ألفرد نورث وايتهد (Alfred North Whitehead، 1861-1947)، فيلسوف وعالم رياضيات ومنطق بريطاني، ويُعدّ من أبرز مؤسسي فلسفة الصيرورة في القرن العشرين. ويصعب تصنيف فلسفته بدقة، وليس من الهيّن كذلك تحديد مكان وايتهد نفسه في تاريخ العقل، ومع ذلك يُمكن إلحاقه على سبيل التقريب بزمرة الواقعيين الجدد (The New Realists). بدأ مسيرته الفكرية في مجال الرياضيات والمنطق، واشتهر بتعاونه مع بيرترند راسل في تأليف كتاب
مبادئ الرياضيات (Principia Mathematica) الذي يُعد سِفرًا في علم المنطق الرياضي الحديث. ومع انتقاله إلى الفلسفة، ولا سيما بعد التحوّلات العميقة التي مسّت الفكر العلمي في مطلع القرن العشرين، أعاد وايتهد التفكير في مفاهيم مركزية، مثل الكينونة والزمن والسببية، متأثرًا في ذلك بتراجع النموذج النيوتني في الفيزياء، وصعود نظريتَي النسبية وميكانيكا الكم. ووفقًا لفلسفة وايتهد الميتافيزيقية، يرى أن الواقع لا يتكوّن من أشياء ثابتة، بل من كيانات فعلية (Actual Entities) تتّصف بالحركة والتفاعل، وتحمل في طياتها لحظة من الشعور أو الخبرة، فكل كائن يشارك في شبكة علائقية ديناميكية التأثير والتأثر، ويتجه نحو تحقيق هدف ذاتي (Subjective Aim) يُمثّل إمكانيته القصوى. وبذلك، تُعاد صياغة مفاهيم الزمن والحرية والعلاقة، ويُفهَم الزمن بوصفه صيرورة حية، وليس مجرد تتابع لحظات فقط.
كذلك، قدّم وايتهد تصورًا جديدًا للإله مُغايرًا للتصور التقليدي، يجمع بين بُعدَيْن، أحدهما أولي يحوي الإمكانات الكلية، والآخر لاحق يتأثر بالعالم ويحتفظ بنتائجه، فالإله يُرافق الكون ويمنحه إمكاناته ويتطوّر معه. كذلك، أثّرت فلسفة وايتهد في ميادين كثيرة، يُذكر منها: الأخلاق، والبيئة، واللاهوت، وقد طوّرها مفكرون بارزون فيما بعد، مثل ديڤيد راي غريفين، الذي رأى فيها بديلًا بنّاءً للحداثة والتفكيك؛ وإيزابيل ستينغرز التي قدّمت قراءة فلسفية حية لفكره، مؤكدة دوره في تجديد المفاهيم بما يخدم قضايا العلم والطبيعة والتعدد الثقافي.
حياته الشخصية والمهنية
وُلِد وايتهد وترعرع في مدينة
رامسغيت {{رامسغيت: (Ramsgate) مدينة تقع على ساحل مقاطعة كِنت بالمملكة المتحدة، تُشتهر بمينائها التاريخي ومنتجعاتها البحرية، وتزخر بمعمار جورجي فخم، وهي معروفة بنشاطها الثقافي والسياحي.}} بمقاطعة كينت بإنكلترا. وهو الابن الأصغر لألفريد وايتهد (Alfred Whitehead، 1829-1898)، الذي كان قسًّا
أنجليكانيًا {{الأنجليكاني: (Anglicanism) كلمة تُطلق على الشخص الذي ينتمي إلى الكنيسة الأنجليكانية، التي أُنشئت في بريطانيا في القرن السادس عشر وذلك بعد انفصالها عن الكنيسة الكاثوليكية. تمتاز هذه الكنيسة بالجمع ما بين التراث المذهبي البروتستانتي والتراث الكاثوليكي في المعتقد الديني والطقوسي.}} ومديرًا لأكاديمية تشاتام هاوس (Chatham House Academy) بالمقاطعة، وعُيِّن لاحقًا كاهنًا لرعية
كنيسة القديس بطرس في ثانِت {{كنيسة القديس بطرس في ثانِت: معلم تاريخي بريطاني يرجع في أصوله إلى العصور الوسطى، ويتميز ببرجه الحجري ومقبرته العتيقة. تُعَد هذه الكنيسة من أقدم الكنائس الأنجليكانية الموجودة في المنطقة برمتها.}} (Thanet)، وعُرِف عنه نزوعه الديني المتزمّت وصرامته في التعليم. أما والدته ماريا سارة باكماستر (Maria Sarah Buckmaster، 1832-1924)، فقد وُصِفت بأنها امرأة تقليدية، وأن علاقتها بابنها ألفريد لم تكن وثيقة كالعلاقة بين الأب والابن[1].
نشأ وايتهد في كنف أسرة تقليدية متديّنة، وكان أبواه يعتقدان أن طفلهما هزيل وضعيف البنية الجسدية، ولا يصلح للمدرسة أو الرياضات البدنية، فتكفّلا بتعليمه في المنزل حتى بلغ سن الرابعة عشرة، وخلال هذه المدة، تلقّى تعليمًا صارمًا ومنضبطًا على يد والده. وعلى الرغم من اعتقاد والديه بضعف صحته، كان وايتهد طفلًا سليمًا، عانى فقط بعض الأمراض التي قد تصيب الأطفال في مثل سنه بصورة عادية. وتلقّى تعليمه في مدرسة تشاتام هاوس، التي كانت تُعدّ آنذاك من أفضل المدارس في إنكلترا، حيث بدأت المعالم الأولى لنُبوغه في الرياضيات، ثم التحق بعد ذلك بـكلية ترينيتي بجامعة كامبردج {{كلية ترينيتي، كامبردج: (Trinity College, Cambridge) تُعد هذه الكلية من أكبر كليات جامعة كامبردج، وشُيِّدت في عام 1546 ببريطانيا في عهد الملك هنري الثامن، وتخرج فيها كبار العلماء والفلاسفة.}} وهو في سن التاسعة عشرة. وقد اتّسم التعليم هناك بنزعة حوارية، تجمع بين الدرس النظري والنقاش الحر، وهو ما مكّنه من التعلّم عبر هذا الطريق، وعلى نحوٍ متساوٍ مع ما كان يتلقاه من الكتب. وفي عام 1885، عُيّن زميلًا في كلية ترينيتي وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وقد وصَف تلك المرحلة بأنها منحته خُلق التواضع الحق، الذي عدّه أعزّ ما اكتسبه في حياته الفكرية.[2]
وبعد خمس سنوات من تعيينه، تزوّج إيڤلين ويلوبي ويد (Evelyn Willoughby Wade، 1865-1961)، وهي شابة بريطانية من أسرة ذات خلفية عسكرية، نشأت وتعلّمت في دير للراهبات، وكانت تميل إلى النزعة الروحانية، واستمرّت علاقتها بوايتهد طيلة حياته. وعلى الرغم من أن تأثيرها في أعماله الفلسفية أو الأكاديمية لم يكن مباشرًا، فإن وايتهد نفسه أقرّ بأن حضورها في حياته شكّل أحد العناصر الجوهرية التي لا يمكن تفسيرها، والتي منحت لحياته وأعماله بُعدًا خاصًا في نظرته إلى العالم. وقد رُزِق منها بثلاثة أبناء[3]. وقد شغل وايتهد منصب أستاذ محاضر في الرياضيات بكلية ترينيتي حتى عام 1910، ثم انتقل بعد ذلك إلى لندن فشغل مناصب أكاديمية متعددة، أهمها أستاذية الرياضيات التطبيقية في كلية العلوم الإمبراطورية (Imperial College). وفي هذه المرحلة، بدأ اهتمامه يتّجه نحو فلسفة العلوم، ولا سيّما فلسفة الفيزياء، وشارك بقوة في نقاشات الجمعية الأرسطية {{الجمعية الأرسطية: (The Aristotelian Society) هي منبر فلسفي مرموق، شُيِّد في مدينة لندن في عام 1880، كانت تُعقد فيه دروس ومحاضرات وحوارات أكاديمية سنوية يحضرها كبار الفلاسفة، ويناقشون مسائل في الميتافيزيقا والمنطق والعقل.}}[4]، التي تولّى رئاستها عامَي 1922 و1923.
وفي عام 1924، انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن تلقّى دعوة رسمية للانضمام إلى جامعة هارڤرد (Harvard University) بوصفه أستاذًا للفلسفة، وهناك، أمضى ما تبقّى من عمره -ثلاثة وعشرين عامًا - حتى رحيله عن الدنيا عام 1947، بعد أن أمضى العقدَيْن الأخيرَيْن من حياته في إنتاج فلسفي متميز، يجمع بين الجرأة الأنطولوجية والدقّة العلمية، وقد نال عددًا من الأوسمة الأكاديمية الرفيعة، منها زمالة الجمعية الملكية (1903)، وزمالة الأكاديمية البريطانية (1931)، ووسام الاستحقاق البريطاني (1945)[5].
أبرز أعماله الفلسفية
تميّز وايتهد بعمقه المعرفي، وامتازت كتاباته بأسلوب تأمّلي مُعقّد، جمع فيه بين الرياضيات والمنطق وتاريخ العلوم والأدب والدين، وقدّم مسارًا فكريًا فريدًا، استهله بأعمال رياضية دقيقة، وأنهاه ببناء نسق ميتافيزيقي شامل. وكان أول عمل له بعنوان: مقال في علم الجبر الشامل: مع تطبيقات (A Treatise on Universal Algebra:With Applications) (1898)، ويُستشفّ من هذا الكتاب أنه من أوائل من أدركوا الحاجة إلى وضع تعريفات عامة للهياكل الجبرية، ونُسِب إليه الفضل في الإشارة إلى أهمية بناء إطار موحّد لدراسة أنواع
الجبر {{الجبر: فرع من فروع علم الرياضيات، يدرس البنى والعلاقات الرياضية باستعمال الرموز والمتغيّرات، كما يعمد إلى تطوير قواعد بُغية حل المعادلات والتعبير عن المفاهيم الكمية. ويُعتبر الجبر من أساسات العلوم التطبيقية والطبيعية.}} المختلفة، وهو ما يُعدّ إسهامًا مبكرًا وأساسيًا في نشأة علم الجبر الحديث الشامل[6]. بعد ذلك، ألّف كتاب
مدخل إلى الرياضيات (An Introduction to Mathematics) (1911) بلغة مبسطة، ثم تحوّل شيئًا فشيئًا إلى الفلسفة، فظهرت أعماله في فلسفة العلم مثل
مفهوم الطبيعة (The Concept of Nature) (1920)، وبحث في مبادئ المعرفة الطبيعية (An Enquiry Concerning the Principles of Natural Knowledge) (1919)، وفيها نقد لفصل العالم الفيزيائي عن الخبرة الحسية. أما في كتاب
مبدأ النسبية (The Principle of Relativity) (1922)، فقد قدَّم تصوّره الخاص عن الجاذبية والزمكان، مخالفًا في ذلك إسحاق نيوتن، وألبرت آينشتاين (Albert Einstein، 1879-1955).
وبلغ وايتهد نضجه الفلسفي في كتابه: العلم والعالم الحديث (Science and the Modern World)[7] (1925)، الذي دعا فيه إلى تجاوز الرؤية الميكانيكية للعالم، مؤكدًا دور القيم والتجربة. وفي كتابيه:
الدين في طور التكوين (Religion in the Makin)[8] (1926)، والرمزية: معناها وأثرها (Symbolism: Its Meaning and Effect) (1927)، بحَث في علاقة الإنسان بالعالم من خلال الرموز والدين. ثم نشر
غايات التعليم ومقالات أخرى (The Aims of Education and Other Essays) (1929)، مؤكّدًا أن هدف التعلم هو الإبداع لا التلقين. أما عمله الفلسفي الأكبر، فتجلى في كتابه المركزي:
الصيرورة والواقع: مقال في الكوسمولوجيا (Process and Reality: An Essay in Cosmology) (1929). ثم أعاد تنظيم أفكاره في كتاب
مغامرات الأفكار (Adventures of Ideas) (1933)، الذي جمع فيه بين الفلسفة والتاريخ والثقافة. واختُتم مشروعه بكتاب:
أنماط التفكير (Modes of Thought )(1938)، وهو من أبسط كتبه وأوضحها؛ وكتاب
مقالات في العلم والفلسفة (Essays in Science and Philosophy) (1947)، التي ضمّت خلاصة تأملاته الفلسفية الأخيرة.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مبادئ الرياضيات بوصفها إسهامًا رئيسًا في المنطق الرياضي
برتراند راسل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أسهمت أعمال وايتهد في علمَي الرياضيات والمنطق، في وضع اللبنات الأساسية الأولى التي مكّنت من تتبّع مسار تطور فلسفته، ولعل من أبرز هذه الأعمال المُبكرة كتابه:
مقال في علم الجبر الشامل، فقد كان هذا العمل بمنزلة المحاولة الأولى الطامحة إلى خلق إطار شكلي تتوحّد فيه فروع الجبر على تباينها، وهو ما جعل وايتهد يُظهِر نزوعًا إلى تشييد منهجي قائم على أسس نظرية متينة للعلوم الرياضية، وفتح المجال فيما بعد للتعاون الفلسفي الكبير مع
بيرترند راسل {{بيرترندراسل: (Bertrand Russell، 1872-1970) عالم منطق وفيلسوف بريطاني معاصر، يُعَد من أهم رموز الفلسفة التحليلية، أسهم بأبحاثه في تطوير المنطق الرياضي، وحصل في عام 1950 على جائزة نوبل للآداب.}}، وقد تجسّد في كتاب
مبادئ الرياضيات (Principia Mathematica)(1910–1913)، الذي يُعدّ إسهامًا تأسيسيًا غير مسبوق في نشأة المنطق الرياضي (Mathematical Logic)، ويُصنَّف بوصفه أحد أعظم الأعمال الفلسفية في القرن العشرين. حاول الفيلسوفان في هذا العمل تحقيق حلم قديم يرجع إلى الفيلسوف الألماني
غوتفريد ڤيلهلم لايبنتز {{غوتفريد
ڤيلهلم لايبنتز: (Gottfried Wilhelm Leibniz، 1646-1716) عالم رياضيات وفيلسوف ألماني، طوَّر فلسفة المونادات التي تعمد إلى تقديم تفسير حول الكون بالاستعانة بوحدات لا مادية مستقلة.}} في بناء لغة كونية رمزية، تتسم بالدّقة المنطقية والوضوح المفاهيمي، ويُمكِنها أن تُجنِّب العقل البشري الوقوع في الزّلل والتناقض. لم يكن هذا الحلم في جوهره سوى تطلع إلى تأسيس منطق رمزي شامل، يُغني عن الجدال، ويجعل من البرهان العقلي طريقًا ممهَّدًا نحو الحقيقة، من خلال لغة لا تُعنى بمضمون العبارات بقدر ما تهتم بشكلها المنطقي، وتُبنى وتُشتَق وفق قواعد وضوابط محكمة[9].
وبناءً على ذلك، يُعد هذا الكتاب محطة فارقة في تاريخ الدراسات المنطقية، إذ سعى فيه كلٌّ من راسل ووايتهد، لتشييد نسق رياضي خالص على أسس منطقية محضة. وقد استغرقت عملية التأليف والعمل على هذا النظام الرمزي وبنيته الداخلية، أكثر من عشر سنوات من الجهد المشترك، ولم يمرّ وقت طويل حتى ظهرت الحاجة إلى طبعة ثانية للمجلدات الثلاثة، فصدر المجلد الأول من الطبعة الثانية عام 1925، وتبعه المجلدان الثاني والثالث عام 1927. وقد تميّزت هذه الطبعة بالتنقيحات الطفيفة، والتحديثات التي أُدخِلت على الرموز، وتنسيق بعض البراهين الواردة في الكتاب. وفي عام 1962، نُشِرت نسخة مختصرة اقتصرت على الفصول الستة والخمسين الأولى من المجلد الأول، ومردُّ هذا الاختصار يرجع إلى وعي متزايد بشأن كثيرٍ من التفاصيل التقنية المعروضة في الأجزاء اللاحقة، التي تفوق حاجة معظم قُرّاء هذا الكتاب، ولا سيما أولئك الذين يهتمون بالأسس الفلسفية والمنطقية العامة، من دون أن يتورطوا بصورة كاملة في النظام الرمزي المعقد. وتُستهل موضوعات الكتاب بـالمنطق الرياضي، وتصل إلى مفاهيم غارقة في التعقيد مثل الكمية والعلاقات[10].
أظهر وايتهد وراسل في هذا الكتاب توجُّهًا واضحًا نحو إخضاع القضايا الرياضية جميعها لقواعد صارمة من التحليل المنطقي، معتمدَيْن في ذلك على أسلوب استنباطي محض، يقوم على منهج توليفي يبدأ من مسلمات أولية وينتهي إلى نتائج معقدة، عبر تسلسل منطقي رياضي محكَم. غير أن المؤلفَيْن يعترفان بأن هذا المنهج لا يتناول الرياضيات بوصفها علمًا، بل يسعى لتأسيس بنيتها المنطقية. وبناءً على ذلك، لا يدّعي كتاب
مبادئ الرياضيات معالجة المفاهيم الرياضية كما هي مستخدمة في الحياة العلمية أو التطبيقية، بل يُقدم محاولة لإعادة بناء هذه المفاهيم على أسس منطقية استنباطية، تُصاغ فيها القضايا والرموز والمعادلات، بدقة لا تترك مجالًا للتأويل أو الالتباس[11].
ويقوم هذا العمل على فرضية
النزعة المنطقية {{النزعة المنطقية: (Logicism) اتجاه في فلسفة الرياضيات، يعتبر أن القوانين والمفاهيم الرياضية يُمكن إرجاعها بصورة كلية إلى مبادئ منطقية، ومن أهم من مثّل هذا الاتجاه الفلسفي: غوتلوب فريغه وبيرترند راسل.}}، التي تعني أن الرياضيات ليست سوى فرع من فروع المنطق، وأن القضايا الرياضية جميعها يمكن - من حيث المبدأ - أن تُعرّف وتُستنتَج من عدد قليل من المبادئ المنطقية الأولية. ومن الناحية العملية، عمد راسل ووايتهد إلى إثبات أن المفاهيم العددية والعمليات الحسابية والمجموعات وحتى العلاقات، يمكن التعبير عنها بلغة منطقية محضة، وذلك بالاستعانة بنظرية النوع البسيط (Simple Type Theory)، بغية تفادي
المفارقات {{المفارقات: جمع مفارقة (Paradox)، وهي قضايا وبراهين منطقية تنحو إلى حالة من التناقض الظاهري، وكذلك تعمل على كشف حدود اللغة والفكر، وتُعتمد بوصفها وسيلة لفحص حالة الاتساق الرياضي والفلسفي.}} الذاتية مثل مفارقة راسل (Russell’s Paradox)، التي تُعدّ واحدة من أهم المفارقات في تاريخ المنطق، وكان لها تأثيرٌ بالغ في دفع راسل ووايتهد إلى تطوير كتاب
مبادئ الرياضيات. ظهرت هذه المفارقة أول مرة عام 1901، وناقشها راسل بالتفصيل في أعماله اللاحقة، بما في ذلك
مبادئ الرياضيات، إذ طرح فيه راسل إشكالية تتمثّل في تصور مجموعة تشتمل على المجموعات كافة، أي أن تكون مجموعة المجموعات التي تتميّز بخصيصة الانتماء إلى نفسها، ولكن، بما أن هذه المجموعة نفسها هي أيضًا مجموعة، فهي مشمولة في تعريفها، ومن ثم يجب أن تشتمل على نفسها. غير أن هذا الاشتراك يُوقع في تناقض صارخ، ويمكن توضيح ذلك بمثال بسيط: إذا افتُرِض أن ثمة مجموعة لا تنتمي إلى نفسها، فهل تنتمي إلى نفسها أم لا؟ إن كانت تنتمي إلى نفسها، فهي لا تنتمي إلى نفسها وفقًا لتعريفها، وإن لم تنتمِ، فينبغي أن تنتمي، وهو ما يؤدي إلى تناقض في الحالتين. يشبه هذا التناقض ما هو موجود في مفارقة الكاذب: إذا قال شخص ما: "أنا كاذب"، فهل يقول الحقيقة أم يكذب؟ إن كان صادقًا فهو كاذب، وإن كان كاذبًا فهو صادق. في كلتا الحالتين ثمة تناقض لا مفرّ منه[12].
قدّم وايتهد وراسل نظرية الأنواع المنطقية (The Theory of Logical Types) بوصفها حلًا لمفارقة راسل، وأوضحا من خلال النظرية أن مثل هذه المجموعة تؤدي إلى تناقض منطقي، إذ لا يمكن تحديد ما إذا كانت تحتوي على نفسها من دون الوقوع في تناقض، لذلك، تقترح النظرية تنظيم الكيانات المنطقية في تسلسل هرمي من الأنواع، على النحو الذي لا يمكن فيه لمجموعة من نوع معين أن تحتوي إلا على عناصر من نوع أدنى، ما يمنع التكرار الذاتي الذي يؤدي إلى التناقضات. ويُشير راسل إلى أن افتراض وجود مجموعة من الكيانات التي يمكن أن تحتوي على أعضاء لا يمكن تعريفهم إلا باستخدام المجموعة بوصفها كُلًّا، يؤدي إلى دائرة مفرغة[13].
غير أن هذا التأسيس الذي قدّمه كتاب
مبادئ الرياضيات لم يكن نهاية الطريق، بل أصبح نقطة انطلاق لنقدٍ وتجديدٍ أعمق، ففي عام 1931، نشر الرياضياتي والمنطقي الألماني
كورت غودل {{كورت غودل: (بالألمانية: Kurt Gödel، 1906-1978) رياضياتيٌّ وعالم منطق نمساوي وأميركي، ذاع صيته بفضل نظريتَي عدم الاكتمال، اللتين حاجج فيهما على حدود النسق الصوري، وكان لهذا العالم تأثير عميق في علوم الحاسوب والرياضيات والمنطق الحديث.}} عمله الشهير:
عن القضايا غير القابلة للحسم في مبادئ الرياضيات والأنظمة المشابهة ( On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems)، الذي أثبت فيه مُبرهِنَتَيْه المعروفتين بعدم الاكتمال (Incompleteness Theorem). وتنطوي هاتان المُبرهنتان على نتيجتَيْن جوهريتَيْن، تُقوّضان إمكانية تأسيس الرياضيات على نظام بدهي مغلق ومُكتَفٍ بذاته؛ فالمبرهنة الأولى، تُوضِّح أنّ أي نظام رياضي متّسق له القدرة على التعبير عن الحساب الابتدائي، لا يمكن أن يكون مكتملًا، إذ توجد فيه دائمًا عبارات صحيحة لا يمكن برهنتها ضمن قواعده الداخلية؛ أما المبرهنة الأخرى، فتؤكد أن مثل هذا النظام لا يستطيع أن يُثبت اتساقه الذاتي من داخله، أي إنه يعجز عن تقديم برهان داخلي على خلوّه من التناقضات من دون الرجوع إلى مبادئ تقع خارجه. وبذلك، تُظهِر المبرهنتان أن حدود البرهان تفصل بالضرورة بين ما هو صادق وما هو قابل للإثبات داخل أي نسق رياضي صوري.[14]
ورغم أن هناك في بعض الأوساط البحثية والأكاديمية مَن عدّ مُبرهنتَي غودل، بمنزلة الضربة القاصمة لمشروع وايتهد وراسل في
مبادئ الرياضيات، فإن القول المُنصف يُظهر بجلاء أنهما لم تعمدا البتة إلى هدم هذا المشروع، بل سعتا لكشف حدود البنيوية، وفي المقابل من ذلك، عمقتا تصوّراته المنطقية والفلسفية، فراسل ومعه وايتهد لم يريا في مبرهنتَي غودل تهديدًا للمشروع الفلسفي، لأنهما كانا منذ البداية يُسلّمان بوجود قضايا غير قابلة للحسم، وقد استعانا في سبيل تشييد النسق ببديهيات خارجية، مثل:
بديهية الاختيار {{بديهية الاختيار: (Axiom of Choice) مبدأ من المبادئ الأساسية في علم الرياضيات، يقوم على إمكانية مفادها: اختيار عنصر واحد من كل مجموعة غير فارغة، بما في ذلك المجموعات اللامتناهية، وهو مبدأ أثار جدلًا منطقيًا وفلسفيًا واسعًا.}}،
وبديهية اللانهاية {{بديهية اللانهاية: بديهية من بديهيات نظرية المجموعات، تقر بوجود مجموعة تتكون من عددٍ لا نهائي من العناصر، وهو ما يضمن تشييد الحساب على مبدأ مجموعات لامتناهية.}} لضمان الاتساقية، وبناء عليه، فقد كان موقفهما منذ البداية أن ما تصوره غودل، ما هو إلا دعوة لتطوير النسق. ولكن مع ذلك، يُشار هنا إلى أن موقف راسل تحديدًا قد غالبه نوع من التردد، إذ أرسل في عام 1963 رسالة إلى أليس ماري هيلتون (Alice Mary Hilton، 1919–2011) يُخبرها عن شعوره باليأس من المشروع الذي عكف عليه مع صديقه وايتهد، إلا أن هيلتون لم تشاركه الشعور نفسه، ودافعت بقوة عن القيمة العلمية لهذا المشروع[15].
كذلك يُرى أن غودل نفسه يُقرّ بأنّ النتائج التي توصّل إليها تستند في جوهرها إلى النظام الذي وضعه راسل ووايتهد[16]، بمعنى أن ما جاء في كتاب
مبادئ الرياضيات لم يكن ضربًا من الخطأ، بل كان بمنزلة الخطوة الضرورية التي ينبغي انتهاجها، بغية تطوير نظريات أدق عن طبيعة البرهان والاتساق والاستدلال. ولعل ورود "مبادئ الرياضيات" في عنوان كتاب غودل، يشير بجلاء إلى المنزلة العظيمة التي احتلّها هذا العمل في التكوين الفلسفي المنطقي لديه، بعدِّه المثال الأكمل نحو تأسيس الرياضيات تأسيسًا صوريًا خالصًا، وهو مسعى غودل من داخل هذا الإطار نفسه، ليختبر مدى قدرته على الوفاء بوعده، في سبيل بناء رياضيات مكتملة متّسقة، انطلاقًا من بديهيات منطقية. وبناء عليه، فقد أوضحت مبرهنتا غودل أن مشروع وايتهد وراسل في كتابهما
مبادئ الرياضيات، لا يقتدر على إحقاق الاكتمال المنطقي، لأن أي نسق صوري يمتاز بالاتساق يبقى عاجزًا أمام إثبات القضايا المنطقية كلها التي تُصاغ وتؤكَّد ضمنه. ومع ذلك، فقد أكد الفيلسوفان أن المنطق الرياضي لا يُمكن النظر إليه بوصفه نسقًا مُغلقًا، بل هو مشروع قابل للتطور والإغناء. ومن خلال هذه الرؤية، لا يمكن النظر إلى عمل غودل بوصفه نقضًا راديكاليًا لما أنجزه راسل ووايتهد، بل بوصفه إسهامًا تأسيسيًا مُتمّمًا، عمَد إلى إعادة صياغة طموحات المشروع المنطقي على أسس أنضج، وفتَح آفاقًا فلسفية رحبة، لفهم العلاقة بين المنطق والرياضيات[17].
فلسفة العلوم
لا يمكن فصل فلسفة الرياضيات عند وايتهد عن تأملاته في طبيعة العلم ومفهوم المعرفة، فقد نظر إليها بوصفها تعبيرًا عن البنية العقلية الكامنة في الطبيعة ذاتها، والرياضيات عنده تنبثق من تفاعل جدلي بين الذهن والواقع، ويسعى من خلالها لفهم الكيفية التي تتجسّد من خلالها المفاهيم الرياضية داخل سيرورة كونية أشمل، يكون فيها الحدث (Event)، لا المادة أو الجسم، بمنزلة الوحدة الأساسية للوجود. وبذلك، سلك وايتهد في نظره إلى الرياضيات مسلك المتدرّج في مراتب الفهم، مُبتدِئًا من التأسيس الصوري الصارم، ومتوسّلًا في الآن عينه بأدوات المنطق الرمزي، سعيًا منه لإقامة صرح رياضي مكتمل البنيان، بمنأى عن كل شبهة حدسية أو تجريبية. غير أن مساره الفكري ما فتِئ أن استدار، حين بدا له أن هذا التأسيس، وإن كان منضبطًا في صورته التي يظهر عليها، قاصر عن الإحاطة بحقيقة الرياضيات في صلتها بالحياة، فانبجست عنده رؤية جديدة، تجعل الرياضيات بمنزلة العلم التجريدي الحي، الذي يُستخرَج من عمق التجربة الكونية الممتدة، حيث لا تكون العلاقات ساكنة بل دائمة السريان. وهكذا، ارتقى وايتهد بالرياضيات من وصفها نظامًا استاتيكيًا من العلامات، إلى جعلها لسانًا يُعبّر عن تداخلات الوجود وتشابكات الأحداث، فغدت فلسفته ضربًا من التوفيق بين صرامة العقل وانفتاح الحس، وبين تجريد الفكر وتجدّد العالم المحسوس[18].
وفي المرحلة التي قضاها في لندن، تحوّل وايتهد من التأسيس المنطقي الصارم إلى التفكير الفلسفي في طبيعة العلم، وقد ظهرت نتائج هذا التحول في كتابه:
مفهوم الطبيعة، الذي يُعدّ من العلامات التأسيسية المبكرة في
فلسفة العلوم المعاصرة {{فلسفة العلوم المعاصرة: تخصص فلسفي يُعنى بدراسة مبادئ العلم ومناهجه وسياقات تطوره، وكذلك يعالج مسائل العلية والنمذجة والتفسير في العلوم، وتندرج في هذا المجال تيارات ومذاهب فلسفية ومنطقية كالوضعية المنطقية وغيرهما.}} ويتميّز هذا العمل بمحاولة الجمع بين نتائج
الفيزياء الحديثة {{الفيزياء الحديثة: (Modern physics) فرع من علم الفيزياء، ظهر في بداية القرن العشرين، يُعنى بدراسة الظواهر التي عجزت الفيزياء التقليدية عن تفسيرها، وينبني أساسًا على نظريتَي النسبية وميكانيكا الكم.}}، ولا سيما
نظرية النسبية {{نظرية النسبية: (Theory of Relativity) نظرية صاغها العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين، وتشمل النسبية الخاصة والنسبية العامة. تعمل هذه النظرية على إعادة صياغة مفاهيم المكان والزمان والجاذبية، مشيّدة بذلك لعلم فيزياء كونية حديثة.}}، والتصورات الميتافيزيقية عن الزمان والمكان والموضوعية. وقد رفض وايتهد الرؤية الكلاسيكية التي تفصل بين الذات والموضوع، وبين الحسي والعقلي، وطرح بدلًا منها تصورًا للواقع، يقوم على الحدث بوصفه الوحدة الأساسية في الطبيعة، فالطبيعة حسب وايتهد، مُؤلفة من عمليات مترابطة تتغاير على نحوٍ مُستمر. ويظل هذا التوجه مستمرًا حتى في كتبه اللاحقة، مثل
العلم والعالم الحديث، إذ انتقد وايتهد نظرية
إسحاق نيوتن {{إسحاق نيوتن: (Isaac Newton، 1642-1727) فيلسوف وعالم فيزياء ورياضياتيٌّ بريطاني، يُعتبر مؤسس الميكانيكا التقليدية وواضع قوانين الجاذبية، ومن أهم رواد الثورة العلمية.}} عن الكون، الذي تصوّره كآلة تتألف من جسيمات مادية تتحرك في فضاء وزمن مطلقَيْن. وبدلًا من التعامل مع الأشياء بوصفها كيانات ثابتة، يقترح أن الواقعة الفعلية (Actual Occasion) هي الوحدة الأساسية للواقع، أي إن العالم يتكوّن من عمليات متغيرة لا من جواهر ثابتة[19].
وفي هذا السياق، انتقد وايتهد أيضًا الفصل الذي أقامه
رينيه ديكارت {{رينيه ديكارت: (René Descartes، 1596-1650) عالم رياضيات وفيلسوف فرنسي، يُعَد مؤسس الفلسفة الحديثة، وعُرف باعتماده على المنهج العقلاني المبني على الشك المنهجي (doute méthodique).}} بين جوهر النفس (الذات) وجوهر الجسم (العالم الخارجي)، الذي شكّل الأساس لما يُعرف بـالثنائية الديكارتية (Cartesian Dualism)[20]، إذ جعل ديكارت من الذات المفكرة مركزًا للمعرفة، وهي بمنزلة اليقين الأول[21]، وأخضع العالم الخارجي للتأمل العقلي والشك المنهجي {{الشك المنهجي: منهج فلسفي يقول بتعليق إصدار أي حُكم بصورة مؤقتة بخصوص أي فكرة معيّنة، حتى تُخضَع للفحص العقلاني الصارم بُغية التحقق من يقينها.}}، وهو ما عدّه وايتهد تبسيطًا اختزاليًا يُفرّغ تجربة الإدراك من توليفتها البنيوية وغناها الحسي العلائقي، لأن العقل وفق منطقه ليس كيانًا منفصلًا يتأمل العالم من الخارج، بل هو جزء من توليفة الواقع، ويتكوّن من تفاعلات مستمرة مع محيطه. لذلك، فإنَّ كل واقعة إدراكية هي أيضًا مشاركة فعلية في نسيج العالم، لأن الواقع يشمل الشعور والعلاقات. ويؤكد وايتهد أن العلم الحديث، في سعيه وراء الدقة الصارمة، ذَهّل عن الطابع الحي الديناميكي للواقع، وحوّل الظواهر إلى بيانات مجردة، متجاهلًا سياقها الزمني الكيفي. ووفقًا لهذا التصور، فإن قوانين الطبيعة التي يكتشفها العلماء هي أنماط متكررة في تدفق الوقائع، وهذا ما عبّر عنه انتقاده لما يسمى
الواقعية العلمية الصماء {{الواقعية العلمية الصماء: (Hard Scientific Realism) طرح فلسفي يُقر بأن النظريات العلمية ينبغي أن تنعت الواقع كما هو، وأن الكيانات التي لا تُرصَد موجودةٌ بطريقة موضوعية، مع رفض هذا الطرح للشكية الأداتية.}}، التي تختزل الواقع في مجرد أشياء مادية قابلة للقياس فقط. ويطالب وايتهد بإعادة إدخال التجربة والزمن والقيمة في فهم الطبيعة[22].
وفي رؤية مغايرة للتقليد الميكانيكي، يقترح وايتهد أن الكون أقرب إلى الكائن الحي منه إلى الآلة، إذ يتّسم بالإبداع الذاتي والتطور المستمر، فكل واقعة جديدة هي مرحلة من تقدُّم إبداعي (creative advance) يتجاوز ما سبقه، لذلك فإن الواقع يُفسَّر من خلال النمو والتحول. وتتضمّن فلسفة وايتهد في العلم بُعدًا قيميًا أصيلًا، يرفض التصور الذي يجعل من العلم نشاطًا محايدًا بصورة كاملة، فهو يرى أن العالم يُختبَر عن طريق المعنى والهدف والجمال، وهذه القيم ليست إضافات خارجية، بل مكوّنات جوهرية في طبيعة الوقائع، ويشير إلى أن أي نسق علمي يجب أن يكون منفتحًا على هذه القيم، كي يكون قادرًا على تفسير الظاهرة الحية والإنسانية[23].
كذلك انتقد وايتهد
الفلسفة المادية {{الفلسفة المادية: (Materialism) مذهب فلسفي يعتقد أن الواقع في حقيقته مُؤلَّف من المادة، وأن جميع الظواهر العقلية والروحية هي نتاج لعمليات مادية بحتة.}} بِعدِّها تصورًا قاصرًا عن إدراك حقيقة الواقع، إذ ترى هذه الفلسفة أن المادة وحدها هي الموجودة، وتتحدّد بموضعها الزماني-المكاني، وهذا ما يؤدي إلى نفي الزمن بوصفه امتدادًا حيًا، وتجريد اللحظة من كل ديمومة ممكنة. وقد وضَّح أن هذا النموذج، الذي بدأت إرهاصاته الأولى مع عالم الفلك الفيزيائي الإيطالي
غاليلي غاليليو {{غاليلي غاليليو: (Galileo Galilei، 1564-1642) فلكي وعالم فيزيائي إيطالي، يُعد رائد المنهج التجريبي، طوَّر جهاز التلسكوب، ودافع عن قضية مركزية الشمس في الكون، ما أدى به إلى الدخول في صدام مع الكنيسة. ويُعد من أهم مؤسسي العلم الحديث.}}، يكون من خلال تجريد مزدوج يعزل الكينونة عن علاقاتها بالعالم، ويجرد الواقع من أبعاده الحسية والمعنوية إلى حد إنكار الصفات الثانوية للشيء، وتستحيل معه كل إمكانية للاستقراء. كذلك رأى أن هذا التصور ينهار أمام مكتشَفات العلم الحديث، ولا سيما
نظرية الكم {{نظرية الكم: (Quantum theory) هي من أهم فروع الفيزياء الحديثة، تُعنى بدراسة سلوك المادة والطاقة وفق المستويات الذرية ودون الذرية أيضًا. أبرزت هذه النظرية مبدأ عدم اليقين والتكميم في الفيزياء، وأحدثت ثورة علمية هائلة.}}، التي تفرض تصورًا عضويًا للمادة بوصفها شبكة من العلاقات الحية المتغيرة. وكان نقده الأشد للمادية فلسفيًا، إذ عدّها خلطًا بين التجريد والحقيقة، وإسقاطًا مغلوطًا لمفاهيم ذهنية على الواقع، داعيًا بدلًا من ذلك إلى فهم الطبيعة بوصفها نسيجًا من الأحداث، يُشكّل فيها كل حدث كيانًا عضويًا يحمل ماضيه ويستشرف مستقبله ويتفاعل مع غيره، على نحو يجعل منه مرآة للكون بأسره، كما هي الحال في
المونادات {{المونادات: (Monad) وحدات جوهرية تُهيكل نسيج الواقع وفق ما تقوله فلسفة لايبنتز، وتمتاز بالاستقلالية وعدم القابلية للتجزئة، وتُعبِّر عن الكون برمته عن طريق إدراكها الداخلي ووفقًا لانسجام مسبق وضعه الإله.}} عند لايبنتز.[24]
فلسفة الصيرورة
تعود الإرهاصات الأولى لفلسفة الصيرورة (Process Philosophy) عند وايتهد، إلى توقيت تأملاته في إشكالية العلاقة بين الثبات والتغير، وذلك ضمن مجال معرفي شهد تراجعًا للنموذج النيوتني، وتفكك يقينيات العقل العلمي في صورته التقليدية، وصعود التصورات الجديدة للواقع كما قدّمتها ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) والنسبية. وبذلك حفَّزت هذه التحولات الراديكالية في الفكر العلمي وايتهد، فأعاد التفكير في مفاهيم أساسية مثل الكينونة والزمان والسببية. كذلك كان لتكوينه الرياضي المنطقي، ولا سيما عمله المشترك مع راسل في
مبادئ الرياضيات، دور حاسم في تطوير حسٍّ نقديّ تجاه الأسس المفهومية للعلم، وإظهار حدود التفسير الصوري المحض للواقع. غير أن المنعطف الحقيقي في تطور رؤيته الفلسفية، وقع في ظل التجربة الوجودية العميقة التي خلفتها الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من خسارة شخصية تمثلت في مقتل ابنه وعدد من طلابه، ما دفعه إلى تجاوز
موقفه اللاأدري {{الموقف اللاأدري: (Agnostic) موقف ديني وفلسفي ينأى عن القطع بالإيمان بوجود إله أو نفي وجوده، مُعتقدًا أن هذه القضية لا يُمكن الجزم بها معرفيًا.}} نحو تصور ميتافيزيقي لإله حاضر في العالم، ومنخرط في صيرورته. وقد أسهم هذا التداخل بين التجربة العلمية والتجربة الوجودية في تهيئة الأرضية الفلسفية، التي ستتبلور فيها فيما بعد فلسفته الأساسية، التي شيّد على أساسها الأسس الميتافيزيقية لمشروعه الفلسفي، الذي عُرف بفلسفة الصيرورة، في كتابه المركزي:
الصيرورة والواقع[25].
كتاب الصيرورة والواقع Process and Reality.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وتؤكد فلسفة الصيرورة عند وايتهد، مسألة أساسية مفادها أن كل كائن، مهما كانت درجة بساطته، هو لحظة من التفاعل الحي، ويحمل نوعًا من التجربة الذاتية أو الشعور الداخلي، وبهذا تصبح الخبرة العنصرَ الأساسي في كل ما هو موجود، ويصبح الوجود نفسه مرتبطًا بالفعل والتأثير، أكثر من وصفه حالة استاتيكية (Static state) أو نهائية. وكل لحظة خبرة جديدة تتأثر بما سبقها، لكنها لا تكرره كما هو، بل تضيف إليه استجابة خاصة بها، بحسب ما يسميه وايتهد: الهدف الذاتي. وهكذا، لا يتحرك العالم بحتمية آلية، بل في شبكة من العلاقات الحيّة، إذ إن لكل كائن نصيبه من الإبداع والإسهام. وفي سياق هذا الفهم، يُعاد النظر في حرية الكائن بوصفها جزءًا طبيعيًا من نسيج العالم، فكل كائن يتموضع ضمن شبكة من العلاقات المتبادلة، حيث يؤثر ويتأثر، ويشارك في صنع الحاضر والمستقبل. كذلك، أكد وايتهد في هذا الكتاب أن العالم يتألف من أحداث تحصل وتتغيّر طوال الوقت، فالحقيقة عنده هي ما يجري، وأن كل لحظة في الكون تتأثر بما قبلها وتؤثر فيما بعدها، وكأن الكون شبكة من اللحظات المتصلة. كذلك، يرفض مسألة الفصل بين العقل والطبيعة، مؤكدًا أن كل شيء في الكون بما في ذلك الإنسان، هو جزء من هذه الحركة المتواصلة.[26]
أما الزمن عند وايتهد، فهو صيرورة حقيقية، فكل ما يحدث في الماضي يظل حيًا بتأثيره في الحاضر، وهو ما يسميه وايتهد الخلود الموضوعي (Objective Immortality)؛ أي إن كل شيء يُدمَج في مسار العالم. وفي هذا الإطار، يُفهَم الإله بوصفه قوة شريكة لهذا العالم، فالإله وفق منظور وايتهد، هو مصدر الإمكانات الجديدة، وهو من يحتفظ بكل ما حدث، ويمنح كل كائن فرصته ليخلق الأفضل، ويعمل من خلال الإقناع، ويُشارك العالم صيرورته وتحوّله المستمر.[27]
ويتناول الكتاب أيضًا مقاربة غير تقليدية عن الإله، مفادها أن الإله جزء من حركة الكون، غير منفصل عنها، فهو يتأثر بالعالم ويؤثر فيه، ويشارك في صيرورته وتطوّره[28]. ويُعاد تعريف الإله في فلسفة وايتهد، بمنأى عن المفاهيم الكلاسيكية التي اعتادت تقديمه بوصفه كائنًا متعاليًا مطلقًا، لا يتأثر ولا يتغيّر، إذ يرفض وايتهد هذا التصور الذي يفصل الإله عن العالم، ويطرح بدلًا من ذلك رؤية جديدة منسجمة مع ميتافيزيقاه القائمة على الصيرورة، فالإله كيان حيّ منخرط في صميم حركة العالم، يتفاعل معه باستمرار، ويتطور معه في علاقة عضوية لا تنفصم عُراها. ويعرض وايتهد للإله طبيعتَيْن متكاملتَيْن: الأولى، هي الطبيعة الأولية، وتُمثّل البعد الثابت في الإله، إذ تحتضن ذاتُه الكاملة الإمكانات الممكنة جميعها التي يمكن للعالم أن يتحقّق من خلالها، وفي هذا البعد، لا يتدخل الإله في مسار الأحداث، بل يقدّم لكل كائن نداءً أو إغراءً نحو الأفضل، من خلال ما يسميه بالإمكانات الأزلية، وهذا النداء ليس أمرًا قسريًا، بل هو عرض مفتوح للإمكان، يُلهِم الكيانات الفعلية للاختيار ضمن ما هو ممكن وأفضل، وبناء عليه، فالإله ههنا هو مصدر النظام والانسجام والاحتمال، لا القسر والفرض[29].
أما الطبيعة الأخرى (الطبيعة التابعة أو اللاحقة)، فهي الجانب المتغير من الإله، إذ يستقبل العالم بما فيه من وقائع وأحداث، ويتأثر بها ويحتفظ بها في ذاته. وفي هذا البعد، يكون الإله شريكًا فعليًا في صيرورة الكون، فكل ما يحدث من فعل أو تجربة أو قيمة، يُدمَج في ذات الإله ويحظى بقبوله. وبناء على ما سبق، فإنّ الإله في هذه الطبيعة يشارك هذا الكون مصيره؛ يتلقى أفراحه وأتراحه، جاعلًا من كل ما يُنجَز فيه، مهما كان صغيرًا، يملك قيمة محفوظة وأبدية. وهذا التصور يجعل للإله حضورية مستمرة في قلب العملية الكونية، لا بوصفه متحكمًا مفارقًا، بل بوصفه رفيقًا في الدرب، إذ إنه يمنح العالم إمكانات التحقق من جهة، ويحتضن نتائجه من جهة أخرى. كذلك يتقدّم العالم بدعم من الإله نفسه، وينمو الإله بما يقدّمه العالم. بذلك، يتجاوز وايتهد الثنائيات التقليدية بين الثبات والتغيّر، والتعالي والانخراط، ليُقدّم إلهًا حيًا، يفيض بالإمكان ويُصغي إلى الواقع، ويظل في صيرورة دائمة مع الكون الذي يرافقه ويحتويه.[30]
كذلك فإن وايتهد في كتابه
الصيرورة والواقع، يُوجّه تحذيرًا للفلاسفة الذين يميلون إلى اعتماد نطاق ضيق من الأدلة أو الخبرات، نتيجة انحيازات شخصية أو ثقافية أو مؤسساتية أو غيرها، إذ إن هذا القصور سيُفضي لا محالة إلى رؤى محدودة عن العالم، ولا سيما عند معالجة المفاهيم النهائية، مثل: الخير الأسمى، أو المُثل العليا. ويشير إلى أن الفلسفة مطالبة بأن تستقي وتستلهم أمثلتها من تجارب تاريخية متنوعة وجليلة التأثير، مثل الصرامة الأخلاقية لدى مزارعي روما القديمة، أو البيوريتانيين (Puritans) في نيو إنغلاند، وكذلك من فترات الإبداع الثقافي والازدهار الجمالي كما في اليونان الكلاسيكية أو النهضة الإيطالية[31].
وفي معرض حديثه عن القيم الأخلاقية، يُقرّ وايتهد بوجود نوعَيْن متباينَيْن من القيم العظيمة، التي ألهمت البشر عبر سيرورة التاريخ: النوع الأول، هو القيم التي تقوم على الانضباط والالتزام والواجب، مثل التدين والنظام والتضحية في سبيل ما هو أسمى، وهذه القيم أنتجت مجتمعات متماسكة ومؤسسات قوية، وأمثلة نبيلة من الإيمان والعمل الأخلاقي؛ أما النوع الآخر من القيم، فيقوم على الفرح والجمال والحرية، مثل الفن والإبداع وحب الحياة. وهذه القيم أيضًا دفعت البشرية نحو الابتكار والتجديد والتعبير عن نفسها بطريقة حرة وعميقة. إلا أن وايتهد لا يُفاضل بين هذين النوعين، ويرى أن كليهما مهم ومكمّل للآخر، فالفلسفة الحقيقية لا تنحاز إلى طرف على حساب الآخر، وتعترف بأهمية كليهما، وتستمع إلى صوت النظام والواجب، وصوت الحرية والبهجة. لذلك، فهو يرى العظمة في الشخص المتدين الصادق، ويراها في الفنان أو المبدع الذي كسر التقاليد من أجل التعبير عن رؤيته الخاصة للحياة[32].
في ختام كتابه
الصيرورة والواقع، يؤكّد وايتهد فكرة بالغة الأهمية، مفادها أن الحياة البشرية متنوعة جدًا، ولا توجد طريقة واحدة صحيحة للعيش أو الفهم أو الشعور، وبناء عليه، لا يجوز أن يقال إن الأشخاص المنضبطين المتدينين أفضل حالًا من الفنانين ومُحبّي الجمال، ولا العكس أيضًا. فالعالم في نظره كبير بما يكفي ليحتضن أنماط الحياة جميعها: من يُصلّون في خشوع، ومن يرقصون فرحًا، ومن يكتبون الشعر، ومن يبحثون عن الحقيقة، ومن يثورون طلبًا للعدالة، فلهم جميعًا مكانتهم وقيمتهم. لهذا، لا ينبغي للفلسفة أن تختزل هذا الغنى والتنوع في فكرة واحدة فقط، بل عليها أن تحاول فهم هذا التنوع والتعبير عنه بدقة وعمق، فالفلسفة الجيدة تنظر إلى تعدد التجارب البشرية بوصفها عامل قوة، وتحاول صياغتها بلغة عقلانية شاملة.[33]
كذلك، كانت للفيلسوف وايتهد نظرية طريفة في فلسفة التربية، جعلها بمنزلة الجزء الذي لا يتجزأ من تصوره التكاملي للعالم والإنسان، فعملية التعليم عنده هي عملية تنضخ بالحياة، ويشارك فيها على نحوٍ حثيثٍ المُتعلم في سبيل بلورة المعرفة، ومن خلال تفاعله مع سيرورة العالم الذي يغلب عليه التغير الدائم. وفي كتابه: غايات التعليم ومقالات أخرى، بسّط أفكاره التربوية بعمق، مُركِّزًا على أهمية تجاوز ما ينعته بـالمعرفة الميّتة (Dead Knowledge)، أو الأفكار الخاملة (Inert Ideas)، أي تلك المعرفة التي تُحصَّل من طرف المُتعلم بطريقة استاتيكية ومنفصلة عن عالم التحفيز الذاتي والأفكار الحية والتجربة[34]. وبغية تلافي هذا المسلك من المعرفة، يقترح وايتهد منهجًا ينبني على التوازن بين الحرية والانضباط، هذا لأن الحرية تمنح سُبلًا نحو الانفتاح على رؤى وأفكار جديدة، في حين أن الانضباط يمنح الهيكل الذي تُفهَم من خلاله هذه الأفكار ويُسعى لتطويرها. ويؤكد وايتهد أن حضور الحكمة بمنزلة اللبنة الأساسية لإحقاق هذا التوازن، على النحو الذي تكون فيه للمتعلم المُكنة في اختيار ما يراه صالحًا ومفيدًا من المعارف التي يتلقاها، فأيّ عملية تعلُّم ينبغي أن تكون مرهونة بهذا الضرب من الاختيار، الذي يُعطيها المغزى والمعنى. وبذلك، لا يُمكن أن يحصل تعارض بين الانضباط والحرية، إذ تجمعهما علاقة تواشجية، فمع تحصيل فكرة جديدة من طرف المتعلم، يُقابلها التخلي عن أفكار وخيارات أخرى، والاعتماد على ما هو جوهري فقط، فيكون بذلك المتعلم في مراحله التعلمية كلها أمام فرص لإنتاج معارف جديدة، تصير معها التربية بمنزلة الخلق المستمر، على النحو الذي يكون فيه المتعلم مسهمًا بصورة أو بأخرى في صناعة العالم من جديد، وتكون التربية في عمقها مسارًا تكوينيًا للإنسان، بعيدًا عن النماذج التي تجعل من التربية مجرد وسيط تكيُّفي مع الوقائع، ولا سيما أن البشرية اليوم أصبحت تميل إلى رهن عملية التعليم والتعلم في أدوات تقنية محضة، وأغفلت التجربة البشرية الكاملة[35].
تأثيره في الفلسفة الغربية المعاصرة
كان لفلسفة وايتهد تأثير واضح في الفلسفة الغربية المعاصرة، وقد أثرت في مجالات متعددة مثل الأخلاق، إذ أصبحت القيم جزءًا من ديناميكية الحياة، وفي نظرية المعرفة عبر التركيز على الخبرة. كذلك ألهمت رؤًى جديدة في الفلسفة السياسية، تقوم على التفاعل والتشارك بدل الهيمنة. ولعل من أبرز الذين تأثروا بفلسفة الصيرورة عند وايتهد، المفكر اللاهوتي الأميركي
ديڤيد راي غريفين {{ديڤيد راي غريفين: (David Ray Griffin، 1939-2022) عالم لاهوت وفيلسوف أميركي، يُعتبر من أهم من مثلوا اللاهوت العملي الذي يقوم على فلسفة الصيرورة المأخوذة من ميتافيزيقا وايتهد.}}، حتى أصبح من أبرز المفكرين الذين أسهموا في تطويرها وشرحها وتوسيع آفاقها، وهذا ما يُقرأ في كتابه:
الفلسفة ما بعد الحداثية المتفرّدة عند وايتهد: محاولة لإثبات راهنيتها المعاصرة (Whitehead’s Radically Different Postmodern Philosophy: An Argument for Its Contemporary Relevance) (2007)، الذي أكد فيه أن فلسفة وايتهد تُقدّم بديلًا جذريًا لكلٍّ من فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة السائدة، مدافعًا عما سمّاه:
ما بعد الحداثة البناءة {{ما بعد الحداثة البناءة: (Constructive Postmodernism) تيار فلسفي يقول بضرورة تجاوز تيار الحداثة وما بعد الحداثة التفكيكية، ويقترح في مقابل ذلك نظرة تكاملية مأخوذة من فلسفة الصيرورة لوايتهد.}}، من منظور أن فلسفة وايتهد لا ترفض الحداثة بالإطلاق، كما تفعل بعض الاتجاهات التفكيكية، بل تحتفظ بجوانبها الإيجابية (مثل العقلانية والتحرر)، مع تجاوز ثنائيّاتها الإشكالية، كالذات والموضوع والمادة والروح. فوايتهد ينطلق من تصور أنطولوجي جديد قوامه الخبرة الشاملة (Panexperientialism)، إذ يكون لكل كائن بشري مهما كانت بساطته، الأهلية التي تُساعده على امتلاك شكل من الخبرة أو الشعور، وبهذا تنتقل الفلسفة من المقولات الجوهرية إلى ميتافيزيقا ديناميكية للصيرورة، تُعيد فهم العلاقة بين الطبيعة والعقل، والعالم والإله[36].
إن لفلسفة وايتهد حضورًا قويًا عند الفيلسوفة البلجيكية
إيزابيل ستينغرز {{إيزابيل ستينغرز: (Isabelle Stengers، 1949-) مفكرة بلجيكية مختصة في فلسفة العلوم المعاصرة، اشتهرت في الأوساط الفلسفية بدراساتها العلاقةَ بين العلوم والمجتمع، وبقراءاتها النقدية لفلسفة واتهيد.}}، ويتجلّى ذلك في كتابها الأساسي:
التفكير مع وايتهد: خلق حرّ وواعٍ للمفاهيم (Thinking with Whitehead: A Free and Wild Creation of Concepts)، وهو بمنزلة محاولة جدِّية لتقديم قراءة جديدة لفكر وايتهد، بوصفه مشروعًا فلسفيًا حيًا يُتيح لنا تصور الواقع نفسه بوصفه عملية مستمرة من الصيرورة، إذ لا توجد معانٍ نهائية، أو قواعد ثابتة، أو أهمية تُعرَف من خلال السياق والتفاعل والتجربة. وبذلك، تصبح المفاهيم أدوات للتغيير، ويصبح السؤال الفلسفي: "ما الذي يجعل هذا الأمر مهمًا؟" هو المدخل إلى التفكير. كذلك، تنخرط فلسفة وايتهد في قضايا العصر الكبرى، ولا تنحصر في أروقة الجامعات، أو النقاشات النظرية مثل: العلم، والبيئة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، والإيمان، والتعدد الثقافي. ومن هذا المنطلق، فإن "التفكير مع وايتهد" بالنسبة إليها، يعني مقاربة هذه القضايا بطريقة غير سلطوية، ترفض فرض إجابات جاهزة، وتدعو إلى فسح المجال أمام تعدد وجهات النظر، وإعادة التفكير فيما نعدّه عقلانيًا أو غير عقلاني[37].
كذلك تأثر عالم اللاهوت والفيلسوف الأميركي
تشارلز هارتشورن {{تشارلز هارتشورن: (Charles Hartshorne، 1897-2000) فيلسوف أميركي معاصر، يُعد من أهم ممثلي فلسفة الصيرورة واللاهوت العلمي، التي تأثر فيها بفلسفة وايتهد. طوَّر عدة مفاهيم منها مفهوم الإله الديناميكي المتأثر بالعالم. ولديه أيضًا إسهامات كثيرة في ميدان الميتافيزيقا وفلسفة الدين وعلم الجمال.}}، بفلسفة الصيرورة عند وايتهد، على النحو الذي أصبح فيه واحدًا من أهم مُنظّري لاهوت الصيرورة في الأزمنة المعاصرة، إذ أكد هذا اللاهوتي أن الإله ينبغي فهمه بوصفه
نَفْسًا كونية {{النَفْس الكونية: (World-Soul) مفهوم صوفي وفلسفي يحيل الموجودات إلى مبدأ كلّاني يضم الكيانات جميعها. ويُنظَر أيضًا إلى النفس الكونية بوصفها روحًا للكون تربط بين الوجود الفردي والوجود الكلي وفق نظام متلاحم ومتناغم.}}، وإلهًا يُحايث الكون داخله من غير أن يصبح منحصرًا فيه، بل يتجاوزه. وهي نظرة مشابهة لِما يُنعَت بـاللاهوت الحلولي (Panentheism)، إذ يكون الإله على صورة مشابهة للكائن البشري في علاقته بجسده، لكن لا يعني ذلك أنه يتشابه معه من ناحية الأعضاء الفردية للإنسان، إنما يتقاسم مشاعر الألم إذا طال الأذى عضوًا من أعضاء الإنسان. وبما أن الإله يتشارك هذا التأثر بالعالم مع الإنسان، فينبغي في المقابل أن يكون لهذا العالم قدر من الإحساس أيضًا، وهو ما حدا بهارتشورن إلى القول
بمذهب الحس الكوني {{مذهب الحس الكوني: (Panexperientialism) أطروحة ميتافيزيقية مأخوذة من فلسفة الصيرورة عند الفيلسوف وايتهد، تعتبر أن الكائنات جميعها في هذا الكون مهما صغرت فهي تمتلك شكلًا من الإحساس لا يُمكن قصره فقط على الكائنات التي تمتلك عقلًا.}}، الذي مفاده أن الوجود برمته يمتلك درجة من الإحساس. وبناء على ذلك، فإن الإله كي يحسّ بهذا العالم، يجب أن يكون هذا العالم قادرًا على الإحساس، وهو ما أدى بهارتشورن إلى رفض بعض النعوت التي درج عليها
اللاهوت الكلاسيكي {{اللاهوت الكلاسيكي: تيار تقليدي مسيحي يرى في الإله كائنًا مطلقًا يمتاز بالكمالية، ولا يتغير، وليس له بداية أو نهاية، قدرته وعلمه كلّانيان. يستند هذا التيار اللاهوتي إلى الفلسفة الإغريقية، والفلسفة الوسيطية ولا سيما مع أوغسطين والأكويني.}}، مثل: العلم المطلق، والقدرة اللامتناهية، فالإله وفق المنظور الصيروري، له علم بما هو كائن وما كان، إلا أنه لا يعرف المستقبل، لأنه لم يحصل بعد. كذلك فإن الإله لا يبسط إرادته على الكون، بل يعمل عن طريق القدرة الإقناعية من دون أي قسر، فيعمد إلى احترام الموجودات في اختياراتها الحرة، وهو ما يدعم النظرة التشاركية للإله في العالم. وبناءً على ذلك، يرفض اللاهوتي هارتشورن العقيدة القائلة بالخلق من العدم {{الخلق من العدم: (Creation ex nihilo) مفهوم فلسفي ولاهوتي، يعتبر أن الإله خلق العالم من اللاشيء (العدم)، من دون الاستعانة بمادة سابقة، ويُستعمل هذا المفهوم للبرهنة على قدرة الإله المطلقة، وعلى نفي قدمية المادة.}}، لأنها مبنية على افتراض قسري، ويرى بالاستعاضة عن ذلك، أن الإله يُنظّم العالم ويضبط حالات الفوضى من خلال الإقناع[38].
المراجع
العربية
بوشنسكي، إ. م.
الفلسفة المعاصرة في أوروبا. ترجمة عزّت قرني. سلسلة عالم المعرفة 165. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992.
جرايلينج، إيه سي.
برتراند راسل: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة إيمان جمال الدين الفرماوي. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2017 [1961].
راسل، برتراند.
مقدمة إلى فلسفة الرياضيات. ترجمة غالب غالب. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021.
عويضة، كامل محمد محمد.
ألفرد نورث هوايتهد: فيلسوف العلم والعلماء. بيروت: دار الكتب العلمية، 1995.
محمود، زكي نجيب.
المنطق الوضعي. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1971.
هوايتهد، ألفرد نورث.
محاورات ألفرد نورث هوايتهد. لوسيان برايس (محرر). ترجمة محمود محمود. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2017 [1961].
الأجنبية
Broad, Charlie Dunbar. “Alfred North Whitehead (1861-1947).”
Mind. vol. 57, no. 226 (1948).
Burris, Stanley & Hanamantagouda Sankappanavar.
A Course in Universal Algebra. New York: Springer-Verlag, 1981.
Cobb, John & David Griffin.
Process Theology: An Introductory Exposition. Philadelphia: Westminster Press, 1976.
Descartes, René.
Meditations on First Philosophy, John Cottingham (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1996.
Gödel, Kurt.
On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems. B. Meltzer (trans.). New York: Dover Publications, Inc., 1992.
Grattan-Guinness, Ivor.
The Search for Mathematical Roots, 1870-1940: Logics, Set Theories and the Foundations of Mathematics from Cantor through Russell to Gödel. Princeton: Princeton University Press, 2000.
Griffin, David Ray.
Whitehead's Radically Different Postmodern Philosophy: An Argument for Its Contemporary Relevance. Albany: State University of New York Press, 2007.
Llewellyn, Robert. “Whitehead and Newton on Space and Time Structure.” Religion Online. at: https://acr.ps/1L9F2nO
O'Connor, John Joseph & Edmund Frederick Robertson. “Alfred North Whitehead.” MacTutor History of Mathematics. 1/10/2003. at:https://acr.ps/1L9F2eH
Russell, Bertrand.
The Autobiography of Bertrand Russell: 1944-1967. London: George Allen & Unwin, 1969.
Stengers, Isabelle.
Thinking with Whitehead: A Free and Wild Creation of Concepts. Michael Chase (trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011.
Thomas, Joel Samuel. “A Critical Appraisal of the Contours of Process Theology.” Presented in the Course Trends in 20th Century Theology. United Theological College. at: https://acr.ps/1L9F2OA
Urquhart, Alasdair. “Russell and Gödel.”
The Bulletin of Symbolic Logic. vol. 22, no. 4 (2016). pp. 504-520.
Whitehead, Alfred North.
An Enquiry Concerning the Principles of Natural Knowledge. Cambridge: Cambridge University Press, 1919.
________.
The Concept of Nature. Cambridge: Cambridge University Press, 1920.
________.
Science and the Modern World. New York: Free Press, 1925.
________.
Religion in the Making. New York: Macmillan, 1926.
________.
The Aims of Education and Other Essays. New York: Macmillan, 1929.
________.
Adventures of Ideas. New York: Macmillan, 1933.
________.
Process and Reality: An Essay in Cosmology. David Ray Griffin & Donald W. Sherburne (eds.). New York: Free Press, 1978 [1929].
Whitehead, Alfred North & Bertrand Russell.
Principia Mathematica. Cambridge: Cambridge University Press, 1910.
Wolchover, Natalie. “How Gödel’s Proof Works.”
Quanta Magazine. 14/7/2020. at: https://acr.ps/1L9F2y8
Young, Steven. “Beyond the Process God: A Defense of the Classical Divine Attributes.”
BSU Honors Program Theses and Projects. Item 136 (2016). at: https://acr.ps/1L9F31q
[1] John Joseph O'Connor & Edmund Frederick Robertson, “Alfred North Whitehead,” MacTutor History of Mathematics, 1/10/2003, accessed on 11/8/2025, at:
https://linksshortcut.com/mzLey
[2] ألفرد نورث هوايتهد،
محاورات ألفرد نورث هوايتهد، لوسيان برايس (محرر)، ترجمة محمود محمود (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2017 [1961])، ص 30.
[3] كامل محمد محمد عويضة،
ألفرد نورث هوايتهد: فيلسوف العلم والعلماء (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995)، ص 21.
[4] Charlie Dunbar Broad, “Alfred North Whitehead (1861-1947),”
Mind, vol. 57, no. 226 (1948), p. 140.
[5] Ibid., pp. 140-141.
[6] Stanley Burris & Hanamantagouda Sankappanavar,
A Course in Universal Algebra (New York: Springer-Verlag, 1981), p. 25.
[7] Alfred North Whitehead,
Science and the Modern World (New York: Free Press, 1925).
[8] Alfred North Whitehead, Religion in the Making (New York: Macmillan, 1926).
[9] إيه سي جرايلينج،
برتراند راسل: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة إيمان جمال الدين الفرماوي (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2017 [1961])، ص 42.
[10] Ivor Grattan-Guinness,
The Search for Mathematical Roots, 1870-1940: Logics, Set Theories and the Foundations of Mathematics from Cantor through Russell to Gödel (Princeton: Princeton University Press, 2000), p. 386.
[11] زكي نجيب محمود،
المنطق الوضعي (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1971)، ص 338.
[12] برتراند راسل،
مقدمة إلى فلسفة الرياضيات، ترجمة غالب غالب (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021)، ص 30.
[13] Alfred North Whitehead & Bertrand Russell,
Principia Mathematica, vol. 1 (Cambridge: Cambridge University Press, 1910), p. 37.
[14] Natalie Wolchover, “How Gödel’s Proof Works,”
Quanta Magazine, 14/7/2020, accessed on 15/8/2025, at:
How Gödel’s Proof Works | Quanta Magazine
[15] Bertrand Russell,
The Autobiography of Bertrand Russell: 1944-1967, vol. 3 (London: George Allen & Unwin, 1969), p. 250.
[16] Kurt Gödel,
On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems, B. Meltzer (trans.) (New York: Dover Publications, Inc., 1992), p. 145.
[17] Alasdair Urquhart, “Russell and Gödel,”
The Bulletin of Symbolic Logic, vol. 22, no. 4 (2016), p. 517.
[18] يُمكن العودة إلى المراجع الآتية، بغية التّعمق أكثر بخصوص سيرورة تطوّر فلسفة وايتهد في الرياضيات، من النزعة الصورية إلى الرؤية العضوية. يُنظر:
Alfred North Whitehead,
An Enquiry Concerning the Principles of Natural Knowledge (Cambridge: Cambridge University Press, 1919).
Alfred North Whitehead,
The Concept of Nature (Cambridge: Cambridge University Press, 1920).
[19] Robert Llewellyn, “Whitehead and Newton on Space and Time Structure,” Religion Online, accessed on 15/8/2025, at:
https://www.religion-online.org/article/whitehead-and-newton-on-space-and-time-structure/
[20] René Descartes,
Meditations on First Philosophy, John Cottingham (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), pp. 59-60.
[21] Ibid., p. 17.
[22] Llewellyn.
[23] Alfred North Whitehead,
Adventures of Ideas (New York: Macmillan, 1933), p. 180.
[24] إ. م. بوشنسكي،
الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة عزّت قرني، سلسلة عالم المعرفة 165 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992)، ص 297-298.
[25] Joel Samuel Thomas, “A Critical Appraisal of the Contours of Process Theology,” Presented in the Course Trends in 20th Century Theology, United Theological College, at:
https://www.scribd.com/document/639812385/process-theology
[26] John Cobb & David Griffin,
Process Theology: An Introductory Exposition (Philadelphia: Westminster Press, 1976), pp. 20-23.
[27] Ibid., pp. 14-15.
[28] Broad, p. 143.
[29] Alfred North Whitehead,
Process and Reality: An Essay in Cosmology, David Ray Griffin & Donald W. Sherburne (eds.) (New York: Free Press, 1978 [1929]), pp. 31-35.
[30] Ibid., p. 343.
[31] Ibid., pp. 512-513.
[32] Ibid.
[33] Ibid., pp. 515-516.
[34] Alfred North Whitehead,
The Aims of Education and Other Essays (New York: Macmillan, 1929), p. 7.
[35] للتعمق أكثر في شأن الإيقاع التربوي بين الحرية والانضباط عند وايتهد، يُنظر الفصل الثاني في:
Ibid., pp. 24-44.
[36] David Ray Griffin,
Whitehead's Radically Different Postmodern Philosophy: An Argument for Its Contemporary Relevance (Albany: State University of New York Press, 2007), pp. 12-13.
[37] Isabelle Stengers,
Thinking with Whitehead: A Free and Wild Creation of Concepts, Michael Chase (trans.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011), pp. 10-14.
[38] Steven Young, “Beyond the Process God: A Defense of the Classical Divine Attributes,”
BSU Honors Program Theses and Projects, Item 136 (2016), pp. 9-13, at:
https://vc.bridgew.edu/honors_proj/136