علي حسين محسن الوردي (1913–1995)، مُفكِّر وعالم اجتماع عراقي، درس في الجامعة الأميركية في بيروت، وحصل على الدكتوراه من جامعة تكساس الأميركية. يُعد أحد مؤسسي علم الاجتماع في الجامعة العراقية في خمسينيات القرن الماضي.
عُرِف بفكرهِ الاجتماعي النقدي، ودراسته المجتمعَ العراقي والشخصية العراقية، وطرح عدة فرضيات، منها: الصراع بين البداوة والحضارة، وازدواجية الشخصية العراقية، والتناشز الاجتماعي. اشتهر بمؤلفه،
مهزلة العقل البشري، وبإسهامه في دراسة الطائفية في المجتمعات العربية وفهمها. وعُرف أيضًا بأسلوبه الساخر الذي جلب له عداوات. تُوفي في بغداد سنة 1995 عن عمر ناهز 82 عامًا.
نشأته وتعليمه
وُلد علي حسين محسن الوردي عام 1913 في الكاظمية ببغداد. والده هو السيد حسين بن محسن بن هاشم أبي الورد بن جواد البغدادي، ويُقال إن نسب أسرته يعود إلى الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب[1]. لُقّب بالوردي نسبةً إلى الحرفةِ التي كان يزاولها جدُّه الأكبر، وهي العمل بتقطيرِ ماء الورد[2].
ترك الوردي مدرسته في الكاظمية للعملِ في دُكَّان والده، ثم التحق بالكتاتيب حيث تعلَّم القراءة والكتابة. أعاده والده مرَّةً أُخرى إلى المدرسة في الصف الثاني، ولكن أخرجه منها مرة ثانية للعملِ معه في الصياغة أولًا، ثم صناعة العطور لاحقًا. لكنه عاد مجددًا للدراسة في الصف السادس الابتدائي في الدوام المسائي عام 1931، ومزج بين عمله ودراسته، ولوحظ تميزه من أقرانه بالذكاءِ والتفوُّق والاجتهاد، ما دفع معلمه
مصطفى جواد، أحد كبار اللغويين والأساتذة في العراق إلى نظم بيتين من الشعرِ فيه. وقد احتفظ الوردي بهذين البيتين المكتوبين بخط معلمه[3].
في عام 1932 دخل الوردي متوسطة الكرخ ببغداد، مغيرًا ملابسه التقليدية (الدشداشة والعباءة والعمامة الخضراء) بملابس عصرية (السدارة الفيصلية)، وتخرَّج في المتوسطة عام 1935[4]. وفي عام 1936 دخل الثانوية المركزية ببغداد فحصل على شهادة البكالوريا بتفوق، وكان أول دفعته، ما جعله يحصل على منحة دراسية، على نفقة الحكومة العراقية، في الجامعة الأميركية في بيروت، التي حصل منها على شهادة البكالوريوس عام 1943. بعدها أرسلته الحكومة مرةً أُخرى لإكمالِ دراسته في الولايات المتحدة الأميركية، فحصل على درجة الماجستير من
جامعةِ تكساس في أوستن (The University of Texas at Austin) عام 1948 عن رسالتهِ "دراسة في سوسيولوجيا الإسلام"، ثم نال الدكتوراه عام 1950 في أطروحة حول نظرية ابن خلدون[5].
غلاف كتاب خوارق اللاشعور
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مساره المهني
عاد الوردي إلى العراق في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، في أوج الحكم الملكي ومشروعه التحديثي، فأسهم في تأسيس قسم علم الاجتماع في جامعةِ بغداد[6]. تدرج الوردي في الألقاب العلمية، فحصل على لقب الأُستاذ المُساعد عام 1953، وذلك عن تأليفهِ لكتابي
شخصية الفرد العراقي وخوارق اللاشعور، ثم رُقِّيَ إلى مرتبة الأُستاذية عام 1962، ومن ثم حصل على لقب
أستاذ متمرّس {{أستاذ متمرس: أول لقب علمي يحصل عليه أُستاذ جامعي في العراق، أتاح له الاستمرار ببعضِ التدريس من دون انقطاع عن الطلبة والدرس الأكاديمي في الجامعة.}} عام 1970
[7]، وهو العام الذي تقاعد فيه من الجامعة.
مساره الفكري
كان لحياة الوردي الاجتماعية تأثير كبير في مساره وشخصيته الفكرية؛ فتذكر المصادر أنه كان اجتماعيًّا، يرتاد المجالس الأدبية، والأسواق الشعبية، والمقاهي، والكنائس والمساجد في مدينة الكاظمية[8].
تأثر الوردي فكريًّا بالفلسفة الغربية، كالفيلسوف البريطاني
جون ستيوارت مل (John Stuart Mill، 1806-1873)، وتالكوت بارسونز (Talcott Parsons، 1902-1979)، وفلسفة
هربرت سبنسر (Herbert Spencer، 1820-1903)، وآراء عالم الاجتماع الفرنسي
إميل دوركهايم (Emile Durkheim، 1858-1917)، ومنهج الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني
ماكس ڤيبر (Max Weber، 1860-1920)، وتأثّر كذلك بمفهوم التنويم الاجتماعي لعالم الاجتماع الأميركي وليم غراهام سمنر (William Graham Sumner، 1840-1910)، وبآراء كل من
كارل منهايم (Karl Mannheim، 1893-1947) وكارل ماركس، وبفرضيات
روبرت مكيڤر (Robert MacIver، 1910-2003) التي كان لها أثر كبير في بلورةِ أفكاره حول ازدواجية الشخصية والتناشز الاجتماعي، وآرنولد توينبي (Arnold Toynbee، 1889-1975) وديل كارنيجي (Dale Carnegie، 1888-1955)[9]. وقد ظهر تأثير هؤلاء المفكرين والمُنظِّرين في عددٍ من أطروحاتِه وأفكاره واشتقاقه للفرضيات.
وتأثَّر الوردي أيضًا - كغيره من المفكِّرين - بالأفكار الاشتراكية التي هيمنت على العالم آنذاك، وبشَّرت بصياغة عالم إنساني جديد قائمٍ على العدالة والمساواة. وعلى الرغم من تناقضها مع أفكاره واستقلاليته السياسية، مال إلى الاشتراكية الإسلامية منها[10]، وتأثر بأفكار
ابن خلدون التي كانت حاضرة في أعماله الأولى منذ أطروحته للدكتوراه.
تُرجمت كتب الوردي إلى الفارسية في سبعينيات القرن الماضي، وكانت متوافرة في إيران آنذاك، بحسب بعض الكتَّاب الإيرانيّين، ما يعني أن أفكاره ربما أثَّرت، بطريقةٍ أو بأُخرى، في منهجِ
علي شريعتي[11].
إسهاماته المعرفية
يُعد علي الوردي من روَّاد علم الاجتماع في العالم العربي، أسهم إسهامًا كبيرًا في التأسيس لعلم اجتماع نقديٍّ للشخصية والمجتمع العربيين، مستفيدًا من أطروحات ابن خلدون، ومن الفلسفة والفكر الغربيين. وكان جريئًا في طرحِه مقارنة بالسياق الفكري والسياسي والاجتماعي الذي عاش فيه، باحثًا عن التجديد والقطيعة مع مظاهر التخلف. فمثلًا في دراسته للمجتمع العراقي، حاول الوردي إعادة إنتاجه من منظورٍ خلدوني، يخلط فيه حضارته التقليدية المُتفكِّكة أصلًا بحضارة الآخرين التي شقَّت طريقها عبر أسوار مُحصَّنة، وقد عالج الوردي هذا التكوين من خلال ترابط منهجي جمع فيه بين مفاهيم علم الاجتماع الخلدوني ومفاهيم الفكر الغربي الحديث، ولا سيَّما تحديثات
علم النفس الاجتماعي[12].
إسهاماته حول المجتمع العراقي
طرح الوردي ثلاث فرضيات حاول فيها تشخيص واقع المجتمع العراقي بالاستناد إلى عددٍ من الأفكار المُقتبسة من المُنظِّرين والمُفكِّرين:
الصراع بين البداوة والحضارة
تكلَّم الوردي على الصراع بين البداوة والحضارة وَفقَ ما كان مُلاحظًا في العراق حينئذٍ من إحاطةِ البادية بالعراق ودخول موجات المد البدوي منها إلى داخلهِ، وعلى هذا الأساس افترض الوردي وجودَ صراع بين البدوِ والحَضَر.
بَيَّن الوردي أنّه تناول المجتمع العراقي من منظورِ أفكار ابن خلدون حول البداوة والحضارة، وهو صراع يعود، بحسب قوله، إلى العصورِ القديمة، ويزعم أنّ الصحراء تُنتج البداوة والأراضي الخضراء تُنتج التحضُّر، وهذان الطرفان ما يزالان في صراعٍ دائم. لكن المفهوم الخلدوني للصراعِ الأبدي، كما يرى الوردي، يتكشَّف في هيمنةٍ أُحادية القطب، حيث تسود روح البداوة وتمتد إلى المدينةِ أيضًا[13]، فيُنزع البدو من تربتهم بدمجهم في المدينة، فتنقطع صلاتهم بعشيرتهم ويدخلون في عالمٍ من الثراء والترف، ومن ثم تُفرض عليهم عقوبة تُمهِّد الطريق لزوالِ حكمهم[14]؛ فالعراقيون، بحسب رأيه، أقرب إلى أخلاقِ البداوة منهم إلى أخلاقِ الحضارة في العهد العثمانيّ، والسبب في ذلك يعود إلى سيطرة المد البدوي عليهم[15]؛ إذ كانت التدفَّقات البدوية إلى العراق من صحاريه التي تحيط به من بعضِ جوانبه كبيرة ومؤثَّرة، مع ما يحمله هذا المد من صفاتٍ تتعارض مع صفاتِ الحضارة والمدينة.
غلاف كتاب لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد سمى الوردي ظاهرة سيطرة المد البدوي على المجتمعِ العراقي تارة، وانحسارَه وحلول المد الحضريّ مكانه تارة أُخرى بالمد والجزر[16]؛ إذ يرى أنّ الشعب العراقي واقع بين نظامين مُتناقضين من القيمِ الاجتماعية، وهما قيم البداوة التي تنتجها وترسلها الصحراء المُتاخمة للعراق، وقيم الحضارة القادمة من تراثهِ الحضاري القديم. وفي هذهِ الحالة يرى الوردي أنَّهُ من المُتوقَّع أن يُعاني الشعب صراعًا اجتماعيًّا ونفسيًّا على مرِ الأجيال؛ فهو لا يستطيع أن يطمئن لقيمهِ الحضرية مدّةً طويلة بسببِ ما تُرسله الصحراء أحيانًا من موجاتٍ بدوية تُقلق قيمه الحضرية، ولا يمكن أن يكون بدويًّا لما له من قيمٍ حضارية مُنبثقة من مياههِ وخصوبة أرضه تضطرُّه إلى محاولة تكييف قيمه البدوية الوافدة إليه لتوافق ظروفه وطرق عيشه[17]. وعدم الاستقرار والصراع الاجتماعي والنفسي بين القيم البدوية والحضرية خلق إنسانًا قلقًا بين الانغماس في إحدى هذه القيم، أو التوفيق فيما بينها ليكيِّف حياته على أساسها.
ويرى
فالح عبد الجبار أنّ
البداوة عند الوردي هي نظم قيم وأشكال تنظيم تطغى على المجتمع، وتنتقل بطريقتها إلى المدن لا لتذوب وتنصهر فيها، بل لتدوم بعدَّة صور: ثأر، وغزو، وغسل عار، وانغلاق في عصبيةٍ محلَّية تشمل المدينة والطائفة والمحلَّة، وتعصُّب وتخلُّف[18]. وقد برزت البداوة بروزًا واضحًا في المدينةِ العراقية بسبب المد البدوي.
لا يضع الوردي، بحسب عبد الجبار، أي مُفاضلة بين أشكال الالتحام البدوي والحضري، وذلك في حدودِ تعرُّضه للعراق واهتمامه به في العهدِ العثماني، ولا يرى أنَّ الحواضر تعمل بوصفها أداةً لتهديمِ العصبية البدوية، بل يمكن نقل هذه الأخيرة إلى الحواضر وجعلها عوامل تماسك للجماعاتِ الحضرية[19]. ويرى الوردي أنّ المنطقة العربية هي من أكثرِ مناطق العالم التي تُعاني من أثر الصراع بين البداوة والحضارة، ولا يقصد أنَّها هي الوحيدة، وإنَّما هناك عدد من المناطق في العالم عانت من صراعِ البداوة والحضارة[20]، لكن هذا الصراع يبرز في المنطقةِ العربية بوضوحٍ بسبب كثرة صحاريها التي تمدُّها بالموجات البدوية الغازية للمدينة بين فترات وأُخرى.
ويتمثَّل الصراع بين البداوة والحضارة في استيلاء جماعة بدوية مُتماسكة على السلطة، مستغلةً جميع أشكال الولاء القبلي (القبلية) في مدينةٍ أو منطقة حضرية مُعيَّنة، ولا تستطيع المدينة الرد على هذا الغزو البدوي بالتطرُّف واستعمال العنف؛ لأنّ الشجاعة والسلاح ليسا من سماتِ المدينة التي تكون مُستقرَّة معتمدة على نفسها في معاشها[21]؛ أي: الصراع بين الخشونة والغلظة من جانبِ البدو، والبساطة والاستقرار والسلمية من جانبِ الحَضَر.
إنّ البداوة بالنسبةِ إلى الوردي، حالة ذهنية، فهي قوَّة تدميرية مُستمرَّة، ومجموعة من الممارساتِ الاجتماعية والثقافية التي ما تزال قائمة في المدنِ والأرياف، وتغرِس في المجتمعِ انقسامًا وصراعًا. يتخذ في العصرِ الحديث شكل صراع بين القديم والجديد، وصراع بين التقليد والحداثة، وهو لا يعني انتقال العراقيين المتحرِّّرين من هذا الصراع الداخلي إلى مجتمع حديث ومتكامل، بل هو صراع مستمر، يمثّل جوهر تطوُّر العراق في العصر الحديث[22].
ويرى الوردي أنّ مُركّبات الثقافة البدوية هي ثلاثة: 1.
العصبية 2. الغزو 3. المروءة؛ إذ إنّ نزعة التغالب موجودة في كلِ هذه المُركَّبات؛ فالفرد القبلي يُريد أن يغلب بقوةِ قبيلته أولًا، وبقوتِه الشخصية ثانيًا، وبالمروءةِ ثالثًا من خلالِ تفضُّله على الآخرين[23]، ومن الطبيعي أنّ وجود مثل هذه المُركَّبات في شخصيّة الفرد البدويّ واختلافها عن صفات الفرد والوسط المدنيَّيْن يؤدِّي إلى تصادمٍ وصراع يكون مكانه في المدينةِ نفسها.
ازدواجية الشخصية العراقية
تتجلَّى ازدواجية الشخصية عند الوردي بوضوح في البلدانِ ذات النفوذ البدوي القوي، وخاصة بين رجال الدين، على سبيلِ المثال، أكَّد أنَّ العراقيين يعانون من ازدواجيةٍ في الشخصية أقوى من تلك الموجودة في بقيةِ العالم العربي، وذلك لعاملين:
غلاف كتاب شخصية الفرد العراقي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أولًا: لأنّ العراق مُنفتح جغرافيًّا، واستمر في جذبِ البدو الذين يجلبون قيمهم الخاصة (القبلية) إلى المجتمع العراقي. ثانيًا: لأنّ العراق كان مصدرًا لعددٍ من المدارس الفكرية الدينية والفلسفية والعلمية[24]. ويرى الوردي أنّ ازدواجية الشخصية بالمعنى الاجتماعي تحمل معنى آخرَ مختلفًا عن المعنى النفسي، فهي عنده ظاهرة اجتماعية تحدث لعددٍ من البشر الذين يُعانون من صراعٍ ثقافي، وليست مرضًا نفسيًّا، مُستعيرًا من مكيڤر مفهوم
الازدواجية الثقافية (Cultural ambivalence) في وصفه لها[25].
ورجَّح الوردي أنّ ازدواج الشخصية كان مُنتشرًا في الأوساطِ التي يكثر فيها الوعظ كالبيئاتِ الدينية المُتزمِّتة، إذ يتأثَّر الناس بكل المواعظ ويعظون غيرهم بها، ولكنهم في حياتهم العملية يسيرون بخلاف ما سمعوه وتعلَّموه من دون أن يشعروا بأنّ سلوكهم هذا كان مُزدوجًا[26].
ومن ضمنِ إشارات الوردي إلى ازدواجية الشخصية والسياسة، يرى أنّ هذا الازدواج يستفحل عند بعض السياسيّين الذين تكون وعودهم مملوءة بالمطالبة بالحرية والعدل والمساواة وتحصيل الحقوق، ولكن ما إن يتسنَّموا زمام الأمور في السلطة حتّى يسيروا بخلاف ما هتفوا ودعوا إليه من مُطالباتٍ ومبادئ[27]، وهذا السياسي نفسه قد لا يتصرَّف باتجاهين أو شخصيتين فحسب، وإنَّما بعدّة وجوه بحسب الموقف الذي قد يتطلَّب منه تركيب سلوك مُعين يناسبه.
التناشز الاجتماعي
حاول الوردي في فرضية التناشز الاجتماعي قياس طبيعة سرعة التغيير التي تحدث في طرفٍ، وتختلف عن طرفٍ آخر، ما يؤدَّي إلى تصادمِ هذه الأطراف.
يذكر الوردي أنّ من طبيعةِ التغيُّر السريع أنّه لا يحدث بمستوى واحد في كلِّ أجزاء الكيان الاجتماعي، فكثيرًا ما يكون هناك جزآن مُترابطان، يحدث التغيُّر في أحدهما دون الآخر، أو أن يجري التغيُّر في أحدِ الأجزاء بصورةٍ أسرع من الجزءِ الآخر، الأمر الذي ينشأ عنه صراع أو توتُّر أو تناقض بينهما، وهذا ما سمّاه الوردي بـ "التناشز الاجتماعي"[28]. ومن أهم التناشزات التي ذكرها[29]:
- تناشز الحقوق والواجبات.
- تناشز المدارس والوظائف.
- تناشز المرأة والرجل.
- تناشز الدين والجيل الجديد.
ويذكر فالح عبد الجبار أنّ الوردي يُعيد إنتاج صراع البداوة والحضارة الخلدوني في صورة تناشز اجتماعي، يكون بين حضارة حديثة وحضارة تقليدية، أنّ هذا التناشز لم يعد نتاج انقسام المجتمع لبدو وحضر، وإنّما هو نتاج احتكاك المجتمع كله المباشر بالحضارة الغربية[30]؛ أي بدخول المجتمع عهد التطوُّر الحديث والتسارع التقني المحموم وما حمله من تغيراتٍ سريعة باتت لا تُناسب القيم التقليدية، أو تتفوَّق عليها، فأصبح هناك صياغات قيمية وحضارية جديدة تختلف اختلافًا كبيرًا عن التقليدية منها.
علي الوردي والوعَّاظ
ومن ضمنِ أطروحات الوردي وتحليلاته التي تضمَّنت أجزاء من تلك الفرضيات ما كتبه حول الوعظ والوعَّاظ، والتناقض السلوكي والشخصي الذي يحملونه.
يقول الوردي عن الوعاظ: إنّهم يتركون الطغاة والمُترفين ومَن لهم شأن كبير، ويوجِّهون اهتماماتهم نحو الفقراء، فيُذكّرونهم بزلّاتهم، ويتوعّدونهم بالحساب والعقاب في الدنيا والآخرة، وسبب هذا التحيُّز في رأيه هو أنَّهم لا يتمكَّنون من لوم الأغنياءِ والطغاة؛ لأنّهم يعتاشون عليهم وعلى ''فضلات موائدهم؛ ''لذلك يغضُّّون الطرف عن كلِ ما يقومون به من ظلمٍ ونهب وإقصاء للآخرين، بل يدعون لهم بأن يحفظهم الله"[31].
غلاف كتاب وعّاظ السلاطين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ويؤكِّد الوردي وصفه لهم بقولهِ: "إنّ مشكلة الوعَّاظ عندنا أنّهم يأخذون جانب الحاكم، ويُحاربون المحكوم، فتجدهم يعترفون بنقائضِ الطبيعة البشرية حين يستعرضون أعمال الحُكَّام، فإذا ظلم الحاكم رعيتَه أو ألقى بها في مهاوي السوء قالوا: إنَّه اجتهد فأخطأ، وكل إنسان يخطئ، والعصمة لله وحده"[32]. وبحسب رأيه أصبح الوعظ مهنة مُربحة، فهو يمنح صاحبه الأموال والمركز الاجتماعي، وكل من فشل في الحصولِ على مهنةٍ أُخرى بات واعظًا واتَّخذه مهنة، ويعدُّها الوردي مهنة سهلة، فهي لا تحتاج إلَّا إلى حفظِ بعض الآيات والأحاديث وارتداء الملابس الفضفاضة، ويُستحسن أن يكون الواعظُ صاحب لحية طويلة وكثَّة وعمامة كبيرة[33]. بل إنّ الوعظ قد لا يتطلَّب هندامًا مُعيَّنًا سوى تزويق الكلام بمجموعةٍ من النواهي والحثِّ على الأخذِ بأمورٍ معينة.
في مهزلة العقل البشري
أخذ العقل البشري نصيبه من الوصفِ عند الوردي؛ لأنّه هو الذي يجعل الفرد يقع في مزالقِ التناقض والازدواجية وإبصار الحياة بمنظوراتٍ عدَّة تختلف من امرئٍ الى آخر، والسير بالحياةِ وفق سياقاتها الصحيحة بالاستنادِ إلى رجحانِ العقل، أو مُخالفة تلك السياقات بتناقصِ وعي ذلك العقل.
ويرى الوردي في أثناء كلامه على العقل البشري أنّ رجال الدين الذين يعيشون في القرن العشرين ما زالوا يفكِّرون بأسلوب القرن العاشر؛ فهم يتجادلون ويتكلَّمون كما يتجادل ويتكلَّم
الفارابي (260-339هـ/ 872-950م) وابن طفيل (500-581هـ/ 1105-1185م)، وقد لا يعلمون أنّ العلم الحديث قد جاء بعدَّةِ نظريات غيَّرت عددًا من الآراء العلمية السابقة والحجج، بل ربما جعلت ما ذكره الفارابي وابن طفيل مجرد لغوٍ ليس إلَّا[34]؛ أي تمسَّك هؤلاء بعقلية العهد القديم من دون تحديثها، مع جمودها وتقوقعها على أُطر وأطروحات مُعيَّنة لا يمكن الحياد عنها، من دون النظر إلى سرعة التغييرات الحديثة التي من المُمكن أن تدحض عددًا من الرؤى والأطروحات التقليدية.
ويؤكِّد أنّ العقل البشري ابتكر مكيدة بشعة، وهي الحق والحقيقة، فذكر أنّه لم يجد إنسانًا لا يدَّعي حب الحق والحقيقة، حتى من ظلمَ وعاث في الأرضِ فسادًا قد يتكلَّم ويدَّعي الحق والحقيقة، وويل للبائس إذا وقع بأيديهم، إذ يبقى يُعاني من ظلمهم له، وهم يتغنَّون بحبِّ الحق والحقيقة[35].
أمّا مسألة الديمقراطية، فيرى الوردي أنَّها لا تؤمن بالحقِّ المُطلق، ولا تؤمن بحججِ الأحزاب المنطقية في تأييد آرائها، فهي لا تؤمن إلَّا بكثرة الأصوات، فليس في فلسفة الديمقراطية حقٌّ مُطلق وباطل مُطلق وفق ما كان يؤمن به القدماء باعتقادهم أنّ الأكثرية دليلٌ على الصواب؛ لذلك احتقر الفلاسفة في الماضي العامة واستهجنوا كل آرائهم[36]. ولهذا انتقد الوردي العقلانية، وأبرز عيوبها في جميعِ كتاباته، ورأى أنّها لا تتوافق مع النظرياتِ العلمية الحديثة، واعتقد أنَّ العقلانيين أخطأوا في استنتاجهم أنّ الطبيعة البشرية ثمرة العقل، وأنَّ العقل أشبه بموهبةٍ سامية، وظيفتها استنباط الحقيقة، وفي ظنِّهم أنَّهم قادرون على إصلاحِ الناس بالوعظِ والخطب والنصح، وأنَّهم يعيشون في أبراجٍ عاجيَّة، ونظرتهم المثالية للمجتمع[37].
غلاف كتاب مهزلة العقل البشري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد تأثَّر الوردي بأفكارٍ وآراء تنتقد فرضية ثبات العقل بطبيعته، فرأى أنّ العقل البشري، بفعل البيئة والقيم والتقاليد والمعتقدات والاهتمامات التي ينشأ عليها، مُتحيِّز بطبيعته، وهذه العوامل تؤثَّر في تفكيره. وقد استقى أفكاره من ثلاثةِ مصادر رئيسة: نقد
ابن خلدون للمنطق الأرسطي، وسيغموند فرويد (Sigmund Freud، 1856-1939) وأهمية
اللاوعي، وكارل منهايم وبنية المعرفة الاجتماعية[38]، في إشارةٍ إلى ما يعتري العقل البشري من تناقضاتٍ من الممكن أن تُظهِرَه بمواقفَ وسلوكياتٍ تختلف عن غيرها وبمظاهرٍ مُتنوِّعة قد تنمّ عن نضوجِ العقل أو هزالته.
التنويم الاجتماعي
يُعدّ التنويم الاجتماعي من ضمنِ الأطروحات الفكرية التي طرحها الوردي أيضًا، فقد ذكر أنَّنا جميعًا خاضعون لتأثيرِ التنويم المغناطيسي، أو التنويم الاجتماعي بحسب تسميته؛ فعندما يُولد الإنسان يبدأ مُنوِّمه الأكبر -وهو المجتمع- تسييره وَفق ما يُريد، ويُحدَّد له اسمه ومكانته وواجباته التي يُفترض أن يقوم بها؛ لذلك هو إنسان مُنوَّم اجتماعيًّا، يسير وفق ما تُمليه عليه الجماعة التي يعيش فيها، ويتبع كل قوانينها[39]، وذلك من بابِ أنَّ الإنسان ابن بيئته التي يُولد فيها، وينصهر في أوساطها ونسيجها، وتقوده سياقاتها بشكلٍ كبير، ويصبح جزءًا من منظومتها التي لا يمكن الخروج عليها.
ويرى الوردي أنّ للتنويمِ الاجتماعي تأثيرًا بالغًا في شلِّ التفكير؛ فالذي يقع تحت تأثيره يكون خاضعًا للإيحاءِ التنويمي، ولا يمكن أن نُملي عليه أو نُجادله، فهو مُنساق انسياقًا كاملًا لمُنوِّمهِ الاجتماعي، وكلَّما ضعفت ثقافة الإنسان أصبح أسيرًا للمُنوِّمِ الاجتماعي، وكلَّما زادت ثقافته انحسر أثر هذا المُنوِّم فيه[40]، بمعنى: كلَّما كانت شخصية الفرد ضعيفة سهل انقيادها وقيادتها وفق تنويمٍ اجتماعي لا يمكن الخروج عنه، كلَّما كانت شخصيته أكثر نضوجًا بات من الصعب الانصياع لهذا التنويم الاجتماعي الذي يُحاول أن يُخضعه لكلِّ شيء.
ويذكر الوردي أيضًا أنَّ أثر المجتمع لا يقتصر على تقييدِ رؤية الإنسان للحقيقةِ، بل يُحيطه أيضًا بإطارٍ مُحدَّد يظل غافلًا عنه حتى ينتقل إلى مُجتمعٍ آخرَ، فيكتشفَ وجود أفكارٍ ومفاهيمَ أُخرى مختلفة عما اعتاده، وعندها قد يُدرِك أنَّه كان مُقيَّدًا بقيودٍ ذهنية وأوهام اجتماعية[41].
علي الوردي ومقارباته العابرة للتخصصات
أعمال علي الوردي متنوِّعة، ولا تنحصر في تخصص معرفي مُعيَّن، وأحيانًا يصعب تصنيفها أو وصفها، ومع ذلك، يُمكن عدُّ الوردي أول عالم اجتماع درس المجتمع العراقي وشخصية الفرد فيه وفق الأطر الاجتماعية التحليلية الدقيقة، مُستعملًا منهجًا يجمع بين الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، وتعمَّق كثيرًا في ظواهرِ المجتمع الشاذَّة، وتجرَّأ على التعرُّضِ لها ونَقدِها في زمنٍ يصعب فيه التعرُّض لمثلِ هذه الأمور الحسَّاسة[42].
غلاف كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد درس الوردي علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، لفهم طبيعة المجتمع العراقي وشخصيات أفراده، وفقًا لعدَّةِ عوامل دفعته إلى ذلك، منها:
الاحتلال البريطاني للعراق، وقيام حكومة عراقية على أنقاض حكم عثماني استبدادي[43]. كانت أفكاره وآراؤه حول المجتمع والثقافة والشخصية جريئة، مُنتقدًا النفس البشرية والمجتمع بطريقةٍ تشخيصية وبأسلوبٍ ساخر، الأمر الذي أثار ضدَّه موجة من الاعتراضاتِ والانتقادات، تعدَّت حدود الجامعات والمنتديات الفكرية، فشملت المجالس الخاصة والمنتديات الثقافية والاجتماعية والحسينيات والمساجد والمقاهي[44].
كانت أغلب الكتب التي نشرها الوردي في خمسينياتِ القرن الماضي عامَّة وغير مُخصَّصة أكاديميًّا، في ظل ما يُسمَّى بـالديمقراطية الحذرة آنذاك[45]. في حين أنّ كتبه اللاحقة، منها
دراسة في طبيعة المجتمع العراقي (1965)، وكتابه
لمحات اجتماعية من تاريخِ العراق الحديث (1969-1979)، تميَّزت بكونها أكاديمية أو شبه أكاديميّة، وخلوِّها من النقد الساخر للسلطةِ السياسية، والتعرُّض لرجالاتِها، بخلافِ ما كان يفعله أيامَ العهد الملكي[46]، وذلك أنّ ظروف المرحلة التي مرَّ بها وما ولّدته من ضغوطاتٍ وما أنتجته من بدائل أجبرته على الانسحابِ ومُسايرة السّائد حينئذ.
ذاع صيت الوردي، وبرز بوصفه رائدًا في نقد الطائفية في العالمِ العربي، وكان استثنائيًّا بين المُثقَّفين العرب عامّةً، والعراقيين خاصَّةً، الذين لم يعيروا هذه الظاهرة اهتمامًا يُذكر في النصف الأول من القرن العشرين، إذ تناول الطائفية من منظورٍ مُختلف، قائم على الفهم السوسيولوجي للتاريخ العراقي، يهدف إلى كشف أثره في السياسة العراقية[47]. ولم يكن الوردي منعزلًا عن مجتمعه، بل كان مُشاركًا فاعلًا في نقاشاتٍ اجتماعية واسعة النّطاق في المناخ الفكري الناشئ لـبغداد في منتصف القرن العشرين[48].
الانتقادات الموجهة لعلي الوردي
تعرّض الوردي لموجةٍ من الانتقادات الحادَّة، وهُوجِم باستمرارٍ، بسببِ أفكاره التي طرحها والتي لم تناسب آراءَ غيره وأفكارَهم وتوجَّهاتهم على اختلافِ مشاربهم وتنوُّع خلفياتهم.
ورأى
إبراهيم الحيدري (1936-2024)، وهو أحد طلبة الوردي ممن رافقوه في العمل المهني الجامعي، أنّ كتابات الوردي وتعليقاته التي كان يطرحها في الصحف العراقية أثارت غضب السلطات السياسية عليه، واصفةً تحليلاته حول ازدواجية الشخصية العراقية والطائفية والمناطقية بأنَّها خاطئة ويعتريها شيء من عدم الدقَّة، وشنَّت الصحف التابعة للنظامِ البعثي السابق حملات ضدّه وُصفت بأنَّها أشدُّ ظلمًا حتى أواخر حياته[49]، واتُّهمَ بأنّه أوجد حالة من التنازع الفكري والجدالي غير المُسوَّغ والذي لا يستند إلى حقائقَ كما يعتقدون، وهذا ممّا أثار أيضًا حفيظة السلطات عليه.
ومن الانتقادات التي وجَّهت إليه أنَّه لم يهتمَّ بالبعدِ التاريخي في دراسةِ المجتمع العراقي والحضارات القديمة بوادي الرافدين اهتمامًا كافيًا، و أنَّه غالى في الاهتمامِ بتأثيرِ القيم والأعراف البدوية، وأنَّه عمل على إظهارِ عيوب المجتمع العراقي من دون التطرُّق إلى محاسنه، وتجنَّب وقتها التعرُّض للحكومةِ والسياسة والتحليل الطبقي في المجتمعِ العراقي، و أنَّه نالَ من القيمِ الإسلامية ومن منزلة رجال الدين والوعَّاظ والطقوس والشعائر الدينية، ومناصرته للسفور، والعمالةُ للإنجليز والماسونية، واتَُّهم بالكفرِ والإلحاد وخوفه الشديد من عرضِ آرائه بصراحةٍ وكثرةُ مُجاملاته على حسابِ المواقف[50].
وذكر مصطفى عمر التير في جملة الانتقادات التي تعرَّض لها الوردي أنّه لم يلاحظ أرقامًا أو تقنيات إحصائية مُستعملة في كتاباتِ الوردي، وأبدى استغرابه بتسويغه أنّ ذلك مُمكنٌ لو كانت الكتابة في النظريةِ الاجتماعية، لكن في الكتابةِ عن مجتمعٍ، فذلك يدعو للاستغراب بشكلٍ كبير، ويُضيف أيضًا طريقة توظيفه لأدبياتِ علم الاجتماع وتوثيق المصادر والإشارة إلى الباحثين الذين اعتمدَ على معلوماتهم[51]. فقد خرج عن المألوف في الكتابةِ العلمية من دون منهجية واضحة لتتوافق مع كلِّ المستويات عند القراءة والفهم. وعندما رأى النُقَّاد أنّ الوردي في كتاباتهِ وتحليله ينتهج أسلوبًا شعبيًّا قالوا: إنَّه ذو ميول اشتراكية، وكذلك ظن بعض القُرَّاء السياسيين أنّ الوردي هو الوحيد من الكُتَّاب الذين بشّروا بالاشتراكيةِ بطريقته الخاصة في خمسينيات القرن العشرين في العهدِ الملكي[52].
وتكلَّم الوردي نفسه على الانتقادات التي تعرَّض لها، إذ ذكر في كتابهِ
دراسة في طبيعة المجتمع العراقي أنَّه تلقَّى انتقادًا حول عدم اتباعه في دراساته الاجتماعية الطرق الإحصائية المُنظَّمة المُتَّبعة في أميركا وغيرها من البُلدانِ الراقية[53]. ويُذكر أنَّ أحد أئمة الجمعة آنذاك هاجم الوردي بالقول: "إن أسباب الفساد في البلد ثلاثة: الخمر، والميسر، وعلي الوردي"[54]. وفي ذلك إشارة واضحة إلى عدمِ موافقة رجال الدين على آراءِ الوردي التي يطرحها. وقد خالف الوردي آراء بعض المُنتقدين الذين رأوا أنَّه كان لا بد له من دراسة المجتمع العربي أولًا، فالمجتمع العراقي جزء منه، ولذلك، بحسبِ آرائهم، كان الأولى دراسة الكل قبل الجزء، لكن الوردي اتَّبع الطريقة الاستقرائية، فبدأ من الجزءِ إلى الكل، وليس العكس وفق الطريقة الاستنتاجية[55]. وتنوعت الانتقادات بين الموجَّهة لأفكارهِ نفسها وما تضمنته فرضياته حول المجتمع العراقي، وطريقة طرحه لهذهِ الأفكار وكتابته لها مُبتعِدًا عن السياقات العلمية بحسب آرائهم.
ويذكر علي حاكم صالح أن الوردي اضطرَّ إلى الدّفاعِ عن نفسهِ في جلسةٍ فكرية (مُحاكمة فكرية)، في ليلةٍ من الليالي في بيتِ أحدهم أمام الناقمين والناقدين له، من جرَّاءِ المُشكلات العديدة التي تسبَّب بها[56]. وهناك نقطة مهمة كرَّرها الوردي تجاه ناقديه، وهي أنّ العقل البشري مُتحيَّز بطبيعتهِ، بسبب عدم قدرته على إقناعِ ناقديه، وعدم قدرتهم على إقناعِه أيضًا؛ فالإنسان، وفق رأي الوردي، لا يقتنع إلَّا إذا أراد الاقتناع، ولا يمكن إقناعه بأي طريقة وهو لا يُريد ذلك[57]. لذلك إن كان الوردي قد عورض وانتُقِد في كثيرٍ مما طُرِح في فرضياتِه وآرائه وأفكاره وتحليلاته، فإنَّه سحب الفكر واستماله آنذاك نحو الاهتمام بواقعِ المجتمع العراقي، في كلِ ما تعلَّق بقيمهِ وعاداته وتقاليده وصراعاته وهويته[58].
مؤلفاته
-
شخصية الفرد العراقي: بحث في نفسيةِ الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث (1951).
-
خوارق اللاشعور: أو أسرار الشخصية الناجحة (1952).
-
وعَّاظ السلاطين: رأي صريح في تاريخِ الفكر الإسلامي في ضوءِ المنطق الحديث (1954). وتُرجِم للفارسية عام 1955.
-
مهزلة العقل البشري (1955).
-
أسطورة الأدب الرفيع (1957).
-
الأحلام بين العلم والعقيدة: بحث في الأحلامِ من حيث تأثيرها في عقائدِ الناس وعاداتهم وما توصّل إليه العلم الحديث في ذلك من نظريات (1959).
-
منطق ابن خلدون: في ضوء حضارته وشخصيته (1962).
-
دراسة في طبيعةِ المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث (1965). وترجمه للألمانية فايروخ وإبراهيم الحيدري عام 1972.
-
لمحات اجتماعية من تاريخِ العراق الحديث:
الجزء الأول:
من بدايةِ العهد العثماني حتى منتصف القرن التاسع عشر (1969).
الجزء الثاني:
من سنة 1831 إلى سنة 1872 (1969).
الجزء الثالث:
من سنة 1876 إلى سنة 1914 (1972).
الجزء الرابع:
من سنة 1914 إلى سنة 1918 (1974).
الجزء الخامس:
حول ثورة العشرين (القسم الأول) (1977).
حول ثورة العشرين (القسم الثاني) (1978).
الجزء السادس:
من سنة 1920 إلى سنة 1924 (1979).
وفاته
توفي علي الوردي في 13 تموز/ يوليو 1995، بعد صراع مع مرض السرطان.
المراجع
العربية
الحيدري، إبراهيم.
علي الوردي: شخصيته ومنهجه وأفكاره الاجتماعية. كولونيا – بغداد: منشورات الجمل، 2006.
الخاقاني، محمد عيسى.
مئة عام مع الوردي. ط2. لندن: دار الحكمة، 2013.
عبد الجبار، فالح.
في الأحوالِ والأهوال: المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف. بيروت: الفرات للنشر والتوزيع، 2008.
المطبعي، حميد.
علي الوردي يدافع عن نفسه. بغداد: المكتبة العالمية، 1987.
الوردي، علي.
مهزلة العقل البشري. بغداد: دار الحوراء للطباعةِ والنشر، 2005.
________.
دراسة في طبيعةِ المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسةِ المجتمع العربي الأكبر في ضوءِ علم الاجتماع الحديث. قم: منشورات سعيد بن جبير، 2005.
________.
وعَّاظ السلاطين. ط2. لندن: دار كوفان للنشر، 1995.
________.
الأحلام بين العلم والعقيدة. ط2. لندن: دار كوفان للنشر، 1994.
________.
لمحات اجتماعية من تاريخِ العراق الحديث. ج1. لندن: دار كوفان للنشر، 1991.
________.
شخصية الفرد العراقي: بحث في نفسيةِ الشعب العراقي على ضوءِ علم الاجتماع الحديث. بغداد: مطبعة الرابطة، 1951.
التير، مصطفى عمر. "لكي لا تستمر حالة تهميش علي الوردي".
إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع. العددان 17 و18 (2012).
الديوه جي، عمر. "الوردي وجنيلوجيا الخطاب الثقافي".
إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع. العددان 17 و18 (2012).
الرهيمي، علاء حسين. الحلي، علي طاهر. “علي الوردي بيئته ونشأته وجهوده التربوية: دراسة تاريخية".
مجلة آداب الكوفة. المجلد 1، العدد 3 (2008).
صالح، د. علي حاكم. "علي الوردي: موقع مُثقَّف".
مجلة آداب ذي قار. المجلد 1، العدد 45 (2024).
محمد، مازن مرسول. "ازدواجية الشخصية العراقية: رؤية نقدية في فكرِ الوردي".
إضافات: المجلة العربية لعلمِ الاجتماع. العددان 17 و18 (2012).
فالح عبد الجبار. "سوسيولوجيا البداوة والمجتمع العراقي 2-2" الحوار المُتمدن، العدد 1295، 23 / 8 / 2005، شوهد في 31 / 10 / 2025، في:
https://acr.ps/1L9B9Db
________. "المجتمع العراقي وسوسيولوجيا البداوة 1-2"، موقع الحوار المُتمدَّن، العدد 1294، 22 / 8 / 2005، شوهد في 31 / 10 / 2025، في:
https://acr.ps/1L9BaiR
الأجنبية
Abdul-Jabbar, Faleh. “The Sociology of Nomads and Iraqi Society: with Specific Reference to Ali Al-Wardi and Ibn Khaldun”. at:
https://acr.ps/1L9Bah0
Al-Haidari, Ibrahim. “Ali Al-Wardi and his critique of the human mind”.
Contemporary Arab Affairs. Vol. 8, No. 1 (2015). Pp. 39-53.
Ismael, Tareq Y. & Jacqueline S. Ismael. “Iraq today in the thoughts of al-Wardi: The rule of the preachers”.
International Journal of Contemporary Iraqi Studies. Vol. 8, No. 2&3 (2014). Pp. 119-139.
Khoury, Dina Rizk. “History and Society of Iraq between Hanna Batatu and Ali al-Wardi”.
AlMuntaqa. Arab Center for Research & Policy Studies. Vol. 1, No. 2 (2018). Pp. 91-101.
Al-Zurfi, Fouad Jabir Kadhem. “Sectarianism in Iraq– a critique by Ali Al-Wardi”.
Contemporary Arab Affairs. Vol. 7, No. 4 (2014). Pp. 510-525.
[1] علاء حسين الرهيمي وعلي طاهر الحلي، "علي الوردي بيئته ونشأته وجهوده التربوية: دراسة تاريخية"،
مجلة آداب الكوفة، مج 1، العدد 3 (2008)، ص27.
[2] إبراهيم الحيدري،
علي الوردي: شخصيته ومنهجه وأفكاره الاجتماعية (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2006)، ص 21.
[3] المرجع نفسه، ص 23.
[4] المرجع نفسه، ص25-26.
[5] المرجع نفسه، ص27-28.
[6]عمر الديوه جي، "الوردي وجنيلوجيا الخطاب الثقافي"،
إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع، العددان 17 و18 (2012)، ص 6.
[7] الرهيمي والحلي، ص 42.
[8] الحيدري، ص 38.
[9] الرهيمي والحلي، ص36-39.
[10] الحيدري، ص 39.
[11]Fouad Jabir Kadhem al-Zurfi, “Sectarianism in Iraq– a critique by Ali Al-Wardi,”
Contemporary Arab Affairs, vol. 7, no. 4 (2014), p. 523.
[12] Faleh Abdul-Jabbar, “The Sociology of Nomads and Iraqi Society: with Specific Reference to Ali Al-Wardi and Ibn Khaldun,” accessed on 31/ 10 / 2025 at:
https://acr.ps/1L9Bah0
[13] Ibid.
[14] Ibid.
[15] علي الوردي،
لمحات اجتماعية من تاريخِ العراق الحديث، ج 1 (لندن: دار كوفان للنشر، 1991)، ص 17.
[16] علي الوردي،
دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث (قُم: منشورات سعيد بن جبير، 2005)، ص 14.
[17] المرجع نفسه، ص 12.
[18] فالح عبد الجبار، "المجتمع العراقي وسوسيولوجيا البداوة 1-2"، الحوار المتمدن، العدد 1294، 22/8 /2005، شوهد في 31/10/ 2025، في:
https://acr.ps/1L9BaiR
[19] ــفالح عبد الجبار، "سوسيولوجيا البداوة والمجتمع العراقي 2-2" الحوار المُتمدَّن، العدد 1295، 23/8/2005، شوهد في 31/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9B9Db
[20] الوردي، دراسة في طبيعةِ المجتمع العراقي، ص 15.
[21] Faleh Abdul-Jabbar, “The Sociology of Nomads and Iraqi Society: with Specific Reference to Ali Al-Wardi and Ibn Khaldun”.
[22] Dina Rizk Khoury, “History and Society of Iraq between Hanna Batatu and Ali al-Wardi,”
AlMuntaqa, vol. 1, no. 2 (2018), p. 96.
[23] الوردي،
دراسة في طبيعةِ المجتمع العراقي، ص 38.
[24] Tareq Y. Ismael & Jacqueline S. Ismael “Iraq today in the thoughts of al-Wardi: The rule of the preachers,”
International Journal of Contemporary Iraqi Studies, vol. 8, no. 2&3 (2014), p. 126.
[25] الوردي،
دراسة في طبيعةِ المجتمع العراقي، ص 286.
[26] الوردي،
لمحات اجتماعية، ج 1، ص 301.
[27] المرجع نفسه، ص 303.
[28] المرجع نفسه، ص288-289.
[29] المرجع نفسه، ص289-296.
[30] فالح عبد الجبار،
في الأحوالِ والأهوال: المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف (بيروت: الفرات للنشر والتوزيع، 2008)، ص 104.
[31] علي الوردي،
وعَّاظ السلاطين، ط 2 (لندن: دار كوفان للنشر، 1995)، ص 11.
[32] المرجع نفسه، ص 12
[33] المرجع نفسه، ص 47.
[34] علي الوردي،
مهزلة العقل البشري (بغداد: دار الحوراء للطباعة والنشر، 2005)، ص 30.
[35] الوردي،
مهزلة العقل البشري، ص 34.
[36] المرجع نفسه، ص 72.
[37] Ibrahim Al-Haidari, “Ali Al-Wardi and his critique of the human mind,”
Contemporary Arab Affairs, vol. 8, no. 1 (2015), p. 43.
[38] Ibid., p. 41.
[39] علي الوردي،
شخصية الفرد العراقي: بحث في نفسيةِ الشعب العراقي على ضوءِ علم الاجتماع الحديث (بغداد: مطبعة الرابطة، 1951)، ص 22.
[40] علي الوردي،
الأحلام بين العلم والعقيدة، ط 2 (لندن: دار كوفان للنشر، 1994)، ص 180.
[41] Al-Haidari, p. 44.
[42] الحيدري، ص 16.
[43] المرجع نفسه، ص 40.
[44] المرجع نفسه، ص 48.
[45] المرجع نفسه، ص 183.
[46] المرجع نفسه، ص 197.
[47] al-Zurfi, p. 511.
[48]. Ismael & Ismael, p. 129.
[49] الحيدري، ص 34-35.
[50] المرجع نفسه، ص271- 272.
[51] مصطفى عمر التير، "لكي لا تستمر حالة تهميش علي الوردي"،
إضافات: المجلة العربية لعلمِ الاجتماع، العددان 17 و18 (2012)، ص43- 44.
[52] حميد المطبعي،
علي الوردي يدافع عن نفسه (بغداد: المكتبة العالمية، 1987)، ص 58.
[53] الوردي،
دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 7.
[54] علي حاكم صالح، "علي الوردي: موقع مُثقَّف".
مجلة آداب ذي قار، مج 1، العدد 45 (2024)، ص 184.
[55] الوردي،
دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 8.
[56] حاكم صالح، ص 187.
[57] المطبعي، ص 9.
[58] مازن مرسول، "ازدواجية الشخصية العراقية: رؤية نقدية في فكرِ الوردي".
إضافات: المجلة العربية لعلمِ الاجتماع. العددان 17 و18 (2012)، ص 21.