اتفاقية أديس أبابا هي اتفاقية وقَّعت عليها حكومة جمهورية السودان وحركة تحرير جنوب السودان، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 27 شباط/ فبراير 1972، لإنهاء الحرب الأهلية التي استمرت سبعة عشر عامًا (1955-1972) بين شمال السودان وجنوبه.
في عام 1983، أعلن الرئيس جعفر نميري (1969-1985) إلغاء الاتفاقية، وتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، فاندلعت الحرب الأهلية الثانية في جنوب السودان، واستمرت اثنين وعشرين عامًا (1983-2005).
الطريق إلى الاتفاقية
بعد انقلاب 25 أيار/ مايو 1969، أصدر الرئيس جعفر محمد نميري (1969-1985) بيانًا في 9 حزيران/ يونيو 1969، مؤكدًا التباين الثقافي والاجتماعي والديني والتنموي بين الشمال والجنوب، ومحملًا الاستعمار الإنكليزي-المصري (1898-1956) والحكومات الوطنية المتعاقبة، مسؤولية عدم تكافؤ فرص التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين شطري القطر الواحد. وبناءً على ذلك، أقرَّ البيان ضرورة إنشاء حكم ذاتي إقليمي في الجنوب في إطار دولة السودان الموحدة، والعفو العام عن المتمردين الجنوبيين، ووضع برنامج اقتصادي اجتماعي ثقافي لتطوير جنوب السودان، وتعيين وزير لشؤون الجنوب[1].
بعد عام من هذا الإعلان، بادر مجلس الكنائس العالمي بالتوسط بين حكومة السودان وحركة تحرير جنوب السودان لوضع حدٍ للحرب الأهلية وتسوية مشكلة الجنوب، وبدأت اللقاءات والمشاورات السرية بمبادرة من مؤتمر كنائس عموم أفريقيا في لندن، إذ حضر ممثلون من حكومة السودان وحركة تحرير جنوب السودان، وذلك بعد القضاء على حركة 19 تموز/ يوليو 1971 الانقلابية في الخرطوم[2].
اللقاء التحضيري
في تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، اجتمع في أديس أبابا ممثلو مؤتمر كنائس عموم أفريقيا، ومجلس الكنائس العالمي، وحكومة جمهورية السودان وحركة تحرير جنوب السودان في لقاء تحضيري "لاكتشاف مواقف الطرفين، والتعبير عن رغبتهما المتبادلة في تحقيق السلام". ترأس وفد الحكومة السودانية في ذلك اللقاء أبيل ألير (Abel Alier) نائب رئيس الجمهورية ووزير شؤون الجنوب. وضم الوفد منصور خالد وزير الخارجية، واللواء الباقر أحمد وزير الداخلية، وجعفر محمد علي بخيت وزير الحكومات المحلية، وعبد الرحمن عبد الله وزير الخدمة والاصلاح الإداري، والعميد ميرغني سليمان خليل، والعقيد كمال أبشر. وترأس وفد حركة تحرير جنوب السودان أزبوني منديري قوانزا (Ezboni Mondiri Gwanza) وزير المواصلات السابق في حكومة تشرين الأول/ أكتوبر 1964، وتكون أعضاء الوفد المرافق له من مادينق دي قرنق (John Garang de Mabior، 1945-2005)، ولورنس وول، وأوليفر البينو نتالي، وأنجلو موقا مرجان، وبول بيوت، وجوب أديير دي جول. وحضر بوصفهم مرافقين وشهودًا على جلسات المفاوضات بين الطرفين كل من: نبيولول كفلي، ممثلًا للإمبراطور هيلاسلاسي (Haile Selassie، 1892-1975)، وليوبولد نيليوس (أميركا اللاتينية)، وكودو أنكرا (غانا) ممثلين لمجلس الكنائس العالمي، وبيرجس كارا (ليبيريا)، ممثلًا للأمين العام لمجلس كنائس عموم أفريقيا، وصاموييل بووقو ممثلًا لمجلس كنائس السودان. كذلك حضر المفاوضات سير دنقل فوت، الخبير القانوني البريطاني، بصفته مستشارًا قانونيًا لوفد حركة تحرير جنوب السودان. واتفق الطرفان على أن يكون بيرجس كارا سكرتير مجلس كنائس أفريقيا رئيسًا وسيطًا لجلسات المفاوضات[3].
المفاوضات المباشرة وبنود الاتفاقية الرئيسة
بعد هذا اللقاء التحضيري، بدأت المفاوضات المباشرة في 20 كانون الثاني/ يناير 1972 بمدينة أديس أبابا، تحت رعاية هيلاسلاسي الأول، إمبراطور إثيوبيا (1930-1974). وبعد سلسلة من الجلسات التفاوضية والمباشرة، توصَّل الطرفان إلى اتفاقية أديس أبابا، التي وُقِّع عليها في 27 شباط/ فبراير 1972، وتكونت من ثلاث وثائق رئيسة، تشمل مشروع قانون أساسي لتنظيم الحكم الذاتي الإقليمي في مديريات السودان الجنوبية، وتدابير وقف إطلاق النار، وإجراءات الفترة الانتقالية.
وفي 3 أيار/ مارس 1972، أصدر الرئيس جعفر نميري أمرًا جمهوريًا بإصدار قانون الحكم الذاتي للمديريات الجنوبية لسنة 1972، ويتكون القانون من 34 مادة، وتناول القانون القضايا الرئيسة الآتية:
- حدد المديريات الجنوبية "بمديرية بحر الغزال والمديرية الاستوائية ومديرية أعالي النيل، بحدودها التي كانت قائمة في اليوم الأول من يناير سنة 1956، وأية مناطق أخرى كانت جغرافيًا وثقافيًا جزاءً من الكيان الجنوبي حسبما يقرر بموجب استفتاء".
- "وضع المديريات الجنوبية الثلاث المشار إليها في الفقرة أعلاه في إقليم واحد، يُحكم حكمًا ذاتيًا إقليميًا في نطاق جمهورية السودان الديمقراطية، ويُعرف بإقليم جنوب السودان، وعاصمته جوبا".
- نص على أن "اللغة الرسمية للسودان هي اللغة العربية، وتعتبر اللغة الإنكليزية لغة رئيسية لإقليم جنوب السودان، وذلك مع عدم المساس باستعمال أية لغة أو لغات أخرى قد تخدم عملية، أو تساعد على أداء المهام التنفيذية والإدارية للإقليم بطريقة فعالة وعاجلة".
- كفل لكافة المواطنين المقيمين بإقليم جنوب السودان الفرصة المتكافئة في التعليم والتوظيف والتجارة، ومباشرة أي مهنة مشروعة من دون تمييز بسبب العنصر، أو الأصل القبلي، أو الدين، أو مكان الميلاد، أو الجنس، إلى جانب حرية التنقل في داخل إقليم جنوب السودان وخارجه، إلا لأسباب تتعلق بالصحة العامة أو النظام العام.
- نص على "احترام الأديان جميعًا بما في ذلك الأديان الأفريقية التقليدية، وعدم إضفاء أي صفة دينية على الدولة".
- أكد "الاعتراف بالخصائص الثقافية لأهل الجنوب، بما في ذلك حقهم في تطوير ثقافتهم وفنونهم المحلية".
- حدد مهمات الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية، وتنظيم العلاقة بين المجلس التنفيذي العالي لجنوب السودان والوزارات المركزية، والإرادات والمصرفات المالية لإقليم الجنوب، والمسائل التي لا تخضع للاختصاص التشريعي والتنفيذي لإقليم جنوب السودان.
- نصت المادة (34) من القانون على عدم جواز تعديل "القانون إلا بأغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب، وموافقة أغلبية ثلثي مواطني إقليم جنوب السودان، في استفتاء عام يجري في الإقليم".[4]
وإلى جانب قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية شمل الاتفاق الملحق (أ): عن "الحقوق والحريات الأساسية"، الذي نص على أن "للمواطنين كافة، حقوق وواجبات متساوية أمام القانون، بدون تمييز قائم على أساس الأصل القومي والميلادي، واللغة، والوضع الاجتماعي أو الاقتصادي"، كما أقر بحرياتهم الشخصية وحرياتهم في الدين والعبادة؛ والملحق (ب) الذي أوضح بنود الدخل والمنح المقدمة من الحكومة المركزية للإقليم الجنوبي، والضرائب والرسوم، ونسب توزيعها بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم الجنوبي، وشمل الاتفاق إجراءات وقف إطلاق النار في جنوب السودان، وبرتوكولات التنظيمات الإدارية المؤقتة، وتشكيل القوات المسلحة في الجنوب، وإعادة دمج بعضها في القوات المركزية، والعفو العام عن المتمردين، وإعادة توطين الذين نزحوا داخل السودان أو لجؤوا إلى دول الجوار[5].
المراجع
الحسن، أحمد المبارك محمد. "اتفاقيات السلام السودانية، أديس أبابا- الخرطوم للسلام: دراسة مقارنة". رسالة ماجستير. كلية التجارة. جامعة النيلين. الخرطوم. 2002.
خالد، منصور. السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام: قصة بلدين. ط 2. الخرطوم: دار مدارك للطباعة والنشر، 2008.
طه، فيصل عبد الرحمن علي. مسألة جنوب السودان في سياق تاريخ (1899-1986). أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2012.
[1] فيصل عبد الرحمن علي طه، مسألة جنوب السودان في سياق تاريخ (1899-1986) (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2012)، ص 105.
[2]منصور خالد، السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام: قصة بلدين، ط 2 (الخرطوم: دار مدارك للطباعة والنشر، 2008)، ص 323.
[3] المرجع نفسه، 325.
[4] لمزيد من التفصيل عن "قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 (قانون رقم 4 لسنة 1972)، ينظر: طه. مسألة جنوب السودان، ص 151-158.
[5] لمزيد من التفصيل عن الملحقين أ وب، ينظر: أحمد المبارك محمد الحسن، "اتفاقيات السلام السودانية، أديس أبابا- الخرطوم للسلام: دراسة مقارنة"، رسالة ماجستير، جامعة النيلين، الخرطوم، 2002، ملاحق، ص 6-12.