أبو عبد الله محمد بن إسحاق (كان حيًّا عام 220هـ/ 835م)، رحالة وتاجر وُلد في بغداد (تخمينًا)، وضع مصنفًا جغرافيًّا وصفيًّا عن الهند الكبرى، شكّل مصدرًا للجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين لقرون عدة لاحقة. امتاز أسلوبه بدقة الملاحظات وسعتها، والإيجاز غير المخل، فهو لا يكتفي بإحصاء الجزر وأوصافها الجغرافية ومناخها، بل يتبع ذلك بالحديث عن العادات الاجتماعية، والمعتقدات الدينية، ونظم الحكم، وأنواع البضائع وطرق التجارة، الأمر الذي لفت أنظار الدارسين المعاصرين إليه، وعدوه في طليعة المصادر التي كوّنت وعي العرب والمسلمين في الهند وجزر المحيط الهندي قرونًا طويلة.
حياته
لا يذكر الجغرافي أحمد بن عمر بن رستة (ت. نحو 300هـ/ 912م) عن أبي عبد الله محمد بن إسحاق شيئًا سوى اسمه الثلاثي، ولكنه ينسب إليه بكل أمانة النص الطويل الذي كتبه عن الهند في مصنفه الأعلاق النفيسة ، وهو ما لا يفعله الجغرافي عبيد الله بن عبد الله بن خُرْدَاذُبه (205-300هـ/ 820-912م)، إذ ينقل عن ابن إسحاق اقتباسات واسعة دون أدنى إشارة إليه (الصورة 1).. وكذلك يفعل المؤلف الفارسي شرف الزمان طاهر المروزي (كان حيًا عام 518هـ/ 1124م) في كتابه طبائع الحيوان. ويذهب المستشرق الروسي فاسيلي بارتولد (Vasily Bartold، 1869-1930)، إلى أن ابن إسحاق هو المصدر الأساس عن الهند، لا بالنسبة لابن رستة وحده، بل أيضًا بالنسبة لابن خرداذبه وغيره من الجغرافيين العرب[1] (الصورة 2).
غلاف كتاب الأعلاق النفيسة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كتاب طبائع الزمان، من مقتنيات مكتبة قطر الوطنية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما المعلومات عن شخص ابن إسحاق، فيمكن استقاؤها من نصه، من قبيل أنه تبايع مع عدد من ملوك الهند، ومنهم ملك قُمار {{قُمار: هو الاسم القديم الذي استخدمه العرب للإشارة إلى كمبوديا، خاصة خلال العصر العباسي، وكانت تُعرف بإمبراطورية الخمير التي اشتهرت بثقافتها ومعابدها مثل أنغكور وات.}} (Khmer، كمبوديا حاليًا)، وهذا يفسر تفصيله في أنواع البضائع، التي كان يتاجر بها تجار العرب مع ملوك تلك البلاد وحكامها، وطرق البيع، والعملات المستخدمة، مما لا يوجد عند غيره. ويمكن ترجيح أن يكون ابن إسحاق بغداديًّا، بسبب مقارنته بين نهر السند {{نهر السند: ينبع من هضبة التبت ويجري عبر الهند ثم باكستان، ويُعدّ أطول نهر في باكستان، كان مركزًا لحضارة وادي السند القديمة، ويُستخدم اليوم في الري والزراعة، مما يجعله شريانًا حيويًّا للمنطقة.}} ونهر دجلة {{نهر دجلة: يبدأ من جبال طوروس في تركيا ويمر عبر سورية ثم العراق، ويمر في مدينة بغداد؛ ويشكّل مع نهر الفرات شط العرب، كان له دور تاريخي في نشوء حضارات بلاد الرافدين، وما يزال مصدرًا مهمًا للمياه والزراعة في العراق.}} من حيث الكبر والسعة، وتلميحات ابن رستة بأنه خالطه وأخذ عنه بعض معلوماته شفاهيًّا.
جغرافية الهند
يبسط ابن رستة المعطيات الجغرافية التي يقتبسها عن ابن إسحاق في أبواب متفرقة، يذكر فيها أن بلاد الهند تتوزع على ثلاثة من أقاليم العالم، هي الأول والثاني والثالث[2]، ويصف نهريها العظيمَيْن: نهر كَنْك {{نهر كنك: (أو الغانج) هو نهر مقدّس في الهند ينبع من الهيمالايا ويصب في خليج البنغال. يُعدّ رمزًا دينيًّا للهندوس ومصدرًا مهمًا للمياه والزراعة.}} الذي يخرج من جبال فوق كشمير، ويجري إلى ناحية الجنوب حتى ينصب في البحر الهندي؛ ونهر مهران {{نهر مهران: يقع جنوب إيران، ينبع من جبال فارس ويمر بعدة قرى قبل أن يصب في الخليج العربي. يُعدّ مصدرًا مهمًا للمياه في منطقة كوخرد ومحيطها.}}، نهر السند، الذي يخرج من جبال شقنان ويصير إلى البحر، بحسب تعبيره[3]. ويحصي جزر المحيط الهندي العامرة وغير العامرة، بـ 1370 جزيرة[4]، ويتحدث عن الأمطار الموسمية ومواعيدها في أكثر من مكان[5].
الجزر وبلاد المهراج
يسترسل ابن إسحاق في الحديث عن جزر الهند، ويسميها بلاد المهراج {{بلاد المهراج: تشير إلى الممالك الهندية القديمة التي حكمها ملوك يُعرفون بـ"المهراجا"، وتعني "الملك العظيم". استخدم المسلمون هذا المصطلح لوصف مناطق مثل الهند وجاوة، التي تأثرت بالحضارة الهندوسية وكانت غنية ثقافيًّا وتجاريًّا، خاصة خلال العصر العباسي.}}، وهي بلاد بحرية واسعة جدًا تشمل من جملة ما تشمل: إندونيسيا الحالية، وماليزيا، وبروناي، والفلبين، ويصف جزيرة ضخمة في أقصى الهند من ناحية المشرق يسميها طبروباني، هي جزيرة بورنيو (Borneo) ذات الأمطار الصيفية، ويصف استدارتها بثلاثة آلاف ميل، وأن فيها جبالًا عظامًا وأنهارًا كثيرة، وحولها تسع عشرة جزيرة عامرة[6].
ويقول إن الملك الكبير عندهم يقال له المهراج (بالسنسكريتية Maharajah: الملك العظيم)، ويؤكد أنه لم ير ملكًا أقوى وأكثر دخلًا منه، ثم يحدثنا عن مصارعة الديوك في هذه الجزر، التي يسميها قمار الديوك، إذ يبلغ دخل الملك من هذه المصارعة في كل يوم خمسين منًّا ذهبًا. ويقول: "ذلك إنْ عاقرَ ديك مع ديك غيره له أخذ الديك الغالب، فيفتديه صاحبه بمثقال ذهب أو أقل أو أكثر، وهذا في مملكته كثير"[7].
ويصف ابن إسحاق طرق التقاضي والتخاصم في جزر بلاد المهراج، ومعظمها قضايا تتعلق بالدَّين، أو الزنا بالمحصنة، أو السرقة، ويفصل في أنواع العقوبات التي تبدأ بالغرامة، وتنتهي بالقتل أو البيع في سوق الرقيق، ويذكر من جملة أحكامهم أن من ذبح بقرة ذُبح بها[8].
ممالك الداخل والملتان
في حديثه عن شمالي الهند، يخبرنا بأسماء ملوك عدد من الممالك المستقلة، ولو أنه يشير إلى وجود ملك أكبر يسمى بلهرا، هو بحسب قوله ملك الملوك. ويمتدح عدل ملك يقال له الجرز، ويقول: لو طرح الذهب في وسط الطريق ما خافوا عليه أحدًا يأخذه من عدله. ويتحدث عن سعة بلاده وحسن تعامله مع التجار العرب، وأنهم يتعاملون معه بقطع الذهب والدراهم الطاطرى (باليونانية: Tetrádrakhmon). وهذا أمر غريب، لأن التعامل بهذه العملة توقف في العالم منذ القرن الأول الميلادي. ويقول إن الملك الجرز يقاتل بلهرا وملك الطافن (هضبة الدكن) ونجابة (البنجاب)[9].
ينتقل ابن إسحاق للحديث عن بلاد الملتان، وهي بلاد واسعة كانت تشمل مناطق واسعة من باكستان الحالية وأفغانستان وإيران، ويقول إن ملوكها من العرب، يزعمون أنهم من ولد سامة بن لؤي، يقال لهم بنو منبّه، وهم الملوك على الهند فيها، ويدعون لأمير المؤمنين[10].
لا يفوّت ابن إسحاق الحديث عن القدرات العسكرية لملوك الهند، فهو يحدد أن ملك الصيلمان هو الأقوى والأكبر قدرًا والأكثر جيشًا بين ملوك الهند الأقوياء، ويشير إلى أن عدد جيشه يبلغ نحو سبعين ألف جندي. ويحدثنا عن الفيلة المقاتلة في جيش هذا الملك، إذ يقول: "له فيلة قليلة، إلا أن الهند يقولون إن فيلة الصيلمان أجرأ على القتال من جميع فيلة أهل الهند، ورأيت له فيلًا يقال له النمران، ما رأيت لأحد من الملوك ببلاد الهند فيلًا مثله، أبيض [الوجه] منقّطًا بسواد، ولا أجرأ على القتال والدماء منه". وقد روى عن أساليب تدريب فيلة القتال واختبارها عند ذلك الملك[11].
تمثال بوذا
يستطرد ابن إسحاق في وصف تمثال عملاق لبوذا {{بوذا: هو سيدهارتا غوتاما، أمير هندي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، ترك حياة الرفاهية بحثًا عن الحقيقة، وبلغ الاستنارة بعد سنوات من التأمل، يُعدّ مؤسس الديانة البوذية، التي تقوم على تعاليمه في التحرر من المعاناة عبر التأمل، وضبط النفس، والسلوك الأخلاقي. البوذية لا تركز على عبادة إله، بل على تحقيق النيرفانا، وهي حالة السلام الداخلي والتنوير التي بلغها بوذا.}} يسميه البدّ، له أربعة وجوه، والطقوس التي تدور حوله، ويقول إن طوله يبلغ أكثر من عشرين ذراعًا (نحو تسعة أمتار)، ويضيف أن الهند يقولون إن هذا الصنم نزل من السماء، وأُمروا بعبادته. ويتحدث عن السدنة الذين يقومون عليه. ويقول إن الهند كلها تحجّ إليه من مسيرة سنة وأكثر، ويحلقون رؤوسهم عنده، ويطوفون سبعًا على اليسار تقربًا إليه وتضرعًا، ويتمرغون بين يديه ويخشعون، وله أربعة أوجه، حيثما دار استقبله وجهه[12].
ويأخذ الحديث عن الطقوس البوذية صفحات واسعة من نص ابن إسحاق، وهو ما يؤكد الدور المحوري للدين في حياة هنود تلك الأعصر، كذلك فإنه يشير إلى كثافة وجود الرهبان البوذيين في قمار، إذ يحصي مئة ألف راهب، الأمر الذي جعله يرجح أن أصل البوذية من هذا البلد[13].
ومع كل ما ذكر سابقًا عن الهند من خلال نص محمد بن إسحاق، فإنه يحتاج إلى تحقيق علمي يضعه في موقعه الصحيح، بوصفه مصدرًا أساسيًّا من مصادر الجغرافية العربية فيما يتعلق بالهند، فكثير من أسماء الأقاليم الواردة فيه لم تحقق، ويُكاد لا يُعثَر على نص عربي أو إسلامي يتعلق بهذا الحيز من العالم القديم لا يستعين بمعلومة مأخوذة منه. ومن المؤكد أن مثل هذا التحقيق، يمكن أن يساعد في فهم التوسع العربي الثقافي والتجاري في المحيط الهندي، وإعادته إلى مراحل مبكرة أكثر مما هو معروف اليوم.
المراجع
العربية
ابن رستة، أبو علي أحمد بن عمر. الأعلاق النفيسة. ليدن: مطبعة بريا، 1893.
الأجنبية
Minorsky, V. & V. V. Barthold. HUDUD al-'ALAM, ‘The Regions of the world’ A Persian Geography 372 A.H.—982 A.D. London: Luzac & Company, Ltd, 1937.
[1] V. Minorsky & V. V. Barthold, HUDUD al-'ALAM, ‘The Regions of the world’ A Persian Geography 372 A.H.—982 A.D. (London: Luzac & Company Ltd., 1937), pp. 26-27.
[2] أبو علي أحمد بن عمر بن رستة، الأعلاق النفيسة (ليدن: مطبعة بريا، 1893)، ص 96-97.
[3] المرجع نفسه، ص 89.
[4] المرجع نفسه، ص 84.
[5] المرجع نفسه، ص 88.
[6] المرجع نفسه، ص 84.
[7] المرجع نفسه، ص 136-137.
[8] المرجع نفسه، ص 137-138.
[9] المرجع نفسه، ص 134-135.
[10] المرجع نفسه، ص 135-136.
[11] المرجع نفسه، ص 134-135.
[12] المرجع نفسه، ص 136-137.
[13] المرجع نفسه، ص 133.