضًا مقررات الجبر والهندسة والفلك والطبيعة والكيمياء والتاريخ والجغرافيا وأصول القانون والمرافعات ولائحة المحاكم الشرعية. وكانت أعوام الدراسة التسعة في المدرسة عظيمة الأثر في التكوين المعرفي والوطني للخولي أيضًا؛ ففي هذه المدرسة تشكلت شخصيته الوطنية المناضلة، لذلك خرج على رأس مظاهرات طلاب مدرسة القضاء الشرعي في أثناء ثورة 1919[2].

عمل الخولي في وظائف متنوعة على مدار ستة وأربعين عامًا. ففي أيار/ مايو 1920، وإثر تخرجه في مدرسة القضاء الشرعي، عمل مدرسًا بها حتى انتقل إلى روما ليعمل إمامًا للسفارة المصرية في كانون الأول/ ديسمبر 1923. وفي كانون الثاني/ يناير 1926، نُقل الخولي إمامًا لسفارة مصر في برلين حتى آذار/ مارس 1927 حين استأنف عمله مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي، بعد إلغاء وظيفة الإمامة في السفارات المصرية بالخارج. وسرعان ما نُقل للتدريس بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًّا) في تشرين الثاني/ نوفمبر 1928، وترقى حتى رَأَس قسم اللغة العربية، وعُيِّن وكيلًا لكلية الآداب. ظل الخولي في منصبه ذاك حتى حزيران/ يونيو 1953 حين عُيِّن مستشارًا لدار الكتب المصرية، ثم مديرًا عامًّا للثقافة. أحيل الخولي على التقاعد عام 1955، وبعدها بستة أعوام اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة[3].

 الإسهامات المعرفية والتربوية

لأمين الخولي إسهامات متنوعة، أقدمها وأهمها كانت في المجالات العلمية والتربوية والسياسية والاجتماعية والدينية.

المعرفية

تكشف قائمة مؤلفات الخولي عن توزع إسهاماته العلمية على عدد من العلوم، منها: الفلسفة والتاريخ وعلوم اللغة والأدب والأديان والدراسات الإسلامية. ويرجع السبب في تعدد مجالات اختصاصه إلى خلفيته المعرفية من ناحية، والمهمات العلمية والوظيفية التي اضطلع بها من ناحية أخرى؛ فقد درس في مدرسة القضاء الشرعي التي جمعت مقرراتها بين العلوم الدينية والمدنية، إضافة إلى أنه اضطلع بتدريس مقررات متنوعة في معاهد ومؤسسات مختلفة، منها؛ مدرسة القضاء الشرعي، وقسم اللغة العربية في جامعة القاهرة، ومعهد المعلمين، وكلية أصول الدين بالأزهر، وكلية القانون في جامعة القاهرة، ومعهد الموسيقى والتمثيل.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​وعلى الرغم من أن الخولي لم ينشر الكثير من أعماله المخطوطة، فإن قائمة منشوراته تتسم بالثراء النوعي، إذ تشمل ما يلي:

كتب منفردة

  • في الأدب المصري (1943).
  • رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه (1945).
  • فن القول في معهد الدراسات العليا (1947).
  • مالك: تجارب حياة (1951).
  • من هدي القرآن: في أموالهم (مثالية لا مذهبية) (1952).
  • مشكلات حياتنا اللغوية (1958).
  • مناهج تجديد: في النحو والبلاغة والتفسير والأدب (1961).
  • من روح التاريخ: صلات بين النيل والفولجا (1964).
  • المجددون في الإسلام (1965).


كتب بالاشتراك

  • تاريخ الحضارة المصرية: العصر اليوناني والروماني والعصر الإسلامي، المجلد الثاني، [د. ت.].
  • إضافات الترجمة العربية إلى دائرة المعارف الإسلامية، وتشمل المداخل التي كتبها الخولي ما يلي: بلاغة؛ تفسير؛ سلام؛ سيرة؛ شريعة؛ صالح؛ صحيح؛ صلاة؛ طلاق؛ قرآن.


مسرحيات

أورد حسين نصار موجزًا لبعضها، وباستثناء مسرحية "الراهب" ظّلت مسرحيات الخولي مخطوطة.


- "الراهب المتنكر"، كُتبت عام 1917، ومُثِّلت في العام نفسه[4].

- "جريمة الآباء".

- "ابن العمدة".


  • له من الكتب المحققة كتاب المغني في أبواب التوحيد والعدل، للقاضي عبد الجبار (ت. 415هـ)، الجزء السادس عشر (إعجاز القرآن)، الصادر عن دار الكتب المصرية في عام 1960.
  • مقالات في مجلات علمية (أُعيد نشرُها في كتاب مناهج تجديد: في البلاغة والنحو):

- علم النفس الأدبي، مجلة علم النفس (حزيران/ يونيو 1942).

- البلاغة وعلم النفس، مجلة كلية الآداب في جامعة القاهرة (1939).

  •  مقالات في مجلات ثقافية: كتب الخولي عشرات المقالات في مجلات ثقافية وعامة متنوعة، ويحتوي أرشيف الشارخ منها على 37 مقالة منشورة في مجلات: الرسالة، والأديب، والهلال، والمقتطف، والمجلة، والعربي، وتراث الإنسانية، والثقافة، والأقلام[5]. وربما توجد عشرات المقالات الأخرى غير المعروفة، منها مقالاته المنشورة في مجلة الأدب بين عامي 1956 و1966.

تكشف قائمة مؤلفات الخولي عن تنوع إسهاماته إلى درجة الموسوعية، ومع ذلك، فقد كان تأثيره في حقول بعينها مثل البلاغة والتفسير والنحو جليًا، وربما تكون إسهاماته في تجديد علم البلاغة هي محور إسهاماته العلمية، فقد كانت إسهاماته في التفسير والنحو والأدب المصري وثيقة الصلة بمشروعه في تجديد البلاغة. كما أتيح لمشروعه في تجديد البلاغة مساحة واسعة من التأثير، بفضل تدريس البلاغة لفترة تمتد على أكثر من ربع قرن في مؤسستين من أهم مؤسسات تدريسها في مصر في القرن العشرين؛ هما الجامعة المصرية، ومعهد الدراسات العليا المعني بتخريج مدرسي اللغة العربية في القطر المصري. ويُعدُّ كتابا فن القول ومناهج تجديد: في النحو والبلاغة والتفسير والأدب من أهم ما كتب الخولي. وينفرد الأول بتقديم مشروعه في تجديد البلاغة، ويستأثر المشروع نفسه بأكثر من ثلثي حجم الكتاب الثاني. وقد اقترح الخولي فيهما منهاجًا لتدريس البلاغة، ودراسة تاريخها، ونصوصها، ونقد تراثها، وفحَص علاقاتها بغيرها من العلوم.

يمكن تلخيص أهم منجزات مشروع تجديد البلاغة عند الخولي في ثلاث نقاط هي: العمل على توثيق الصلة بين البلاغة والحياة، والحرص على تأسيس علاقة متوازنة مع التراث عن طريق عمليتي التخلية والتحلية، وإعادة استكشاف العلاقة بين البلاغة وحقول وثيقة الصلة مثل علم النفس والجغرافيا[6]. وقد ارتبط مشروع تجديد علم البلاغة عند الخولي بمشروع النهضة المصرية؛ فالخولي "لا يروم مجرد تحديث مسائل علم، أو تغيير طريقة درسه أو تدريسه، بل يروم رفعة أمة، ونهضة وطن. وكتاباته العميقة ما هي إلا محاولة للإجابة عن هذا السؤال المصيري: كيف يمكن للمعرفة البلاغية أن تكون قاطرة لرفعة أمة، ونهضة وطن؟ وكيف يمكن أن يكون الاشتباك مع التراث البلاغي القديم؛ عبر عمليات قراءته ونقده خطوة نحو مستقبل أفضل؟"[7].

من ناحية أخرى، يُعدُّ الخولي رائد التفسير الأدبي للقرآن الكريم في العصر الحديث؛ فقد درَّس التفسير في الجامعة المصرية مدةً تقرب من عشرين عامًا، وصاغ أفكاره التجديدية بشأن التفسير الأدبي في مقالة (التفسير)، التي كتبها خصيصًا للترجمة العربية لدائرة المعارف الإسلامية، وعرض فيها توجهات التفسير القديمة والمعاصرة له[8]. اقترح الخولي منهجية أدبية في التفسير تتكون من عمليتين؛ الأولى دراسة ما حول القرآن أو بيئته وتشمل – بإيجاز - "تحقيق النص وضبطه، وبيان تاريخ حياته...، والتعريف بالبيئة التي فيها ظهر، وعنها تحدث، وبين مغانيها ومعانيها تقلب"[9]، والعملية الثانية هي دراسة القرآن نفسه، وتشمل دراسة المفردات، والمركبات، واستكشاف الأبعاد النفسية والاجتماعية للقرآن الكريم. واقترح الخولي عددًا كبيرًا من الأسئلة التي يتعين على المفسر طرحها على النص القرآني.

لم يضع الخولي منهجه في التفسير الأدبي البياني للقرآن الكريم موضع تطبيق شامل، كما هو الحال في معظم أفكاره التجديدية، واكتفى بتقديم عينات شارحة في كتاباته، وفي محاضراته في مقرر التفسير في الجامعة المصرية، وفي برنامجه الإذاعي "من هدي القرآن" الذي قدّمه في إذاعة القاهرة، بين عامي 1941 و1942، ونشر حلقاته تحت العنوان نفسه عام 1952، ولكن طلابَه واصلوا عمله، ونقلوه من حيز التنظير إلى التطبيق عبر سلسلة من الرسائل الجامعية؛ فقد درس شكري عياد آيات يوم الدين والحساب في القرآن الكريم من منظور التفسير الأدبي[10]، وكذلك درس محمد أحمد خلف الله الفنّ القصصي في القرآن الكريم[11]، ولعل العمل الأشمل من بين أعمال تلامذته في هذا المجال هو كتاب التفسير البياني للقرآن الكريم الذي نشرت تلميذته عائشة عبد الرحمن، الشهيرة ببنت الشاطئ، جزأه الأول عام 1962[12].

وقد أثار منهج الخولي الأدبي في التفسير معركة شهيرة في أربعينيات القرن العشرين، إذ انتقده بعض المحافظين، ووقفوا حجر عثرة أمام منح درجة الدكتوراه لرسالة محمد أحمد خلف الله (1904-1989) التي أعدّها تحت إشراف الخولي بعنوان "الفنّ القصصي في القرآن الكريم"، وترتب على هذه المعركة إيقاف الخولي عن الإشراف على الرسائل الجامعية في حقل علوم القرآن عمومًا، أما في الوقت الراهن فيحظى التفسير الأدبي البياني للقرآن الكريم بتقدير المؤسسات نفسها التي رفضته قبل ثمانين عامًا. وخير ما يعبر عن هذا التحول عبارة مهمة للخولي نفسه يقول فيها: "تعدّ الفكرة حينًا ما، كافرة تُحرّم وتُحارب‏، ثم تُصبح - مع الزمن - مذهبًا،‏ بل عقيدةً وإصلاحًا تخطو به الحياة خطوةً إلى الأمام‏"[13].‏

في الدرس الأدبي، تأثر الخولي بهيمنة الدراسة النفسية على النقد الأدبي في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، واقترح طريقة لدراسة نصوص الأدب أسماها المنهج الأدبي، يعتمد فيها على منهج النقاد العرب القدامى في دراسة الأدب، وقد سعى إلى تطويره. طبّق الخولي هذه الطريقة في دراسته لأشعار أبي العلاء المعري في كتابه رأي في أبي العلاء. يتكون هذا المنهج الأدبي من قسمين؛ المنهج الخارجي: ويتكون من عمليات الجمع المستقصي للنصوص، والتحقق منها، وتحريرها؛ والمنهج الداخلي: ويتكون من عمليات تُضاف إلى ما عرفه القدماء من شرح المعنى الأدبي، واستخراج العناصر الجمالية. هذه العمليات هي النظر في أدب الأديب جملةً، وربط أدبه بشخصيته، وتوظيف المعارف النفسية في فهم الأدب والأديب معًا[14]. وفي الحقيقة، فإن تأثير المدخل النفسي في الخولي تجاوز دراسته لنصوص الأدب؛ فقد دعا إلى تصدير أبواب البلاغة (فن القول عنده) بمقدمات نفسية، ودعا إلى دراسة الإعجاز النفسي للقرآن الكريم. وقد أهدى الخولي كتابه عن أبي العلاء إلى "الذين يرفعون القواعد من المدرسة النفسية في دراسة الأدب"[15]، تحيُّزًا إلى هذه المدرسة دون غيرها.

لقد آمن الخولي بأن المجتمعات والأقاليم الجغرافية، مثلها مثل المبدعين الأفراد، لها شخصيتها المائزة. وكان هذا الإيمان موجِّهًا لمشروعه البحثي على نحو جذري، فكرَّس بعضًا من دراساته للبرهنة على خصوصية الأدب والبلاغة المصريين. إضافة إلى أنه دفع باتجاه تدريس مقررات جامعية تخدم فكرة إقليمية الأدب، مثل الأدب المصري والأدب الشعبي. وقد شغل الخولي كرسي الأدب المصري في العصور الإسلامية في جامعة القاهرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1946. وكان قد نشر عام 1943 كتاب في الأدب المصري، متضمنًا محاضراته الجامعية التي تُعرِّف بالأدب المصري، وكيفية دراسته، ومناهج بحثه.

أولَى الخولي علوم اللغة اهتمامًا ضمن مشروعه التجديدي؛ فقد قدَّم محاضرة عام 1943 بعنوان "هذا النحو"، وبحثًا عام 1953 بعنوان "الاجتهاد في النحو العربي" تضمَّنا مقترحات لتجديد النحو العربي، ويتناول البحثان المنشوران في صدارة كتاب مناهج تجديد التراث النحوي والعوامل المؤثرة في تكوينه، وتدريس النحو في العصر الحديث، والعلاقة بين الفصحى والعامية. ويرى الخولي أن الاجتهاد النحوي ضرورة، ويقترح أن يسير هذا الاجتهاد في مسارين؛ الأول: دراسة الثروة اللغوية الجديدة، والثاني: فحص أثر المعارف اللغوية الجديدة في المقررات النحوية واللغوية القديمة[16]. ويقدم اجتهاده الخاص في تجديد النحو بعد أن يبرهن على ضرورته بذكر وجهين لاضطراب النحو العربي؛ الأول اضطراب الإعراب، والثاني اضطراب القواعد. ويقوم اجتهاد الخولي على أمرين "الأول: محاولة الاحتفاظ باطراد القواعد ما أمكن ]...[ والثاني اختيار ما هو أيسر إعرابًا، أو أقرب فهمًا، أو أكثر رواجًا في حياتنا اللغوية الحاضرة، حينما نريد طرد القاعدة، وإقلال التفريع والأحوال، والصور فيها"[17].

وللإمام الخولي إسهامات مهمة في كتابة سِيَر الأعلام؛ فقد اقترح منهجًا لكتابة تراجم الشخصيات، وطبَّقه في السيرة التي أعدها لعلَم من أعلام المسلمين، وهو مالك بن أنس (93هـ-179هـ). يقوم هذا المنهج على ثلاثة أعمدة، الأول: الجمع المستقصي الشامل لأخبار الشخصية، والثاني: النقد الفاحص لهذه الأخبار، والثالث: تفسير الأخبار الصحيحة المثبتة تفسيرًا نفسيًّا واجتماعيًّا وعمليًّا[18].

ولا يكتمل التعرف على الإسهام المعرفي للخولي دون الإشارة إلى إسهاماته المعجمية؛ فقد حاز عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1961، وكان مقرر لجنة الأصول به. وقد ذكر إبراهيم مدكور، رئيس مجمع اللغة العربية، إسهامات الخولي في المجمع في الكلمة التي ألقاها في تأبين الخولي عام 1966، ومنها أن الخولي أعدّ جزءًا من أجزاء معجم ألفاظ القرآن، واشترك في أعمال لجان الأدب والقانون والمعجم الكبير[19].

الترب​وية

درَّس أمين الخولي في مدرسة القضاء الشرعي، والجامعة المصرية، وجامعة الأزهر، ومعهد فن التمثيل والموسيقى المسرحية، ومعهد الدراسات العليا. اهتم الخولي بطلابه، وبنى علاقات وطيدة بهم؛ فقد كان الخولي يؤمن أن الأستاذية الحقة تترك أثرًا أكبر من أثر الكتب؛ لذا آثر بناء العقول على كتابة الكتب، ويُؤثَر عنه قوله: "إنني مثل سقراط، أعيش في تلاميذي أكثر مما أعيش في كتاب"[20]. ولم يكن غريبًا – في هذه الحالة - أن يُطلِق على تلاميذه "أبناء الرأس" في استعارة تجعل التلامذة يحظون بمكانة مماثلة للأبناء البيولوجيين[21]. ويصف شكري عياد، أحد أبرز تلامذة الخولي، ما كان يتركه أستاذه في نفوس طلابه في الجامعة قائلًا: "كنا نخرج من دروس أستاذنا الدكتور أمين الخولي ونحن نشعر أن عقولنا قد مخضت مخضًا. لقد تبخرت كثير من المسلمات الباهتة من أذهاننا كما يتبخر الضباب تحت شمس قوية"[22]. ويصف الشاعر صلاح عبد الصبور، محاضرات الخولي بقوله: "كان أكثر ما يؤلمه في أثناء الدرس أن يجد طلابه مسلِّمين برأيه، لا يجادله أحد فيهم. فعندئذ تنقطع الدائرة وتخبو النار. أما إذا ارتفعت العقول إلى سمت عقله، واصطرع الرأي بالرأي والحجة بالحجة، فعندئذ تتم الدائرة، وينفرج وجه الخولي المقطب، ويشتد لمعان عينيه، وتفيض الفتوة العقلية والذهنية من مكامنها، وتتألق الحكمة"[23].

ربما كان الجو الحيوي من النقاش، والتشجيع على النقد والابتكار، وزرع الجرأة في المساءلة والاختلاف هو الحافز على التفاف الباحثين حول شيخهم الخولي. وبقدر ما حفَّزهم على نقده، شجَّعهم على تجاوزه، والتفوق عليه. وكان يردد عبارة أن الطالب يساوي الأستاذ زائد الزمن. وبينما كان أبناء جيله يصدّرون كتبهم بمقدمات الأعلام الكبار، صدَّر هو مقدمات كتبه بمقدمات كتبها طلابه في بواكير حياتهم المهنية.

تحلَّق حول الخولي عدد وافر من المريدين، وأسّسوا واحدة من الجماعات الأدبية المهمة في التاريخ الأدبي العربي الحديث، وهي "جماعة الأمناء". تأسّست الأمناء في نيسان/ أبريل 1944 تحت شعار "كريم على نفسي"، وتحت اسم "مدرسة الفن والحياة"، وكان الاسم استجابةً لاستقطاب شاع بين تصورين لعلاقتهما؛ أولهما تصور اشتراكي واقعي دعا إلى توظيف الفن من أجل الحياة؛ أي يكون الفن للحياة بحسب وصف محمد مندور، والثاني ألا ينشغل الفن إلا بنفسه، أي يكون الفن للفن بحسب رشاد رشدي. وضمت جماعة الأمناء أسماء لها ثقلها في الثقافة العربية، ومنهم: صلاح عبد الصبور، وفاروق خورشيد، وعبد الفتاح شكري عياد، وعز الدين إسماعيل، وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، ومصطفى ناصف، وعبد الرحمن فهمي، وماهر شفيق فريد، وحسين نصار، وغيرهم. واستمرت الجماعة تلتقي أسبوعيًّا حتى عام 1966، وأصدرت لاحقًا مجلة الأدب لتكون ناطقة باسمها.

المواقف السياسية والاجتماعية

ملمح مهم من ملامح شخصية أمين الخولي هو وجه المناضل الثائر؛ فقد شارك في ثورة 1919، وكان حامل علَم مدرسة القضاء الشرعي في مظاهراتها في أثناء الثورة. وينقل أبناء جيله، مثل الدكتور إبراهيم مدكور، بعض وقائع فدائيته وشجاعته في مواجهة الاحتلال الإنكليزي في الثورة[24]. وتذكُر بعض سير الخولي أنه نُفي مع سعد زغلول، لكن لا يوجد دليل تاريخيّ على هذه الدعوى[25]. ولم يورد عبد الرحمن الرافعي مؤرخ ثورة 1919 أي ذكر للخولي في حديثه عن وقائع نفي سعد زغلول في المرتين؛ الأولى إلى مالطا في 9 آذار/ مارس 1919، والثانية إلى سيشل في كانون الأول/ ديسمبر 1921.

إضافة إلى ذلك، كان الخولي عضوًا مؤسسًا لجمعية (المصري للمصري)، وهي جمعية وطنية اجتماعية سياسية أسسها سلامة موسى عام 1932، ودعا فيها إلى مقاومة الاحتلال، ومقاطعة البضائع الأجنبية، على نحو ما يظهر في قَسم الانضمام إلى الجمعية: "أقسم بربى ووطني وشرفي ألا أستعمل شيئًا أجنبيًّا إلا بعد الثقة التامة من عدم وجود الشيء المصري الذي يغني عن الأجنبي"[26].

لقد تشبعت روح الخولي بالثورة، حتى أطلَق عليه طلابه لقب "الثائر الأول". ولم تتوقف ثورته عند مكافحة الاحتلال الإنكليزي، بل تجاوزت ذلك إلى الثورة على المعارف والأفكار وسبل الحياة غير النافعة. وقد وصفه تلميذه عبد الكريم غلاب بأنه "كان الثائر الأول بين الأساتذة والتلاميذ على السواء، يثور على الرأي القديم، والتفكير المبتذل، والكلام المعاد، والتقليد الساذج"[27].

شارك أمين الخولي في الحياة الثقافية منذ كان طالبًا؛ فقد أسس مع طلاب مدرسة القضاء الشرعي جمعية إخوان الصفا في ما بين عامي 1915 و1917، للتداول في الشؤون العلمية والثقافية والأدبية. وبعد تخرجه بعام رأَس تحرير مجلة القضاء الشرعي مدة عامين، حتى سفره إلى إيطاليا عام 1923. وللخولي إسهامات متنوعة في الفضاء الثقافي المصري العام في النصف الأول من القرن العشرين، من خلال النشر في مجلات عامة، مثل السياسة الأسبوعية، ومجلات ثقافية، مثل: السفور والهلال والمقتطف، ومجلات متخصصة مثل مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة. لكن الإسهام الثقافي المؤسسي كان في ما بعد ثورة يوليو، فقد كان مديرًا عامًا للثقافة بين عامي 1953 و1955. إضافة إلى أنه أسس مجلة الأدب في نيسان/ أبريل 1956، ورأَس تحريرها حتى وفاته.

 الأثر والتأثير

ترك الخولي تأثيرات ممتدة في أبناء جيله ومن بعدهم. وقد سبقت الإشارة إلى الأثر الذي تركه في نفوس طلابه، لا سيما مريديه من "الأمناء". وقد غدا الأمناء روّادًا للبحث في البلاغة والنقد واللغة والتفسير والإبداع في العالم العربي، إلا أن أثر الخولي تجاوز طلابه المباشرين إلى أجيال جديدة من الباحثين؛ ولم تنقطع الكتابات عن مشروعه المعرفي على مدار العقود الثمانية بعد وفاته. وقد أنجز ماهر شفيق فريد ثبتًا بما كُتب عن أمين الخولي حتى عام 1996[28].

كتب مؤلَّفة عنه

  • حامد شعبان، أمين الخولي والبحث اللغوي (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1980).
  • سامي منير عامر، مدخل أمين الخولي إلى الدراسة الجمالية البلاغية: ملامحه، آثاره (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1989).
  • حسين نصار، أمين الخولي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1996).
  • مؤلفون متعددون، الأصالة والتجديد: ملخصات بحوث ندوة أمين الخولي (المجلس الأعلى للثقافة، 1996).
  • كامل سعفان، أمين الخولي: شيخ الأمناء (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1998).
  • يمنى طريف الخولي، أمين الخولي: الأبعاد الفلسفية للتجديد (القاهرة: دار المعارف، 2000).
  • أحمد محمد سالم، الجذور العلمانية في الفكر التجديدي عند أمين الخولي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005).
  • أحمد محمد سالم، الإسلام العقلاني: تجديد الفكر الديني عند أمين الخولي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009).
  • مدحت ماهر وشريف عبد الرحمن، أمين الخولي: من أدبية التفسير إلى إشكاليات التأويل (القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2019).

ملفات في مجلات متخصصة

نُشر ملف عن أمين الخولي بعنوان: "أمين الخولي وفكر التجديد"، في مجلة الثقافة الجديدة (كانون الأول/ ديسمبر 2016).

برامج متلفزة عنه

  • حلقة من برنامج "مصر أرض المجددين" عن الخولي، المتحدث فيها علي جمعة، على قناة "أون تي في" المصرية[29].
  • حلقة من برنامج "ودي للغاية" عن الخولي، المتحدث فيها يمنى الخولي، وأحمد محمد سالم، وصلاح السروي[30].

ندوات عن أعماله

عقد المجلس الأعلى للثقافة ندوة بعنوان: "أمين الخولي: الأصالة والتجديد"، في الفترة من 6-8 نيسان/ أبريل 1996، بمناسبة مرور 100 عام على ميلاده عام 1995.

عبارات مأثورة

أُثِر عن الخولي عبارات كُتب لها البقاء، ومنها: "أول التجديد قتل القديم فهمًا"، و"النهضة تجديد لا تبديد"، والعبارتان تلخصان تصوره للعلاقة بين التراث والتجديد. كذلك عبارته "الجامعةُ أستاذٌ ينهض به تلاميذه"، ومعادلته التي تصف العلاقة المعرفية بين الطالب والأستاذ: "ط=أ+ز"؛ أي أن الطالب (ط) يجب أن يتجاوز أستاذه (أ) لأنه يفيد من تراكم المعرفة عبر الزمن (ز).

المراجع

خلف الله، محمد أحمد. الفن القصصي في القرآن الكريم. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1951.

الخولي، أمين. مناهج تجديد: في النحو والبلاغة والتفسير والأدب. القاهرة: دار المعرفة، 1961.

________. مالك: تجارب حياة. القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة والنشر، 1962.

________. رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه. لندن: مؤسسة هنداوي، 2020 [1945]. شوهد في 15/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BPeN

شكري، غالي. سلامة موسى وأزمة الضمير العربي. لندن: مؤسسة هنداوي، 2023 [1965]. شوهد في 15/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BPDu

عبد الرحمن، عائشة. التفسير البياني في القرآن الكريم. القاهرة: دار المعارف، 1962.

عبد اللطيف، عماد. البلاغة العربية الجديدة: مسارات ومقاربات. ط 2. عمَّان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، 2021.

عياد، شكري. "أمين الخولي (1895-1966)". المجلة. مج 10، العدد 112 (نيسان/ أبريل 1966). ص 67-74.

________. من وصف القرآن: يوم الدين والحساب. ط 2. القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1995.

فريد، ماهر شفيق. "الملامح الأساسية في فكر أمين الخولي". أدب ونقد. العدد 134 (نيسان/ أبريل 1996). ص 41-57.

مدكور، إبراهيم بيومي. "مع أمين الخولي". مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ج 22 (1967). ص 241-293.

نصار، حسين. أمين الخولي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1996.

[1] "جمهورية مصر العربية: قانون رقم 2 لسنة 1907 نشر بتاريخ 27/2/1907"، شبكة قوانين الشرق، شوهد في 15/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BP0y 

[2] يورد حسين نصار الأسباب الدافعة إلى تأسيس مدرسة القضاء الشرعي، ويُرجع أهم الأسباب إلى الرغبة في بناء مؤسسة تعليمية وطنية لا يسيطر عليها الاحتلال الإنكليزي، وتقدم تعليمًا يمزج بين الديني والمدني. يُنظر: حسين نصار، أمين الخولي )القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1996(، ص 8-9.

[3] المرجع نفسه.

[4] نُشرت في: أدب ونقد، العدد 119 (تموز/ يوليو 1995)، ص 101-122.

[5] للاطلاع على هذه المقالات، يُنظر: https://acr.ps/1L9BPtd

[6] يُنظر: عماد عبد اللطيف، البلاغة العربية الجديدة: مسارات ومقاربات، ط 2 )عمّان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، 2021(، ص 146.

[7] المرجع نفسه.

[8] أعاد الخولي نشر مقالة التفسير ضمن كتابه مناهج تجديد: في النحو والبلاغة والتفسير والأدب.

[9] أمين الخولي، مناهج تجديد: في النحو والبلاغة والتفسير والأدب )القاهرة: دار المعرفة، 1961(، ص 312.

[10] يُنظر: شكري عياد، من وصف القرآن: يوم الدين والحساب، ط 2 (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1995)؛ غالي شكري، سلامة موسى وأزمة الضمير العربي (لندن: مؤسسة هنداوي، 2023 [1965])، شوهد في 15/1/2025، في:  https://acr.ps/1L9BPDu

[11] محمد أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1951).

[12] عائشة عبد الرحمن، التفسير البياني في القرآن الكريم (القاهرة: دار المعارف، 1962).

[13] الخولي، مناهج تجديد، ص 19.

[14] أمين الخولي، رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه (لندن: هنداوي، 2020 [1945])، ص 12-13، شوهد في 15/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BPeN  

[15] المرجع نفسه.

[16] الخولي، مناهج تجديد، ص 67-85.

[17] المرجع نفسه، ص 59.

[18] أمين الخولي، مالك: تجارب حياة (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة والنشر، 1962)، ص 8-9.

[19] إبراهيم بيومي مدكور، "مع أمين الخولي"، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ج 22 (1967)، ص 240.

[20] نصار، ص 23.

[21] شكري عياد، "أمين الخولي (1895-1966)"، المجلة، مج 10، العدد 112 (نيسان/ أبريل 1966)، ص 67.

[22] الخولي، مناهج تجديد، ص 7.

[23] نصار، ص 23.

[24] مدكور، ص 239-241.

[25] يُنظر: "أمين الخولي"، ويكيبيديا، شوهد في 15/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BPqs

[26] شكري، ص 73.

[27] نصار، ص 21.

[28] يُنظر: ماهر شفيق فريد، "الملامح الأساسية في فكر أمين الخولي"، أدب ونقد، العدد 134 (نيسان/ أبريل 1996)، ص 54-57.

[29] لمشاهدة الحلقة، يُنظر: "مصر أرض المجددين"، أون تي في، 14/4/2022، شوهد في 15/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BPLm

[30] لمشاهدة الحلقة، يُنظر: حلقة "الشيخ أمين الخولي"، برنامج "ودي للغاية"، 4/10/2016، شوهد في 15/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BP8i


المحتويات

الهوامش