ألكسندر غوتليب باومغارتن (Alexander Gottlieb Baumgarten، 1714-1762)، فيلسوف ألماني ذو نزعة عقلانية، يُنسب إليه الفضل في بلورة الإستطيقا، بوصفها مبحثًا فلسفيًا مستقلًا يُعنى بالمعرفة الحسية. ففي وقت ظل فيه الإدراك الحسي على هامش التفكير الفلسفي، اقترح باومغارتن إستطيقا غير متعلقة بالانفعالات العرضية العابرة، بل جعلها كمالًا يُدرَك عن طريق الحواس، ويستدعي التماهي بين الخيال والذاكرة والشعور، ويستحق من ثم أن يُدرَس ضمن منطق خاص به. وبناءً عليه، كانت بغيته الأساسية من هذا الحقل أن يوازي المنطق العقلي، لا أن يتبعه، فجعل الإستطيقا تعيد المكانة إلى الذوق، وتمنح الحس منزلة معرفية. وقد كانت لهذا الطرح آثار بعيدة في الفلسفة الألمانية الحديثة، ممهدة بذلك الطريق أمام الفيلسوفَيْن الألمانيَّيْن،
إيمانويل كانط، وفريدريش هيغل، لاستئناف التفكير الجمالي ضمن أطر أكثر تركيبًا وتطورًا. لهذا، سيُعَد باومغارتن الفيلسوف الأول في ألمانيا الذي كان بوسعه أن يجمع الشروط الضرورية، التي من شأنها أن تضمن نوعًا من الانسجام والتلاحم المنهجيَّيْن لنظرية جديدة في الفن والجميل، الأمر الذي سيمكنها، من هنا فصاعدًا، من تشكيل حقل نظري فلسفي متميز، وهو ما كانت الفلسفة قبل باومغارتن تضنّ به على الإستطيقا.
ولا تكمن أهمية باومغارتن فقط في كونه أول من نحَت مصطلح الإستطيقا، بل في قدرته على تأسيس بنية مفهومية جعلت من الإدراك الحسي مجالًا مشروعًا للمعرفة الفلسفية، فقد سعى هذا الفيلسوف لتجاوز الثنائية التقليدية القائمة على مقولتَي العقل والإحساس، مؤكدًا أن الجمال ليس مجرد حالة شعورية فحسب، بل هو نمط من الكمال الإدراكي القابل للفهم والتنظيم. وبالرغم من أن مشروعه لم يُشيَّد على نحو منهجي متكامل، فإن ما وضعه من أسس مفاهيمية ومناهج أولية ظل مؤثرًا في تطور الفكر الجمالي، من القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا، ما يبرر استرجاع أعماله في إطار سياقات فلسفية معاصرة، تُعيد المكانة إلى الحس والخيال والجسد في تكوين التجربة الإنسانية.
نشأته
وُلد باومغارتن في مدينة برلين، وتلقى تعليمه الأول وسط بيئة دينية
تقوية {{التقوية: (Pietismus) نزعة مسيحية بروتستانتية، تُركز على الإيمان القلبي والتدين الفردي والفعل الأخلاقي، ظهرت في القرن السابع عشر.}}، ويُعد خامس أبناء
القس يعقوب باومغارتن {{القس يعقوب باومغارتن: (Jacob Baumgarten، 1706-1757) من رجال الدين الألمان البارزين في القرن الثامن عشر للميلاد، وهو ذو نزعة تقوية بروتستانتية، وكان له تأثير كبير في باومغارتن الابن في توجُّهه اللاهوتي والفلسفي.}} وروزينا إليزابيث {{روزينا إليزابيث: (Rosina Elisabeth، 1690-1717) والدة الفيلسوف باومغارتن، تنتمي في نسبها إلى عائلة بروتستانتية على درجة عالية من التديُّن، وكان لها تأثير عميق في تربية باومغارتن الدينية المبكرة.}}، اللذين فقدهما في سن باكرة، فتكفَّل بتربيته وتعليمه الفيلولوجيُّ والمربي الألماني
مارتن غيورغ كريستغاو {{مارتن غيورغ كريستغاو: (Martin Georg Christgau، 1697-1776) عالم لاهوت ومُرَبٍّ ألماني ذو نزعة دينية بروتستانتية، وقد أدى دورًا مهمًا في تعليم الفيلسوف باومغارتن في طفولته.}}، الذي وجَّهه نحو دراسة اللغة العبرية، وفتح أمامه أفق الاهتمام بالشعر اللاتيني، الذي يظهر أثره لاحقًا في تكوينه الإستطيقي اللغوي[1]. التحق بعد ذلك بجامعة هاله، حيث تأثر بالفكر العقلاني الذي مثله
كريستيان وولف {{كريستيان وولف: (Christian Wolff، 1679-1754) رياضياتيٌّ وفيلسوف عقلاني ألماني، يُعد من أبرز ممثلي تيار العقلانية المنهجية، وأحد أهم فلاسفة التنوير الألماني.}}، وبميتافيزيقا
غوتفريد ڤيلهلم لايبنتز {{غوتفريد فيلهلم لايبنتز: (Gottfried Wilhelm Leibniz، 1646-1716) رياضياتيٌّ وفيلسوف بارز ألماني، يُعد من أهم مؤسسي تيار الفلسفة العقلانية في الأزمنة الحديثة، ويرجع له الفضل في اكتشاف حساب التفاضل والتكامل بالتوازي مع إسحاق نيوتن.}}، ولا سيما من خلال مفهومَي
المونادات {{المونادات: (Monaden) وحدات جوهرية تُهيكل نسيج الواقع وفق ما تقوله فلسفة ليبنتز، وتمتاز بالاستقلالية وعدم القابلية للتجزئة، وتُعبّر عن الكون برمته عن طريق إدراكها الداخلي، ووفقًا لانسجام مسبق وضعه الإله.}}، ودرجات الوضوح في الإدراك[2]. وقد واصل دراسته الجامعية حتى نال درجة الدكتوراه، وعُيّن لاحقًا أستاذًا متفرغًا للفلسفة في جامعة فرانكفورت على الأودر (Oder) عام 1740. ويرجع إليه الفضل في تأسيس علم الإستطيقا بوصفه علم المعرفة الحسية، التي تربط الجمال بالخيال والشعور، عبر الإدراكَيْن البصري والسمعي[3].
أبرز أعماله الفكرية
تُشكّل مُجمل مؤلفاته إسهامًا أساسيًا في تأسيس مبحث الإستطيقا، إذ نشر عام 1735 كتابه الأوّل:
تأملات فلسفية في بعض المسائل المتعلقة بالشعر (Meditationes philosophicae de nonnullis ad poema pertinentibus)، ثم أصدر عمله الأهم والأشهر
الإستطيقا (Aesthetica, 1750-1758)،
في جزأيْن، وهو العمل الذي رسّخ فيه دعائم هذا الحقل المعرفي الجديد. كذلك ألّف أعمالًا أخرى في المنطق والميتافيزيقا، من بينها كتابه
الميتافيزيقا (Metaphysica, 1739)، الذي ظل معتمَدًا في التدريس الجامعي الألماني لعدّة عقود، ويُظهِر فيه بوضوح تأثره بعقلانية وولف. كذلك نشر كتابًا في فلسفة الأخلاق والقيم، حمل عنوان
الأخلاق الفلسفية (Ethica Philosophica, 1740)، عرض فيه المفاهيم الأخلاقية من منظور عقلاني. تُوفّي باومغارتن عام 1762 عن عمر يُناهز 48 عامًا، بعد أن ترك أثرًا بالغًا في الفكر الجمالي الألماني، ومهَّد لميلاد نظريات أكثر تركيبًا في فلسفة الجمال الحديثة والمعاصرة.
تأسيس علم الجمال (الإستطيقا)
استعاد باومغارتن البعد الجوهري لفكرة الجمال من التراث الإغريقي، إذ لم يكن الجمال آنذاك منفصلًا عن المعرفة، بل كان جزءًا لا يتجزأ من إدراك الحقيقة، لذلك، سعى إلى تحرير المفهوم الجمالي من التبعية
للعقل المجرد {{العقل المجرد:
استعداد ذهني يُعنى بالمفاهيم الكليانية والمبادئ المستقلة الضرورية، التي تمتاز بالاستقلالية عن التجربة الحسية.}} أو
الميتافيزيقا الأخلاقية {{الميتافيزيقيا الأخلاقية:
المبادئ القَبلية لفكرة الواجب والخير والحرية الإنسانية، والشرائط التي تضع بالإمكان قيام قانون أخلاقي مُلزم، بعيدًا عن الوقائع الأمبريقية.}}، ما مثَّل انحرافًا واعيًا عن التقاليد العقلانية التي سادت قبل عصره[4]. وقد اشتقّ المصطلح من الكلمة اليونانية Aisthētikè التي تعني ما يُدرَك بالحواس (das Sinnlich-Wahrnehmbare)، ويُعبَّر بها عن نمط من المعرفة يقوم على الإدراك الحسي، في مقابل المعرفة العقلية التي يُعنى بها
المنطق {{المنطق:
(Logikè) علم يُعنى بقواعد التفكير السليم وضوابطه، وقد وضع معالمه الأولى الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس.}}، "وبمجرد أن تم تقديم التعريف، بإمكاننا أن نكتشف بسهولة المصطلح الذي تم تحديده على هذا النحو، فلقد دأب الفلاسفة اليونانيون وآباء الكنيسة على التمييز بعناية كبرى بين [الإحساسات (les aisthèta)] و[الأفكار (les noèta)] ومن المؤكد أن الإحساسات لا تتساوى فقط مع موضوعات الإحساس، ما دمنا نُشرِّف أيضًا بهذا الاسم التمثلات الحسية للموضوعات الغائبة (إذًا الخيالات). يجب على الأفكار إذًا أن تُعرف عن طريق الملكة العليا للمعرفة، وهي موضوعات المنطق؛ أما الإحساسات، فهي موضوعات
الإبستيمولوجيا الإستطيقية (l’épistèmè aisthètikè) أو أيضًا الإستطيقا"[5].
من هنا فصاعدًا، ستُصبح الإستطيقا علمًا مستقلًا في مقابل المنطق، "إذ أصبح بإمكاننا أن نُعاين مجهودًا كدودًا يتمثل في تحرير الإبداعية والخيال الفني من المنطق المتصلب، وسنكتشف بالفعل أن الموقف الإستطيقي يشهد على منطق منحرف (logica deviata) مخصوص غير قابل للاختزال. وبالفعل، فقد ابتدع باومغارتن الإستطيقا باعتبارها اختصاصًا، فوضعها قبالة المنطق [...] لقد تشكل علم الإستطيقا الجديد لباومغارتن ضد
العقلانية الديكارتية {{العقلانية الديكارتية:
(Cartesian Rationalism) رؤية مذهبية فلسفية ترجع إلى الفيلسوف رينيه ديكارت، تجعل من العقل المنبع الوحيد لبلوغ الحقيقة واليقين.}}. وفي توافق مع فلسفة في الذوق، كان
أنتوني آشلي شافتسبري {{أنتوني آشلي
شافتسبوري:
(Anthony Ashley Cooper Shaftesbury، 1671-1713) فيلسوف من عائلة أرستقراطية بريطانية. كانت أعماله وأفكاره حول الحرية السياسية والتسامح والإيمان الديني القائم على العقل مؤثرة في التنوير الأروبي، من أبرز مؤلفاته الفلسفية كتابه
نظرية الحس الأخلاقي، الذي طوّر فيه مفهوم الحس الأخلاقي القائل بأن لدى الإنسان قدرة طبيعية على تقدير النظام والانسجام والفضيلة. وقد أثرت أفكاره هذه في فلاسفةٍ بعده منهم ديڤيد هيوم.}} وجان بابتيست دوبوس {{جان بابتيست دوبوس: (Jean-Baptiste Dubos، 1670-1742) رجل كنيسة ودبلوماسي ومؤرخ
فرنسي. كان معروفًا بأعماله في التاريخ والنقد الجمالي والقانون العام. انتُخِب في الأكاديمية الفرنسية عام 1720، وعُيِّن سكرتيرًا دائمًا لها عام 1722. من أبرز أعماله:
تأملات نقدية في الشعر والرسم (1719) والتاريخ النقدي لتأسيس الملكية الفرنسية في بلاد الغال.}} وإدموند بورك {{إدموند بورك: (Edmund Burke، 1729-1797) رجل دولة وبرلماني ومفكر سياسي بريطاني بارز. كان له تأثير واضح في الحياة العامة بين عامَي 1765-1795، وكان ذا أثر مهم في تاريخ النظرية السياسية. دافع عن النزعة المحافظة في كتابه
تأملات في الثورة الفرنسية، الصادر عام 1790.}} المدافعين البارزين عنها"[6]. إذن، فالإستطيقا هي علم تمام المعرفة عن طريق المحسوس، وهو نعتٌ لا يخلو من الغموض عند الفلاسفة الذين درجوا على وضع فصل بين العلم والفن. وهذا الغموض عينه، هو ما جعل باومغارتن يترنح في تحديد بغية الإستطيقا، فيعمد إلى الإشارة إليها بتسميات متباينة، مثل: فن جمال التفكير، أو الغنوصية الدنيا، أو فن المماثل للعقل[7].
ويطرح فيلسوف الجمالية الفرنسي
مارك جيمينيز {{مارك جيمينيز:
(Marc Jimenez، 1943-2020) فيلسوف جماليات وناقد فني فرنسي معاصر.}} سؤالًا مركزيًا عن مدى الحاجة اليوم إلى الإستطيقا، معتقدًا أن المصطلح عينه فقَدَ جدواه وتقادم عليه الزمان، بالرغم من حداثة تجلّيه في القرن الثامن عشر. كذلك، يعُدّ حضارة الصورة الحالية لا تمنح اهتمامًا كبيرًا لتعليم الفنون، أو تدريس الإستطيقا التي ظلت مادة مهمشة إذا ما قُورِنت بالعلوم الإنسانية والآداب، فـ"الجمالية بانت، على الرغم من أعوامها المئتيْن، من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين، مثل فشل ساطع عامر بالنتائج"[8]. لقد رأى باومغارتن أن الجمال لا يتحقق إلا ببلوغ الإدراك الحسي درجة الكمالية، على النحو الذي يتمكّن فيه الفرد من استقبال الموضوع الجمالي عبر الحواس، في صورة منسقة متآلفة وغنية بالتفاصيل، يتكامل فيها العنصر الإدراكي مع العنصر التخيلي، فالجمال لدى باومغارتن لم يعد خصيصة في الشيء، إنما هو الحدس الحسي لهذا الشيء، في الحالة التي يمنح فيها هذا الحدس القدرة التعبيرية الملموسة عن مفهومه في عملة مماثلة للعقل[9]. بناء على ذلك، فغرض الإستطيقا عند باومغارتن هو إحقاق كمال المعرفة الحسية عينها، عن طريق وضع منطق للفردانية، يحدد شرائط الخطاب الإستطيقي الكامل، من دون أن يُختزَل في مجرد متعة نفسية ذاتية[10].
وهذا التعريف لا ينفي الطابع الحسي للجمال، بل يسمو به إلى مستوًى معرفي، مؤكدًا أن الإدراك الحسي ليس بطبيعته مضلّلًا أو مُخادعًا، على شاكلة ما ذهب إليه
رينيه ديكارت {{رينيه ديكارت: (René Descartes، 1596-1650) عالم رياضيات وفيلسوف فرنسي، يُعد مؤسس الفلسفة الحديثة، وقد عُرف باعتماده على المنهج العقلاني المبني على الشك المنهجي (doute méthodique).}}، الذي عدَّ شهادة الحواس لا يمكن الوثوق بها دائمًا، إذ إنها قد تُضلّل أحيانًا، لذلك، لا يصح الاعتماد عليها بشكل مطلق. ويُشدّد على مبدأ الحذر المعرفي، من منطق أن الحواس قد تُخدَع أحيانًا، وبناء على ذلك، فمن الحكمة ألا يُوثَق بها تمامًا. وهو يستند في ذلك إلى إمكانية تشكُّل صور في الأذهان لا تطابق الواقع الخارجي، كما هي الحال في الأحلام، إذ تبدو التصورات الحسية في تلك الحالة مطابقة للواقع، لكنها في حقيقة الأمر مجرد أوهام. وهكذا، فإن السبب الذي يدفع إلى الشك في الحواس، هو نفسه الذي يدعو إلى الشك في الخيال، فكلاهما قد يُنتِج صورًا ذهنية خاطئة أو مضللة، ومن ثم فإنهما معًا يستدعيان الشك. أما ما يُستثنى من هذا التشكيك، فهو العناصر أو الأفكار البسيطة، لأنها وحدها تتّصف باليقين والوضوح[11].
ويُعد هذا التحول في فهم الإدراك الحسي أحد المفاتيح الجوهرية لفهم المشروع الباومغارتني، إذ يقيم توازنًا دقيقًا بين العقل والحس من دون إخضاع أحدهما للآخر، فالإستطيقا وفقًا له ليست مجرد انطباع شعوري، ولا فرعًا من الأخلاق أو الميتافيزيقا، إنما هي علم مستقل يُعنى بدراسة قوانين المعرفة الحسية ومبادئها، وقد أطلق عليها في مقدمة كتابه علم الإدراك الحسي (scientia cognitionis sensitivae)، محددًا بذلك موضوعها وغايتها في الآن معًا. وبالرغم من خروج الإستطيقا عن مجال الميتافيزيقا، فإن باومغارتن يُعرف الإستطيقا من منطلق أنها ميتافيزيقا الجميل (Metaphysik des Schönen)، ما يجعل مسعاها ميتافيزيقيًا في أساسه. كذلك، يؤكد
إرنست كاسيرر {{إرنست كاسيرر: (Ernst Cassirer، 1874-1945) من روّاد مدرسة الكانطية المحدثة بجامعة ماربورغ. معروف بكتاباته وتحليلاته للقيم الثقافية. استكشف في أعماله الفلسفية كيف يبني الإنسان معرفته بالعالم بواسطة استخدام المفاهيم، وكان يعتقد أن الصور والوظائف العقلية للثقافة الإنسانية تكمن وراء جميع مظاهرها. دافع عن فكرة أن المفاهيم موجودة مسبقًا وتنظّم المعرفة وتشكّل الخبرات من خلال أشكال رمزية، مثل الأسطورة واللغة والعلم. من أشهر مؤلفاته
فلسفة الأشكال الرمزية.}} أن الإستطيقا لا تُصبح علمًا إلا في الحالة التي يُحدَّد فيها موقعها في سياق المعرفة الفلسفية[12]. حدد باومغارتن منذ كتابه الأول تأملات فلسفية حول بعض المواضيع المتعلقة بجوهر القصيدة (1735)، الإستطيقا بوصفها علمًا يُعنى بالمعرفة المحسوسة، مميّزًا لها عن المعرفة العقلية، ومُبتدِعًا بذلك مفهومًا جديدًا لعلم لم تعترف الفلسفة به قبلًا إلا في صيغة عملية لا نظرية[13].
والجديد الذي أحدثه باومغارتن، أنه حوَّل الإستطيقا من قواعد عملية إلى علم نظري يُوجّه الفنون نحو منحى غايات مشتركة، مواشجًا في ذلك بين المَنحيَيْن النظري والعملي، بغية بلوغ كمال المعرفة الحسية الذي هو جمالها. وسيُقدّم كتاب
الإستطيقا منذ فقرته الأولى تعريفًا لهذا العلم الجديد: "الإستطيقا [...] هي علم المعرفة الحسية"[14]. وفي الفقرة 17، يعرف باومغارتن المعرفة الحسية بأنها "مجموع التمثلات القابعة تحت حد التمييز المنطقي الصارم"[15]، أو بالأحرى تحت حد التمييز الجوهري، مثلما يرد في النسخة الفرنسية من النص[16]. وهو تعريف موجز لعلم جديد، يريد أن يكون علمًا فلسفيًا متميزًا ومستقلًا بذاته، لا يقلّ شأنًا عن العلوم العقلية والمنطقية، بل هو "علم مماثل للعقل" كما يقول باومغارتن ذاته في الفقرة الأولى من كتابه (النسخة الفرنسية)، و"فن الجمال العقلي" مثلما يرد في النسخة العربية المترجَمة عن الألمانية. "يتصور باومغارتن الإستطيقا باعتبارها علمًا أداتيًا (أي باعتبارها علم نوع معين من المعرفة) شأنها شأن المنطق. ولهذا، فإن المهمة الأكثر استعجالية هي بالنسبة إليه أن يُحدّد لها مبادِئها، وأن يهبها شكلًا منهجيًا، وهو ما لم يتم إنجازه من قبل [قطّ] بالنسبة إليه"[17].
لم تُسعِف المَنيّة باومغارتن، الذي استفحل فيه مرض السلّ، عندما كان بصدد كتابة مؤلَّفه
الإستطيقا، لإتمام ما وعد به منذ الفقرة 13 من هذا الكتاب: "وتتركب الإستطيقا الخاصة بنا، مثل أخيها الأكبر المنطق، مما يلي: القسم الأول: الإستطيقا النظرية: وهي تعلّمنا القواعد العامة. الفصل الأوّل: استدلالات. الفصل الثاني: المنهجية. الفصل الثالث: سيميوطيقا. القسم الثاني: الإستطيقا العملية: وهي تتعامل مع تطبيقات على حالات منفردة"[18]، ولكن لا يُعلَم عنها شيء، فقد مات باومغارتن من دون أن يتمكّن من إنجازها. في هذه الفقرة (13)، يكون المنطق الأخ الأكبر للإستطيقا، ما يفيد نشأته قبلها، وهذا معلوم للجميع الآن. وأن يكون للإستطيقا أخٌ أكبر هو المنطق، هو ما يُفسر علاقة المماثلة التي تجمع بينها وبين العقل. ولأنها مماثلة للعقل، فإنها ستصبح مع كانط في نقده الثالث (نقد ملكة الحكم) الجسر الممتد بين العقل والذوق، بل وأيضًا بين المعقول والمحسوس: "إلا أنه توجد في أسرة ملكات المعرفة العليا أيضًا حلقة وسيطة بين الفهم والعقل، هي ملكة الحكم [...] ذاك أنه قد تُرجَع جميع ملكات النفس أو قدراتها إلى المَلَكات الثلاث، التي لا يمكن اشتقاقها من أساس مشترك أبعد منها، هي: ملكة المعرفة، والشعور باللذة والألم، وملكة الرغبة"[19]. هكذا، تصبح ملكة الحكم الجمالي عند كانط إذًا ملكة عليا من ملكات المعرفة، وتكفّ عن أن تكون "غنوصية دنيا"، وستكفّ بالتأكيد عن أن تكون علمًا للمحسوس، فتصبح علمًا للذوق (علم ملكة الحكم الجمالي بقسمَيْه الطبيعي والفني). ومع هيغل، ستصبح علمًا للفن أو الفنون الجميلة، أو نوعًا من التاريخ الفلسفي للفن. أما بالنسبة لهيوم، فستبلغ إعادة الاعتبار الأنطولوجية للإستطيقا مرتبة تُرشّح بعض الفنون (الشعر) لتكون صالحة إلى الأبد[20].
وهكذا، تنشأ الإستطيقا تحت قلم باومغارتن بوصفها علمًا إحساسيًا، ونمطًا جديدًا من المعرفة يتمثل فيما يُطلِق عليه باومغارتن تسمية "الإبستيمولوجيا الإستطيقية"[21] (Aesthetic Epistemology)، أي نظرية في العلم الجمالي، الذي هو علم إحساسي يهدف إلى كمال معرفي لم يكن يتمتع به في البداية: "يتمثل الخطاب الحسي في رباط أو اتصال بين التمثلات الحسية التي تمتلك نطاقًا معرفيًا، ويكون مثاليًا عندما تنزع عناصره نحو معرفة التمثلات الحسية التي يتضمنها؛ وهذا ما يسميه باومغارتن قصيدة [...] ومن هنا، تعرف القصيدة بأنها نوع من الانسجام الحسي، وبأنها وحدة جُمام من التمثلات الحسية"[22].
تسمح القصيدة بالانتقال بالإستطيقا من علم المعرفة الحسية الغامضة إلى علم المعرفة الحسية الواضحة والمتميزة، فالخطاب الحسي المكتمل هو القصيدة (Poema est oratio sensitiva perfecta)، كما يُقرّ بذلك لايبنتز، وعنه يأخذ باومغارتن ذلك[23]، مثلما يوجد في الفقرة 9 من كتاب
تأملات فلسفية في بعض المسائل المتعلقة بالقصيدة، فالشكل الأكثر كمالًا ومثالية للخطاب الحسي هو الشكل الشعري، لذلك يتميز الشكل الشعري عن غيره من أشكال الخطاب الأخرى بما يتمتع به من كمال، "فالقصيدة في جوهرها تمثل شكلًا من المنطق المحسوس، وبإمكانها أن تكون إذًا موضوع بحث فلسفي [...] فالشعر، بالنسبة إليه، وباعتباره يمثل إلى حد الكمال نوعًا من المعرفة التي تُسمى حسية، هو ضروري للعقول التي تسعى جاهدة للبحث عن أسباب كلّ الأشياء"[24]. لذلك، كان باومغارتن لا يُفوّت على نفسه يومًا من دون أن يُعنى بالأدب عامة، وبالشعر على نحو خاص.
ولما كانت نقطة الانطلاق عند باومغارتن تتمثل في الخطاب، فإن الإستطيقا تبدأ لديه مما هو خطابي، والخطاب هو سلسلة من الكلمات التي تحيل قارِئها إلى تمثّلات مشدودة بعضها إلى بعض، في شكل وحدة متماسكة ومتسقة. هكذا تبدأ إستطيقا باومغارتن، بوصفها العلم الجديد، من فن الخطاب (Rhetoric)، في محاولة إعادة المكانة للخطابة بوصفها فنًا من الفنون الحرة منذ أرسطو (Aristotle، 384-322 ق.م.): فن القدرة على الإقناع. وعلى هذا النحو، سيُصبح الخطاب مثالًا للشعر في اتساقه وتآلفه ووحدته، ولهذا، كان
الخطباء اللاتينيون {{الخطباء اللاتينيون: (Lateinische Redner) رجالات البلاغة والخطابة في روما قديمًا، يرجع إليهم الفضل في صياغة التقاليد الخطابية اللاتينية، ومن أبرزهم شيشرون.}} شديدي الحضور في نصوص باومغارتن، من قبيل
كوينتوس هوراتيوس فلاكّوس {{كوينتوس هوراتيوس فلاكوس: (Quintus Horatius Flaccus، 65-8ق.م.) من أبرز شعراء الرومان في عصر القديس أوغسطين، عُرف عنه الشعر الهجائي والغنائي، وأسهم في ترسيخ القيم الجمالية والأخلاقية في روما.}}، وماركوس توليوس شيشرون {{ماركوس توليوس شيشرون: (Marcus Tullius Cicero، 106-43ق.م.) سياسي وخطيب ومفكر روماني مشهور، عُرف عنه دفاعه عن الجمهورية، وأسهم في تطوير الفكر السياسي ونشر الفلسفة لدى الرومان.}}، وبوبليوس ڤيرجيليوس مارو {{بوبليوس ڤيرجيليوس مارو: (Publius Vergilius Maro، 70-19ق.م.) من أهم شعراء الرومان القُدامى، اشتُهر بملحمة
الإنيادة (Aeneid) التي خلَّدت تاريخ روما العريق.}}، وبوبليوس أوڤيديوس ناسو {{بوبليوس أوڤيديوس ناسو: (Publius Ovidius Naso، 43ق.م.-17م تقريبًا) من شعراء روما المشهورين، من أبرز أعماله
التحولات. عُرِفت عنه أشعار الغزل والأساطير العتيقة.}}. وكان حضورهم في الغالب من أجل شدِّ عود الشعر وتصليبه لتأسيس علم الإستطيقا الجديد، فتناسقُ القصيدة من تناسق الخطاب، وبفضله يتناسق كل أثر فني يكون ذا معنى، "ولأن العالَم قد تصوره باومغارتن كقصيدة هائلة تتجلّى فيها عظمة الخالق، فإن النشاط الشعري بمعناه الواسع يستطيع أن يعبّر بشكل مناسب عن نظام الأشياء المخلوقة"[25]، ولا يمكن لمثل هذا الخطاب المحسوس أن يُدرِك هذه الدرجة العليّة من فهم العالَم، إلا إذا كان قد بلغ تمامه وكماله، وتمامه وكماله لا يكونان إلا في القصيدة.
وعندما تصل المعرفة الحسية إلى مرتبة المعارف الواضحة المتميزة، فإنها تُصبح مماثلة للعقل[26]، وذاك هو المظهر الأول لمماثلة المحسوس للمعقول: "إن الحسي الذي تُعنى به الإستطيقا، ليس أبدًا مجرد مجموعة من المعطيات التي تعرض خلطًا عشوائيًا، فعندما أُدرك على سبيل المثال لوحة ما، أو عندما أتمثل صورة، فإن الأشكال والألوان والعمق والصنعة والأصبغة في ماديتها المرئية، تشكل كلها مجموعًا متجانسًا ذا معنى. فأن نُدرك، هو أن ننظّم وأن نعطي معنًى في كل لحظة. ويرتَّب تأمل المعطيات الحسية المُدرَكة بحسب نظام محدد، وبحسب منطق معين. عندما ندرك حسيًا، نشكل نوعًا من التعقّل بفضل الذاكرة والخيال تحديدًا"[27]. نحن أمام ما سبق أن سُمّي بمنطق المحسوس، وما يمكن تسميته الآن بالتعقل المحسوس الذي تشارك فيه ملكتا الذاكرة والخيال، وهو ما يسميه باومغارتن بالفن المماثل للعقل (Ars analogon rationis).
أما المظهر الثاني لتماثل المحسوس والمعقول، فيتمثل في عدّ العمل الفني أو أي إنتاج عقلاني آخر يتخذ من الجمال خصيصته الأساسية، بمكانة عالم يتمظهر في تماثل مع العالم الذي خلقه الباري. ثمة إذًا نوع من القرابة القوية؛ قرابة تماثلية بين العالم الذي خلقه الله، والعالم الذي أبدعه الفن. ولأنه ما من عمل بشري يمكنه أن يضاهي الخلق الرباني الكامل، فإن الإستطيقا تأتي هنا لتماثل الثيولوجيا، ولهذا سيكون العالم الذي تخلقه عالمًا ممكنًا محتملًا، يخضع لا محالة لقوانين، ويتمتع بحقيقة هي الحقيقة الحسية الثرية المتنوعة، التي تتمظهر بألف شكل وشكل. والحقيقة الجمالية هي تلك التي تكون موضوع المعرفة الحسية[28] التي تتماثل مع المعرفة المنطقية، وهذا ما يُفسر نحت باومغارتن لمفهوم "الحقيقة الجمال-منطقية"[29].
هكذا يجد الباحث نفسه أمام خطاب حسي وغير عقلي وإستطيقي وغير تأملي. ولمَّا كان هذا الخطاب الإستطيقي الشعري حسيًا، وكانت تمثيلاته تمثيلات حسية بدورها، فإنها لا تكون إلا ملتبسة وغامضة، وهو ما يُفسّر استعانته بالخيال والخوارق، والمعجز والاستعارة والأمثولة، والتكهن والاستشعار والحدس والرُّؤى على طريقة الأنبياء: "القدرة على رؤية المستقبل واستباقه. لقد اعتبر القدماء هذه الملكة نوعًا من المعجزة الخارقة، يتمتع بها الذين امتلؤوا بروح الإله، حين وجدوها تظهر في أولئك الناس من أصحاب الفطرة الجميلة بشكل لا يقع للكثيرين. ومن هنا، فإن الشعراء أيضًا فريق من الأنبياء"[30]؛ أي أنبياء لهم قدرة تأثير إستطيقي ملتبس وغامض، ولكنّه التباسٌ عالِمٌ ومحسوبٌ بعناية كبيرة.
كذلك أسس باومغارتن لهذا العلم منظومة مفهومية منهجية، استند فيها إلى العقلانية الليبنتزية (Rationalismus Leibnitianus)، لكنه تجاوزها بإعطاء الحواس والخيال دورًا خالقًا للمعنى، وليس مجرد الوساطة فقط لتلقي البيانات. من هذا المنظور، يتجلى الطابع المنهجي لمشروعه، ليس فقط في قدرته على صياغة مصطلحات جديدة أو تحديد حقل معرفي مستقل، بل في إعادة هيكلة العلاقة بين العقل والحس ضمن أفق إبستيمولوجي جديد، يجعل من الجمالية مجالًا للمعرفة، ومن الإدراك الحسي أداةً لصياغة المعنى وتوليد الفهم الجمالي[31]. وقد تأثر في هذا التصور بالفكر الليبنتزي، ولا سيما فكرة درجات الوضوح في الإدراك (Cognitio Clara)، التي استند إليها ليؤكد أن الإدراك الحسي يمكن أن يبلغ مرتبة من الكمال والتناسق تكسبه طابعًا معرفيًا، وإن كان مختلفًا عن الإدراك العقلي. كذلك استفاد باومغارتن من المنهج العقلاني الوُولفي، فجعل من الإستطيقا علمًا يقوم على مبادئ منهجية، لا مجرد تأملات ذوقية. ومع ذلك، لم يُرِد إخضاع الجمال للعقل، بل أراد إعلاء منزلة الحس، وإثبات استقلاله بوصفه مصدرًا للمعرفة، فالإستطيقا لديه هي عقلنة للحس من دون إلغاء خصوصيته، إذ يُعارض حصر المعرفة فقط في جانب العقل، وينادي بالاعتراف بدور المحسوس في الخبرة الإنسانية. بناءً عليه، وضع باومغارتن الأسس النظرية الأولى لمبحث الإستطيقا، وحدد وظيفتها بوصفها العلم الذي يُعنى بتحسين ملكة الإدراك الحسي، وصقل الذوق وتربية الحواس[32].
تأثيره والنقد الموجَّه له
ترك مشروع باومغارتن في الإستطيقا تأثيرًا واضحًا في الفكر الفلسفي الألماني الحديث والمعاصر، ولا سيما لدى
كانط وهيغل، وإن لم يكن تأثيرًا مباشرًا في بعض الحالات، فقد كان تأسيسيًا من حيث المفهوم والبنية بالنسبة لهذيْن الفيلسوفَيْن الألمانيَّيْن. كما تركت أعماله أيضًا تأثيرًا قويًا على بعض تلاميذه المقرّبين مثل: جورج فريدريش ماير (Georg Friedrich Meier، 1718-1777) الذي طور مشروع الإستطيقا نحو التركيز على البعد الجسدي للتجربة الجمالية. كذلك حاول تبسيط المفاهيم المعقدة الواردة في كتابات باومغارتن، مُخالفًا بذلك أسلوب أستاذه الذي اتسم بالتعقيد والمدرسية، ففي كتابه أسس جميع العلوم الجميلة Anfangsgründe aller schönen Wissenschaften (1748–1750)، وسّع ماير مجال الجمال، فشمل الفنون الجسدية الجميلة (artes corporales pulchrae) كالمبارزة والرقص وركوب الخيل، مؤكدًا دور الجسد في إنتاج الجمال لا في تلقّيه فقط. وقد أسهم هذا التوسيع في بلورة ما بات يُعرَف لاحقًا بالإستطيقا التّجسيدية (Embodied Aesthetics)[33].
كما اعتمد كانط على كتاب
الميتافيزيقا لباومغارتن، بوصفه مصدرًا أساسيًا في محاضراته في الميتافيزيقا والأنثروبولوجيا طيلة عقود، واستعان بمصطلح الإستطيقا كما صاغه باومغارتن، للدلالة على مجال المعرفة الحسية، قبل أن يُعيد توظيفه لاحقًا في كتابه الأساسي
نقد العقل
المحض Kritik der reinen Vernunft (1781)، للإشارة إلى الإدراك الحسي الزماني-المكاني[34].
وفي هامش أول من كتابه
نقد العقل المحض، يتعرض كانط لباومغارتن بمناسبة حديثه عن مصطلح الإستطيقا، في بداية الجزء الأول من الباب الأول من الكتاب الذي كان بعنوان
الإستطيقا الترسندالية (Transzendentale Ästhetik). وهنا، لا يتخلّف كانط عن وصف باومغارتن بأنه محلِّل بارع (ein scharfsinniger Analytiker)، واصفًا الألمان بأنهم وحدهم اليوم من يعتمدون لفظ إستطيقا للتعبير عمّا ينعته الآخرون بـنقد الذوق. ويستعين هذا النعت بالأمل الخائب الذي ارتجاه المحلل الرائع باومغارتن، من تسخير حُكم الجميل لمبادئ عقلانية، ورفع قواعده إلى مستوى العلم. إلا أن ذلك الجهد ذهب هباءً، لأن تلك المعايير من حيث منابعها الأساسية أمبريقية فقط، ولا يمكنها تمامًا أن تُعتمَد بوصفها قوانينَ قبلية متعينة ينبغي وفقًا لها انتظام الحُكم الإستطيقي، وهذا الأخير هو بالأحرى ما يشكل المحكّ الحقيقي لصحة القواعد. لذا، يجدر، إمّا أن تُرفض هذه التسمية ويُحتفَظ بها لذلك التعليم الذي هو علم حق (وبذلك يُقترَب من لغة القدماء وفكرتهم، الذين كان تقسيم المعرفة إلى حسية وعقلية شهيرًا جدًا عندهم)، وإمّا أن نتبع المعنى المعطى لهذه التسمية في الفلسفة التأملية، وأن نعطي للإستطيقا معنًى ترسنداليًا حينًا، ودلالة سيكولوجية في أحيان أخرى[35].
وفي
نقد ملكة الحكم (Kritik der Urteilskraft, 1790)، أعاد كانط صوغ مفهوم الإستطيقا ضمن إطار الأحكام الجمالية، متجاوزًا تصورات باومغارتن، لكنه حافظ على أساسها النظري بوصفها علمًا للحس والذوق[36]. و"يُثمّن كانط ودون شك أيضًا، حقيقة أن باومغارتن قد وضع لنفسه حدودًا ضمنية، منشِئًا هذا الاختصاص الجديد الذي يُسميه إستطيقا: وهي ألّا يُعنى إلا بالأسس الفلسفية، لا بالقواعد التقنية الخاصة بإنتاج الأعمال الفنية، أو بالمعاينات النفسية التي تتعلق بتأثير الجمال في مستوى التلقي عند المُشاهد"[37]. أما هيغل، فقد انطلق في تأسيس فلسفته الإستطيقية من المفهوم الذي صاغه باومغارتن، ولكنه أعاد صياغته ضمن منظومته المثالية، فعدّ الفن تمظهرًا للحقيقة في صورة حسية. استبطن هيغل الطابع المنهجي لفكر باومغارتن، ودمج التجربة الإستطيقية ضمن حركة الروح المطلقة، ما يمنح الأخيرة موقعًا مؤسسًا في تطور الإستطيقا الهيغلية (Hegelsche Ästhetik)، وإن من دون إشارات صريحة أحيانًا[38]. "ولكن بداية من سنوات 1780، ويعود ذلك جزئيًا إلى إملاءات كانط، التي كانت تهدف إلى تقويض الأسس العلمية للمشروع الإستطيقي، تراجع الاهتمام بالإستطيقا بسرعة، فعلى سبيل المثال، لم يُشر
فريدريش شيلينغ (Friedrich Wilhelm Josef von Schelling، 1775-1854) إلى مشروع باومغارتن في كتابه
فلسفة الفن (Philosophie der Kunst, 1859)، إلا لتجنب أي خلط محتمل بين فلسفة الفن والإستطيقا؛ كما يندّد هيغل بالطابع غير الملائم لمصطلح إستطيقا لتفسير العلم الجديد لفلسفة الفن، ويذكرُ أنه "قد تم ابتكار هذا المصطلح داخل المدرسة الوولفية (Die Wolffsche Schule)، في وقت كان يتم النظر فيه للأثر الفني في علاقة بالأحاسيس [...] وسيكون علينا أن ننتظر النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حتى تقوم دراسات صارمة بالتوازي مع تطور الإستطيقا الفلسفية الجامعية، بتسليط الضوء على أهمية فكر باومغارتن"[39].
المراجع
العربية
باومغارتن، ألكسندر غوتليب.
الإستطيقا: الفصول التأسيسية. ترجمة كريم الصياد. الرياض: دار معنى للنّشر والتوزيع، 2023.
جيمينيز، مارك.
ما الجمالية؟ ترجمة شربل داغر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.
العدراوي، إبراهيم. "ألكسندر غوتيليب باومغارتن: مؤسس علم الجمال".
مركز دراسات الوحدة العربية. 28/11/2023. في:
https://acr.ps/1L9BPAF
عويضة، كامل محمد محمد.
ديكارت: رائد الفلسفة في العصر الحديث. بيروت: دار الكتب العلمية، 1999.
كانط، عمانوئيل.
نقد العقل المحض. ترجمة وتقديم موسى وهبة. بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.].
________.
نقد ملكة الحكم. ترجمة غانم هنا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005.
المسكيني، أم الزين بنشيخة.
كانط والحداثة الدينية. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2024.
مينار، محمد. "الأسس المعرفية للإستطيقا عند بومغارتن".
مجلة المعيار. مج 27، العدد 5 (2023). ص 335-342.
الأجنبية
“Alexander Gottlieb Baumgarten.” Prabook. at:
https://acr.ps/1L9BOXv
Baumgarten, Alexander Gottlieb & Jean-Yves Pranchère (eds.). Esthétique, précédée des Méditations philosophiques sur quelques sujets se rapportant à l’essence du poème. Jean-Yves Pranchère (trans.). Paris: L’Herne, 1988.
________.
Esthétique. Jean-Yves Pranchère (trans.). Paris: Éditions de L’Herne, 1988.
Bouchat, Gilda. “Métaphysique de l’Art et esthétique du goût: Une relecture dialogique d’Alexander Gottlieb Baumgarten.” Thèse de doctorat. Université Paris-Sorbonne. Paris. 2011.
Cassirer, Ernst.
Philosophie des Lumières. Pierre Quillet (trans.). Paris: Fayard, 1966.
Dumouchel, Daniel. “A. G. Baumgarten et la naissance du discours esthétique.”
Dialogue: Canadian Philosophical Review. vol. 30, no. 4 (1991).
Gregor, Mary. “Baumgarten's Aesthetica.”
The Review of Metaphysics. vol. 37, no. 2 (1983). pp. 357-385.
Grondin, Jean. “Baumgarten, Alexander Gottlieb, Esthétique, présenté et traduit du latin par Jean-Yves Pranchère, Paris, Éditions de L’Herne, 1988.”
Laval théologique et philosophique. vol. 45, no. 1 (1989). pp. 139-143.
Guyer, Paul.
Kant and the Claims of Taste. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
Harries, Karsten.
Hegel’s Introduction to Aesthetics. T. M. Knox (trans.). Chicago: University of Chicago Press, 1977.
Hume, David. & Jean-Pierre Cléro (eds.).
Dissertation sur les passions. Traité de la nature humaine, Livre 2. Jean-Pierre Cléro (trans.). Paris: GF Flammarion, 1991.
Morel, Charlotte (ed.).
Esthétique et logique. Villeneuve d’Ascq: Presses universitaires du Septentrion, 2012.
Nannini, Alessandro. “Somaesthetics in Baumgarten? The Founding of Aesthetics and the Body.”
Estetika:The European Journal of Aesthetics. vol. 59, no. 2 (2022). pp. 103-118.
Parret, Herman (ed.).
La main et la matière: jalons d’une haptologie de l’œuvre d’art. Paris: Vrin, 2017.
________. “De Baumgarten à Kant: sur la beauté.”
Revue Philosophique de Louvain. vol. 90, no. 87 (1992). p. 321.
Pelletier, Arnaud. “Monades sans monadologie? La Métaphysique de Baumgarten face à l’exposé monadologique de Leibniz.”
Studia Leibnitiana. vol. 45, no. 2 (2013). pp. 209-227.
Solomon, Robert. “18th Century German Aesthetics.”
Stanford Encyclopedia of Philosophy. 13/07/2020. at:
https://acr.ps/1L9BP8R
[1] “Alexander Gottlieb Baumgarten,” Prabook, accessed on 3/9/2025, at:
https://acr.ps/1L9BOXv
[2] Arnaud Pelletier, “Monades sans monadologie? La Métaphysique de Baumgarten face à l’exposé monadologique de Leibniz,”
Studia Leibnitiana, vol. 45, no. 2 (2013), pp. 209-227.
[3] إبراهيم العدراوي، "ألكسندر غوتيليب باومغارتن: مؤسس علم الجمال"،
مركز دراسات الوحدة العربية، 28/11/2023، شوهد في 3/9/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPAF
[4] محمد مينار، "الأسس المعرفية للإستطيقا عند بومغارتن"،
مجلة المعيار، مج 27، العدد 5 (2023)، ص 338.
[5] Alexander Gottlieb Baumgarten,
Esthétique, Jean-Yves Pranchère (trans.) (Paris: Éditions de L’Herne, 1988), pp. 75-76.
[6] Herman Parret, “De Baumgarten à Kant: sur la beauté,”
Revue Philosophique de Louvain, vol. 90, no. 87 (1992), p. 321.
[7] أم الزين بنشيخة المسكيني،
كانط والحداثة الدينية (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2024)، ص 122.
[8] مارك جيمينيز،
ما الجمالية؟ ترجمة شربل داغر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 19.
[9] Daniel Dumouchel, “A. G. Baumgarten et la naissance du discours esthétique,”
Dialogue: Canadian Philosophical Review, vol. 30, no. 4 (1991), pp. 479-480.
[10] Ibid., p. 482.
[11] كامل محمد محمد عويضة،
ديكارت: رائد الفلسفة في العصر الحديث (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، ص 102.
[12] Ernst Cassirer,
Philosophie des Lumières, Pierre Quillet (trans.) (Paris: Fayard, 1966), p. 329.
[13] Alexander Gottlieb Baumgarten, “Cours sur l’esthétique §1,” in: Alexander Gottlieb Baumgarten & Jean-Yves Pranchère (eds.),
Esthétique, précédée des Méditations philosophiques sur quelques sujets se rapportant à l’essence du poème, Jean-Yves Pranchère (trans.) (Paris: L’Herne, 1988), p. 247.
[14] ألكسندر غوتليب باومغارتن،
الإستطيقا: الفصول التأسيسية، ترجمة كريم الصياد (الرياض: دار معنى للنّشر والتوزيع، 2023)، ص 7.
[15] المرجع نفسه، ص 16.
[16] Baumgarten,
Esthétique, p. 79.
[17] Dumouchel, p. 500.
[18] باومغارتن، ص 12.
[19] إمانويل كنت،
نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم هنا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص 74-75.
[20] حقيقٌ الاعتراف بأن المعارف النظرية والفلسفية تتغاير وتفقد مصداقيتها عبر الأزمنة، في حين أن أثر الجماليات البلاغية والشعرية يظل راسخًا ومقبولًا بصورة دائمة. يُنظر:
David Hume, “Traité de la nature humaine, Livre 2,” in: David Hume & Jean-Pierre Cléro (eds.),
Dissertation sur les passions. Traité de la nature humaine, Livre 2, Jean-Pierre Cléro (trans.) (Paris: GF Flammarion, 1991), p. 142.
[21] Charlotte Morel, “Introduction,” in: Charlotte Morel (ed.),
Esthétique et logique (Villeneuve d’Ascq: Presses universitaires du Septentrion, 2012), pp. 17-24.
[22] Dumouchel, p. 476.
[23] Parret, “De Baumgarten à Kant,” p. 330.
[24] Gilda Bouchat, “Métaphysique de l’Art et esthétique du goût: Une relecture dialogique d’Alexander Gottlieb Baumgarten,” Thèse de doctorat, Université Paris-Sorbonne, Paris, 2011, pp. 74-75.
[25] Ibid., pp. 79-80.
[26] "إن الفهم والعقل، وبفضل الضرورة الخلقية، يحدوان كل تفكير جميل، ولكن ذلك ليس بمستطاع من دون قواعد التفكير الجمالي، بما هو واضح ومتميز". يُنظر: باومغارتن، ص 42.
[27] Bouchat, p. 120.
[28] باومغارتن، ص 46.
[29] المرجع نفسه، ص 49-50.
[30] المرجع نفسه، ص 24.
[31] Mary Gregor, “Baumgarten's Aesthetica,”
The Review of Metaphysics, vol. 37, no. 2 (1983), pp. 357-360.
[32] Jean Grondin, “Baumgarten, Alexander Gottlieb, Esthétique, présenté et traduit du latin par Jean-Yves Pranchère, Paris, Éditions de L’Herne, 1988,”
Laval théologique et philosophique, vol. 45, no. 1 (1989), pp. 139-143.
[33] Alessandro Nannini, “Somaesthetics in Baumgarten? The Founding of Aesthetics and the Body,” Estetika:The European Journal of Aesthetics, vol. 59, no. 2 (2022), pp. 103-118.
[34] Robert Solomon, “18th Century German Aesthetics,”
Stanford Encyclopedia of Philosophy, 13/07/2020, accessed on 3/9/2025, at:
https://acr.ps/1L9BP8R
[35] عمانوئيل كانط،
نقد العقل المحض، ترجمة وتقديم موسى وهبة (بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.])، ص 60.
[36] Paul Guyer,
Kant and the Claims of Taste (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), pp. 15-17.
[37] Parret, “De Baumgarten à Kant,” p. 320; Herman Parret, “Baumgarten et son maître,” in: Herman Parret (ed.),
La main et la matière: jalons d’une haptologie de l’œuvre d’art (Paris: Vrin, 2017), pp. 340-342.
[38] Karsten Harries,
Hegel’s Introduction to Aesthetics, T. M. Knox (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 1977), p. 6.
[39] Dumouchel, p. 492.